المشاركات الشائعة

الجمعة، 17 مايو 2019

الأدب وتأُثيره في اللغة - مؤمن الوزان.

إنَّ الأدب بعظمائه سواء أكانوا أدباءً أم شخصيات خيالية يعكس من جهة الحياة بمختلف محطاتها ورحلاتها ومن جهة أخرى يتغلل إلى حياة الإنسان بتأنٍ وتؤدة  وإلى كل ما يمت له بصلة فيجد نفسه بعد مدة قد تطول أو تقصر وهو يعايش هؤلاء الأدباء أو شخصياتهم، حتى إن لم يكن من محبي الأدب والقراءة فإن أذرع الأدب التأثيرية تصل إليه وتقتحم عالمه رغما عنه. ما سأتطرق إليه هو عن جوانب هذا التأثير والوصول الأدبي فيما يخص اللغة وكيف أصبحت أسماء الأدباء أو شخصياتهم، صفة أو لفظ كناية، تغني عن الإسهاب والإطناب في الشرح والوصف لما يراد الحديث عنه، فتأتي هذه الصفات والألفاظ لتؤدي المهمة بسرعة ونجاعة قلَّ نظيرها، وما يميز هذه الخاصية هو أنَّ لا حدٌّ لها فما دامت اللغة قادرة على خلق الألفاظ والاشتقاقات وما دام الأديب مستمر في الإبداع في الكتابة عن الإنسان غائصا في أعماق نفسه البشرية؛ فنحن بحضرة عشرات الصفات وألفاظ الكناية القادمة، وهذا ما يجعل اللغة ابنة الإنسان والإنسان ابن الأدب.
لكن قبل الولوج إلى أمثلة التأثير الأدبي في اللغة لا بدَّ من التعريج إلى كيفية تأثرنا بالأدب وشخصياته فيخلدون في المخيال الإنساني أكثر من بعض الشخصيات الحقيقية. وما الذي يدفع القارئ أن يتعاطف مع مدام بوفاري أو أن تُستثار دموعه لمصير آنا كارنينا في الوقت الذي لا يتعاطف مع ملايين الناس الذي يلقون حتفهم لأسباب كثيرة في هذا العالم، أو أن يستذكر شخصيات روائية تخييلية مثل شخصية شارلوك هولمز وينسى شخصيات حقيقية أخرى في الوقت ذاته في قضية ما؟ وهو سؤال مهم يقوم على عدة أركان يُجيب عنه أمبرتو إيكو في كتاب اعترافات روائي ناشئ:


- يقول ألكسندر دوماس: "فمن مميزات الروائيين أنهم يخلقون شخصيات تقتل شخصيات التاريخ. والسبب في ذلك أن المؤرخين يكتفون بالحديث عن أشباح، أما الروائيون فيخلقون أشخاصا من لحم وعظم".


- تقوم بعض استراتيجيات الرواة على خلق دراما تستدر دموع الجمهور. وأن ظاهرة التعاطف لا تمتع بقيمة وجودية أو منطقية، ولا يمكن أن تثير اهتمام أحد عدا السيكولوجيين. ويضيف إيكو إذا كنا نتماهى مع الشخصيات التخييلية ومع مصائرها، فإن سبب ذلك يعود، وفق مواضعات سردية، إلى أن نهيئ أنفسنا داخل عوالم ممكنة لقصصهم، كما لو أنه عالمنا الواقعي. وإن عملية انتزاع دموع قارئ ما لا تعود فقط إلى المميزات التي تتوفر عليها الشخصية التخييلية، بل أيضا إلى العادات الثقافية للقراء، أو العلاقة القائمة بين انتظاراتهم الثقافية والاستراتيجية السردية.


- الأنطولوجيا ضد السميائيات: يقول إيكو لا أهتم بأنطولوجيا الشخصيات التخييلية. فلكي يصبح موضوع ما موضوعا لدراسة أنطولوجية يجب اعتباره موجودا في استقلال تام عن كل ذهن يفكر فيه. وسبب حزننا على موت شخصية تخييلية مثل آنا كارنينا، فلن يكون بمستطاعي تبني وجهة نظر أنطولوجية، وأنا مضطر للنظر لآنا كارنينا باعتبارها موضوعا ذهنيا، موضوعا للمعرفة. ولا تعد مقاربتي من طبيعة أنطولوجية، بل هي من طبيعة سيميائية: فما يهمني هو معرفة ما المضمون الذي يتطابق في نظر قارئ مؤهل، مع التعبير "آنا كارنينا" خاصة إذا كان هذا القارئ يسلم بأن آنا كارنينا لم ولن تكون أبدا موضوعا له وجود مادي.
- إثباتات تخييلية ضد إثباتات تاريخية: في الوقت الذي قد نشكك في موت هتلر في مخبأ أرضي، لكننا لا نشك أبدا بموت آنا كارنينا، ويضع إيكو هذه المقابلة على محكين هما الشرعية التجريبية الخارجية والتي من خلالها نطلب دليلا على موت هتلر في مخبأ أرضي، وعبر الشرعية التجريبية الداخلية (بالمعنى الذي لا يلزمنا بأن نستخرج من النص ما يثبت ذلك)، واستنادا إلى هذه الشرعية، سننظر إلى من يؤكد لنا أن آنا كارنينا تزوجت من بيير بيزيخوف* بأنه أحمق، أو في الأقل ليس مطلعا على الأمور بما يكفي، في حين نسمح لشخص ما أن يشكك في موت هتلر.
*
ويتحدث الروائي الراحل حسن مطلك عن "تأثير ما بعد القراءة" (تأثير الرواية والأدب في القارئ) فيقول: "إني أتذكر (زوربا) مثلما أتذكر صديقي (أحمد)، أتذكر (تاراس بولبا) القوقازي. فمن يضمن أنني لا أعرفه فما الفرق بينه و(زوربا) بالنسبة لي كلاهما يمثلان ذكرى، يمثلان خبرة عشتها وأحببتها…".
***
من هنا ينطلق تأثير الأدب في الإنسان، وينشِّط خياله وأفكاره ويجعلها أرضا خصبة لتستقبل هذه الشخصيات، فتنمو فيه وتنشأ معه وتدخل إلى حياته مرحبا بها كأنها حقيقة لا يخالطها شك، فكان لزاما أن يتم استحضار هذه الشخصيات أو من خلقوها عند الحاجة، وبما أن اللغة هي السبيل الذي أوصلنا إليهم وأوصلهم إلينا؛ فستبقى اللغة سبيلنا إلى استدعائهم أيضا. وسآخذ أربعة أمثلة -اثنين من أسماء الأدباء واثنين من أسماء شخصياتهم- عن صفات وكنايات من الأدب دخلت اللغة من بابها المشرع:


- كيخوتي Quixotic


حين كان سيرفانتس في السجن تشكلت في ذهنه الخطوط الأولى لرواية دون كيخوته لترى النور بعد خروجه من السجن. وتعد رواية دون كيخوته أول رواية حديثة في الأدب، طُبع الجزء الأول منها  عام 1605 ولحقها جزء آخر متمم في عام 1615، ليكتمل عمل أدبي روائي لم يشبهه عمل من قبله، يذكر كتاب "أدباء: حيواتهم وأعمالهم": جرّب سرفانتس العديد من الصيغ والأشكال الأدبية في حياته، لكنه في دون كيخوته خلق قاعة من المرايا. بالرغم من أن البطل يرتحل في عالم الواقع مع رفيقٍ واقعي إلا أن القارئ يُسحب إلى خيالات البطل المجنون. الفكاهة، والمأساة، والتوترات الاجتماعية لذلك العصر تطفو على السطح بتفاعل ما بين الحقيقة والوهم. الرواية عَرَضية، بقصص من شخصيات متعددة توسع المشهد، وبمرجعية ذاتية هزلية: وعت الشخصيات دورها في العمل، واستغل السارد الظهور المنتظم لها لمناقشة حيلة عمله وتأثيرات الخدعة في الأدب.
يأخذنا سيرفناتس مع بطله دون كيخوته، الفارس المبعوث في زمن ليس بزمانه، باحثا عن عصر لم ينتمِ له، عصر الفرسان وشهامتهم واستعدادهم للتضحية لأجل حبيباتهم، فكانت حياته هذا البطل منبعا لاشتقاق صفة من اسمه، كيخوتي Quixotic. وتعني كلمة كيخوتي المثالية اليائسة أو المتطرفة أوغير الحقيقية، إذ يهيم الإنسان عالم الخيال ونسيان الواقع. يذكر كتاب أدباء: حيواتهم وأعمالهم: "وتنطبق الكلمة كليا وبجدارة على حياة سرفانتيس بصعودها وهبوطها في حياته الحربية وحبسه، والسرد القصصي الذي غمر فترة من التاريخ الإسباني المشحون بالصراع".


فإن رأيت شخص حالما يعيش في مثالية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع فيكفي أن تصفه بـ كيخوتي.


- دون جوان (خوان) Don Juan


دون جوان شخصية أسطورية خيالية، ظهرت أول مرة في العمل المسرحي "محتال إشبيلية والتمثال الضيف" للإسباني تيرسو دا مونيلا الذي كتبها في القرن الرابع عشر، وظهرت الشخصية في مسرحية غاوي النساء (الفاسق).


تحكي الأسطورة عن فاسق يهوى إغواء النساء مهما كان عمرهن ومن ثم تركهن بالعار الذي لحق بهن، حيث يفتخر بإغوائه النساء، وقدرته على إسقاطهن في حبائله، وامتازت حياة دون جوان بالعنف والمقامرة، مما يدفعه إلى أن يبقى متجولا باحثا عن اللذة والمتعة.
يُقتل دون جوان في إحدى المرات دون غونزالو ويغوي ابنته الدونة آنا، ويقوم بصنع تمثالين لهما، ومرَّ ذات يوم دون جوان بتمثال الدون فدعاه للعشاء سخرية واستهزاءً به، ولكن سخرية القدر تلحقه ويُلبي التمثال دعوة العشاء ويُخبره بقرب أجل هذا الفاسق الذي عاش مذنبا ومخطئا وغارقا في الشهوة.
يؤمن مونيلا ومن رؤية نابعة من مجتمعه "أن كل إنسان يضرب القيم بعرض الحائط وينحرف ويعيش مع آثامه بسعادة سيدفع الثمن قبل الموت. تُظهر شخصية دون جوان كـ"شيطان" يكون مجبرا دائما على دفع ثمن أخطائه، ليذكرنا بأننا جميعا مضطرون لدفع الثمن جرّاء أفعالنا السيئة وفي النهاية "الموت يجعل الجميع متساوين".


اسم دون جوان لم يبقَ حبيس المسرح، بل أصبح يعبر اليوم عن الرجل ذي العلاقات النسائية المتعددة "زير نساء". فإن كان لديك رفيق مثل هذا فإن اسم دون جوان سيكون ملائما له.  

- بايروني Byronic (البطل البايروني The Byronic Hero)


لم ينحصر تأثير الأدب في اللغة على الشخصيات الخيالية وأسمائها فقط بل أيضا وصل التأثير فيها من حياة الأدباء وأسمائهم، ومن بين هؤلاء الذي كان لهم الأثر اللغوي من بعده هو الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، الذي اشتق من اسمه صفة "بايروني أو البطل البايروني" وكما يبين كتاب أدباء حيواتهم وأعمالهم: "إن عبارة البطل البايروني مرادفة للشخص المزاجي المنبوذ الذي يعرض السوداوية والرومانسية الكئيبة، ويعلّق بسخرية على المجتمع. تعكس هذه الشخصية إلى مدى كبير "شخص بايرون": الذي كان متطرفا في فكره وعمله؛ إذ يكتب: أنا مزيج غريب من الخير والشر، لذا فإن من الصعب أن تصفني. يؤكد الأبطال "النموذج البايروني" في بعض أعماله مثل تشايلد هارولد، وكونراد في القرصان، ومانفيرد.
وألهم بايرون خلق هذه الشخصية التي أصبحت صفتها مشتقة من اسمه من رحلات قام به عام 1809 إلى مواقع البرتغال وإسبانيا ومالطا واليونان وتركيا، وأول ذكر لهذا البطل البايروني كان في قصيدة "رحلة تشايلد هارولد" ونشر مقطعان من هذه القصيدة الطويلة في عام 1812، ليستمر ظهور هذه الشخصية  في بقية أعماله.


فالبايروني إذن هو ذاك الشخص الرومانسي الكئيب ذو المزاج السوداوي الساخر من مجتمعه واللاذع في هجائه والذي تمثّل خير تمثيل في قصائد لورد بايرون وحياته.

- صافوي "سحاقية" (Sapphic) وصافوية "سحاق" (Sapphism)


لا يختلف الأمر كثيرا مع اسم صافو الشاعرة الإغريقية التي عاشت في القرن السابع قبل الميلاد والنسبة إليه في النُظم الشعري سوى أن ما أُثير عنها من تهمة علاقتها العاطفية بإحدى طالباتها، ربط اسمها بالسحاق وأصبحت بالنسبة لكثيرين رمزا من رموز المثلية الجنسية الأنثوية ومصطلح Sapphic love "الحب السحاقي" أكثر ما أُشيع واستخدم إضافة إلى Sapphic ومن معاني هذه الكلمة سحاقية أو ما له علاقة بالسحاق وكذلك Sapphism التي تعني السحاق. وبل من المثير للسخرية أن كلمة Lesbian "سحاقية" مشتقة وإشارة إلى جزيرة Lesbos التي ولدت فيها صافو. بقيت هذه التهمة ملتصقة بها دون دليل قاطع عليها  في الوقت الذي تشير فيه بعض المصادر مثل The Suad "الموسوعة البيزنطية لعالم البحر الأبيض المتوسط القديم" إلى زواجها وأن لها ابنة باسم كليس Cleïs، في حين ينفي آخرون هذه المعلومة ويستندون إلى أن صافو في قصيدتها: إنشودة إلى أفروديت، تصرفت كأنها ذكر. ويصف الباحث أندري لاردينوس جدلية جنسانية صافو بأنه "تساؤل صافو الأعظم".


المصادر:
1- اعترافات روائي ناشئ - أمبرتو إيكو.
2- الكتابة وقوفا - حسن مطلك.
3- Writers: Their lives and works.
4- Oxford Dictionary.
5- Wikipedia.

الأربعاء، 15 مايو 2019

ثلاث نصائح تقدمها ماري كوندو لتحسين مساحة عملك وزيادة إنتاجيتك.



"أصبحت تهيئة الأجواء المكتبية المعينة على الإنتاجية أمرًا سهلاً مع نصائح استشارية التنظيم اليابانية ماري كوندو."
كيتلين شيلر.
تعد مساحات عمل الأشخاص تعبيرًا رائعًا عن شخصياتهم لذا غالبا ما تكون مرتبة ومهيأة بشكل لطيف، إلا أنه في بعض الأحيان تشعر أنه يجب فرض القليل من النظام أو رفع مستوى النظام الحالي سواء كان ذلك من سياسة Clean Desk أو رغبة من Marie Kondo الداخلية الخاصة بك!.
تعد هذه الرغبة أمر جيد جدا إذ تبين أن الفوضى الخارجية يمكن أن تجعل عقلك أكثر اضطرابًا وتسبب لك فوضى داخلية روحية.
فإذا كنت تقرأ هذه الكلمات من خلف أكوام الكتب والدفاتر وعلب المشروبات وقنينات المياه، فلا تخف أبدًا إذ أن تنظيف عملك (ومكتبك) سيكون أمرًا بسيطًا مع بعض النصائح لتنظيم المكاتب من مستشارة التنظيم الياباني ماري كوندو والتي ذكرتها في كتابها سحر الترتيب.




الخطوة 1: تصور مساحة العمل التي تناسبك:

الحفاظ على منطقة ما منظمة ومرتبة قد يخدم غرضًا وظيفيًا معينًا لكنه لا ينبغي له أن يكون هدفك النهائي في الترتيب، فبالنسبة لبعض الأشخاص؛ تتضمن بيئة العمل المثالية القليل من اللطافة التي تدل على الإبداع وهذا جيد لكونه عنصرًا محفزًا لهم على العمل.
تقول كوندو: "الهدف الأساسي في التخلص من الأشياء والحفاظ عليها هو أن تكون سعيدًا" إذ ينبغي أن يكون هدفك هو خلق مساحة تعمل على تحسين رفاهيتك وطريقة إنجازك لأعمالك.
ولتقوم بذلك قم بتنظيم مساحة العمل الخاصة بك بطريقة تبدو طبيعية ومحببة لك، افرز أشياءك وقيّمها بناء على فائدتها بالنسبة لك، التقطها وافحصها من كثب واسأل نفسك: "ما هو الغرض من هذا الشيء؟ هل يجعلني سعيدا؟"
قد يكون التخلص من بعض الأشياء التي لم تعد بحاجة إليها تصرفا عقلانيا حينها إذ أن أفضل جزء في التخلي هو أنه أثناء قيامك بذلك فإنك تفسح المجال لدخول أشياء مناسبة أكثر لحياتك التي تحلم بها!.
الخطوة 2: ابحث في ماضيك لإيجاد مستقبلك المثالي:
أثناء قيامك بالترتيب؛ ابحث عن آثار ماضيك!
فإذا وجدت قطعة ذات قيمة عاطفية، افحصها ثم اسأل نفسك: هل تتوافق مع رغباتي واحتياجاتي الحالية؟ هل لها مكان في مستقبلي المثالي؟
وقرر بناء على ما تجيب!
المستندات -على سبيل المثال- نادرًا ما نقوم بقصها والتخلص منها، نحتفظ بعدد كبير من الضمانات والأدلة ليوم قد نحتاجها بها وغالبا لا يأتي، جرب أن تتخلص منها وستشعر بالتحسن لزيادة مساحتك الحرة، الشيء نفسه ينطبق على المواد الدراسية القديمة فأنت درست هذه المناهج للحصول على المعرفة والخبرة - وليس لتحتفظ بقطع الورق التي جاءت معها!
عندما تنتهي من التخلص من الأمور غير الضرورية، ألق نظرة فاحصة وطويلة على الأشياء المتبقية في مساحة عملك، ستشعر أنها أصبحت تعكس شيئا عن نفسك ومستقبلك المثالي.
توصلت Kondo لهذا الإدراك واكتشفت أن جميع الكتب التي احتفظت بها كانت مرتبطة بالرفاهية الاجتماعية، لذا عادت لتدرس من جديد بعد أن تركت وظيفتها في مجال تكنولوجيا المعلومات، لتنطلق لتحقيق أهدافها وتنجح في تأسيس شركة ناجحة لرعاية الأطفال.
الخطوة 3: املأ مساحتك بالأشياء التي تحبها حقًا.

قد تعتقد أن رفوف الكتب الستة الخاصة بك تعزز مناخ الفكر وتعكس جو ثقافي كبير، ولكن الحقيقة هي أنها قد تثبطك، قم بالفرز بينها واكتشف الكتب التي تحبها حقًا ستجد نفسك بعد فترة وجيزة أكثر شغفًا بالقراءة بشكل عام.
لا تخف من التخلص من كتاب عندما يكون الوقت غير مناسب لقراءته، إذا شعرت بألم شديد وأنت تتخلى عنه، فذكر نفسك أنه يمكنك دائمًا الحصول على نسخة أخرى - ربما حتى نسخة رقمية لا تتطلب جولة جديدة من الترتيب.
ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.


اقتباساتٌ وتحليلٌ لرواية "نحتاج إلى أسماء جديدة".


- ولدٌ أم بنت؟
- ولد، يفترض بالطفل الأول أن يكون ولدًا.
- لكنكِ بنتٌ رغم كونكِ المولود الأول.
- قلت يُفترض، ألم أقل؟
حوار دارلينغ مع باسترد، الصفحة الخامسة.
يعتبر نوع المولود عنصرًا هامًا جدًا في حياة الناس في زيمبابوي، وخاصةً في منطقةٍ فقيرةٍ مثل الجنة، حيث يلعب الرجال دور العائل المعيل لأسرهم. يسلط هذا الاقتباس -الوارد في بداية الرواية- الضوء على أهمية النوع الاجتماعي، من حيث صلته ببطلة الرواية دارلينغ التي تلمح إلى خيبة أمل ذويها بمولدها كابنةٍ في حين أنهم كانوا ينتظرون ابنًا. ونرى هذا جليًا -لاحقًا- عندما يناديها والدها بصيغة الذكر بصفتها ابنًا له.
كنا نصرخ ونصرخ ونصرخ. نريد أن نأكل الشيء الذي كانت تأكله، كنا نريد أن نسمع أصواتنا ترتفع، ونريد للجوع أن يبتعد. كانت المرأة تنظر إلينا في حيرة، وكأنه لم يسبق لها أن سمعت شخصًا يصرخ، ثم هرولتْ مسرعةً إلى الداخل، ولكن صوت صرخاتنا لحقها، صرخَنا حتى شممنا رائحة الدم تفوح من حناجرنا.
- دارلينغ، صفحة 12
أحيانًا تطغى المشاعر العاطفية على الأطفال، ويتصرفون متأثرين بها دون إدراك، ولعل السبب في ذلك يعود إلى افتقارهم إلى توجيه الوالدين، وإبداء عجزهم أمام الطريقة التي تغيرت بها حياتهم. في هذا المشهد، كانوا يتصرفون بشكلٍ جيدٍ مع المرأة الغريبة التي تعيش في بودابست، لكنهم فجأةً سأموا من طعامها الذي تهدره وأسئلتها وصورها. غلبتْهم رغبتهم في الصراخ والصراخ، حتى وإن كلفهم ذلك إيذاء أنفسهم.
خلف الستار يوجد التقويم الزمني. رغم قِدمه إلا أن السيدة أم بونس تحافظ عليه لأنه يحمل صورة المسيح الذي يظهر بشعرٍ نسائيٍ طويلٍ ويبتسم بخجل، رأسه يميل إلى الجانب قليلاً؛ يمكن للرائي أن يرى أنه يحاول أن يبدو لطيفًا في الصورة. كان لديه عينين زرقاوين لكنني قمتُ بتلوينهما باللون البني حتى يبدو طبيعيًا مثلي ومثل الآخرين. وقد ضربتني أمّ بونس كثيراً بسبب ذلك، حتى أنني  لم أستطع الجلوس لمدة يومين كاملين.
- دارلينغ، صفحة 25
كان الدين عنصراً بالغ الأهمية في النصف الأول من الكتاب، وخاصةً في الأجزاء التي كانت فيها دارلينغ تحت رعاية السيدة  المتدينة أم بونس. وكان لدى دارلينغ العديد من الأسئلة والأفكار المثيرة للاهتمام حول الدين والتي تكشف وجهة نظرها حول المجتمع من خلال تصرفاتها الطفولية. تطرح أسئلةً عن التاريخ الاستعماري الإشكالي المرتبط بالمسيحية في أفريقيا -لماذا يكون الإله المخلّص للأشخاص ذوي البشرة السمراء والأعين البنية مختلفًا عنهم؟
من أجل أن نلعب لعبة البلدان يلزمنا رسم دائرتين: دائرةٌ خارجيةٌ كبيرةٌ، وبداخلها دائرةٌ أصغر، حيث يقف الشخص المنادي، ثم يختار كل شخصٍ جزءًا من الدائرة الكبرى ويكتب اسم البلد فيه، ولهذا السبب تسمى لعبة البلدان. لكن قبل ذلك نتشاجر حول أسماء البلدان، فالجميع يريد اسم دولةٍ  بعينها، مثلًا كلنا يريد أن يكون الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا وسويسرا وفرنسا وإيطاليا والسويد وألمانيا وروسيا واليونان وغيرها. هذه البلدان التي تحمل معنى بلد. من يخسر الشجار، يضطر للقبول ببلدٍ آخر مثل دبي وجنوب إفريقيا وبوتسوانا وتنزانيا وغيرها. ليست كتلك البلدان، لكن على الأقل الحياة فيها أفضل من هنا. لا أحد يريد أن يكون بلدًا ممزقا مثل الكونغو والصومال والعراق والسودان، وهايتي، وسريلانكا، ولا حتى هذا البلد الذي نعيش فيه -من يريد أن يكون مكانًا فظيعًا مليئًا بالجوع تتردى فيه الأحوال إلى الأسوأ؟
- دارلينغ، صفحة 51
اللعب وسيلةٌ مهمةٌ يمارسها الأطفال في "الجنة" للتعاطي مع العالم، ويعتبر نافذةً مهمةً للقارئ يبصر من خلالها حالة الأطفال النفسية المعقدة والمضطربة إلى حدٍ ما. في هذا المقطع، يتصارع الأطفال في مدار السياسة العالمية وتفاوت المستوى المعيشي بين القوى العالمية والبلدان الفقيرة وغير المستقرة سياسيًا مثل بلدهم. ويمثل هذا الاقتباس أيضًا الأسلوب السردي للرواية ككل، حيث تحكي دارلينغ الأحداث باستخدام ضمير المتكلم بأسلوبٍ حواري، تنتقل فيه من نطاق الفكر الفردي إلى الجماعة، وتسرد قوائم طويلة، وتطرح أسئلةً بلاغيةً حلوها مُر.
هذه المنظمات غير الحكومية لا يهمها غير التقاط الصور، وكأننا أصدقاؤهم المفضلون أو أقاربهم، وأنهم عندما يعودون إلى أوطانهم سينظرون لهذه الصور ويذكرون أسماءنا لأصدقائهم الآخرين. لا يأبهون بمدى الحرج الذي نشعر به حول قذارتنا وملابسنا الممزقة، وأننا نتمنى لو أنهم لا يفعلون ذلك. يلتقطون الصور هكذا بدون أدنى اهتمام، صورةٌ تلو أخرى. ونحن لا نبدي تذمرًا لأننا نعلم أنه بعد التصوير سنستلم الهدايا.   
- دارلينغ، صفحة 54
من النقاط اللافتة للنظر التي أثارتها بولاوايو في روايتها "نحتاج إلى أسماء جديدة" الطريقة التي يتعامل بها العالم وتنشغل بها وسائل الإعلام عن أفريقيا. تم التقاط الصور للأطفال مرتين في الفصول الأولى من الرواية، عبر أفراد المنظمات غير الحكومية التي توزع المساعدات، وعبر امرأةٍ تعيش في بودابست، وهي ابنة أحد المهاجرين من زيمبابوي إلى إنجلترا. وفي الحالتين تجاوب الأطفال على الرغم من عدم رغبتهم في أن يتم تصويرهم. وفي أجزاء متقدمةٍ من الكتاب تتحدث دارلينغ إلى مجموعةٍ من الأشخاص ممن كانوا يشاهدون الفوضى السياسية في أفريقيا في الأخبار ويبدو أنهم يرمقون بإعجابٍ الخطر المحدق بها، ويهيمون بالجمال الغريب في تلك القارة. في هذا الاقتباس، بدت دارلينغ بشكلٍ خاصٍ ناقمةً على هذا النوع السطحي من التعامل مع ما يحدث في أفريقيا، على الرغم من صغر سنها، كانت تشارك في ذلك فقط لكونه جزءًا من النظام الذي تعتمد عليه هي ومجتمعها.
يزداد سعاله أكثر وأسمع ذلك الصوت الفظيع الذي يمزق الهواء. جسده يهتز وينطوي مع كل سعالٍ يصدره، لكنني لا أتعاطف معه. كنت أقول لنفسي: أنا أكرهك، أكرهك لأنك ذهبتَ إلى جنوب إفريقيا وعدتَ منها مريضًا... هزيلًا، أكرهك لأنه بسببك توقفتُ عن اللعب مع أصدقائي ...
وتتردد في ذهني: متْ. متِ الآن حتى أتمكن من اللعب مع أصدقائي، متِ الآن لأن هذا ليس عدلاً. متْ...متْ... متْ!
- دارلينغ ، صفحة 98
قليلًا ما استخدمت بولاوايو مصطلح "الإيدز" في كتابها "نحن بحاجة إلى أسماء جديدة " كانت تشير إليه بلفظ "المرض" أو تستخدم ببساطةٍ صورًا متكررةً وواضحةً حول أعراض الإيدز كما ورد في الاقتباس أعلاه. تمنّت دارلينغ موت والدها بعد رؤيته يعاني ببطءٍ كل يوم، ولأن رعايتها له كانت تشغلها عن اللعب مع أصدقائها. يعتبر الإيدز في إفريقيا موضوعًا مهمًا جدًا بالنسبة إلى بولاوايو لذا تعمل حاليًا على مشروعٍ أدبيٍ يركز على هذه المسألة بشكلٍ خاص.
-لا، أنت استمع إليّ.
قالها الرجل الأبيض كما لو أنه لم يسمع تحذير رئيسه من أن يطلب من رجلٍ أسود أن يصغي إليه. كان يقول: أنا أفريقي، هذا البلد بلدي أيضًا، هنا ولد أبي، وهنا ولدت أنا، مثلك تماما! كان صوته مثقلًا بالألم كما لو أن شيئًا في جوفه يحرقه، ويغلي بشدةٍ في دمه...
سأل كودنوز: ما معنى أن تكون أفريقيًا أصلًا؟
- دارلينغ ، صفحة 121
تثير رؤية الشؤون السياسية الكبرى في تاريخ زيمبابوي عبر عيون الأطفال أسئلةً كبيرة. فهذا الاقتباس جزءٌ من المشهد الذي تكون فيه دارلينغ وأصدقائها أعلى شجرةٍ جوافة، ويشهدون بأم أعينهم عملية الاستيلاء على منزل زوجين أبيضين يعيشان في بودابست بالقوة والنهب.
من الطبيعي أن يسأل الأطفال -الذين عاشوا حياتهم كلها في زيمبابوي وكانوا يتعاملون حصرًا مع غيرهم من السود- عما يعنيه أن تكون أفريقيًا؛ لأي مدى تؤثر مكانة الفرد كشخصٍ أفريقيٍ على أصله العرقي وتتداخل مع التاريخ الاستعماري لزيمبابوي ؟
انظر إليهم وهم يغادرون بأعدادٍ كبيرةٍ على الرغم من علمهم بأنهم سيُستقبلون بسخطٍ في تلك الأراضي الغريبة لأنهم لا ينتمون إليها، على الرغم من معرفتهم أنه سيتعين عليهم الجلوس على ردفٍ واحدٍ بشكلٍ غير مريحٍ خشية أن يطلب منهم النهوض والمغادرة، على الرغم من معرفتهم بأنهم سيتكلمون في همسٍ لأنه لا ينبغي لأصواتهم أن تعلو على صوت أصحاب الأرض العريقة، على الرغم من علمهم أنهم سيضطرون إلى المشي على أصابع أقدامهم لئلا يتركوا آثارًا على الأرض الجديدة.
انظر إليهم وهم يغادرون بأعداد كبيرة
ذراعا بذراع
بالحسرة والضياع،
انظر إليهم وهم يغادرون بأعدادٍ كبيرة!
- الراوي، صفحة 148
في ثلاثة فصولٍ من كتاب "نحتاج إلى أسماء جديدة" ينفصل السرد الروائي عن سرد دارلينغ، وينساب في صوتٍ شاعريٍ أكثر شموليةٍ يتبع الاتجاه السائد لشعب زيمبابوي. يشير هذا المقطع إلى الهجرة الجماعية لسكان زيمبابوي إلى بلدانٍ أخرى في عام 2008، عندما تنتقل دارلينغ أيضًا من زيمبابوي للعيش مع خالتها في أمريكا. ويتطرق هذا الاقتباس إلى الطريقة التي ضحى فيها الناس براحتهم وهوياتهم للخروج من زيمبابوي، على الرغم من معرفتهم بأنه قد لا يتم قبولهم في الأراضي الأجنبية، لكنهم كانوا يبحثون عن حياةٍ جديدةٍ بأي طريقةٍ كانت.
لو كنتُ في وطني، لما كنتُ سأقف هنا لأن شيئًا اسمه الثلج يمنعني من الخروج لممارسة حياتي ... ولكن أيضًا لما كان عندي ما يكفي من الطعام، ولهذا السبب سأتحمل أمريكا بثلوجها طالما أن الطعام موجودٌ هنا، كل أنواع وأصناف الأطعمة. على الرغم من ذلك ثمة أوقاتٌ أشعر فيها أن الطعام لا  يؤثر بي بغض النظر عن المقدار الذي آكله، كما لو أنني أتضور جوعًا لوطني، وليس من شيء يستطيع إشباعي.
- دارلينغ صفحة 155
عندما وصلت دارلينغ لأول مرةٍ إلى أمريكا، كانت تشعر بالتناقض حول مشاعرها. من ناحيةٍ كانت لسنواتٍ تتمنى العيش مع خالتها فوستالينا في أمريكا. لقد تحققت بعض رغباتها في هذه الحياة، مثل امتلاك منزلٍ آمنٍ ودافئٍ به الكثير من الطعام. ومع ذلك لم تستطع دارلينغ التكيف بالكامل مع الحياة الأمريكية، مثل عدم شعورها بالارتياح تجاه أشياء مثل الثلج وقلة الأصدقاء مما يجعلها تتوق إلى الحياة التي كانت تتمتع بها سابقًا.
لستِ أنتِ من يعاني. هل تظنين أن مشاهدة ال بي بي سي تعني أنكِ تعرفين ما يحدث هنا؟  لا يا صديقتي أنتِ لا تعرفين شيئًا. المجروح وحده يعرف حدة الألم؛ نحن الذين بقينا هنا نشعر بالمعاناة الحقيقية، لذلك نحن من نملك الحق في قول أي شيءٍ عن هذا الشيء أو ذاك. إذا كان هذا البلد وطنكِ، عليكِ أن تحبيه، وأن تعيشي فيه، وأن لا تتركيه. عليكِ أن تقاتلي من أجله مهما حدث، لتصحيح مساره.
- تشيبو صفحة 287
في مشهدٍ من أكثر مشاهد هذه الرواية روعة، تهاجم تشيبو دارلينغ وتتهمها بأنها تركت زيمبابوي خلفها، وبأنه لم يعد لديها الحق في أن تشير إلى هذا البلد على أنه وطنها بعد الآن. بمعنى آخر فإن تشيبو تضع دارلينغ في كفةٍ واحدةٍ مع الأشخاص الذين لم يكونوا ليسامحوهم عندما كانوا أطفالًا، مثل أفراد المنظمات غير الحكومية الذين كانوا يتعاملون مع مشاكل زيمبابوي على المستوى السطحي وعن بعد. لم تستطع دارلينغ أن تقرر فيما إذا كانت تتفق مع تشيبو بأن زيمبابوي لم يعد وطنها، لكن كلمات تشيبو أزعجتها جدًا، وتنتهي الرواية باسترجاع دارلينغ لبعض الذكريات الغريبة عن طفولتها في الجنة (منطقةٌ عشوائيةٌ فقيرةٌ في زيمبابوي تكدّس فيها الذين أخرجوا من منازلهم).


- ترجمة: بلقيس الكثيري.
- تدقيق: عبد الله علي.


داخل البيت الفارغ: شبرلوك هولمز من أجل الملك والبلاد.


 

أندرو جلازارد*

 

بعد موته الظاهري أنتجت BBC سلسلةً تليفزيونيةً لإحياء ذكرى المحقق الكبير شيرلوك هولمز، وبالعودة إلى "البيت الفارغ" في شارع بيكر لكونان دويل، يحقق أندرو جلازارد بالخدع التي استخدمها شيرلوك هولمز خلال حياته.

 

صورةٌ ظهرت في مجلة ستراند في ديسمبر عام 1893 من تصوير سيدني باجيت لـ "المشكلة النهائية" والتي تبين صراع هولمز وموريارتي على شلالات رايخنباخ قبل سقوط هولمز وادعائه الموت.

 

لقد حظيت قصص شيرلوك هولمز لكونان دويل -أو عانت في بعض الحالات- من إعادات إنتاجٍ تعد ولا تحصى منذ نشرها الأول في عام 1887 إلى عام 1927، وربما تكون نسخة BBC التلفزيونية الحالية من بطولة بنديكت كومبرباتش واحدةً من أكثر البرامج نجاحًا، خاصة أن كتابها يجمعون بين المعرفة العميقة للأصل مع ميل لمغادرته بشكلٍ مبتكر: استراتيجية العرض للإشارة والتحول والارتقاء يعطيها العذوبة والألفة على حدٍ سواء.

تبدأ السلسلة الجديدة بعنوان "The Empty Hearse" وعنوانها يلمح بطريقةٍ مرحةٍ إلى قصة Conan Doyle التي ترجع إلى عام 1903 بعنوان "The Empty House" والتي يعود فيها هولمز من موته الظني الذي حدث على يد موريارتي في سويسرا.

 

إنَّ ملاحم كونان دويل مناسبةٌ بشكلٍ خاصٍ لهذا النوع من المعالجة، فالمنتقدون الذين يطلقون على أنفسهم اسم "شيرلوكينس" يتفوقون على تفاصيل روايات الدكتور جون واتسون (المعروفة في التجارة باسم "الآثار") فهم يبحثون عن الأدلة والتناقضات والتفاصيل الشاذة، ويبنون في الغالب تفسيراتٌ بديلةً تآمريّةً للأحداث، ويكشفون عن الأخطاء الواضحة لـ Conan Doyle (أو Watson) ويشيرون إلى القصص مع معرفةٍ موسوعية.

 

لذا، ففي الوقت الذي ينظر فيه إلى كونان دويل على أنه كاتب شفاف إلى حد ما، ويتجنب التعقيد، والابتكار التقني، والتحديات التي تجعله بمواجهة الأيدلوجية الأرثوذكسية لصالح صنع الأسطورة؛ فإن مجهودات "الشيرلوكينز" تظهر أن بساطة هذه القصص غالبًا ما تكون خادعة، ففي قصة مثل "البيت الفارغ" تُركت الكثير من المعلومات الهامة غير معلنة أو ملمح لها، وقد يساعد استرجاع هذه النصوص الفرعية من خلال القراءة المتأنية والمعرفة لما كان يجري في ذلك الوقت من أحداث في إظهار هولمز ومؤلفه في انعكاس وزاوية جديدان.

 

ينسج "البيت الفارغ" روايتين؛ كشف غموض جريمة قتل وقصة عودة هولمز إلى لندن بعد ثلاث سنوات من اعتقاد الناس بوفاته في سويسرا في عام 1891، وحين اجتمع هولمز مع صديقه القديم ومؤرخه الدكتور واتسون روى له قصة هروبه في شلالات رايخنباخ وما يليها من رحلة غير عادية وغريبة، فيقول:

"لقد سافرت مدة عامين في التبت، وذهبت بنفسي لزيارة ألـ Lhassa ، وقضيت بعض الأيام مع رئيس اللاما، ربما تكون قد قرأت الاستكشافات الرائعة لأحد النرويجيين المسمى Sigerson، لكنني متأكد من أنه لم يخطر على بالك أبدًا أنه صديقك، أنه أنا!، ثم مررت عبر بلاد فارس، ونظرت في مكة، وذهبت بزيارة قصيرة لكن مثيرة للاهتمام إلى الخليفة في الخرطوم، والتي أبلغت نتائجها إلى وزارة الخارجية".

 

هذه الجمل الثلاث تحتوي على ثروة من التلميحات للاستكشاف والفتح الإمبريالي، ربما كان "سيغرسون" بمثابة إشارة إلى المستكشف السويدي سفين هيدن، الذي بدأ استكشافه الرائد في آسيا الوسطى وهضبة التبت -وهي النتائج التي نشرها لأول مرة في طبعة بريطانية وأمريكية في عام 1903- والذي أثار اهتمامًا وإعجابًا.

لكن هناك مستكشف آخر للتبت كان يتصدر عناوين الأخبار والذي ينبهنا إلى النص الفرعي الإمبريالي للقصة، بحلول عام 1903، كانت رحلة "فرانسيس" إلى "التبت" على قدم وساق، إذ دخل البلاد في كانون الأول/ ديسمبر 1903 مع قوة من عشرة آلاف شخص ووصل لاسا في آب/ أغسطس 1904، كان غزوا في كل شيء ما عدا الاسم، وقد كان الحلقة الأخيرة في ما أطلق عليه كيبلنغ "اللعبة الكبرى" التي خاضت فيها بريطانيا وروسيا حربًا باردة من أجل السيطرة على الأراضي الآسيوية التي تقع بين الامبراطوريتين، وقد كان وجود هولمز في لاسا في تسعينيات القرن التاسع عشر متنكرا بهيئة سيغرسون أكثر ترجيحًا على أنه عمل أساسي للغزو والاستكشاف غير القانوني أو طريقة متطرفة للتحايل.

 

تفاصيل صورة من (Perceval Landon) بعنوان "افتتاح التبت" (1905) ، وهي تُظهر ممثلين صينيين في لاسا ، حيث التقوا العقيد يونغز في عام 1904 لأول مرة.

 

قد يكمن تفسير "اللعبة الكبرى" وراء زمن هولمز في بلاد فارس، وهو هدف آخر من المنافسة الأنجلو-روسية الشديدة إذ نُظر إلى الانخراط الاقتصادي الروسي المتزايد مع نظام الشاه في مطلع القرن الماضي بقلق في وايت هول وكالكوتا على أنه تهديد لحدود الهند البريطانية.

 

وكانت مكة ميناء الاتصال التالي فكان سيطلب من هولمز (الذي من المفترض أنه لم يعتنق الإسلام) تبني أحد تنكراته الشهيرة، كما فعل المستكشف والدبلوماسي البريطاني السير ريتشارد بيرتون أثناء بعثته في عام 1853. وموهبة هولمز في التنكر كانت مطلوبة في وجهته التالية: كما أوضح كانت الخرطوم (أو مدينة أم درمان المجاورة) في التسعينيات من القرن التاسع عشر تحت سيطرة الخليفة عبد الله وهو خليفة محمد أحمد المهدي.

 

شغل الخليفة ودولة السودان -المهدية- موقعًا مشابهًا في الوعي الفيكتوري المتأخر كما فعلت طالبان والقاعدة اليوم، فقد كانت قوات المهدية مسؤولة عن بعض الهزائم العسكرية الأكثر كارثية في بريطانيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، مما أدى في النهاية إلى مقتل الجنرال تشارلز جوردون، الذي علقت صورته كما قيل لنا في "مغامرة صندوق الكرتون" في 221b Baker Street.

 

وفي عام 1897، اُعتمدَ كونان دويل صحفيا في جريدة وستمنستر لمرافقة بعثة هربرت كيتشنر إلى السودان للقضاء على المهدية، وعلى الرغم من أن صحافته لم تنجح كثيرًا حيث إن كتشنر تلقى تعليماته شخصيًا بالعودة إلى المنزل فإن رسائل كونان دويل لصحيفته كشفت عن دعم متحمس لمشروع كيتشنر الذي بلغ ذروته في عام 1898 مع معركة أم درمان التي قُتل فيها عشرة آلاف شخص من قوات الخليفة في غضون ساعات من قبل الجيوش البريطانية والمصرية (التي عانت هي نفسها من 47 حالة وفاة فقط).

 

التفاصيل من لوحة 1898 لريتشارد كاتون وودفيل تظهر ذبح قوات الخليفة في معركة أم درمان.

 

وفي "البيت الفارغ" كتب كونان دويل في الوقت الذي سبق معركة أم درمان ولكن بعلم بنتائجها ويبدو أن إشارة هولمز غير الرسمية إلى التواصل مع وزارة الخارجية تؤكد فقط ما أُشير إليه بالفعل: لقد أمضى ثلاث سنوات بعد هروبه في ريشنباخ، ليس فقط مختبئًا من أتباع موريارتي، ولكنه يعمل سرًّا لصالح الإمبراطورية البريطانية.

 

***

يعود هولمز إلى لندن لحل مقتل هون، رونالد أدير في "لغز الغرفة المقفلة" إذ عُثر فيها على أرستقراطي شاب مقتولًا بالرصاص في غرفة جلوسه في الطابق العلوي، وكانت الغرفة مقفلة من الداخل في 427 بارك لين.

كانت النافذة مفتوحة ولكن لا توجد أي علامة على أنه يمكن لأي شخص الدخول إليها، لم يكن يوجد سلاح لكن على الطاولة بجوار أدير وجدت أكوام من العملات الذهبية والفضية وبعض العملات الورقية وورقة تحمل أسماء وأرقام.

قيل لنا إنَّ أدير قضى معظم وقته في لعب الورق في العديد من أندية لندن، وإنَّ الأسماء الموجودة على الورقة للاعبي البطاقات، وقيل لنا أيضًا إنَّه كان للتو قد أنهى خطوبته، وإنَّه وصديقه العقيد سيباستيان موران قد ربحا مؤخرًا مبلغًا كبيرًا على بطاقات من جودفري ميلنر واللورد بالمورال.

 

يبدو أن معرفة هولمز السابقة تحل اللغز، فهو يعلم أن العقيد موران هو في الواقع أحد أتباع الأستاذ موريارتي و"ثاني أخطر رجل في لندن"، فنصب فخًا لموران من خلال وضع دمية شمعية له (تحركت على مُدد من قبل السيدة هدسون) في نافذة غرفته في شارع بيكر، وأخذ ينظر هو وواتسون والمفتش Lestrade إلى موران وهو يأخذ موقعه في منزل فارغ مقابل لمنزل هولمز ويوجه بصره إلى النافذة آخذا وضعيته لتصوب بندقيته الهوائية الألمانية المصممة لتتولى الرصاص الناعم وتطلق النار على دمية الشمع وفي هذه اللحظة يتدخلون ويعتقل Lestrade موران بتهمة قتله لرونالد أدير.

 

رسوم Adventure The Adventure of the Empty House تُوضح اعتقال العقيد موران التي ظهرت في The Strand Magazine 1903.

 

تشير هوية قاتل أدير إلى جانب آخر للنص الفرعي الإمبراطوري للقصة، فالعقيد موران دخل عالم الترفيه النخبوي (القمار من الدرجة العالية) وجريمة النخبة (عصابة موريارتي) من خلفية وجوده في الجيش الهندي لصاحبة الجلالة حيث يكشف هولمز "أفضل لعبة ثقيلة أنتجتها إمبراطوريتنا الشرقية على الإطلاق " وهي اللعبة التي اشتهرت بمطاردة النمور في الغابة أو كما يطلق عليه هولمز"شيكاري قديم"- وهي كلمة أُرديّة للصياد.

وقد خدم موران مثل واتسون في أفغانستان (إلا إنه على العكس من واتسون فقد ذُكر في الإرساليات بامتيازه) ودماء الإمبراطورية تجري في عروقه إذ كان والده وزيرًا بريطانيًا سابقًا لبلاد فارس.

فوجئ واتسون بخلفية هذا المنشق بحسبه"جنديًا شريفًا" مما دفع هولمز إلى التكهن بأن "تحول موران المفاجئ" إلى الشر هو نتيجة لعلامة وراثية ثابتة.

 

هناك العديد من النصوص الفرعية المثيرة للفضول في هذا اللغز: القلق بشأن الآثار المترتبة على التفوق التكنولوجي في ألمانيا، ونظريات الموضة من الانحطاط، ولكن ما يثير قلقنا هنا هو سجل جيش موران الطاهر.

هذه القصة هي في جزء منها تحقق حول كيف ولماذا أصبح رجال الإمبراطورية المخلصون تفاحًا سيئًا، تشير بعض الدلائل الموجودة في النص إلى أن كونان دويل كان لديه حالة فعلية في الاعتبار وبناءً على سؤال واطسون عن دافع موران في قتل أدير، فإن إجابة هولمز تتوقف على تكهنات بأن موران كان يغش في البطاقات وأن أدير قد اكتشفه: "من المحتمل جدًا أنه تحدث إلى [موران] على انفراد، وهدد بفضحه ما لم يستقيل طوعًا من عضويته في النادي، ويعد بعدم لعب الورق مجددًا" وبدلًا من إعطاء مثل هذا التعهد، افترض هولمز بأن موران قتل أدير.

 

وهنا يبدو أن القصة تشير إلى واحدة من أكبر الفضائح الأرستقراطية في العقد الماضي، وما كان يعرف باسم "فضيحة باكارات" أو "قضية ترانبي كروفت" التي استولت على الصحف الفيكتورية عندما وصلت إلى المحكمة العليا في عام 1891، فقد كان السير ويليام جوردون كومينغ، ضابط برتبة مقدم في الحرس الاسكتلندي، قد اتُهم بالغش في القمار من قبل مضيفيه وبعض زملائه من ضباط الجيش السابقين خلال حفل أرستقراطي في ترانبي كروفت في يوركشاير في أيلول/ سبتمبر عام 1890، وجوردن كومينغ هو البارون ومالك الأراضي الأسكتلندي الرئيس الذي قاتل بامتياز كبير في حرب الزولو والحملات المصرية والسودانية (بما في ذلك معركة أبو كليا في عام 1884 جزءًا من مهماته في الخرطوم)، وقد كان صيادًا ماهرا للنمور الهندية، كما رفع دعوى ضد متهميه بسبب التشهير والخسارة، وما أثار هذا الأمر هوية المصرفي خلال أمسيات القمار الذي اتخذ موقف في مربع الشهود في المحكمة العليا وكان: ألبرت إدوارد، أمير ويلز الذي أصبح بعد وفاة والدته في عام 1901 الملك إدوارد السابع وإمبراطور الهند.

 

كان إدوارد مشهورًا بطيشه -لم يطلق عليه هنري جيمس كريستين عبثًا اسم Edward  (إدوارد المُداعب) the Caresser- ولكنَّ استدعاءه شاهدا يعني أنه تمتع بالتميّز المشكوك فيه لوريث العرش عبر مثوله في المحكمة منذ أن قُضيَ الرجل الذي أصبح هنري الخامس في عام 1411. ثمَّ كانت هذه الفضيحة واحدة من أخطار إدوارد والتي كشفت عنه لاعبا معتادا على اللعب بالطرق غير الشرعية، وقد كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ بالنسبة لإدوارد إذ اتفقت أطراف القضية وممثلوها القانونيون على عدم ذكر حقيقة مزعجة في المحكمة بأن إدوارد سافر حول البلاد بمجموعة من عملات القمار.

 

L'enfant terrible: كاريكاتير من المجلة الساخرة Puck في يونيو 1891 بمناسبة مشاركته في المقامرة؛ تُظهر الملكة فيكتوريا للأمير قائمة بمخالفاته.

 

امتلأت الصحافة الفيكتورية واكتظت بكل تفاصيل القضية، وأصبحت كلمات وأفعال غوردون كومينغ في أمسيَّتين في عام 1890 أخبارًا وطنية بما في ذلك مسألة في ما إذا كانت الورقة التي سجَّل فيها تقدم كل جهة قد سهّلت غشه أو ربما هي دليلًا يدعم براءته.

لكن الأحداث الرئيسة جاءت بعد أن لاحظ بعض اللاعبين الآخرين أن Gordon-Cummingغوردون كومينغ (وفي قواعد اللعبة بشكل غير قانوني) يرفع أو يخفض حصصه وفقًا لدوران البطاقات، وقد وُجهَ بهذا لكنه نفى الغش لذا نُقل الأمر إلى أكبر ضيف حاضر- إدوارد.

كان حكم إدوارد أن كل شيء يجب تنظيفه، ولكن للحفاظ على شعور الجميع بالعدالة؛ سيطلب من جوردون كومينج توقيع بيان يتعهد فيه بعدم لعب الورق مرة أخرى، كان إدوارد يأمل في أن ينتهي الأمر هناك، لكن بعد أشهر بدأت الشائعات تنتشر وشعر غوردون كومينغ بأنه ليس لديه خيار سوى رفع دعوى وبعد هزيمته نُبذ من قبل إدوارد والحكام الملكيين لذلك تزوج بوريثة ثروة ضخمة وتقاعد في منزله الكائن في جوردونستون في أسكتلندا، وعلى الرغم من ذلك يبدو أن الحكم الشعبي أنه كان بريئا تعرض للتشهير الظالم وأشارت التحقيقات إلى أن اتهام الغش كان انتقامًا من زملائه الضيوف الذين سئموا من نجاحه في إغواء زوجاتهم.

 

هناك تلميح آخر لدى دويل يشير إلى فضيحة Tranby Croft تكمن في اسم لورد بالمورال،  شريك موران وأدير في لعب الورق إذ إنه لن يُسمح لعامة الناس بأخذ لقب من قلعة العائلة الملكية في أبردينشاير، وكان إدوارد السابع في أذهان معظم الناس لأنه توج بالملك الإمبراطور في أغسطس 1902، ولكن بشكل خاص لدى كونان دويل: المؤلف الذي وُضغ بجوار إدوارد في مأدبة عشاء قبل بضعة أسابيع. وكان إدوارد قد تقلد رتبة "فارس" في تشرين الأول/ أكتوبر، كما كان كونان دويل يحب إدوارد وتوقع أن حكمه سيكون أكثر نجاحًا مما قاله العديد من منتقديه.

 

طاقم الممثلين المشاركين في فضيحة رويال باكارات، الصورة مأخوذة في ترانبي كروفت، موطن السير آرثر ويلسون، من بين هؤلاء المصوَّرين: السير ويليام جوردون كومينغ (1848-1930)، ليسيت جرين وزوجته: النقيب بيركلي ليفيت من الحرس الاسكتلندي، السير آرثر ويلسون والسيدة ويلسون، اللورد كوفنتري اللورد سومرست، وصاحب السمو الملكي، إدوارد، أمير ويلز والذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع ملك إنجلترا.

 

يبدو أن الملازم كولونيل جوردون كومين، بطل الحرب والصياد في اللعبة الكبيرة، الذي زُعم أنه خُدع في البطاقات وأُجبرَ على التوقيع بيان عقب فضيحته، يبدو مرشحًا محتملاً للعقيد موران الذي يقتل متهميه بدلاً من مقاضاتهم.

عند هذه النقطة يبدو أن مشكلة فساد رجال الإمبراطورية المحترمين قد حُلَّت: فهم تفاح سيئ يُكشف ويعاقب في النهاية، ومع ذلك هناك تلميح آخر ممكن قد يعقد الأمور فورقة رونالد أدير الغامضة تذكرنا بورقة جوردون كومينغ الذي كان محط اهتمام كبير في المحكمة وتدعونا للنظر في ما إذا كان هناك شيء من جوردون كومينغ في أدير أيضًا.

وهناك اقتراحات أخرى مفادها أن أدير -الذي كان إمبراطورًا أيضًا بالدم حيث كان والده حاكمًا سابقًا لمستعمرة أسترالية- ليس الضحية البريئة لتفسير هولمز المريح.

 

في الواقع، إن تفسير هولمز ليس مجديًا فحسب، بل إنه غير كافٍ أيضًا في شرح العديد من التفاصيل المثيرة في مسرح الجريمة وفي تاريخ أدير الشخصي، فلماذا قطعت خطيبته خطوبتهما؟ لماذا أغلق أدير باب غرفة الجلوس (التفاصيل التي لفتت انتباهنا والتي تركت معلقة)؟ الأهم من ذلك ربما يكون أدير (مثل إدوارد السابع) مقامرًا معتادًا "يلعب باستمرار"، ومن أجل المال: هذا الفارس العاطل، المدمن للقمار والأشياء التي لا تصنع الإمبراطوريات، فإن عجز هولمز عن التوصل إلى دافع موثوق به لمقتل أدير يجبرنا على أن نستنتج أن شراكته مع موران كانت شراكة جريمة.

 

ما الذي نستنتجه إذًا من تصميم هولمز الواضح على تغطية الأمور؟ ففي ترانبي كروفت كان إدوارد يعمل قاضيًا ومحلفًا حيث أدانَ الملازم غوردون كامينغ فعليًا حتى يمكنه الحفاظ على مدوناتهم الأرستقراطية وأسرار حياة الطبقة الراقية.

 

في تبرير أدير، وفي إلقاء اللوم جله على العقيد موران؛ يبني هولمز خيالًا مناسبًا للحفاظ على الأسطورة القائلة بأن الرجال الشرفاء يظلون شرفاء في جميع الحالات باستثناء الحالات الأكثر ندرة واستثنائية.

وقد كان هولمز، المحارب الإمبراطوري السري قد عاد إلى الوطن لدعم الطبقة الأرستقراطية (وفي الحياة الواقعية الملكية) التي كانت عرضة لادعاءات وقحة، ولا عجب في أننا تعلمنا في "مغامرة الجارديب الثلاثة" أن هولمز حصل على لقب فارس -على عكس مؤلفه الذي رفض- في يونيو 1902 "عن الخدمات التي قد تُوصف في يوم ما".

 

_____

*حصل أندرو جلازارد مؤخرًا على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة لندن، وقد كتب عن جوزيف كونراد، هـ. ج. ويلز، وآرثر كونان دويل، ويكتب حاليًا كتابًا عن كونراد والخيال الشعبي.

 

ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب