المشاركات الشائعة

الاثنين، 15 مارس 2021

دفاعًا عن آن برونتي

 مؤمن الوزان.


ينال بعض الأدباء كتّابَ نثر وشعراءَ حظهم من القبول لدى القرّاء والتاريخ الأدبي الذي يصفُّ النقّادُ المؤلفات فوق رفوفه، لكن في الجهة الأخرى فثمة آخرون يطويهم النسيان دون أن يحظوا بما يستحقون قليلًا أو كثيرًا وتزداد سماؤهم تلبَّدًا بغيوم التجاهل والمجافاة إذا كان في عصرهم من هم أسطع نجمًا منهم فكيف إذا كانت تلك المنافسة مع من نجومهم أقربَ نسبًا وألمعَ بريقًا وأشدَّ توجها، هذا حال آن برونتي. لكن مهلًا هل فعلًا نجم آن أدنى تفجُرًّا وأخبى احتراقًا من أختيها الكبريين إيميلي وشارولت؟ الجواب بوضوح وسرعة ودون أدنى تردد- لا، إلا إنه الحظ العاثر والطالع السيئ الذي رافق الوليدة التي رأت عيناها النور في السابع عشر من شهر كانون الثاني، عام 1820، المتجسد بوفاة والدتها التي أصيبت بعد أسبوعين من ولادة ابنتها الأخيرة بمرض مُهلك، قاست إثره في السنة التالية ولثمانية شهور طويلة عذاباتَ الموت قبل أن توافيها المنية جرَّاء مرضها الخبيث (السرطان في الغالب) في شهر أيلول. واكتمل الطالع السيئ لآن بضعفها الولادي وإصابتها بالربو الذي عانت منه في حياتها وتصف شارلوت حالها فتقول: "بدا عليها أنها تتحضر لموت مُبكِّر". هكذا ابتدأت فصول حياتها التي لم تتحسن كثيرًا لاحقًا فعانت من نمط حياة خالتها -التي انتقلت إلى منزل زوج أختها المتوفاة- القاسي، المنتمية إلى الطائفة الميثودية البروتستانتية. يبرز أثر هذه الأيام لاحقًا في أشعارها الذاتية والوجدانية التي نظمتها متذكرة ومسترجعة كل آلامها ومعاناتها النفسية حين كانت طفلة. هذه الطفلة الكتوم الوديعة التي لا يبدو عليها سمات القوة والصلابة سواء الجسدية أو السلوكية، ووجدت في الطبيعة المحيطة بها في هاورث، حيث عاشت الأسرة مع الأب الخوري باتريك برونتي في منزل الكاهن أو ما يعرف بالبارسونيج، سلواها وعزاءها فلطَّفت سهول هاورث وبريتها وأشجارها من غلواء حياتها وبيئتها العائلية ومخففةً إياها. تصف وينفريد جيرن في سيرة آن برونتي هذه العلاقة بينها والطبيعة- أنها كانت دربًا لها نحو الله. تُظهر أشعار آن المنظومة في الطبيعة وعنها ذلك الآثر الوجداني العميق الذي خلَّفته الطبيعة فيها فعمَّقت مخيلتها وزادت من تخومها وأخذتها بعيدًا جدًا، وكما تقول آن: نحو أرضنا المحرمة القاصية/ أرضٌ محببةٌ لأقدامنا المتمردة/ حيث الخطر والحرية، كلاهما هناك

آن التي نشأت نشأة دينية قويمة بل وصارمة كذلك لم تتخلَ عن إيمانها بل بقي إيمانها رفيقًا لها لكنه بعيدٌ عن معتقد والدها الخوري أو خالتها الميثودية، بل هو علاقةٌ خاصةٌ بينها وبين إلاهها، وصفتها ببيان في قصيدتها الأخيرة التي نظمتها قبل أشهر من وفاتها، مخاطبةً إلاهها بوجدانية محترقة وذائبة في نار حبه الأبدي وخائفة من مصيرها المحتوم الذي كان يتجلَّى قُبالتها، وتهاب الظلام الذي يرافقه ويفزعها في حيرة عقلية ونفسية وربما حتى شكٍ مما ينتظرتها فتفتح قصيدتها قائلة: ظلام مفزع يقترب/ من عقلي الحائر/ دعني أعاني ولا آثم/ وأعذَّب بعد الاستسلام

فأي ظلام كان ذاك الذي يسدل عليها ستائره في بلدة سكاربورو حيث البحر الذي أحبته آن وأحبته شخصيتيها الأنثويتين الخياليتين أغنيس غري وهيلين هنتنغتن، وبقيَ رفيقًا لهذا الثلاثي أو آن مع نظيرتيها، حيث جعلت مشهَد البحر يحتفل مع أغنيس غري التي توافق على الزواج من الخوري ويتسون، ويتسون الذي قد يكون هو ويتمان الرجل الوحيد الذي أحبته آن، وكانت وفاته جرحًا غائرًا في روحها وأثرًا خفيًا في وجدانها، فكتبت عنه قائلة يومَ كان حبها متقدًا في قصيدة لها: لكن يا لروحي التي تشتعل داخلي/ وفؤادي النابض بقوة وسرعة/ لم يقترب -ورحل بعيدًا- وبرحيله بهجتي مضت

البهجة التي لم تحرم آن أغنيسَ منها، البهجة التي أسدلت أغنيس في سيرتها الروائية الحديث عن ذاتها، تاركة ما لم يتحقق لآن في الحقيقة يتحقق في عالم الخيال

لم تنشر آن أعمالها الشعرية والروائية باسمها الحقيقي كحال أختيها، ونشرتها باسم أكتون بيل ابتداءً من ديوان الشعر المشترك مع شارلوت "كورير بيل" وإيميلي "إيليس"، وهو ديوان لم يحظَ بالنجاح حتى بعد أن ذاع صيت الأخوات فبقي دون أن يُحتفى به أو بارز تأثير سوى بعض ما نالته إيميلي من اعتراف بعد قرابة قرن على نشر الديوان. ابتسم الحظ لآن بنشر روايتها الأولى مع أختها إيميلي، إذ نشر لها Newby في أواخر عام 1847روايتيهما في ثلاثة مجلدات (اثنان لرواية إيميلي الوحيدة مرتفعات وذرينغ، وواحد لرواية آن الأولى أغنيس غري). أغنيس غري Agnes Grey الرواية التي أحبتها شارلوت ووصفتها بأنها مرآة عقل الكاتبة، وهي سيرة روائية استندت فيها آن على حياتها وعملها مربية وكانت بيانَ دفاعٍ عن المربيات كونهن بشرًا وسلَّطت الضوء على ما يعانينه وقتها من معاملة سيئة وامتهان مُذل وتكتب السيدة أمبيرلي (واحدة من أوائل النسويات الإنجليزيات المطالبات بحق الاقتراع والمدافعة عن حق التحكم بحبل المرأة) في يومياتها: "أقرأ أغنيس غري، وعلى كل عائلة تملك مربية أن تقرأها، وسأقرأها مجددا إذا حظيت بمربية لتذكرني أن أكونَ إنسانًا"*. لم تحمل الرواية كثيرًا على المستوى الفني عكس موضوعها المثير وقتئذ، وأثبت المستوى الفني في التجربة الأولى لآن أنها لم تكن سوى تمهيدٍ لعملها الثاني "نزيلة ويلدفيل هال The Tenant of Wildfell Hall" الذي كان من الجودة والإتقان بمكان أن يحفظ لآن مقامًا لائقًا لم تحظَ به للأسف رغم مرور كل السنوات، وكلُّ ما نالته من اعتراف أقل مما تستحقه كثيرًا. فبعد سنتين من إتمام رواية "أغنيس غري" أكملت آن رواية "نزيلة ويلدفيل هال" ونشرتها في شهر حزيران من عام 1848 قبل أقل من عام من وفاتها وشهدت نجاحًا لها إذ نُشرت في إنجلترا وأمريكا. تعد رواية النزيلة واحدة من بواكير الأعمال الروائية النسوية، فمواضيعها المتنوعة التي تركزت حول شخصية البطلة هيلين منحت زخمًا كبيرًا للعديد من القضايا النسوية في المجتمع الإنجليزي في وقتها، وسلَّطت الضوء على الكثير من المفاهيم مثل عمل المرأة، واستقلالها المادي، والجندر، والعنف الأسري، وترك المرأة لزوجها، والزواج الإجباري، وانعدام ذات وخصوصية الزوجة، وتكريس حياتها لخدمة زوجها وسعادته، إلخ. نُوقِشت هذه المواضيع جليًا في العمل ضمن متن الأحداث الواردة. ولا نحصر مواضيع العمل في الجانب النسوي فقط بل وكذلك ضمت مواضيع أخرى مثل تربية الأولاد والبنات والتفريق بين تربية الاثنين التي كان لهيلين رؤيتها المخالفة لمحيطها في نظامه التربوي المُفرِّق بينهما، وحال المجتمع الفاسق المتهتك وعلاقات أفراده المتضعضعة، والخيانة الزوجية، والعلاقة الزوجية السيئة، والحب، والأمومة. كما يمكن ضم الرواية في أنواع مختلفة من بينها الرواية الاجتماعية، ورواية الأفكار عبر طرحها ونقاشها للأخلاق والدين والفضائل بله عن كونها رواية رسائلية ويوميات

لم تقل قيمة هيلين الأدبية والفنية ولا الشخصيات الأخرى في الرواية عن شخصيات أختيها في أولى روايتيهما المنشورتين "مرتفعات وذرينغ، وجين إير" بل فاقت هيلين جين شارلوت في تطورها النفسي ونضجها الفكري والسلوكي، ومثَّلت شخصية زوجها هنتنغتن الشر الإنساني الفاسق والمتهتك وبرزت منافسًا لهيثكليف إيميلي في شروره


ما زالت آن حتى اليوم تنتظر المكانة التي تستحقها، وهي مكانة ليست محاباةً باسم أختيها بل اعترافٌ تستحقه سُلب منها باسم أختيها، وكذلك قد يبرز أثر دور شارلوت المعارض لرواية نزيلة ويلدفيل هال التي قالت عنها إنها غلطة بالكامل- في سطوع نجم هيلين التي قد تكون خشيت أن يخطف الأضواء من جين، وهي الأخرى شخصية روائية لا يمكن التغافل عنها أو المرور مرور الكرام لكن ليس على حساب هيلين آن التي كانت صوتًا صادحًا للمرأة وروحًا أصيلة بأخلاقها وسلوكياتها ووقوفها الراسخ ضد أساليب التربية والتحيّز النوعي تجاه الأنثى. ومكتبتنا العربية هي الأخرى تفتقر إلى حضور روايتي آن برونتي، وننتظر من يتكفّل بنقلهما إلى العربية نقلًا موازيًا لقيمة هذين العملين أدبيًا وإنسانيًا، ولتزدانَ سماء آل برونتي بالكامل فهي من دون آن ستبقى ناقصة لا تكتمل.    


_____

* Introduction of Agnes Grey - Wordsworth Editions.

الاثنين، 8 مارس 2021

حوار مع إيزابيل ألليندي

ترجمة: عبير علاو


تتحدث إيزابيل ألليندي عن شخصياتها، وما تعنيه الكتابة لها، وتحديات النشر التي واجهتها.

19 كتابًا تُرجمت إلى 35 لغة، 57 مليون نسخة مباعة، 12 شهادة دكتوراه فخرية دولية و50 جائزة في أكثر من 15 دولة إضافة إلى فيلمين عالميين، هذه هي الأرقام المبهرة التي حققتها إيزابيل ألليندي.

اتصلت لوسي هاناو بها لإجراء مقابلة معها وما أروع تفاعلها وقد جاءنا الرد وبلطف محض، كما أننا نشكر السيدة ألليندي كثيرًا على لطفها ونثني على تواضعها المذهل، إذ لا يوجد العديد من المؤلفين الحائزين على جوائز ومن المشاهير الدوليين الذين يجيبون بـ "نعم" على طلب مقابلة في أقل من 48 ساعة!

هذه هدية رائعة لكم عشاق الكتابة الخيالية من طاقم ضائع في الرواية (1)، إذ نقدم لكم مقابلة مع أحد أكثر المؤلفين المعاصرين موهبة وحس مرهف في العالم، كما أن كتابها "دفتر مايا"(2) صدر(3) باللغة الإنجليزية عام 2012، وسيكون من العار أن تفوتوه!


أي من شخصياتك الروائية تشعرين نحوها بارتباط أوثق؟ ولماذا؟


سمعت ذات مرة أن المؤلف يجد نفسه في كل شخصية وأن كل شخصية تمثل جانبًا من جوانب المؤلف، لا أجد أنني أتطابق مع شخصية واحدة على وجه الخصوص، لكن في معظم كتبي تكون البطلة الرئيسة امرأة قوية الإرادة ومستقلة ومتمردة وتكافح من أجل التغلب على الصعاب، إضافة إلى أنها عاطفية ومرهفة الحس في ذات الحين، وهذا ما يجعلني أشعر بارتباط كبير بهن.


ماذا تعني "الكتابة" لك؟


الكتابة هي الحياة، فرواية القصص هو الشيء الوحيد الذي أريد القيام به، والكتابة كالتنفس لي، لقد منحني الأدب صوتًا، وأعطى معنىً لحياتي وربطني بملايين القراء في جميع أنحاء العالم.


النشر أمر صعب دائمًا، كيف وجدتِ وكيلتك الأدبية كارمن بالثيس؟


رُفضت روايتي الأولى "بيت الأرواح"(4) من العديد من دور النشر، إلى أن أخبرتني ذات يوم موظفة الاستقبال في إحدى دور النشر تلك أنه لا أمل لروايتي في أن تُنشر بدون وكيل أدبي جيد، وقد نصحتني بكارمن بالثيس، وبعد ذلك أعطاني الكاتب الأرجنتيني توماس إلوي مارتينيز عنوان كارمن بالثيس في إسبانيا ورشحها لي أفضلَ وكيل لأدب أمريكا اللاتينية.


قلتِ في إحدى المقابلات أنك تملكين رؤية سينمائية عندما تكتبين، وفي العصر الحديث، تعمل التقنيات الجديدة على تغيير حياتنا اليومية، فكل شخص تقريبًا نجده على فيسبوك أو يغرّد يوميًا، ناهيك عن ثورة الكتاب الإلكتروني، كيف تتعاملين مع هذه المتغيرات مؤلفةً وإنسانًا؟ وما رأيك بالكتب الإلكترونية؟


لا أملك حساب فيسبوك ولا أغرد لأنني لا أملك وقتًا لذلك، أنا مشغولة جدًا بالكتابة، عادة ما يكون لدي كومة من الكتب على طاولتي في انتظار أن يحين دورها لأقرأها، أحب أن ألمس وأشم الكتب لكنني أفضل الكتب الإلكترونية عندما أسافر لأنني أستطيع أن أحمل منها ما أريد في جهازي اللوحي، وأعتقد أنه في المستقبل القريب ستكون الكتب مجرد أشياء نادرة لهواة جمعها وللمكتبات وسننتقل للقراءة من الشاشات.


لقد مرت سنوات عديدة على إقامتك في كاليفورنيا حيث تعيش "عشيرتك" أيضًا، كيف تحافظين على لغتك الإسبانية المكتوبة "مصقولة" بدون أدنى تدخل إنجليزي في المفردات أو في بناء الجمل؟


أوه! أتمنى لو كان ذلك صحيحًا! لقد تدهورت لغتي الإسبانية على نحوٍ خَطِر، يعتقد ويلي -زوجي الأمريكي- أنه يتحدث الإسبانية إلا أن لغته تبدو للسامع وكأنه يتحدث البولندية، وعندما لا يعرف كلمة ما؛ يقوم باختلاقها! بعد 25 عامًا من العيش معه، أصبحت أكتب بالطريقة التي يتحدث بها، ويقوم شاب في إسبانيا يدعى خورخي مانزانيلا بتصحيح مخطوطاتي للقضاء على تأثير ويلي الضار!



محادثة مع إيزابيل ألليندي عن رواية زورو(5)


في رواية زورو، نجد أن الراوي يخاطب القارئ مباشرة عند نقاط الانتقال، لماذا قررتِ إدخال صوت الراوي في روايتك بهذه الطريقة؟


التحدث مباشرة إلى القارئ، كما لو أنه في محادثة، أمر شائك لصعوبة القيام به، ومع ذلك اعتقدت أنه سيُحدث تشويقًا في مسار الرواية، فسيسأل القارئ نفسه: من هذا الراوي؟ إضافةً إلى أنه سيثير لهجة ساخرة كنت أحتاجها للرواية.


ما الأبحاث التي قمتِ بها لتكتبي عن شخصيات روايتك الذين عاشوا في كاليفورنيا وإسبانيا ومنطقة البحر الكاريبي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي؟


عادة ما أقوم بالبحث بدقة، أقرأ في الكتب وأبحاث في الإنترنت، أشاهد الأفلام لأحصل على فكرة عن الملابس وأسلوب الحياة، استغرق الأمر ستة أشهر من البحث المكثف لأتمكن من تأليف الكتاب، كنت بحاجة إلى الكثير من المعلومات حول السفن الشراعية، والهنود، والغجر، والجمعيات السرية، والمبارزة بالسيوف، والسياسة في أوروبا، إلخ.


تشتهرين بكتابة الروايات الأدبية أكثر من روايات المغامرات، كيف قررتِ أن تخوضي مجال المغامرة وتكتبي زورو في هذه الرواية؟


شخصية زورو مملوكة لشركة زورو للإنتاج (6)، ولقد أتاني ثلاثة أشخاص من تلك الشركة في صيف عام 2003 وطلبوا مني كتابة رواية عن زورو، فكرت في الأمر وقررت أنه نظرًا لأن الحقبة التاريخية للأحداث رائعة جدًا، يمكنني أن أٌخرج قصةً أصليةً عن زورو.


هل واجهتِ أية تحديات خاصة في أن يكون بطل روايتك زورو الشخصية الثقافية المعروفة على نطاق واسع؟


كان التحدي يكمن في تخيّل شيء لم يُنجَز، كنت أعلم أن الأمر لن يكون سهلاً لأنه قد قيل عن الشخصية الكثير في الكتب المصورة والتلفزيون والأفلام، ولكن لم يُقل عن طفولته وشبابه سوى القليل، فلماذا وكيف يصبح الصبي زورو؟


وصف نقادك زورو بأنه "واحد من تلك التطابقات النادرة والمثالية للبطل والمؤلف"، إلى أي مدى تتفقين مع هذه الملاحظة، وهل شعرتِ بالارتباط على نحو خاص مع شخصية زورو كما كتبتِ؟ 


لقد سألت الموظفين في شركة زورو للإنتاج عن سبب اختيارهم لي لتأليف هذا الكتاب وقالوا لأنني من أصل إسباني، إضافةً إلى أنني أعرف الثقافة الإسبانية (وحتى أنني أكتب باللغة الإسبانية!)، ولقد كتبت عن حمى ذهب كاليفورنيا(7) في روايتي "ابنة الحظ"(8)، وكان موضوع العدالة دائمًا حاضرًا في كتبي، وأنني كتبت أيضًا روايات للشباب، لذلك لدي بعض الخبرة مع أبطال المغامرات، ومن جانبي يمكنني القول إنني لطالما أحببت زورو لأنه شجاع وذكي وليس عنيفًا على نحوٍ خاص، فهو مرح، لعوب، وشاب خالد يجازف بحياته لمساعدة المستضعفين لكنه يفعل ذلك بمرح تهكمي، لا شيء يمت إليه بصلة مع المأساة، فهو دائمًا مضحك!


2005

(1)    Lost in Fiction

(2)    Maya's Notebook

(3)    في الأصل "سيصدر" وذلك لتقادم نص المقابلة، فتم تعديله لضرورة السياق.

(4)    The House of the Spirits

(5)    Zorro، إحدى روايات ايزابيل ألليندي

(6)    Zorro Productions

(7)    بدأت حمى الذهب في كاليفورنيا في 24 يناير 1848 مع اكتشاف جيمس مارشال الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا.

(8)    Daughter of Fortune

الثلاثاء، 2 مارس 2021

مرتفعات وذرينغ - إيميلي برونتي

 


بعد تجاوز المحطة الأولى في القراءة للأخوات برونتي- مع آن برونتي وروايتيها "أغنيس غري ونزيلة ويلدفيل هال"، فقد كانت المحطة الثانية مع مرتفعات وذرينغ لإيميلي برونتي الرواية الإنجليزية الكلاسيكية "المبتورة في ورشة عمل بريّة بأدوات يسيرة مصدرها مواد منزلية" على حد وصف أختها شارلوت برونتي. رواية واحدة كانت كفيلة بأن تجعل من إيميلي إحدى الأديبات الخالدات، بعملها الجامح ولغتها التي تتأرجح تتابعيا ما بين الرقة الغارقة بالعاطفة البدائية (نابعة من أراضي هاورث البرية، لم تَشُبْها أو تغيّر رونقها حياة المدينة ولا الزيف الإنساني الحضري) وبين القسوة والكراهية البدائية (استمدتها من حياة قاسية بدأت بوفاة أمها بعد ولادة أختها الصغرى آن، ووفاة أختيها فيما بعد ماريا وإليزابيث، وظروف عيش غير مرفَّهة سواء في المدرسة الداخلية حيث درست أو منزل سُكناها، ثم في عملها مربيةً في وظيفة أشبه بالعبودية استمرَّت سبع عشرة ساعة لم تطقه إيميلي المرهفة الشعور والجسد)، لنقف على لغة تمتاز بمفردات الحب والبغض، وإحساس وشاعرية، تنتمي إلى الأرض والبراري والطبيعة الحيّة والتلال والسهول حيث ترعرعت إيميلي. تكتب عن الحب بقلب عاشقة ملتاعة وتكتب عن الكره بسوط جلّاد لا يعرف الرحمة، إلا أن مرتفعاتها لم تُكتب لأجل الرحمة بل كتبت للعذاب والألم فنشم في مفرداتها رائحة البغض والنكد والألم والحقد والتعب والإعياء والهزل والكآبة والظلام والسوداوية والجحيم والوحوش والشياطين والعذاب. وتستند إيميلي إلى ملكة مفردات غنية فنراها تستثمر المرادفات الكثيرة في تقوية نسيج عالمها المشبع بالاختناق والضيق والضياع في أروقة وذرينغ تحت سطوة شر شيطاني انتقامي لا يعرف الرحمة متمثلًا في شخصية هيثكليف. 

لسوء الحظ فقد قرأت الرواية في بادئ الأمر بترجمتها العربية (عن المركز الثقافي العربي) لأكتشف أني قرأت نصًا مشوَّهًا بعد أن وجدت خطأين في السرد، يتحول فيه السارد بضمير المتكلم -الذي كان الأسلوب السردي الوحيد في الرواية- إلى سارد عليم، وبعد التأكد من النص الأصلي هالتني الكارثة وأنني قرأت ما لم يجب أن أقرأه، فلم أجد بدًّا من العودة مباشرة وقراءة النص الأصلي بلغته الإنجليزية. 


تدور أحداث الرواية في ثلاثة أجيال (الجيل الأول: ثانوي، والآخران: رئيسان) لعائلتي إيرنشو ولنتون، في أكثر من ربع قرن من الزمن. تتوزع الشخصيات في العمل على نحو متتابع، مجموعة شخصيات تلو الأخرى مع ثبات شخصيتين هما الشخصية المحور "هيثكليف" والشخصية الساردة (بؤرة السرد) للقصة وعرّابة الرواية الخادمة إلين دين "نيلي". 



وما بين مرتفعات وذرينغ وقصر ثروشكروس غرانغ تدور رحى صراع عنيف بين الحب والكره، والخير والشر، تتمازج هذه الأقطاب الأربعة وتتحد في تكوين شخصيات العمل، فلا تتفرد شخصية بقطب حتى ينازعها قطب آخر باسثناء هيثكليف الذي مثّل قطب الشر وإلين دين التي مثَّلت قطب الخير. تبدأ عجلة الرواية بالتحرك قدما بظهور اللقيط هيثكليف مع الأب إيرنشو جالبًا إياه من زيارته إلى ليفربول، لا يعرف له أصل ولا أثر يُقتفى، تتداخل عوامل القدر والإنسان في تكوين علاقات حب وكره ما بين الشخصيات الرئيسة في كلا الجيلين الثاني والثالث لتشكل مجموعة من المراحل والفصول التي تستوجب الوقوف والدراسة على حدة، ومن أبرزها حب هيثكليف وكاثرن إيرنشو، ثم كره هيثكليف لعائلتي إيرنشو ولنتون وسعيه الدؤوب في محو أثر هاتين العائلتين على مدى سنوات طويلة. 


هيثكليف

(حب متطرف وشر مستطير)


يحوز هيثكليف على البطولة في العمل، ولو اقتصر الحديث عليه لما ظلمنا الرواية ولا انتقص من قدرها شيء فكل الأحداث تقريبا مرتبطة به وتدور حوله من قريب أو بعيد. وهي شخصية ذات تركيب عجيب من الشر الشيطاني الانتقامي الذي لا يعرف الرحمة والحب البربري الهمجي الذي لا يعرف الكلل، ضاربًا عرض الحائط الحدود الفاصلة ما بين الحياة والموت، ويجعلهما وسيلة يحب من خلالها وينتقم عبرها. 

لا يمكن تعريف الحب لديه بمعاني الحب المألوفة عمومًا فحبه موَّجه لشخص كاثرن فحسب، يسعى من أجله لينتقم من كل سبب فرَّقه عنها، ومِن كل ما له صلة بها. وهنا المفارقة الغريبة في هذا الحب المتطرف غير المعتاد أو لأسمِّه "الحب الشراني" الذي يصبح دافعًا قويًا للانتقام والكراهية والبغض والسادية، تتسلل روح الشيطان في جسده الضخم والقوي، فبهجته في تعاسة من يكرههم ولهم قرابة نسب بحبيبته، وراحته في عذابات من ينتمي للعائلتين كانتا سببًا في تمرّده على ذاته الإنسانية التي قُتل فيها كل الخير تقريبا وحوّطت بالأسوار العالية بقاياه فمسخته عفريتًا بشعًا وغولًا مفترسًا ووحشًا فظيعًا- سواء من كانوا سببًا مباشرًا أو من هم برآء من خطيئته. تلتمس شخصيات ضحاياه هذه السمات المتوحشة والشرّانية فتقول إيزابيلا لنتون (زوجته) لنيلي:   


- وحش! أيمكن أن يُفنى خلقه أو يُمحى ذكره! 

- صه صه! إنه كائن بشري. كوني أكثر تلطَّفًا، ثمة رجال أسوأ منه. 

- إنه ليس ببشري. 


ويقول إدغار لنتون لابنته كاثرن:


- لا لم يكن ذلك لأني أكره السيد هيثكليف بل لأن السيد هيثكليف يكرهني، إنه الرجل الأكثر شيطانية، بهجته في ظلم وتدمير من يكرههم إذا منحوه أيسر فرصة لفعلها.


عرفت هذه الشخصيات المحيطة به طبعه الشرَّاني، ويعرفها القارئ بتقدمه في القراءة حتى يصل إلى مرحلة يقف بها على شخصية عجيبة، ومتعددة الهُويات، فلا هي بالشريرة المطلقة ولا يبدو عليها أنها تحمل سمات خير، بل إن الخير فيها يخشوشن ويتصلب فيبدو صورة من صور الشر. 

إن الحديث عن هذه الشخصية لا يكتمل ولا يُؤتي أُكله دون البحث في الأسباب التي أدت إلى جعله هكذا، ولا بد كذلك من فهم علاقته بكاثرن إيرنشو التي تمثل هي الأخرى هيثكليف آخر، لكنها هيثكليف إنثوي لم تُتحْ لها الفرصة في أن تفترَّ عن نابها وتفترس ضحاياها بالشكل الذي أتاحه القدر لهيثكليف، لذا فإن فهم هيثكليف وعلاقته بكاثرن قد يُوصلنا إلى نقطة محورية في تشابه هاتين الشخصيتين أو الانقسام الثنائي لفكرة ما أو شخص تعتّق كثيرا في مخيلة إيميلي. 

تبدأ قصة هيثكليف حين يعود به إيرنشو الأب من ليفربول بعد أن يجده مشردا في الشارع وبلا مأوى، ويسميه هيثكليف باسم ولد له مات صغيرا. تفتح هذه التسمية باب احتمالية علاقة سِفاح جمعت ما بين أخوين (هيثكليف وكاثرن) وليس بالضرورة أن تكون إخوتهما إخوة دم، بل هي إخوة من نوع خاص لا يحقُّ لأي علاقة أن تجمعها وتفكَّ أزرار ثياب جسديهما دون أن تصيبهما اللعنة، التي تجسدت في هثيكليف. (خطر ببالي أن هذه العلاقة بين هيثكليف وكاثرن قد ترمز لحب بين إيميلي وأختها آن، أو إيميلي وأخيها برانويل. وليس بالضرورة أن تكون علاقة فعلية، لكن محاولة إيميلي أن تجسِّد طبيعة ومآلات هكذا علاقة، وجعلت من سبب التسمية وإشارات أخرى سأذكرها قد تكون تلميحًا للعلاقة الحقيقية المقصودة التي حاولت سبر غورها وعرضها في عملها. لكني لا أريد أن أختلق فكرة ثم أحاول إثباتها من النص بليِّ عنقه بل سآخذ النص بما يحويه من دلالات قد تُثبت ما ذهبتُ إليه). ينال هيثكليف الطفل حب وإيثار الأب إيرنشو، وتفضيله على ابنه هندلي وابنته كاثرن، هذا التفضيل الذي يطرح أسئلة مهمة: ما مزية هذا الطفل الذي جلبه من الشارع ليفضَّله على ابنيه؟ ما احتمالية أن يكون هذا الابن هو ابنه؟ ما دوافع إيرنشو الأب من فعلته هذه وحظوة هيثكليف الطفل لديه؟ والأهم من كل هذا، هل اعترف إيرنشو الأب لهيثكليف عن سبب ما قام به لأجله؟ هذه الأسئلة التي تبقى أجوبتها ظنية لا قطعية، ستعطينا أول الإشارات عن وحشية العلاقة بين كاثرن وهيثكليف، وكيف كبر الحب وتضخَّم، ثم انقلب وبالا عليهما، وخلق من هيثكليف واحدة من أشنع الشخصيات الشريرة في عالم الرواية. 

تنقلب حال هيثكليف بعد وفاة الأب، ويبدأ هندلي برحلة انتقام بأثر رجعي من هيثكليف، عازلا إياه عن الأسرة، ومُنزلًا قدره إلى درجة الخدم في قصر ويذرنغ. ونتيجة لهذه الفعلة، تنمو بذرة الشر شيئًا فشيئًا وتمسخ هيثكليف إلى كائن خيالي الشر، فنقرأ قوله وهو ما يزال فتًى لنيلي:    

 

سأكون قذرا كما أحب، ويُعجبني أن أكون قذرا، وسأبقى قذرا. 


ويقول:

أحاول أن أستقرَّ على الطريقة التي أسدد بها الدين لهندلي. لا يهم طول المدة التي أنتظرها إذا استطعتُ فعلها في الختام. آمل ألا يموت قبل أن أفعلها!... كل ما أرغب به أن أعلم أفضل وسيلة! اتركيني وحدي، وسأجد خلاصي: فحينما أفكر في ذلك لا أشعر بالألم. 


من هذين الاعترافين لهيثكليف نقف على أهم سمتين خلقهما لنفسه: القذارة ولذة التفكير بالانتقام المُنسية للألم. 

ترافق كاثرنُ هيثكليفَ في سنوات حياته الأولى وبعد انقلاب حاله بوفاة إيرنشو في حب طفولي ومشاعر نقية تكبر معهما إلا إن ضِعة قدر هيثكليف الاجتماعي يجعل من كاثرن مترددة من الارتباط به، أو هذا في الأقل ما تعلن عنه صراحة، لتزداد الفجوة بينهما بدخول إدغار لنتون على خط الأحداث وغرامه بكاثرن، التي لا تجد عائقا من حبه وقبول الزواج به، مع هذا التغيّر الرئيس الثاني في حال هيثكليف تزداد حدة هذا التضخم الشراني والتشوّه النفسي الذي سيتوَّج بانتقام مرير لا تخبو ناره سنوات طويلة. ويعترضنا عارض هنا متمثل في مشاعر كاثرن تُجاه هيثكليف وإدغار، فتصف مشاعرها لإدغار مثل أوراق الشجر المتغيّرة مع الفصول، في حين هيثكليف صخرة راسخة لا تتغير (في هذا التوصيف استطراد يسير على طبيعة لغة إيميلي الممتدة الجذور في الطبيعة، فتوصيفاتها نابعة من الطبيعة، التي رآت أنها -كما تشير وينفريد إحدى كاتبات سيرتها- منتهية في ذاتها. فهم العلاقة بين إيميلي والطبيعة حيث عاشت في هاورث يجلي عن أبصارنا الغبش أولا عن مادة لغتها ومن أين استمدتها، وثانيا في فهم علاقة شخصيات روايتها بالطبيعة والأراضي المحيطة بهم، فتذكر على سبيل المثال كيف كان يتسلل هيثكليف وكاثرن في صباهم إلى الأراضي في وذرينغ وقضاء ساعات يتجولون فيها، وهنا تعيد إيميلي استثمار خبرتها الحياتية في هاورث وكيف قضت طفولتها في تلك الأراضي البور ذات التلال، ومرافقتها أختها الصغرى آن إلى هناك، التي كانت هي الأخرى ذات علاقة مميزة مع الطبيعة ظهرت في قصائدها وروايتيْها).    

ثم تعترف كاثرن لنيلي عن ماهيّتها النفسية وتشابهها مع هيثكليف فتقول: 

 

نيلي لأنه يشبهني أكثر مما أشبه نفسي. وبغض النظر ممَّا قُدَّت روحانا، فروحي وروحه متشابهتان.


وتقول:


نيلي أنا هيثلكيف! إنه دائما، دائما في عقلي: ليس بسلوًى لنفسي أكثر مما أنا دائما سلوى لها لكن بكونه ماهيتي. 


هذان الاعترافان وبالوقوف عندهما، أميل إلى إنَّ شخصيتا كاثرن وهيثكليف هما انقسام لذات واحدة، ولا يمكن أخذ أحدهما بانعزال عن الآخر، فهما كتلة واحدة متداخلان ومتجذِّران بعضهما ببعض، لذا فإن الانتقام أحدهما من الآخر هو انتقام من الذات، وحب أحدهما للآخر هو حب الذات، والنتيجة ستكون أن الخير والشر الناتج عنهما يفوق الوصف والخيال، فهما نقيان ولا تشوبهما شائبة، ويُقدَّم بروح بربرية همجية مترعرعة في أرض بور، ومنتمية إلى الطبيعة التي لا تخرج عنها. وبالعودة إلى طبيعة العلاقة التي جمعت الاثنين أو الواحد (لو افترضنا أن إيميلي خلقت شخصيتين هما في الأساس تعبير عن عشق المرء لذاته) يقول هيثكليف معترفًا لكاثرن قُبيل وفاتها:     


لقد علَّمتِني الآن ما أقساك، لقد كنتِ قاسية ومخادعة. لماذا احتقرتني؟ وخنتِ قلبي يا كاثي؟ لا أجد كلمة مواساة واحدة. أنتِ تستحقين هذا. لقد قتلتِ نفسكِ. نعم، قد تقبِّليني، وتبكين، وتغصبين قُبلاتي ودموعي اللاتي ستُخرِّبُكِ وتلعنُكِ. لقد أحببتني وقتها فبأي وجه حق تركتني؟ بأي حقٍ أجيبيني لأجل نزوة حقيرة ألَّمت بكِ تُجاه لنتون؟ لم يكن بإمكان التعاسة أو الطبقية، أو الموت، أو الله، أو إبليس، أن يفرِّقوا بيننا. أنتِ، وبإرادتِكِ، فعلتِها. لم أكسر قلبك لقد كسرته بنفسكِ، وفي غمرة انكساره كسرتِ قلبي معه. وأسوأ ما في الأمر أنني قوي. هل أرغب بأن أحيا؟ أي نوع من الحياة ستكون حينَ تكونين أوه، رباهَ، أسترغبين بالحياة مع روحكِ في القبر؟  

 

لكن هذا لم يكن يكفي ليمحو الحب ولا يزيل تأثيره من قلب هيثكليف بل سيتحول هذا الحب بعد موت كاثرن إلى حب متطرِّف ومُغالٍ (كما في مشهد حفر قبرها والرغبة برؤيتها وعناقها) ودافعٍ إلى الشر والانتقام من عائلتي إرينشو ولنتون ومحو ذكراهما من الوجود. تبدأ سنوات الشر المستطير على هاتين العائلتين وأفرادهما لتصل إلى درجة الانتقام من أبناء لا ذنب لهم فيما جرى له لكنه الشر الذي يُعمي صاحبه. يبدأ الانتقام بزواج إيزابيلا راسمًا من الزواج حقلا أمثلَ من السوء في التعامل والازدراء، ويصل الانتقام من هندلي وإدغار (العدوان الرئيسان) بعد وفاة كاثرن إيرنشو إلى ذروته في طوره الأول وبموتهما يدخل الانتقام في في طوره الآخر من سليلهما (هرتون هندلي الذي يصبح ملكًا لهيثكليف بعد وفاة والده وخادما له في مرتفعات وذرينغ التي استحوذ عليها هيثكليف بسبب سوء تدبير هندلي وتدهوره الصحي والعقلي بعد وفاة زوجته فرنسيس، وكاثرن إدغار)، كل هذا من أجل محو ذكر العائلتين، وفي سبيل هذا الهدف تموت زوجته إيزابيلا، ثم يموت ابنهما (لنتون) الذي يستغله هيثكليف ليكون مطية للحصول على كاثرن إدغار التي ينالها في الأخير. 

لا يفرق الانتقام الذين يناله هرتون وكاثرن شيئا من الذي ناله سابقيهم، لكن من هذين الاثنين تبرز الذكرى الشبحية التي ستعجّل من نهاية هيثكليف. فالجسارة التي امتلكتها كاثرن البنت هي جزء من جسارة كاثرن الأم (حبيبته) وبوفاة زوجها (لنتون هيثكليف) تزداد كاثرن قسوة وقوة وتشي هذه الكلمات بطبيعتها: 


- لقد تركتني مدة طويلة أصارع الموت وحدي، وما أشعر به وأراه الموت فحسب! أشعر كالموت! 


أما هرتون فإنه رغم حبه لهيثكليف وكره الأخير له فقد امتلك ما لا يستطيع هيثكليف مقاومته: 


- لكن حين أبحث عن والده في وجهه، أراها في كل يوم أوضح! ما أكثر شبهه بها بحق الشيطان؟ بالكاد يمكنني تحمل رؤيته.    


هرتون هو الضربة القاضية التي اشتدت شراستها بتقدم الزمن على هيثكليف حتى وصلت به إلى حتفه.  

*** 

وما أستدرك به ما سبق هل هيثكلف شرير بالمطلق؟ الجواب لا. إنَّ شر هيثلكيف مقتصرٌ على من آذوه، لكنَّ الآخرين ليسوا أهلًا لنيل خيره أو إنه فقد القدرة على منح الخير أو حتى نسى ما هو الخير. وفي تقرب هيثكليف وصداقته للخادمة دين دلالة على بقايا الخير فيه فهو لم يحاول إيذاءها، ويرى فيها شخصًا قريبا له يفضي إليه بأسراره ويحكي له عن حاله في أكثر من مرة، وإن دل هذا على شيء فهو إنَّ نزعة الشر عنده موجَّهة لا عبثية. 

وكيف تُفسَّر إساءته إلى كاثرن إدغار وهي قطعة من كاثرن إيرنشو، التي من المفترض أن تكون قريبة إلى قلبه، واستمرار ازدرائه لهرتون وهو الذي يذكره وجهه كل يوم بكاثرن إيرنشو؟ 

تبدو الإجابة الأكثر مقبولية في رأيي متمثلة في فقدان السيطرة على الانتقام، وأن حبَّه لكاثرن حب خاص لا يمكن الوصول إلى ماهيته الفعلية لأنه تشوَّه ووصل مراحل امتزج فيها بالشر والأذية، وصار تذكيرا بخيانة الذات الكاثرنية-الهيثكليفية للذات الهيثكليفية-الكاثرنية، فهذا النقض للاتحاد بين الذاتين (أو الذات المنشطرة إلى نصفين) أعمى بصيرته بما لا يمكنه التمييز بين العدو والصديق في هاتين العائلتين، وفقدان بوصلة الخير والشر فيما يخصهما، ليصبح الجميع أعداءً له، ولكل منهما أجله ونصيب من الانتقام.   


السرد في الرواية     

   

إن السرد في الرواية قد نُسج بدراية ومعرفة، توالى عليه السيد لوكوود والخادمة إلين دين "نيلي" بسرد بضمير المتكلم، فقد أمسك بزمام عرض القصة وإنهائها لوكوود، وأما إلين دين فقد كانت هي الشخصية الحاضرة في ثلاثة أجيال من الأسرتين وعاصرت موت جميع الشخصيات خلا كاثرن لنتون البنت وهرتون إيرنشو، والتي قصَّت على مسامع السيد لوكوود قصة هيثكليف والبقية بأسلوب حكّاءة لم تغفل أي جانب من جوانب قصتها الأمر الذي أثار اهتمام واعجاب مستمعها الذي قال مشيدًا بها: 

لقد أتممتِ على نحو صائب سرد القصة بمتعة. هذه هي الطريقة التي أحب، ويجب أن تنهيها بذات الأسلوب. أنا مهتم بكل شخصية ذكرتِها قليلًا أو كثيرًا. 


لذا فنحن نقف على مستويين من السرد والزمن، السرد الآني الذي يتكفل به لوكوود والسرد عن الماضي الذي تتكفل به نيلي، وهي هنا تلعب في قصتها دورين في آن واحد- دور الشخصية ودور القاصة، إلا أن هذه القاصة لم تكن لتسرد القصة بمفردها، فهي في الأخيرة شخص يعيش في مكان واحد ويلتقي بأشخاص محددين في كل حين ولا يمكنها أن تعلم ما يحدث مع الجميع في مكان تغيب عنه أو حدث بعيد عنها، وهنا بالذات نقف على معرفة إيميلي بالفن السرد الذي انتهجته في جعل ساردتها متمكنة من مادة قصتها، فترفدها بالمعلومات والأخبار والأحداث من قبل ساردين ثانويين (امتازوا أيضا بدوريْ المعايشة للأحداث وقصها) يمدونها بما تحتاج إليه لتكتمل معرفتها، فكانوا الروافد الصغيرة التي تُزوِّد النهر السردي بماء الأحداث. يتنوع هذا التزويد بوسائل مختلفة وشخصيات متعددة، سواء عبر سرد شفاهي كما حدث في حكي هيثكليف لنيلي ما وقع له وكاثرن لدى آل لنتون، أو ما تقصه زيلا لها بشأن كاثرن البنت بعد دخولها إلى مرتفعات وذرينغ، أو في رسالة إيزابيلا التي تقص فيها ما حصل لها وعايشته في أول يوم تصل فيه إلى مرتفعات وذرينغ بعد هربها مع هيثكليف وما تلاه ، وفي حكي كاثرن البنت لها عن ذهابها وقت مرض الأخيرة إلى مرتفعات وذرينغ للقاء لنتون هيثكليف، وفي حكي المرأة الخادم، وفي حكي لنتون هيثكليف العليل. 

بتجمع كل هؤلاء الذي يتناوبون بالتتابع وفي مدد مختلفة متقاربة أو متباعدة، تكتمل فصول القصة التي امتدت لأكثر من ربع قرن لعرّابة الرواية إلين دين، التي تلقي ما في جَعبتها في أحضان السيد لوكوود ود. 


مؤمن الوزان.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب