المشاركات الشائعة

السبت، 13 أبريل 2019

فلم الصمت



"سيظهر هذا الفيلم العذاب بين الجسم والروح حين يكون الله غائبا". بيرجمان.  



دائما نجد بعضا يميز بين الفنون ويفاضل بينها أو بعبارة أخرى يفترضون أن بعض الفنون ليست ذات منفعة أكيدة،كثيرون يسألونني باستخفاف مستفز ما الفائدة من مشاهدة الأفلام أو قراءة الكتب أو الإستماع للموسيقى أو توصيفمركز للوحة فنية،  أحيانا أجيبهم إجابة الشخص المولود بالدهشة أجيب بصدق وأثمن كل ما تمنحه هذه الفنون منإفادة وقد أستطرد موضحة ما قد تضمنه من حياة توازي حيواتنا وأحيانا أكتم السؤال الحقيقي والذي  من المفترض أنيطرح بالمقابل، ما الفائدة من إجابة سؤال كهذا؟

نحن نخشى أن نخرج من ذواتنا بل نخشى أن نفهم هذه الذات واحتياجاتها الفعلية، نربكها في رغبات سطحية لنتجاوزرغباتها الصادق، نعيش في ازدواجية ذاتية تحرمنا من النظر بعمق لأقصى زوايا شخصياتنا فنفضل بالتالي العتمة والكذب، نحن كاذبون جدا فيما يخص رؤيتنا لأنفسنا وهذا ينعكس على رؤيتنا للآخر ورغبتنا في معرفة الآخر، كاذبونجدا في الحدود التي تفصلنا عنه والتي ندعي بصفاقة أننا نعمل بجهد وبشكل يومي على تجاوزها والاقتراب منه، كلمحاولاتنا الكلامية في فهم الآخر ليست سوى مواجهة مع الذات وصدامات داخلية، الآخر هو نحن الآخر هو أنا الآخرليس سوى مرآة متى دققنا فيها أكثر نكتشف ذواتنا أكثر وأكثر لهذا نتفادى المرايا واللغة ضمن هذه المتاهة ليست سوىوسيلة مبتذلة لوصف هذه المعركة حين تلتقي الذوات محاولة تجاهل الفردانية.

إن الفنون ليست إذن سوى إنعكاس لمرآة من تلك المرايا الكاشفة للذات، لكن بشكل أكثر خصوصية أو بمعنى آخر أكثرسرية وأكثر إنكفاء على الذات فالآخر هنا قد يكون جمادا منتهيا لا سلطة يملكها عليك إلا بالإشباع وقد يكون متحرك لكنهذو بعد كوني يهتم بك لكنه يجهلك، محاورة أبيقورية ناجحة نخوض بها التجربة متأكدون أن أقصى ارتجاجاتنا ستعودإلينا ولن نفرط بها لغيرنا.

تبدو مقدمة طويلة لفيلم سينمائي وقد يتساءل بعضكم ما علاقة كل هذا بالفيلم، لا أستطيع أن أجزم بالعلاقة بين فيلممعنون بالصمت وبين الضجيج الذي خلفه في ذهني بعد الإنتهاء منه، عموما فلنرجع  لفيلم الصمت إحدى روائعبرجمان  والسينما العالمية أنتج سنة 1963،  ويدخل ضمن ثلاثية صمت الله  (من خلال زجاج معتم -  ضوء الشتاء - الصمتتعتبر أفلام بيرجمان قمة في العمق والأكثر غورا في نفسية الإنسان يتبنى ثيمات أساسية تتمحور حولالوجود، الموت، الإنسان، الخوف، الوحدة.. ولا يخرج فيلم الصمت عن هذه التيمات، فيلم وجودي عدمي أبوكاليبسي، الصمت هو السيد في هذا الفيلم وحين نقول الصمت نقصد به عجز اللغة وتعثر الحوار وانتفاء التواصل بينالشخصيتين الأساسيتين أستير، المثقفة والمريضة التي تمثل الوعي والعقل  الصارم، وآنا، الأم المتحررة الأصل والحقيقة،تشعر كل شخصية أنها انطوائية تعيش في محاكمة ذاتية وجلسة مغلقة تحاسب ذاتها لكنها تخشى أن يخرج صدىالحكم ليصل إلى للآخر هذا الصراع الذاتي والمحاولة المستميتة والعاجزة لتجاوز الذات بما فيها من عيوب والإرتقاءلمصاف الشخصية السوية الفخورة المتبرجة بهدف الوصول إلى الآخر تنتهي دائما بالسقوط والفشل، هذا الفشل الذييعود مجددا للحليف الدائم الصمت المكون الأساسي للعزلة.

الصراع بين الأختين يبدو صراعا عاطفيا بين مد وجزر، والطفل الباحث عن المعرفة الفضولي ليس سوى الشرارة الناتجةعن هذا الصراع والباقية عليه متأججا، الطفل التائه بين ممرات القطار وبعدها الفندق يرمز للبحث عن العمق عن ماتخفيه كل الممرات والأبواب هو المفتاح بشكل من الأشكال الذي يساعدنا على فهم ماهية الصراعيعمل بيرجمانسينمائيا وكأنه يعزف نوتة موسيقية ترتفع إيقاعاتها وتنخفض مع المضي في الأحداث الصمت الذي يرافق الشخصياتفي الفندق يناقضه الصخب خارج الفندق صخب يعزل الذات ويمنعها من الإصغاء و التأمل، ركز بيرجمان في تفاصيلهذا الضجيج الذي لا يكاد تخلو منه حيواتنا العادية لكننا لم نره بهذه الشدة التي صورها بيرجمان بحكم الاعتياد أوبحكم النفي المتعمد كطريقة حياتية، يعتمد الفيلم كذلك على الرمزية التجريدية  في التصوير والصوت الدبابات، دقاتالساعة ، صور الجنازة، الأقزام والمسرح، باخ، الرسالة ولقطة الاغتسال كلها صور تحدث بلبلة بذهن المشاهد الذي يحاولجاهدا فهم المغزى وتفسيرها ضمن سياق الفيلم وهي تبقى بالتأكيد إيحاءات وجودية عن اليقين والشك ولعل لقطةالاغنسال مريحة كنهاية لهذا الصراع بين المشاهد و المخرج.



يبدأ الفيلم بقطار لا نعلم من أي محطة انطلقت رحلته وبأي محطة المفترض أن تنتهي الرحلة، في المقطورة نتعرف علىالشخصيات الأساسية الثلاث ويطغى الصمت ويبدو المشهد متوترا وعلى صفيح ساخن توحي بذلك آنا بالتذمر منالحرارة المفرطة (وهنا سنلاحظ أن النهاية ستكون مختلفة ومناقضة لهذا المشهدويطغى الصمت، تبدو أستير شاردةبعينيها المغمضتين في حين تتأملها آنا ثم تتجاهلها تشعر أستير بالمرض فيضطرون للتوقف بمحطة لا نعلم هويتهاويستأجرون غرفتين بفندق نجهل معالم الفندق ونتعرف بالفندق على عجوز يقوم بخدمة الأختين وأستير بالخصوصوأقزام مهرجين بمسرح، العزلة التامة تقهر الأختين ليكون الفندق جحيما حقيقيا مع اللغة المجهولة للمدينة التي نعرففقط اسمها Timoka عزلة مركبة، انقطاع السفر وعزلة اللغة والفندق كانت الشرارة التي فجرت الوضع بين الأختين لتتمالمواجهة المكشوفة بينهما وتزيل كل أخت قناعها تبدي آنا رغبتها الجلية بالانفصال عن أختها والعيش بطريقتها دونقيود بل تجاوزت رغباتها إلى تمني الموت لأختها تغادر تاركة أستير وحيدة بالفندق وتمضي في رحلتها بدون وداع، وتبقى أستير وحيدة مع اختناقاتها المستمرة وعزلة الفندق وخادم لا يفقه لغتها ولم تعد أستير راغبة في شرح نفسهابالإشارات وكأنها استسلمت لهذه العزلة التي قد تنتهي بالموت بعيدة عن وطنها وهويتها والجذور التي سببت هذهالأزمة.



برجمان في حديث مع الصنداي تايمز فسر فيلمه هذا (وأجد الأمر قاتلا لمتعة الفيلمأكد ان الفيلم يتحدث عن الحبالديكتاتوري وحب التملك وهذا النوع من الحب يقود إلى الموت، بالنسبة لي لم تكن أستير وآنا إلا وجهين لشخصيةواحدة الوعي واللاوعي صراع بين القيم والرغبة بين العقل والفطرة، والصراع أيا كان المنتصر فيه سيكون انتصارامهزوما لإخفاقه في وصف الذات الكامل.. يبقى وصفا أعرجا، والاغتسال في آخر لقطة لآنا محاولة أخرى لإيجاد سبيللتطهير الروح، الروح Hadjek كانت آخر كلمات أستير للطفل للمستقبل في رسالة كتبتها له قبل مغادرته بعد أن  قرأتهاآنا اغتسلت بالمطر وهنا تبدو نهاية مناقضة للبداية التي بدت فيها آنا مختنقة بالحرارة وبخطاياها.


إيمان العزوزي.


الساعة الخامسة والعشرون - قسطنطين فرجل جيورجيو.



"كل كتاب من كتبي هو صراع من أجل الحقيقة تلك الحقيقة العارية التي تحدث الضجة"
جيورجيو.



يقول بول ريكور أن هوية القصة هي التي تكشف هوية الشخصية وغالبا القصة تحدد ببعديها الزماني والمكاني الذي يمنح شخصياتها تلك الهوية التي قصدها ربما ريكور لكن الأمر في رواية فرجيل لا يمكن أن يحدد في هوية معينة أو حتى في مكان وزمان معينين لأن الفكرة أكبر حجما وأكثر كونية، عمل مثل "الخامسة والعشرون" يبقى عملا ممتدا قابلا لجميع الاسقاطات الممكنة على كل العقود التي تلت الحربين العالميتين الأولى والثانية وهذا بالضبط ما رغب فيه فيرجيل جورجيو هي محاولة تنبيه تنبؤية بدأت فصولها ساعة كتابة الرواية أو قبلها بقليل واستمرت، المرعب في الأمر ان هذا العمل هو أشد قسوة ومرارة من عمل نشر في نفس التوقيت  يشبهه لحد كبير مع إختلاف القالب وهو عمل جورج أورويل "1984"حيث يبقى عمل أورويل رغم سوداويته واليوتوبيا المضادة التي يعكسها يبقى مجرد تخيل ممكن حدوثه في حين أن "الساعة الخامسة والعشرون" حقيقة راسخة ودامغة مهما حاولنا أن نخفف منها.
ولد قسطنطين فرجيل جيورجيو سنة 1916 بمولدافيا شمال رومانيا من أسرة أغلب رجالها رهبان أرثوذكس وهو المصير الذي كان مقررا له لكن بسبب ظروف الأسرة المالية تعذر عليه ذلك، من سنة 1928 إلى سنة 1936 درس بالمدرسة العسكرية وأثناء هذه الفترة كتب أولى أشعاره ونشر بعضها في الصحف، انتقل بعدها سنة 1939 إلى بوخارست ليشتغل ويدرس الفلسفة وسنة 1939 تزوج بأكتارينا بوربيا وحصل سنة 1940 على الجائزة الملكية للشعر عن ديوان خطوط فوق الثلج,اشتغل لفترة قصيرة بوزارة الخارجية لينتقل سنة 1943 إلى زغرب كملحق ثقافي بالسفارة الرومانية، سنة 1944 يختار المنفى بعد دخول القوات السوفياتية لرومانيا فيسجن من طرف الأمريكيين هو وزوجته باعتباره رومانيا حليفا للنازية وبعد عدة محاولات للهجرة استطاع هو وزوجته عبور الحدود لفرنسا سنة 1945 وبقي فيها لغاية مماته وفضّل أن يدفن فيها. هذه سيرة مقتضبة للكاتب لا بد منها للتعرف أكثر على عمله وقبل أن أتطرق للعمل ذاته لا بأس  أن أذكر بالحفاوة التي اُستقبلَ بها الكتاب بفرنسا والتي يعود لها الفضل بشكل ما في نشره.
حين عبر جيورجيو الحدود لفرنسا كان يحمل معه مخطوطة "الساعة الخامسة والعشرون"، التقى في باريس بلاجئة رومانية تدعى مونيكا لوفينسكو التي حسب إحدى رسائلها إليه تبقى من أوائل القراء لهذا المخطوط، وجدت مونيكا أن المخطوط بهذا العدد الكبير من الصفحات التي بلغت 800 صفحة من الصعب نشره  فنصحته بإعادة صياغته، ويقال أنها لم تتقاضَ أتعاب ترجمتها هذه ونعتت فرجيل بنكران الجميل بل ورفعت عليه دعوى قضائية لاستخلاص مستحقاتها، سمع بالمخطوط الفيلسوف الفرنسي غابريل مارسيل المدير الأدبي لدار بلون فطالب بنشره واضعا له مقدمة أثارت اهتمام القارئ الفرنسي، نشرت الرواية سنة 1949 وسرعان ما ترجمت لعدة لغات باستثناء تلك المنتمية للمعسكر الشرقي.
الوسط الثقافي آنذاك كان على استعداد للانفتاح أكثر باتجاه كتابات الشرق أوروبية خصوصا أن باريس عرفت ساعتها هجرة قوية من مثقفي رومانيا لدرجة أن سيوران كتب في إحدى رسائله أن باريس أصبحت مدينة رومانية،  سنة 1949 بالأخص عرفت نشر ثلاثة كتب على درجة كبيرة من الأهمية لثلاثة كتّاب رومانيين، فبالإضافة إلى"ساعة الخامسة والعشرون" نشر أول كتاب لسيوران "رسالة في التحلل" من دار غاليمار وكتاب "أسطورة العود الأبدي" لميرتشيا إلياد والكتب الثلاثة أحدثت صدى لدى النخبة الثقافية بباريس، بالعودة لرواية فرجيل أعتبرها رايموند أرون صاحب كتاب أفيون المثقفين من أكثر الأعمال التي ضمت شهادة رائعة وحقيقية عن العالم المعاصر فهذا العمل حسب قوله هزه بعمق وأدهشه لحد الإرهاق، من جهته أندريه روسو في مراجعته للرواية بصحيفة لوفيغارو قال عنها أنها رواية تخص أوروبا ككل معسكرها الشرقي والغربي هي رواية تتحدث عن أسوأ كارثة عرفتها البشرية منذ  القرن الأول للميلاد، واعتبر أندريه فونتين المؤرخ والصحفي بجريدة لوموند أن فرجيل تجاوز كل الكتاب الذين تناولوا موضوع معسكرات الاعتقال فاعتبر العالم ذاته معتقلا أوسع وهي نظرة تتماهى مع النظرة الكافكاوية التي تعتبر البطل معتقلا مفترضا، ويبقى محظوظا متى لم يقبض عليه.
في حين تلقى الوسط الباريسي هذه الرواية بحفاوة، تلقاها الرومانيون بنوع من التحفظ إلى أن قرأت بشكل مغاير ابتداءً من سنة 1989 لتنشر برومانيا سنة 1991 أي قبل وفاة جيورجيو بقليل، في حين تلقاها اليهود بنوع من التذمر، واعتبره بعضهم معاديا للسامية لأسباب كثيرة منها اعتبار موريتز ضحية عوقب بعقاب خاص باليهود وهذا أعطى انطباعا أن اليهود يستحقون فعلا ما حدث لهم وأن الخطأ الوحيد في الموضوع أن يُؤخذ موريتز على أنه يهوديا وهو ليس كذلك، هذا بالإضافة لكتابات سابقة لجيورجيو اعتبرت معادية للسامية مما اضطر جيورجيو للاختفاء بعيدا في الأرجنتين هربا من هذه الحملة الإعلامية التي كلفته خسارة صديقه مارسيل غابريل.
كيف يمكن إذن أن نقرأ رواية بهذا الحجم، وتحت أي تصنيف يمكن أن نضعها قد يختلف الأمر من شخص لآخر حسب خلفية كل قارئ لكن بداية فهي شهادة حية على أدق وأعنف فترة تاريخية مرت بها أوروبا، شهادة حية من شخص عاين واكتوى بنارها ذاكرة حية بالمقام الأول أو يوميات كتبت بشكل منفتح وغير متوقع فهي رواية تنتمي لأدب السجون ورواية سياسية ورواية قد ندرجها أيضا في أدب الحرب وربما تكون رواية ينطبق عليها شرط التخيل التاريخي كما جاء به الدكتور عبد الله إبراهيم مع تحفظ شرط الزمن في هذه الحالة أو ربما بعيدا عن كل هذا ندرجها ضمن أدب السيرة الذاتية خصوصا التخييل الذاتي أو الرواية الذاتية كما وضعها سيرجي دوبروفسكي حين نشر روايته الابن سنة 1977 وهذا ما أميل إليه لأسباب سآتي على ذكرها وأيا كان الأمر تبقى رواية "الساعة الخامسة والعشرون" عملا ملحميا لن يترك قارئه محايدا.
في إحدى حواراته يؤكد فرجيل جيورجيو أن " كل صفحة من كتابي كتبت بالدم، دمي، دم أصدقائي، دم أولئك الذين عانوا والذين ما زالوا يعانون في المعتقلات، أجل كل ما كتبه تريان عن المجتمع التقني، حول تحويل الإنسان إلى آلة أفكر فيه فعلا"، من إجابة جيورجيو هذه ندرك أن عمله ليس سوى نوع من السيرة الذاتية فالكاتب حاضر في ذات الكاتب تريان كوروغا الشخصية المحورية الثانية في العمل وحسب سيرته سنلاحظ مدى التقاطع الواضح بين السيرة المتخيلة و السيرة الحقيقية، هي محاولة من الكاتب أن يجعل بينه وبين الكتابة والحدث مسافة تمكنه من القليل من الحيادية باعتبار ما كتبه نوع من التوثيق التاريخي وهو الأمر الذي عرف جدلا واسعا خصوصا من طرف اليهود، من بين هذه التقاطعات ما ذكره الكاتب في إحدى اللقاءات بباريس التي عرفت بالإضافة لحضوره هو وزوجته حضور مارسيل غابريل حيث ذُكر باللقاء أن جيورجيو حاول الانتحار بقطع شريانه بعد أن فشل في إضرابه عن الطعام حين كان معتقلا وهي المحاولة التي رمت به في مستشفى المجانين كما وجدت الباحثة ميرال دراجاو أثناء بحثها عن وثائق الحالة المدنية المرتبطة بجيورجيو أن كنية كوروغا كانت تحملها جدته قبل زواجها. بالإضافة لتقاطعات أخرى متشابهة كالأب الراهب وكالمهنة التي اشتغلها كلاهما،  وبعيدا عن السيرة وبالنظرلطريقة السرد المركزة على حياتين وشخصيتين رئيسيتين هما الفلاح موريتز والكاتب الشاعر تريان كوروغا يظهر أن جيورجيو تماهى بين الشخصيتين ليوحد الذاكرة بالاتجاه الذي يريده ويرغب بشرحه باندفاع هذا، بالإضافة لرغبته في جعل الفكرة الرئيسة كونية متعددة الطبقات ومتعددة اللغات هذا التماهي بين الشخصيتين يظهر منذ بداية الأحداث ليتصاعد حدته مع ضغطها ويبدو أن جيورجيو أراد من موريتز أن يمثل الحدث في حين يحلله ويناقشه تريان، وهذا ما ظهر بشكل أوضح في العرائض التي كتبها، يمكنني
باختصار القول وعلى اعتبار العمل رواية ذاتية أن موريتز يمثل الذات المتخيلة، وكوروغا يمثل "الأنا" بمعنى الكاتب حاضر لكنه يحتاج لمن يستفز هذا الحضور ويكشفه وليس موريتز (الفلاح) فقط من يقوم بهذا بل نجد بجنبه شخصيتا الأب (الكاهن) والمحقق دميان (القانون)، في النهاية قسطنطين فرجيل جيورجيو من كتب رواية "الساعة الخامسة والعشرون" المستوحاة من شخصيات حقيقية، ويبقى السؤال لماذا اختار جيورجيو نهاية كتلك لكوروغا وهو الأمر الذي لم يحصل حقيقة له ولما فضل الابقاء على الفلاح واغتيال الشخصية التي تمثله؟ ربما يتعلق الأمر باستسلام العقل "لعله ينبغي أن تتصرف على نحو جديد أعتقد أن بالكتابة لن تصل إلى أية نتيجة". (صفحة 343). أو ربما تعلق الأمر بمحاولة تأسيس جديدة في المنفى مع الإبقاء على الأرض الأصل (الفلاح موريتز)، محاولة تأسيس هدفها الرئيسي خلق عقل بشري قادر على وقف زحف العبد التقني ومواجهة النهاية أو ما بعد النهاية "الساعة الخامسة والعشرون" فما هي الساعة الخامسة والعشرون؟ ومتى تأتي و كيف نواجهها؟
الرواية هي صرخة الإنسان الحداثي أو ما تبقى منه في مواجهة تلك الحداثة ذاتها التي بدأت تفرض نسقا معينا يزيد من توغل المادة وتقهقر الروح، اختفاء الإنسان وتمدد الآلة والبيروقراطية، الرواية هي كشف خيانة الإنسان لذاته نوع  من الفاوست الآلي الذي سمح بظهور البروليتاريا التقنية القابلة لإحداث الثورة ولفرض قوانينها وإجبار البشرية على التبعية وهي ثورة بطيئة ستمسخ الإنسان ليصبح ببغاء تسلية للعبد التقني فيصل الوضع إلى فرض نوع من الألوهية على الآلة ليبقى مجرد المقارنة بينها وبين الإنسان محض تجذيف "إنها إهانة نوجهها للآلة إذا قارناك بها، إنه كفر، الآلات كاملة" (صفحة 205). هذه الثورة ستشتت الهوية وتصنع هوية تقررها التقنية وادراج المكاتب وسيصبح معها الإنسان أرنبا أبيض (صفحة 156) أو ينتمي للفصيلة البطولية التي توضع تحت المجهر  ( صفحة 229 )، وتبقى "الساعة الخامسة و العشرون" هي ساعة المواجهة حين يستفيق الإنسان على خرابه لكن بعد فوات الأوان هي الساعة التي لن تفيد فيها أي محاولة للإنقاذ هي الثقب الأسود الذي سيغيب الإنسان لتطغى الآلة (صفحة 70)، وهي الساعة التي ستشترى فيها الحضارات كسلع (صفحة 404) والساعة التي يبقى الأموات فيها أحياء مجازيا ( صفحة 444-445) وهي الساعة التي ستنتهي بصلب الإنسان على صخرة التقنية ( صفحة 450)، الساعة التي تغلب فيها التصنيفات الموجهة ويسجن ويقتل فيها الإنسان على الهوية، موريتز الفلاح الروماني الذي رغب في الهجرة سيجد نفسه تائها في خليط من الهويات لينتهي به الأمر متطوعا لدى الأمريكيين فيعود في الأخير لحلمه الأول منهكا مجردا من الرغبة والحلم، ببغاء يرغب في التطهر من الذنب (الصفحة 358) يؤكد التزامه بالطاعة ويبتسم ببلاهة للآلة، لم تستطع الأنظمة أن تنقذ الإنسان فجورجيو انتقد بشدة الأنظمة الشمولية الروسية والنازية وكان لطيفا مع النظام الأمريكي متجاهلا الآلة التي سقطت بهيروشيما فانتقد باحتشام الديمقراطي،  ويبقى الخلاص حسب جيورجيو في الفكر وبشكل أكبر في الدين القائم على التسامح، نوع من "أدر خدك الأيسر" لتنتهي موجة العنف ونوقف فكرة التصنيفات المربكة والخالية من جوهر حقيقي لصالح الإنسان، قد تكون الرواية تمثيلا لعنف الحربين العالميتين لكنها تنسحب كفكرة بشكل مفزع على عصرنا الحالي الذي يقتل فيه الفرد وتزداد الآلة تجبرا، هو الجذام الذي أكل أنف الحضارة الإنسانية ولم يكن كل هذا ليحدث لو "أن المطر هطل أمس..." صفحة 54.


إيمان العزوزي.

الأشخاص الذين يقرؤون لثلاثين دقيقةً في اليوم يعيشون لمدةٍ أطول! - ساندرا وو.



"ما هو سر طول العمر؟ وفقا للباحثين، إنها القراءة!"
أكدت دراسةٌ أجرتها كلية الصحة العامة بجامعة ييل أن أولئك الذين يقرؤون لمدة 30 دقيقةً في اليوم يعيشون لمدة 23 شهراً أطول من أولئك الذين لا يقرؤون، شملت هذه الدراسة التي استمرت عقدًا من الزمن 3635 شخصًا يبلغ عمرهم 50 عامًا أو أكثر، وتم اختيارهم بناءً على عادات القراءة لديهم، في خلال فترة المتابعة التي امتدت 12 عامًا وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يقرؤون لأكثر من 3.5 ساعةً أسبوعيًا عاشوا لفترة أطول بنسبة 23٪.
ويتفق مع ما نعرفه عن فوائد القراءة الباحث أفني بافشي إذ يقول:
"من المحتمل أن يكون هذا التأثير هو السبب في أن الكتب تعيش في عقل القارئ أكثر، مما يوفر له إدراكًا أكثر للحياة، وبالتالي يزيد العمر"
كما أظهرت دراسةٌ منفصلةٌ أجراها المركز الطبي لجامعة راش في شيكاغو أن توجد أيضًا علاقةً متبادلةً بين القراءة واحتمال تقليل الإصابة بمرض الزهايمر.
ومع ذلك، وعلى الرغم من فوائد القراءة، فإن عدد الناس الذين يقرؤون الكتب قليلٌ جدا مقارنةً بأي وقتٍ مضى، لكن لحسن الحظ، هناك حلٌ لذلك!
تريد أن تقرأ أكثر؟ يوجد تطبيقٌ لذلك!
وفقًا لدراسةٍ أجراها مركز بيو للأبحاث عام 2016، فإن 26٪ من الأمريكيين لم يقرؤوا كتابًا في العام الماضي وهذه النسبة تعتبر زائدةً بنسبة 8٪ عن آخر مرةٍ تم إجراء ذات الدراسة فيها في عام 2011، ولمواجهة هذه النزعة؛ تم إنشاء تطبيق Blinkist للحفاظ على حب الأشخاص لقراءة الكتب، واستجابةً لرغبة الناس في الحصول على محتوى قصيرٍ ومختصر، فإن Blinkist هو تطبيقٌ ليستمتع الأشخاص بالكتب غير الخيالية الرائعة من دون قراءتها بالكامل، فالتطبيق يوفر ومضاتٍ رئيسيةٍ من أكثر من 3000 كتابٍ غير خياليٍ والتي يمكن قراءتها أو الاستماع إليها في 15 دقيقةٍ أو أقل.
ولأكثر من 8 ملايين قارئ في جميع أنحاء العالم؛ أعاد Blinkist إحياء شغفهم بالقراءة وأضفى تأثيرًا إيجابيًا للغاية على حياتهم الشخصية والمهنية.
إن رغبت بالتجربة، يمكنك البدء بالكتب التالية:
كيف تجعل الناس يحبونك في 90 ثانيةٍ أو أقل:
دليلك للعلاقات، للتواصل وتوسيع نطاق معارفك الاجتماعي، سيعلمك هذا الكتاب كيفية إجراء محادثةٍ مع الغرباء وكسب محبتهم، وسيعرض لك أيضًا فن فهم رموز الإيماءات بدقة.
العادات السبع للناس الأكثر فعالية:
استراتيجية المساعدة الذاتية المؤثرة التي يتناولها الكتاب يمكن أن تعلمك مبادئ الفعالية، فبمجرد أن تحول هذه المبادئ عادات؛ ستكون في طريقك إلى مزيدٍ من النجاح في حياتك الشخصية والمهنية.
The Subtle Art of Not Giving a F*ck
عش حياةً أفضل من خلال الاهتمام بأشياءٍ أقل، في هذا الكتاب واستنادًا إلى مدونته المؤثرة يشرح مارك مانسون القواعد البسيطة القليلة التي ستساعد أي شخصٍ في قيادة حياته لتصبح أكثر سعادةً وأقل إرهاقًا.
"ساعدني تطبيق Blinkist في قراءة المزيد من الكتب، ففي فترةٍ وجيزةٍ أنتقلت من مرحلة عدم وجود أي وقتٍ للقراءة إلى مرحلة اكتشاف أربعة كتبٍ في يومٍ واحد.
المعرفة التي استفدت منها أثرت على الفور وبشكلٍ كبيرٍ على حياتي ومهنتي"- تيريز ستيفنسون، مدير تطوير الأعمال
إن القيمة التي نحصل عليها من القراءة ليست جديدة، كما تقول مقولةٌ عمرها قرنًا تمامًا:
"القراءة للعقل كالتمرين للجسد" - جوزيف أديسون
احصل على تطبيق Blinkist لتنشط حبك للقراءة، ومن يدري، قد تعيش حياةً أطول وأكثر تكاملاً!
ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: عبد الله علي.

الأخوة كارامازوف - فيودور دوستويفسكي.

تعتبر هذه الرواية آخر رواية للكاتب فيودور دوستويفسكي حيث قرر بعد وفاة ابنه  ألكسي بنوبة صرع أن يبحث عن مخرج لمأساته فلم يكن هذا المخرج سوى عمل ضخم ينهي به حياته الأدبية -وقد توفي تاركا نهايته مفتوحة- فقرر في ديسمبر سنة 1877 أن يتوقف عن فعل أي شيء غير الكتابة، اهتم بجمع الملاحظات والمذكرات التي تكون مادة روايته الجديدة يقول مارس سنة 1878 "لقد تصورت وسأبدأ قريبا رواية كبيرة يكون بين الشخصيات الأخرى الكثير من الأطفال" وافتتح مفكرته لهذا البحث بمعرفة إمكانية البقاء مستلقيا على الخط الحديدي بينما يمر أحد القطارات فوقك بأقصى سرعة" وهكذا وبغضون ثلاثة سنوات تخرج رواية كارامازوف للوجود، ولم يرغب دوستويفسكي إلا أن يهز كل البرك الراكدة بهذا العمل الذي يبدو بسيطا لكنها البساطة التي تعصف بتفكيرك وتجعله يواجه بتحد واضح فكر دوستويفسكي فهو القائل متحديا قراءه "أما أنا، فلم أفعل في حياتي سوى دفعي إلى الحد الأقصى ما لم تجرؤوا أنتم أن تدفعوه إلا إلى النصف".
لا يمكننا تجاهل أن الإخوة كارامازوف ليست بالرواية العادية بل هي من الروايات العالمية الأكثر جدلا والأكثر تأثيرا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بل الأدب العالمي ككل عبر التاريخ، قوبلت بالكثير من الشرح والتحليل والانتقاد وليس مفاجأ أن يقوم سيجموند فرويد بتقديم الترجمة الفرنسية لها يشرح فيه شخصية دوستويفسكي قبل أن يشرح الرواية ذاتها نفسيا.
يبدو من خلال تتبع ما قاله دوستويفسكي بخصوص هذه الرواية أن عمله هذا كان ملزما له أكثر منه متعة، ملزما من ناحية كونه تتويجا لكل أعماله وتحديا لذاكرته ولسنه وللإرث الذي يريد تركه لورثته وللإنسانية جمعاء يقول "لقد لاحظت منذ زمن طويل، أني كلما تقدمت في السن، كلما أصبح العمل بالنسبة لي أكثر صعوبة "، "أني أفكر دائما بموتي… وأتساءل ماذا سأترك لك وللأولاد"، "الآن، أحمل على ظهري عبء" آل كارامازوف هذا العمل الذي يجب إنجازه بشكل متقن. ومن الأهمية بمكان أن أجعل منه عملا فنيا، وهذا أمر صعب، خطر وجريء، أمر مقدر وحتمي فهو يجب أن يرفع اسمي عاليا وأن يثبته وإلا فلم يعد هنالك أي أمل".
ويظهر اهتمام دوستويفسكي هذا بعمله الجدي في تحصيل مادته للرواية فهو قبل أن يقرر الشروع في الكتابة اقترب من الفلسفة في شخص صديقه الشاب فلاديمير سولوفيوف، كما تعرف على العقيدة الأرثوذوكسية من خلال كتابات كنصوص تيخون زادفسكي بل رحل إلى دير أوبتينا بوستين وأقام به فاستلهم من راهب الدير شخصية زوسيم في الرواية وقبل هذا زار قرية طفولته  سنة 1877 داروفواي ليستعيد عبق الطبيعة وأحاديث القرويين وذكريات الطفولة فظهر كل هذا التأثير جليا في روايته هذه.
رواية بحجم رواية كارامازوف تعتبر ردا شافيا على أعداء الفن الروائي والقائلين بعدم جدواه وأنه مجرد أحداث وشخصيات متحركة نتعاطف معها وقد تترك بصمة في ذاكرتنا وقد ننساه متى أغلقنا الكتاب، أغلب من يقول بهذا الرأي أجزم أن قراءاته لم تتجاوز روايتين من الأدب الرديء ولم يغامر بالخوض في الأدب الروسي عامة وأدب دوستويفكسي خاصة، فدوستويفسكي ليس كاتبا وحسب بل هو فيلسوف وعالم نفس ولاهوت ومربي وعالم إجرام وكل هذا يأتينا بتوليفة أدبية منسقة ومحكمة تتجاوز بالتأكيد حدود الفكر النمطي إلى القراءة المتأملة في كل كلمة ورف فالرواية بكاملها هي كتاب فكر على شكل رواية. هذه التوليفة التي دعت العالم الغربي أن يضيف وصفا آخر للكاتب ويلقبه بأنه نبي الأدب الروسي ونحن العرب سنعمل على تلطيف هذا الوصف ونلقبه بعالم مستقبلي تنبأ بالكثير مما حدث بعد سنوات من الرواية بل بعد عقود منها وتأثيرها يصل ليومنا المعاصر وهذا الشيء ليس مفاجأ لأن دوستوفيسكي في النهاية اهتم بالإنسان والإنسان ثابت بمجتمع متحول ولا يخفى على من قرأ سيرة الكاتب أن يظهر له مدى تأثير ما عاناه في الماضي من جبروت الدولة وقمعها لحرياته وسجنه ووفاة ابنه ألكسي فهذه الخلفية أضاءت اتجاه دوستويفسكي في النسق المعتمد في الرواية فهو جعل من الإنسان محور اهتماماته وركز في اهتمامه هذا على الحرية كمبدأ وعلى القيم والأخلاق والتنوير كسبب تابع، مؤثر ومحفز لهذه الحرية التي يعتبرها دوستويفسكي طريقا جديدا لمعرفة الإله ولتبرئة الإنسان من أي محاولة للانسلاخ، لقد عمد الكاتب في عمله هذا إلى البحث في النفس الإنسانية للوصول إلى أقصى زاوية فيها تلك المظلمة التي تمتص كل عذابات الفرد ومعاناته في اختيار الأفضل لذاته وفي محاولته للوصول إلى الكمال والخلاص الذي يراه دوستويفسكي في المسيح وفي اختيار طريق الحب والجمال يقول "الجمال ينقذ العالم".

فمن هم الإخوة كارامازوف؟

تبدأ الرواية بفصل قصة أسرة صغيرة، وهي بالفعل أسرة صغيرة بمدينة بالأرياف، الأب فيودور المتصابي الفظ الكاذب المهرج والشهواني الجانب الشيطاني من الإنسانية، ينجب من زوجته الأولى والتي تفوقه قوة ابنه ديمتري، الذي يمثل الشيزوفرينيا الإنسانية في أبلغ وصف لها شموخ الضباط وتصابي العشاق جموح الرجل و تعنت الطفل، ثم يرزق الأب من زوجته الثانية الهستيرية بطفلين، إيفان الفيلسوف المثقف الوجودي الواثق المتشكك القريب البعيد، والثالث الكسي (ايليوشا)البراءة، الطيبة والجمال المتمثل في الحب، النار التي تضيء المكان وتجلب إليها باقي الشخصيات ثم أخيرا سميردياكوف الابن غير الشرعي للأب من متشردة مجنونة والمصاب بالصرع استخدمه دوستويفسكي كمرآة تكشف ذوات باقي الشخصيات وتعريهم أمام أنفسهم الإبرة التي تثقب مثاليتهم وتظهر الكاريكاتير المشوه لدواخلهم، وبين أطراف هذه الشخصيات الرجالية تظهر غروسشنكا المرأة العاهرة في نظر البعض والملاك في نظر الآخرين والكل في النهاية يتصارع لنيل رضاها وينتهي هذا الصراع بجريمة قتل يذهب الأب ضحيتها ويتهم بالجريمة ديمتري الابن الأكبر ويعلل هذا الاتهام بالباعث وهو حرمانه من الإرث ومحاولة أبيه أن يخطف حبيبته ويفهم من سياق الرواية أن القاتل قد يكون أيضا سميردياكوف لكن المحاكمة تنتهي بنهاية واقعية ويترك الحكم الفعلي للقدر وللقارئ، هذا ملخص بسيط للرواية التي تتكون من أربع أجزاء في نسخة المركز الثقافي العربي  ولعل من لم يقرأ الرواية بعد سيتساءل كيف لقصة بسيطة أن تأخذ هذا الحجم من الإهتمام سأجيبه عليه فعلا أن يقرأ الرواية ليعرف السبب .
قد تبدو فعلا القصة اعتيادية ونقرأ مثلها في أغلب القصص البوليسية فما الذي أضافه دوستويفسكي للإخوة كارامازوف لتأخذ حيزها الضخم من الأدب العالمي، السر يكمن برأيي في اعتبار الحدث أمرا متجاوزا في هذا الرواية هو فقط سبب محرض، الحصى التي حركت المياه الراكدة هنا ينتهي دوره  والذي يدعم وجهة النظر هذه أن القارئ لم يهتم كثيرا بمن هو القاتل أكثر من اهتمامه بالأسباب والدوافع أي بالوجود الإنساني في الرواية هذا الوجود الذي ركز عليه الكاتب ودعمه بالحوارات التي طغت على الوصف فالحوار في الرواية كان أشبه بتحليل وثيق لكل شخصية وتعرية لذاتها ولعلنا لاحظنا التفاوت في هذه الحوارات بين الهدوء والصراع ثم العودة للهدوء وكأن الحوار في حد ذاته رواية داخل الرواية فالصراع في الحوارات غالبا كان يشمل قطبين الشر (فيدور) وفي المقابل الخير (الراهب زوسيم) وبين هاذين القطبين تتدرج الشخصيات من حيث الشر والخير وكأننا في مثلثين لعرض الشخصيات  يقول دوستويفسكي على لسان إليوشا لتوضيح هذه الفكرة "إن مقياس درجات ورتب النقائص والرذيلة، هو نفسه، مقياس واحد بالنسبة للجميع، وأنا على أول درجة وأنت أكثر ارتفاعا لنقل ربما كنت على الدرجة الثالثة عشر وبتقديري أن ذلك سيان تماما، ويعني الشيء نفسه" دوستويفسكي أسس لنظام طبقي طوباوي لا يقوم على عرق أو جاه أو دين بل على الأخلاق وما تضيفه هذه الإنسانية للمجتمع واليوشا هو الفاعل الذي يؤكد وجهة نظره في ان الأخلاق هي من تفوز في النهاية.

فيودور كارامازوف الذي لا يخرج عن الصورة التي وضعها دوستويفسكي لوالده حيث تذكر زوجته "فيدور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي كان يفكر بوالده وهو يرسم ملامح وجه العجوز كارامازوف"، الأب الذي يتجرد من مشاعر الأبوة لصالح شبقه وحياته الماجنة التحلل الأخلاقي بأبغض صوره وربما يعكس الكاتب بصورة الأب هذه روسيا ذاتها التي قست على أولادها المبشرين بثورة تعين القيم على النهوض من جديد ورفض الفردي لصالح الجماعي وقد نجد هذه الفكرة في مقولة إيفان "كلما ازداد حبي للإنسانية جملة نقص حبي للبشر أفرادا" فيودور هو الصورة المثالية لهذه الفردية وهي الفردية ذاتها التي ورثها لابنه ديمتري الجانب العضلي للأسرة (الأمة) الفخور بذاته وبقوته المتعجرف بأفكاره ورغباته فنجده لا يتورع على سرقة وديعة أوتمن عليها من أجل صرفها على الآخرين ويحتفظ بنصفها ويقوم الصراع على كيفية الحصول على النصف الذي أضاعه حتى يخرج من حالة تأنيب الضمير، ديمتري الفردية الراغبة في الوصول المتجاوزة كل الحدود الأخلاقية لكنه عكس أبيه يجذبه هم إنساني يحول بينه وبين ارتكاب الجرائم أو الذهاب بعيدا في نزواته تقول عنه غروسشنكا" وإن كنت متوحشا، أعرف أنك شريف"، وقد تعمد دوستويفسكي الى انهاء كل فرح بصراع ما وبقسوة حتى يثبت أن كل تجاوز للأخلاق و منح الفرصة للأبيقورية  ليس له إلا نهاية واحدة الفشل، ثنائية الكره بين الأب وابنه كان لها تاثير في استفزاز باقي شخصيات الرواية فإيفان الجانب العقلي لل(أمة) يبدو متفرجا على هذا الصراع ومنشغلا بصراعه الخاص بين قلبه وعقله الغواية هنا ليست امرأة ورغبة بل أفكار صراع بين الايمان والتجذيف وربما يكون دوستويفسكي ذاته حاضرا في إيفان ولعل أبلغ اقتباس شدني لهذه الفرضية قول إيفان "أيمكن أن نتقبل التوافق والانسجام الشاملين والعالميين لقاء دموع طفل صغير واحد يسقط شهيدا؟" وكلنا نعرف مأساة الكاتب في ابنه ألكسي، إيفان وجد في الرواية ليسأل ولعل هذا الصراع بلغ أوجه في الفصل المفتش الأكبر الذي ينزعج من خروج المسيح من جديد ويحاكمه  ويطالبه بترك الإنسان حر ما دام قد انتهى من وضع شرائعه يقول المفتش العظيم" ليس لك الحق بأن تضيف كلمة واحدة على ما سبق أن قلته" الإنسان هنا الضعيف غير القادر على إدراك الله الأعلى بكثير منه فكيف نلوم الضعيف على عجزه عن هذا الإدراك ولا نستطيع بالتبعية لومه على الغواية المفروضة عليه الثابتة المحسوسة عكس الغيبي المرتقب غير المتوقع وتجاوز دوستويفسكي مع إيفان حدود التساؤل لانتقاد الكنسية ومحاولاتها جعل الدين ترفا ونخبويا مما باعد بين الإنسان والله وأصبحت معرفته ضربا من الخيال ينتهي بالإلحاد بل ويذهب الكاتب على لسان إيفان إلى تجريم الكنيسة واعتبارها نظاما ثيوقراطيا مستبدا ينكر على الفكر حريته، نعيش مع إيفان تشتته الوجداني والفكري فهو بداية لم ينكر الله بل أنكر فقط مسألة ادراكه لينتهي إلى قتله لحساب الإنسان وحريته فيتمثله الشيطان ليصبح إيفان ذاته الشيطان ليكتشف اسبابه الحقيقية لإنكار الله وهي رغبته في تقمص الذات الإلهية  والحلول محله، تفكير إيفان هذا تعارض مع فطرته الإنسانية ليصل به إلى الجنون.
يأتي بعد الأخوان ديمتري وإيفان الأخ الأصغر إليوشا الذي فضل العزلة والالتحاق بالدير ودراسة اللاهوت وفضل عشرة الأب زوسيم فكليهما يمثلان الجانب الوردي للرواية الحب المفضي للمعجزة والراحة النفسية الوسطية والاعتدال الإيمان واليقين والرضا فأليوشا قدم لنا في  هذه الرواية حوارات عقلانية وإيمانية معتدلة ومحاولة فهم الآخر والتقرب منه واحتوائه وإيجاد تبريرات لأفعاله حتى ايفان المارق اكتفى اليوشا بعد حواره العميق معه وقصة المفتش الأعظم اكتفى على غرار ما فعل المسيح مع المفتش طبع على شفتيه قبلة محاولا امتصاص تشرده وغضبه، إليوشا الطيب البريء الذي تبلغ براءته حدها الأقصى مع الأطفال وللطفل كما ذكرنا سابقا في مقولة دوستويفسكي دور كبير في الرواية وكأنهم يمثلون طفولة الشخصيات المحورية.
اليوشا هو التوازن المطلوب داخل كل إنسان هو الإنسان الكامل المثالي الحلم الطوباوي للإنسان حسب دوستويفسكي يعالج المجتمع وشخوصه ويمنحنا حلا واقعيا متوازنا هو المعجزة التي ساقها لنا الإيمان النقي المعرف الكلية بالغواية وكيفية تجنبها بالجمال والحب، زوسيم تنبأ بهذا القدر لإليوشا فدفعه لترك الدير ومواجهة الحياة لإيصال هذه الرسالة للعالم إليشوا هو نبي جديد للإنسانية نبي وسيلته الحب والإصغاء.
وأخيرا تأتي شخصية سميردياكوف الابن غير الشرعي الخطيئة التي تمشي على قدمين حاملة رأسها بين ذراعيها تبحث عن ملاذ تحرق فيه ماضيها، إنها الخطيئة التي تمتد إلى الجذور فتصبح مرآة لكل شخصية في الرواية قرينها مبعث شكها وخرابها رافقت الأب، ايفان، ديمتري واليوشا واستطاعت أن تكشف كل الوجوه وتبعث أمامها قبحها إلا أنها سقطت في ثقبها الأسود مختارة عن قصد موتها بعد سقوط الأقنعة وكأن دورها انتهى وموتها مجرد صيرورة لا بد منها.
دور المرأة في الرواية بدا ضبابيا كشخصياتهن متوترات صارخات مريضات مهلوسات مترددات  ضعيفات متخلفات متعاليات سطحيات لم أجد في الرواية شخصية نسائية واحدة جديرة فعلا بأن أتحدث عنها الا المحرضة التي تمثل الغواية وسبب الصراع غروسشنكا  المأساة الملاك والشيطان هي الحد الفاصل بين الشر والخير تملك بين يديها مفاتح الحدود بين القطبين والنار التي جلبت إليها الرجال ليحترقوا في النهاية بنارها.. وهذا أمر نجد له مثيلا في باقي روايات دستويفسكي وشخصياته النسائية الأخرى.
في النهاية أستطيع أن أقول عن أدب دوستويفسكي أنه موسوعة إنسانية شاملة وكأننا نفتح كتابا باحثين عن أنفسنا فأي شخص يقرأ لدوستويفسكي لا بد أن يجد نفسه في أحد الشخصيات قد يصدم وقد يفرح فهذا أمر متروك لدقة تفكيره وأمانة مساعيه ويبقى دوستويفسكي الباحث في جوهر الإنسان المتنبئ بما يجري اليوم في العالم المادي حيث تجاوزنا ليس فقط الحدود الفاصلة بين الأخلاق والشر بل قطعنا صلتنا بكل القيم لحساب المادة والفردية ليتضح لنا أن كاتبا بحجم دوستويفسكي لم يستطع تخيل حجم المآسي التي يذهب ضحيتها الأطفال قبل البالغين.


إيمان العزوزي.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب