المشاركات الشائعة

الأربعاء، 10 يوليو 2019

السلتي.. مناضل أم خائن - إيمان العزوزي.





يقال العبرة في النهايات، ونهاية حلم السلتي كانت المشنقة فهل يؤرخ لروجر كيسمنت في التاريخ على أنه بطل قومي دفع حياته ثمنا لاستقلال بلاده أو يؤرخ لهذه الشخصية كونه خائنا لبلاد أعطته الكثير إلا حرية بلده الأصلي إيرلندا، هذا ما يحاول ماريو فرغاس يوسا أن يفصله في روايته الأخيرة "حلم السلتي" سيرة غير عادية لرجل استثنائي تثار حوله لحد الساعة الكثير من التساؤلات والشكوك وهمهمات الإعجاب المقيدة في زاوية "يومياته السود" التي مازال المحققون يحاولون إثبات مدى صحتها وصدقيتها. عمل فرغاس يوسا على تحويل سيرة روجر إلى عمل روائي ونجح في تحويل عمل وثائقي اشتغل عليه بنفسه لمدة طويلة نجح في تحويله إلى "تفصيل" روائي ممتاز من الناحية الشكلية لكنه في نظري افتقر إلى التفاعل المطلوب أدبيا فجاءت النتيجة باهتة ومبتورة وربما أكون قاسية في حكمي هذا لعشقي لكتابات يوسا إذ لم أجد روحه في هذه الرواية بقدر ما وجدت صحفي سعى جاهدا لتوثيق حياة مناضل أممي فهل كان يوسا مدافعا عن روجر كيسمنت أو مقررا فقط لحياته؟ فلنرجع أولا لروجر كسيمنت ونفحص بانوراميًا حياته.
في سنة 1899، كتب الأديب البريطاني روديارد كبلينغ صاحب كتاب "الأدغال" المعروف  قصيدته الشهيرة "عبء الرجل الأبيض" يحث فيها الولايات المتحدة الأمريكية أن تطلع بدورها الريادي وتضم جزر الفلبين ويبتهج بقبول الولايات المتحدة الامريكية لدور بريطانيا الإمبريالي،   لم تكن هذه القصيدة سوى تأكيد لسمو الفكر الإمبريالي ورسالته السامية المتمثلة في تنوير وتطوير البلاد المظلمة والشعوب البدائية واعتبار الرجل الابيض أعلى السلم البشري ثقافيا وبيولوجيا، هذه القصيدة-الرسالة تمثل وبشكل قاطع ثوابت فلسفة الاستعمار المبني على الاستغلال والاستعباد التي طالت معظم البلاد المكتشفة مذ بدء الحملات الاستكشافية العظيمة.
"انهضوا بعبء الرجل الأبيض
بحروب السلام الضارية
واملؤوا فم المجاعة
وامروا المرض بأن يزول
وعندما يقترب مسعاكم
من الغاية التي أردتموها من أجل الآخرين
حاذروا أن يذهب الكسل والحماقة الوثنية
بكل آمالكم أدراج الرياح"

وقد علّقت آنذاك مجلة سبيكتاتور الإنجليزية على القصيدة بقولها "واجب الرجل الأبيض هو إخضاع كل الشعوب السمراء في العالم والسيطرة عليها لمدة قرنين أو أكثر خدمة لمصلحتها وليس لمصلحته".
قد يكون روجر كيسمنت من هؤلاء الذين انخدعوا بزيف هذه الكذبة ورحل باحثا عن مجد الرجل الأبيض مكتشفا ومنورا للقبائل البدائية في إفريقيا العذراء بعد استماعه لمغامرات زوج خالته؛ فبدأت رحلته الأولى للكونغو هذه الدولة التي كانت في تلك الفترة شاسعة وتعادل بلجيكا بأكثر من ثمانين مرة اتفقت الدول الكبرى في مؤتمر برلين 1885 أو ما يعرف بمؤتمر الهروع إلى إفريقيا اتفقت على منحها لصاحب اللحية المشذبة ملك بلجيكا ليوبولد الثاني والذي يصفه معظم البلجيكيون حسبما ذكر يوسا في احدى لقاءاته بالملك المدلل وغير المحبوب تاريخيا من شعبه. اعتبر ليوبولد الثاني الكونغو مزرعته الخاصة فأرسل إليها المكتشف هنري مورتون ستانلي الذي تتفق معظم المراجع على اعتباره مطور الكونغو بامتياز حيث نجد لاسمه أكثر من ذكر في المعالم التاريخية والجغرافية للكونغو هذه السمعة "الطيبة" تدفع بروجر المتبل بحلمه الطوباوي أن يعمل تحت إمرته ليكتشف بعد وقت وجيز الحقيقة وراء شركات استغلال المطاط بالكونغو ويتأكد بعد تحقيق قام به بنفسه أن السبب وراء التهافت نحو إفريقيا لم يكن أبدا تطويرها بل إبادة شعبها واستغلال مواردها العذراء في زمن يشهد العالم الأول حربا ضروسا ولم يتأخر روجر كيسمنت من التحول إلى مشارك في هذا الاستغلال عن حسن نية إلى محقق يكشف هول ما عاشه الكونغوليون تحت إمرة قادة قساة لا يترددون في  إمتاع أنفسهم وكأنهم في جولة سفاري لتتجاوز الإحصاءات غير الرسمية عشرة ملايين قتيل كونغولي وتخطر على بالي تجربة د.ملغرام حول مدى انصياع الجنود والمأمورين لأوامر قادته لتوضح مدى بشاعة النفس البشرية التي تتجاوز حدود المعقول. يقول د.ملغرام حول تجربته "النتائج كما تابعتها في المختبر، مقلقة، إنها ترجح أن الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة، والمعاملة اللا إنسانية، عندما تتلقى الأوامر من قبل سلطة فاسدة. نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار، وبدون حدود يفرضها الضمير، مادامت الأوامر صادرة عن سلطة شرعية".
إذا تمكن في هذا الاختبار، مشرف مجهول، من أن يوجه الأوامر لمجموعة من البالغين لقهر رجل في الخمسين من عمره، وإخضاعه لصعقات كهربائية مؤلمة رغم احتجاجاته ومرضه لا يسعنا إلا أن نتساءل عما تستطيع الحكومات بما لها من سلطات أوسع بكثير أن تأمر به".
صورة تظهر مدى بشاعة الاستغلال الامبريالي

صورة تظهر جشع ليوبولد الثاني

ساهمت تقارير روجر في هز الرأي العالمي البريطاني والعالمي لينظر من جديد لهذه البقعة من العالم بشيء من الرأفة وهو الأمر الذي لم يحدث طبعا بل تغيرت إشكال الاستغلال فحسب، الصدى الكبير الذي عرفته تقارير كيسمنت ستؤهله لمهمة إنسانية أخرى لكن هذه المرة في البيرو وعلى ضفاف نهر الأمازون حيث تقبع شركة  أخرى من كبريات شركات المطاط العالمية على روح سكان بوتومايو وينجز روجر، وللمرة الثانية أدى عمله بحس إنساني عالِِ، وقدم تقريره المثير والمعروف بـ"الكتاب الأزرق" لتنهار على يديه أقوى صناعة للمطاط في الأمازون ولينتقل الظلم هذه المرة إلى الشرق وأرض عذراء جديدة لتبقى عجلة الاستغلال تدور مبررة نفسها مرة بالتنوير ومرة بالرفع من اقتصاديات العالم الثالث.
روجر كيسمنت و كتابه الأزرق الذي يضم تقريره حول بوتومايو.

هاتان التجربتان الإنسانيتان ولدتا لدى كيسمنت  وعيا سياسيا، وأحيتا نزعته القومية الإيرلندية فنجده يقول: "لم أجد في هذه الأحراش وجه ليوبولد الثاني الحقيقي فحسب؛ لقد وجدت نفسي الحقيقية". فيعود إلى بريطانيا عازما على تقوية هذه النزعة بالثقافة السلتية وليجد نفسه مرة أخرى في مواجهة من كانت بالأمس شفيعة له في العمل الإنساني، بريطانيا العظمى، فيعمل إلى جانب ثوار إيرلندا ويحاول إيجاد صيغة تمكنه من الحصول على الاستقلال بأقل الخسائر الممكنة فيستغل دخول ألمانيا الساحة العالمية وعدائها لبريطانيا لينتقل إليها سفيرا ومنظما للتعبئة الايرلندية هناك إلا أن مساعيه السلمية تعرقلها حماسة ثوار آخرين رفضوا الانتظار وقاموا بانتفاضة أيستر ليجد روجر كيسمنت نفسه قيد الاعتقال بمجرد وصوله إلى بريطانيا بتهمة الخيانة هذه الأخيرة التي لم تألُ جهدا في تشويه سيرته بالكثير من التفاصيل الشخصية حول شذوذه مفبركة ربما يوميات يقال انه وثّق فيها وقائع لقاءات ساخنة والكثير من الخيالات الجنسية، وبعد ثلاثة أشهر من اعتقاله يعدم روجر شنقا ويدفن عشوائيا في اللا مكان وبدون شاهد يحفظ ذكراه وكان على هذه الذكرى أن تنتظر حتى سنة 1965 لتنتقل إلى إيرلندا الحرة في مراسيم جنائزية مهيبة ويكون الرئيس الايرلندي الأول وزميل كفاحه أول الحاضرين.
اليس ميليجان صديقته  ومعلمته للثقافة الايرلندية

روجر وأصدقاؤه في النضال الإيرلندي












هذه باختصار شديد سيرة حياة روجر كيسمنت، رجل أممي سعى على مدى سنوات إلى إزالة الظلم على فئة لا صوت لها في مجتمع استهلاكي، ولم يكن روجر ملهما فقط لغيره من المناضلين الذين ظهروا على مدى القرن الماضي فقط بل أيضا ألهم الكتّاب فنجد كونراد صاحب رواية "قلب الظلام" يستوحي شخصية مالو الشاب من روجر وشهاداته الحية على واقع شعب الكونغو يأتي بعده بسنوات طويلة سنة 2010 جوردان جودمان ليخط سيرة روجر في كتابه "الشيطان ومستر كيسمنت"، ثم أخيرا فرغاس يوسا في روايته "حلم السلتي" في سنة 2012 فهل أضاف يوسا لمسة لاتينية لشخصية روجر إنجلوسكسونية؟
يجرد يوسا كعادته  التاريخ من عباءة التقديس ويحاول دائما تقديم صورة مختلفة ومغايرة للتاريخ كما هو مقرر في الكتب الأكاديمية، وغالبا ما ينجح في صكِّ القارئ ليحثه على إعادة تمحيص كل شواهد التاريخ، وكل قارئ ليوسا غالبا ما يتوقف أمام عبارات وجمل ليوسا تبرز توجهه هذا، ولم يخرج عن هذا التوجه في روايته حلم السلتي إلا أنه في نظري سقط في هفوات عدة جعلتني أنتقص من قيمة الرواية نجمتين واشعر بخيبة أمل سأحاول تلخيصها فيما يلي:
1.     خرج يوسا الأديب  عن عباءته في حلم السلتي واكتفى بدور الصحفي المحقق لسيرة روجر من خلال وثائق اشتغل عليها لفترة وزار بنفسه عدة مناطق كان فيها روجر إلا أنه سقط حين اعتمد على يوميات روجر التي تبقى لحد الآن مثار جدل والتي تشبه في نظري الصحف الصفراء فكيف يعقل لرجل اشتغل بقضايا مصيرية لشعوب أن يكتفي في يومياته بسرد وقائع حميمية مع شبان بل أحيانا مجرد خيالات سخيفة شيء في نظري مبتذل وخارج السياق، وأرجح فرضية أن تكون اليوميات مفبركة من المخابرات البريطانية نوعا من سلخ البطولة والفحولة عن روجر والاعتماد على حقيقة شذوذه في تهويل الأمر.
2.     المفارقة الغريبة في شخصية يوسا كونه يساريا سابقا وليبراليا معاصرا تظهر رغما عنه في رواياته  شاهدنا تناقضه هذا في قصة مايتا ونجدها هنا فعلى الرغم من اختياره لشخصية إيرلندية مادة لكتابه إلا أنه من ناحية أخرى لا يخفي عشقه لشخصية تاتشر المناهضة للحركات النضالية الإيرلندية/ وهي المشهور عنها أنها لم تخضع لاضراب المناضلين الإيرلنديين في السجون البريطانية عن الطعام، وهو الاضراب الذي ذهب ضحيته العديد منهم، وربما هذا الأمر أثّر في يوسا فنجده خصص فصلين ضخمين لمغامرات روجر في الكونغو والأمازون، في حين جاء فصل ايرلندا باهتا وباردا ولم ـشعر بأي تعاطف مع روجر حتى وهو يعدم.. وهذا ذنب يوسا، ولا ذنب لي فيه فطريقة كتابته لهذا الفصل جاءت جامدة جدا.

3.     غالبا ما أتساءل ما الهدف الذي يجعل يوسا يحطم شخصياته بيده من خلال إبراز سيرتهم الشخصية كونهم اشخاصا ذوي ميولات مستهترة وغير ثابتة وربما أحيانا مريضة كحالة روجر هنا وولعه بالمراهقين وكأنه يرفع مجدا بيده اليسارية ليهدمه بيده الليبرالية.
4.     يظهر يوسا في هذا العمل وكأنه يرفض الإمبريالية الغاشمة والظلم الذي تكابده دول العالم الثالث، إلا إن العارف بالخلفية السياسية لهذا الرجل يعرف مدى التناقض الذي يقع فيه وهو المدافع عن حرب العراق والمحب والممجد لشخصيات دافعت عن هذه الحرب مثل آزنار الإسباني وساركوزي الفرنسي.
و أخيرا أقول هذه الرواية ستروق للمهتمين بالتاريخ والسير أكثر من الروايات، لهذا أقول لعاشقي يوسا حظا أوفر في رواية أخرى.. ويبقى صالح علماني رائد الترجمة العربية من اللغة الإسبانية بدون منازع.

بعض الفيديوهات التي تضم أرشيف من حياة روجر كيسمنت أنصح بها: 

فيديو نادر لروجر كيسمنت:




حياة روجر كيسمنت:


أغنية وطنية إيرلندية تحكي قصة كيسمنت:

يوسا يحكي قصته مع حياة كيسمنت:
1
2

إيمان العزوزي. 

الخميس، 4 يوليو 2019

الحالة الحرجة للمدعو ك – عزيز محمد.



(إن الحياة كلها ليست سوى مبالغة. ص69)

أن هذه الرواية بموضوعها الإنساني والعلاقة التي تنشأ ما بين العليل وعلّته، وبين كل من حوله من أُناس وآخرين يُشاركونه نفس المرض والحياة ومشاكلها وطبيعتها وكل شيء فيها من أحزان ومسرات، وعن الصحة والمرض، ومعنى هذا الكائن الحي في ظل قدر لم يكن ينتظره، يدفعنا للسؤال ما الذي يمنعنا أن نكون بدلا من المدعو ك؟ هذا السؤال لا يقتصر على هذه الرواية دون غيرها، فكثير من الروايات أثارت في نفوس القُرّاء أسئلة مشابهة عن قيمة حياتنا التي نعيشها، متغافلين أو جاهلين عن حياة آخرين يُشاركونا نفس المكان والزمان، وربما نمر بهم ونراهم كل يوم لكننا لا نُلقي بالا لهم. لا يثيرون فينا التساؤل، بالرغم من إنهم مثالٌ حيّ أمامنا عن ماهية الحياة وكيف تضحى عبئا ثقيلا على أكتاف أصحابها، إلا أننا غافلون وساهون نبحث عن إكمال يومنا دون تبّصر، فتأتي هذه الرواية لتُسلط الضوء على بقعة مظلمة في دواخلنا وتُحفزّنا من جديد أن ننظر تحت أقدامنا، أن نبحث عن النعمة التي نحن فيها، والخير الذي نتقلب به. أن ينقلك الكاتب بعمله إلى عالم جديد تعيشه بتفاصيله اليومية الدقيقة، ويتركك في حضرة من يُعانون، أولئك المغيبون عن الأضواء والذين يموتون بصمت، دون أي همسة، الراحلون باستمرار يأخذهم قطار الموت إلى محطة لا شك أننا سنصلها جميعا في آخر المطاف؛ لهو كاتب يستحق كل الثناء والتقدير. هذه الرواية الأولى لكاتبها عزيز محمد لكنها تشي بالكثير عن كاتب لامع، سيتمنى أي محب للأدب أن يقرأ له مجددا على أمل أن يبهره.

 القسم الأول من الرواية حتى اكتشافه ك لمرضه، يُسلط الضوء على بصورة واضحة على مشكلة ربما نستطيع أن نصفها بالعالمية، الروتين اليومي في العمل، والملل الذي يدفع الكثيرين أن يصلوا إلى الهاوية بما يسببه العمل من ضغوط نفسية وجسدية وسرقة للوقت، حتى يبدو الموظف أنه يعيش في فضاء واسع ألا أنه محبوس في مكان وواجب معين لا يستطيع أن يغيره، ولا يقدر أن يفعل شيئا تجاهه، يستمر ك بالعمل في الشركة لكنها يصنع عالمه الخاص في وعيه ويرسم صورا عن الموظفين زملاء العمل، فهو في عالم خاص، لا ينتمي إلى الواقع المحيط به. كل هذا يؤدي إلى رسم خط فاصل بين عالمين، عالم الحقيقة وعالم ك. هذا السخط إزاء هذه الطبيعة المحيطة به والتي لا يجد من فكيّ كماشتيّها مهربا، هي الفخ التي وقع به وسيقع به الكثيرين من الموظفين، في دورة سيزيفية لا تنتهي، تكرر بواقعية وحشية، تُطاردك بقسوة في عالم لا يقل عن غابة لا نجاة فيها إلا للأقوى. هذه هي الصورة التي يرى بها ك حياته في عمله.


يستمر بطل الرواية في معاناته اليومية في العمل، وصناعة أبعاد لا يراها سواه تجذبه إليها حتى تأتي تلك اللحظة المفصلية والمنعطف في حياته ومسار الرواية بشكل كلي، ليكتشف إصابته بالمرض، وتبدأ مرحلة مختلفة عن سابقاتها، وهي التي تأخذ الحيز الأكبر من الرواية بجانبها الإنساني أو على مستوى الحدث، الذي يأخذ مسارا تصاعديا مع تفاقم المرض وجلسات العلاج الكيمياوي، وذاك التغير الذي يطرأ على مستوى العلاقة بين البطل ومحيطه، وهو ليس تغييرا بمعنى تغيير الطباع أكثر من كونه أصبح أكثر وضوحا في الكشف عن طبيعته الفضّة والسمجة بعض الشيء وعدم الاختباء أو مراعاة أي شيء، وهي حالة طبيعية يصل لها المريض الذي يعاني عادة. بينما علاقته مع العمل فهي تبقى بطبيعتها الاستغلالية والبيروقراطية الصارمة، لكنه يقلب الدور ويمارس دور الجلاد بعد أن كان الضحية، فرغم التعاطف والتسهيلات التي تقدمها لها الشركة لكن موقفه تجاهها يبقى نفسه. 
الجانب التعاطفي للقارئ مع البطل هو الآخر يأخذ منحى متناميا، حين ينقله الكاتب إلى بدايات المرض ثم دورات العلاج وتأثيراتها، وكيف تظلم الحياة في عيني البطل الذي يعمل دائما على تدوين يومياته متى سنحت له الفرصة، حتى نصل إلى نهاية المطاف مع الرواية. 

أسلوب سرد الرواية المتجانس كان منضبطا ومنسابا دون تعقيدات بلغة متماسكة رصينة، يعتمد الكاتب على تقنية الحدث الاسترجاعي من حياة البطل، فيتنقل بين زمانين في مكان واحد، ومحاولة ربط الحدث الجاري مع حدث ماضٍ من خلال سرد قصة ماضية، وكذلك رسم صورة الشخصيات ما بين صفات حالية وصفات سابقة في الماضي الذي عاشه البطل وتعايش مع من حوله. 

يحاول الكاتب في الرواية من خلال شخصياته أن يُدرج مواضيع ينقد من خلالها رواياتٍ وروائيين على غرار ما فعله سربانتيس في رواية دون كيخوته، لكن لا يفيض في النقد أو عرض وجهات النظر لكنه يعطي حكما نهائيا كما في رأيه عن موراكامي ورواية كافكا على الشاطئ. ولا يتردد في مدح رواية الشيخ والبحر والإشادة بها، ويرافقه توماس مان ورواية الجبل السحري طوال فترة مرضه، ولا يخفي البطل حبه لقصائد الهايكو وطبيعتها القصيرة والجاذبة للقراءة.

تبقى نقطة النقاش الوحيدة والتي يمكن أن أصنفها نقطة ضعف في هذه الرواية هو تأثر الكاتب بصورة واضحة بكافكا ورواياته وجوّه وكآبة، لكن من منا لم يتأثر بكافكا وما خلّفه للآداب من أعمال خالدة، وتلك السوداوية التي يبعثها بنظرته للحياة، لكن الكاتب بدا منساقا خلف كافكا بصورة يكاد يفقد فيها جوهره ويحاول أن يقلد كافكا بأي صورة ممكنة مما يدفع القارئ أينك أنت؟ ولمَ تحاول أن تُذيب نفسك وقصتك في قالب تم استخدامه من قبل وأي محاولة تكرار ستكون مهما عظمت دون النسخة الأصلية ابتداء من عنوان الرواية (الحالة الحرجة للمدعو ك) وهو اقتباس واضح من شخصية جوزيف ك بطل رواية القضية لكافكا، وعلى الرغم من إن البطل يبقى مجهول الاسم لكن الكاتب يسرد على لسانه قصة ثانوية قصيرة لشخص يدعوه بـ ك، يجد نفسه وسط اجتماع ممل، والبطل حين يحاول سرد هذه القصة في خياله وتركيبها، تبدو مشابهة له، فالكاتب هنا يعني إشارة أن من الممكن أن نطلق على بطلنا المريض ك، وما يؤكد هذه الإشارة هو العنوان. 

بينما يلتقي في القسم الأول مع كافكا في نقد النظام البيروقراطي وحياة العمل الوظيفي الممل والمكرر، وإذا كان أبطال كافكا يعيشون في عالم التدوين الورقي والالتزام بالأوامر فإن حياة ك كانت في عالم التدوين الإلكتروني ومحاولة المديرين الصعود على أكتاف الموظفين في السلم الوظيفي، أو محاولة تحفيزهم ليكونوا أفضل ويرتقوا في الخدمة، وإن دل التشابه على شيء فهو يدل على استمرار المعاناة نفسها، وأن نظام الشركات ذاته. 
هو نظام بيروقاطي صارم يجد البطل نفسه أسيرا له. 

"البيروقراطية في مفهوم روبرت ميشيلز "عالم اجتماع ألماني كتب في السلوك السياسي للنخبوية الفكرية وأسهم في نظرية النخبة. وأكثر ما اشتهر به كان كتابه الأحزاب، المنشور في 1911، الذي احتوى وصفاً "للقانون الحديدي للأوليغاركية" لا تعدو أن تكون مجموعة من الموظفين والعمال، الذين يتقاضون أجراً لقاء عملهم، ويخضعون لسيطرة رؤسائهم وقادتهم، وأن الأوليغاركية (حكم القلة) هي المصير المحتوم الذي ستنتهي إليه البيروقراطية". البيروقراطية ونسيجها الرمادي - حيدر الجرّاح. 

الأمر الآخر الذي يحاول فيه مشابهة كافكا وجوّه، هو السوداوية والانطواء والانعزال عن العالم الخارجي والنظرة السلبية للحياة التي كانت حتى قبل إصابته بالمرض فهو يبدو غريبا عن هذا العالم، وكل شيء حوله غارق في الفردانية وحب الذات والاهتمام بالنفس دون مراعاة الآخر، هذا الأمر الذي تفاقم وطغى مع حياة العمل ومن ثم الإصابة بالمرض. 

في الأخير هذه الرواية في موضوعها وأسلوبها وقصتها والحالات الاجتماعية التي عرضتها سواء على مستوى العمل، أو الحياة الأسرية وحياة المرضى والمرض، في المجمل كانت عملا أدبيا جيدا، ولربما لو حاول الكاتب أن يخرج بأسلوب خاص به دون محاولة إعادة ما استهلك سابقا لكان العمل أقوى لكن التأثير أحيانا حتمي يأتي دون إرادة مسبقة، ويجد الكاتب نفسه دون وعي أو إدراك أو تماشيا مع حالة مغيبّة في ذهنه أثناء الكتابة؛ يضع شخصياته في عالم مهما بدا له جديدا ويتلائم مع الحالة التي تتناسب مع ظرفهم لكنه يبقى في دائرة ولجها دون القدرة على التراجع إلى الخلف، فقد يهدم كل ما أتى به.

مؤمن الوزان.

موسوعة السرد العربي - د. عبد الله إبراهيم.


الكتاب الخامس.
مؤمن الوزان 

يتناول الكتاب الخامس من الموسوعة مرحلة جديدة ومهمة من الأدب العربي الحديث، وهي الأهم في القرن الماضي، واستمرت بالتطور حتى وقتنا الحالي والتي تتمثل في الرواية، يُفتتح الكتاب بعرض ونقاش قبولية الرواية في الوسط الثقافي العربي، ورفض بعض النخب الدينية والثقافية والفكرية لها لأسباب مختلفة منها دينية كأن تكون هذه الروايات مبنية على قصص مكذوبة أو تنقل حوادث تاريخية لم تحدث كما في الروايات المعربة، أو أن قراءتها لا تجلب أي منفعة أو فائدة، وتعاد نوعا ما مرحلة القص في التاريخ الإسلامي وكيف تم رفض القصاص ووصمهم بأسوأ الصفات بعد أن كانت لهم مكانتهم بعد خروجهم عن الغرض الذي شُرِّع لهم بالوعظ والنصح. ويقارن د. عبد الله إبراهيم حالة الاعتراض التي واجهت الرواية العربية في بداية الأمر مع قضية شبيهة لها في الأدب الفرنسي ورواية مدام بوفاري والتهمة التي وجهت إلى فلوبير بنشر الفساد ومحاربة الفضيلة عبر روايته التي أظهرت إيما بطلة الرواية تمارس الفاحشة عن رضا دون تأنيب للضمير، وبعد محاكمة المؤلف التي انتهت بتبرئته من التهم الموجهة إليه، شهدت الكتابة الروائية التحرر من أي قيود قد تمنع الكُتّاب من تناول المواضيع التي يودون بأي أسلوب كان. وكذا الحال مع الأدب العربي فإن انتشار الرواية بدأ يزداد والتوجه إليها بدت سماته واضحة، وشرع الكُتّاب بكتابة الروايات، كما عند المويلحي والخوري وعلي مبارك والبستاني، لكن المرحلة اللاحقة عرفت خلافا بارزا استمر حتى اليوم حول الرواية الرائدة في الأدب العربي، ووفق أي أسس وشروط وقواعد يتم اختيار الرواية الرائدة، لا سيما وهي فن أدبي نثري متطور بصورة مستمرة ولا تحده حدود ولا تقيده مستويات وصل إليها، بل أن الرواية الرائدة في كل الآداب تشهد اختلاف وعدم اتفاق على عمل ما، هذا ما يجعل الحديث حول رواية عربية رائدة محط خلاف لا يُمكن أن يعرف اتفاقا. وهذا ما يُناقشه الفصل الثاني من الكتاب ونقاش حول ريادة رواية زينب لمحمد حسن هيكل مستعرضا الآراء التي تقول بريادتها أو تقف بالضدِّ من هذا الرأي، وما بين مؤيد ومعارض، تستمر النقاشات حول هذه الرواية، سواء في الموضوع أو اللغة أو الأسلوب أو حتى استخدام "فلاح مصري" بدلا من اسم الكاتب نظرا لاعتبارات تخص كتابة الرواية وقتئذ، ويرجح د. عبد الله إبراهيم أن الآراء حول هذه الرواية اصطبغت بمرجعيات خارجية روّج لها المؤثر الغربي، ولا يمكن استخلاص رأي نقدي نقي كل النقاء من أي مؤثرات خارجية، مما يجعل الريادة محل شك، مهما رُوج لها ابتداء من مجلة البيان التي نشرتها لأول مرة سنة ١٩١٤. وتبقى مسألة الريادة ضبابية، إذ لا يمكن أن نعطي للرواية تعريفا شاملا وعناصر فنية نضبط بها كل الأعمال في إطارها، بل هي تمثل مرحلة تطور سردي شهدته كل الآداب العالمية شرقا وغربا، وبما أن الرواية تتطور في كل مرحلة بإضافة عناصر جديدة أو حذف أخرى فإن لكل مرحلة ريادتها الخاصة، ولا يمكننا دون شك أن نقول أن الرواية العربية ابتدأت بزينب متجاهلين العوامل التي ساعدت وأوصلت الرواية إلى هذا المستوى. لا يبخل د. عبد الله إبراهيم في نقض جميع الآراء التي تقول بالريادة من خلال طرح أمثلة لروايات سبقت رواية زينب احتوت العناصر التي قال المناصرون لرواية زينب أن لهذا السبب أو ذاك استحقت رواية زينب القول بريادتها للرواية العربية الحديثة. وبتطور الرواية في القرن العشرين، شهدت الرواية مواضيع ومرجعيات ثقافية نهل الرواة من بيئاتهم مواضيعهم طرحوها في رواياتهم كما لدى نجيب محفوظ وروايته التي تم عرضها ونقدها في الكتاب والتي ركز فيها على موضوع الأبوة والذكورة في روايات محفوظ: بداية ونهاية والثلاثية وملحمة الحرافيش وأبناء حارتنا. في هذا الفصل عرض نقدي سردي لهذه الروايات وتحليل لمكانة الأب ودوره في نسج متن الحكاية وتأثيره في محيط الأسرة، وذوبان العنصر الأنثوي في ماء الذكور الذي طغى في روايات محفوظ. أما المرجعيات الثقافية والتمثيل السردي لها، فكان الفصل الذي ناقش فيه الكتاب عدة مواضيع منها العلاقة بين الأنا والآخر في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، والمدينة والصحراء كما في روايات إبراهيم الكوني، والطبائع الثابتة والمواقف المتحركة والذكورة والأنوثة، وغيرها من المراجع الثقافية التي استندت لها الروايات التي تم اختيارها. وهذه الفصول ليست مجرد عرض لمرجعيات ثقافية حوتها الروايات بل هي دراسات في السرد الروائي ونقده وتحليله، مما يضفي لهذه الفصول طابع نقدي يقف فيها القارئ على قراءة مستفيضة وعميقة لهذه الروايات، التي مثلت السرد التقليدي الشفاف، الذي لا يبحث عن أي التفاتات قد تعرقل القارئ وهو ما يمثله الجيل الأول من الروائيين العرب. لكن الجيل الثاني من الكُتّاب بحثوا عن التجديد والتغيير وهو ما تمثله الرواية من ميزة تجديدية وتغيّر مستمرين، يعرض الفصل الخامس هذه النقلة الجديدة في الروايات العربية اللاحقة لمرحلة التأسيس والبحث عن طرائق سردية جديدة والغوص في العوالم السردية، والبحث عن سبل جديدة في بنائها بعيدا عن الطرح المباشر والواضح وكون الحكاية هي المحور الرئيس الذي يصب الكاتب كل اهتمامه فيها، بل أصبح السرد ومستويات السرد وبناء الشخصيات وطرق عرضها وعلاقاتها مع الراوي والمؤلف هي أيضا شغلهم الشاغل، وهو ما أراه يمثل مرحلة نضج فكري لدى الرواة، فبعد أن استلموا مشعل الرواية من سابقيهم، بدأوا مرحلة تأسيسية مختلفة قائمة على فهم الفن الروائي وما هي العناصر التي تقوم عليها الرواية من أجل إضفاء لمسة خاصة تدفع الرواية العربية إلى الأمام هذا ما تزامن مع شيوع رواية ما بعد الحداثة في أوروبا وأمريكا وخضوع الرواية لمؤثرات جديدة لم يعرفها السابقون، كل هذا جاء وفقا لتغييرات العصر الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، والرواية العربية والروائي العربي لا يقل عن نظيره الأجنبي وليس بمنأى عن تغييرات العالم، مما دفع جيل من الروائيين إلى التطلع أماما برواياتهم. ويصطلح الدكتور السرد الشفاف على السرد التقليدي الذي انصب اهتمامه على الحكاية، في حين يصطلح السرد الكثيف على السرد التجديدي الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا السرد الذي أصبح غايته ليس عرض حكاية بل وكذلك عرض الطريقة التي تُبنى فيها الحكاية ومستويات السرد، والتداخل بين الرواة والمؤلفين والشخصيات، وكذلك تنوع المواضيع والتركيز في بعض الروايات على مواضيع جديدة تخص المهمشين وإعادة صياغة المرجعيات الثقافية، وكذلك الاهتمام بعنصر الزمن في الرواية، وترك الأسلوب المتوالي الكرونولوجي، وكذلك تعدد مستويات الحكاية، والاهتمام بكيفية ترتيب النص السردي وتكوينه وتكوّنه، والتدخل المباشر من الرواة في إضافة تعليقات أو شروحات، دون التواري والتماهي مع الحكاية والاختفاء خلف راوٍ عليم، ومع مجموعة من الروايات المميزة لروائيين، نجد مرحلة نضج متزامنة مع نظيرتها في أوربا وأمريكا، وكذلك تمثل هذه المرحلة بتقنياتها الجديدة، مرحلة ما بعد الحداثة في الرواية العربية، سواء على مستوى السرد أو المواضيع أو التقنيات التي يلجأ لها الروائيون في تقديم مادتهم الأدبية، وفي فصلين كاملين يشرع الدكتور برحلة في فضاء هذه الروايات عارضا إياها ومحللا وناقدا، برؤية موضوعية عارفة شاملة لتلافيف الرواية ومما يزيد من أهمية قراءته ودراسته لهذه الروايات هو الثقافة والاطلاع على الآداب الغربية مما يضفي للقراءة بعدا أكثر توسعا وعالمية، مؤكدا فيه على المستوى الذي وصلته الرواية العربية من نضوج وبلوغ أدبي وتقني وفني، لا يقل عن نظيراتها في الآداب الأخرى.

القصة القصيرة جدا - مؤمن الوزان.


ما  القصة القصيرة جدا؟ 

هي جنس أدبي قصصي، يمتاز بقصر الحجم، والتكثيف، والإيحاء الرمزي المباشر وغير المباشر، والإيجاز والاقتضاب، والفكرة المركّزة التي تُطرح بطريقة إبداعية مميزة بعيدًا عن الإطناب والسرد الطويل. 

ومن التعريفات الأخرى الوافية لها: إنها قصة أولا، وقصيرة ثانيا، قصة بمعنى أنها تنتمي للقصة حدثا حكاية وتشويقا ونموا وروحا، وتنتمي للتكثيف اقتصادًا ولغة وفكرا وتقنياتٍ وخصائص. (١) 

على الرغم أن القصة القصيرة تعد جنسا أدبيا حديثا، وحجزت مكانا في الأدب الحديث بصورتها الحالية وسماتها وتراكيبها السردية والبنائية، فما زال بعضٌ يشكك بأنها جنس أدبي قائم بنفسه، فهي تبقى مرتبطة بتاريخ أدبي مرّ بمراحل مختلفة. 
يقول حسين المناصرة (٢):

"لم تكن القصة القصيرة جدا نصا أدبيا طارئًا، لأنها وجدت على ظهر الإنسان على وجه البسيطة، كما تجلت في النقش، والمثل، والحكمة والطرفة والخاطرة وغيرها".

حجم القصة القصيرة جدا.

يعتبر حجم القصة القصيرة جدا، من أهم العلامات والسمات المميزة لها، فتتراوح القصة القصيرة جدا ما بين الأربع كلمات إلى مئتي وستين كلمة، في حين المعدل العام لعدد الكلمات في القصة القصيرة جدا المنتشر هو ما بين (١٥-٦٠) كلمة. 

رمزية العنوان في القصة القصيرة جدا.

للعناوين سيميائية محورية ودلالة رمزية للمحتوى النصي، في كافة الأعمال الأدبية كالقصة والرواية والدراسات، وبما أن القصة القصيرة جدا، مرتبطة بصورة مباشرة بالحجم القصير، فلذلك يرتبط العنوان بحجم قصير لا يتجاوز الكلمتين حدًا أقصى، والتكثيف من السمات البنائية في القصة القصيرة جدا، يجب أن يكون العنوان مركّزًا ومكثفًا وذا سيميائية تشد القارئ وتهيئ ذهنه وفكره لما سيقرأ، فالعنوان هو الافتتاحية لهذه القطعة الفنية النثرية، والتعامل معه بأفضل صورة هو خطوة رئيسية ومهمة في التأثير على القارئ.

ويمكن تلخيص دلالات وحقول العناوين في مجالات: (٣)
١- حقل الإنسان: علي، إنسان، الأعرج، بنت الجيران.
٢- حقل المشاعر: أمل، ثائر، رثاء، أهازيج.
٣- حقل الممارسات أو التصرفات: إبطاء، عجالة، شبق، محاكمة.
٤- حقل الظواهر والأشياء: برق، شيء، قناع، ورقة رسمية.

لغة القصة القصيرة جدا.

تعد القصة القصيرة جدا من الأجناس الأدبية المعقدة، التي لا يكاد جنس أدبي يشابهها لكثرة الأنماط وأساليب السرد، لاحتوائها حوارات أو خلوها، لاعتمادها حكاية أو خلوها، ولتنوع نهاياتها، ما بين النهاية الحادة أو الساخرة أو العادية. 
وكل هذه النقاط تعمل اللغة على بنائها وتنظيمها داخل النص القصصي المسرود. 
يقول حسين المناصرة:(٤)

"العلاقة بين المبدع ولغته وأساليبه علاقة ينبغي أن تكون حميمية وجدلية؛ لأن اللغة هي أداة التوصيل، وهي القابلية للتفجير الجمالي عندما تكون لغة في النصوص الإبداعية".
"ومن هنا غدت القصة القصيرة جدا من الناحية التجنيسية تميل إلى اللغة الشعرية، وفي الوقت نفسه تحافظ على السردية".

ومن الأمور التي تنظم لغة القصة القصيرة جدا، هي علامات الترقيم، فالتعامل مع علامات الترقيم مع لغة القصة القصيرة جدا، مهم ومؤثر على سير الحدث، وفهم معناه. 
فعلا الكاتب أن يتحرى في كتابته للقصة القصيرة الدقة في اختيار الفاصلة أو الشارطة أو النقطة التي تُنهي الحدث أو الفقرة. 

يستسهل البعض القصة القصيرة جدا، فيشرع بكتاباتها، دون فهم ماهية القصة القصة القصيرة جدا، أو ما يظن أنها قصة قصيرة جدا، وساعدت مواقع التواصل الاجتماعي، انتشار هذه القصص، دون مراعاة سمات وخصائص القصة القصيرة جدا، وقد تكون من ناحية الصيغ والبنائية قصة قصيرة جدا، لكنها دون هدف أو فكرة واضحة، أو معالجة لقضية معينة، يُخاطبها ويقصدها الكاتب. 

الهوامش:
١- القصة القصيرة جدا- قراءة نقدية. د. جودي فارس البطاينة. 
(٢-٤) القصة القصيرة جدا- رؤى وجماليات. د. حسين المناصرة.

سمات القصة القصيرة جدا: *

١- اللغة السردية: 

إن القصة القصيرة ونظرًا لعدد كلماتها القليل فإنه لا بد من تعامل دقيق مع اللغة أثناء كتابتها، ومن الضرورة أن تكون لغتها قوية ورصينة مليئة بالمعاني والدلالات والسيميائية، بدون إطناب أو اختصار يخل بلغة القصة. 

"إن اللغة الإبداعية هنا، لا تحتمل التفصيلات والشروح والحوارات كما هو الحال في الرواية والقصة القصيرة والمقالة، أو ما إلى ذلك؛ فاللغة في القصة القصيرة جدا هي لغة إيجاز،، وترميز وإيحاء وحذف إبداعي،...". (١)

٢- التكثيف والإيجاز:

"التكثيف اللغوي، إذن، عنصر حيوي في بناء القصة القصيرة جدا من حيث الشكل العام، وهو الأساس في كتابة القصة القصيرة جدا،...". (٢) 

ومن هذا الكلام نستنتج أن القصة القصيرة نوعان: "إحداهما جميلة تنتمي إلى عالم القصة القصيرة جدا، والأخرى غير فنية ولا علاقة لها بطريقة مباشرة بكتابة القصة القصيرة جدا". (٣) 

تسمى لغة القصة القصيرة جدا، باللغة المجانية، وذلك لاستسهال الكثير الكتابة بها كحال قصيدة النثر والنثر الشعري، وبالتالي اختلط الجيد بالرديء، ومع كثرة المنصات الإلكترونية، والتي كان من إيجابياتها سلطت الضوء على مواهب كتابية إبداعية، أعطت المجال والفرصة لأشخاص لا علاقة لهم بالكتابة في تشويه الأجناس الأدبية التي يرونها سهلة، وهي في الحقيقة سهل ممتنع. 

٣- الاحتفاء بالعادي والمألوف: 

لا يعني أن تكون القصة القصيرة، عبارة عن طلاسم تحتاج إلى خبير في قراءات لغات تاريخية لفهم المغرى والمعنى، بل أن تحتوي على لغة يفهمها القارئ، لذلك التعامل مع الفن السردي، يجب أن يكون دقيقًا ومنضبطًا، لا رثٌ ولا معقدٌ. 

"...، تتحول بذلك القصة القصيرة جدا من مستوى الحياة الواقعية المألوفة والعادية إلى حياة يكتشفها الكاتب والقارئ معًا،...". (٤)

٤- المفارقة: 

دائما ما تكون فكرة القصة القصيرة جدا، في المفارقة التي تحويها، ويقوم الكاتب ببناء جسر رابط ما بين فكرتين؛ الأولى التي يبدأ القارئ بفهمها أولا ويستحضر في ذهنه كل شيء متعلق بها سواء (مكان- زمان- شخصية- حادثة- إلخ)، والثانية التي يكشفها له الكاتب، ويكون ما بين الاثنين علاقة، فهي ليس جمعًا فقط بين الأضداد، أو لا تربط بين الفكرتين سمة مشتركة.

٥- صدمة القارئ: 

تكاد تكون صدمة القارئ هي أهم سمة تميز القصة القصيرة جدا، وكذلك المعيار في جودة القصة، وإبداع الكاتب، فكلما كانت الصدمة قوية كان أثرها في نفس القارئ أكبر، وعلى الكاتب أن يهيئ القارئ لهذه الصدمة من خلال أخذه إلى مسار مغاير للذي يتوقعه القارئ، فهي حالة من الصراع بين ذهنية القارئ وذهنية الكاتب، ولا بد للكاتب أن يتغلب على القارئ لدرجة أن يصدمه، بنهاية أكثر من درامية. 

الهوامش: 
(١-٤) القصة القصيرة جدا- رؤى وجماليات. د. حسين المناصرة.


أجزاء القصة القصيرة جدا: **

تتكون القصة القصيرة جدا من البداية والعقدة والجسد والنهاية، ولكل جزء أنواع كثيرة سأكتفي بذكر نوعين من كل جزء مع مثال قصصي. 

البداية: هي مفتاح القصة وتتنوع إلى أنواع كثيرة، كالموحية، والتشكيلية، والحلمية، والساخرة، والفانتازية.

١- البداية الساخرة: وتكون سمة السخرية والتهكم في استهلال القصة القصيرة جدا.
 قصة فلسطين: سمية البوغافرية ص ٣٥.

قبض الـ"فلس" مقابل الـ"طين" 
وقبل أن ينام مزق العقود القديمة وأوصى أبناءه 
إياكم أن تبيعوا شبرًا من فلسطين. 

٢- البداية الفانتازية: وهي البداية القائمة على التحول، كما في قصة حقنة الأنسولين، والتي تصور تحول شخص يخاف من الحقنة إلى خنفساء من شدة الخوف والرعب.

قصة حقنة الأنسولين: سمية البوغافرية ص ٢٦.
"حين يرى الحقنة في يد ممرضته، يستحيل خنفسا صغيرًا،...".

***

العقدة: هي الوضعية السردية القائمة على التأزم والاضطراب والصراع، وتنقسم إلى عدة أقسام منها: المقتضبة، والمفصلة، والممتدة، والمضمرة.

١- العقدة المضمرة: وتكون العقدة غير واضحة وملغزّة، بل مختفية ومضمرة. كما في قصة منفضة.
قصة منفضة: سمية البوغافرية ص ٥.

"ظل سنوات يراودها، وسنوات أخرى يروضها.
فصلّها أخيرا، على منواله.
ثم 
ألبسها القالب الذي يرتضيه
ثم 
.
.
تنهد، أخذ عقب سيجارته، يطفئها في عينيها".

٢- العقدة المنفصلة: وهي العقدة الطبيعية والعادية التي نجدها في القصة والأقصوصة.

قصة بكاء: سمية البوغافرية ص ٦.

"تبكي بحرقة. السماء تمطر بغزارة.
سألوها عن سبب بكائها، فلم تجب.
اكتفت بالإشارة إلى وردة مدهوسة تجرفها مياه الأمطار.
كانت قبل قليل في عرشها؛  تغازل الشمس وقوس قزح..." 

٣- الجسد السردي في القصة القصيرة جدا.

للجسد السردي في القصة القصيرة جدا ثلاثة أنواع:

١- الجسد القصصي القصير: وهو الذي لا يتجاوز بعض الجمل القليلة جدا،  (٥٠-٦٥) كلمة معدلا تقريبا للقصة الواحدة. مثل قصة "همس القمر". سمية البوغافرية ص 95.

"تمر السنون، وهي كما عهد الناس بها منذ قرون..
مشرقة، بشوشة، مبتسمة دوما..
ولا يدري أحد بما يهمس لها القمر كل ليلة..".

٢- الجسد القصصي المتوسط: وهو الذي قد يتخذ خمسة أسطر أو نصف صفحة كما في قصة "خطأ فادح" لـ ليون فبريس كورديرو - فنزويلا.

على من الدور ليقطع رأسه؟ سأل الملك بقلق.
- أنتم، يا صاحب الجلالة، أجابه الوزير بعناية.
- ومن أعطى أمرا كهذا؟
- أنتم نفسكم، يا مولاي.. وأوامركم يا جلالة الملك هي قوانين في هذه المملكة.
- متى حددت ساعة الإعدام؟
- في الساعة الثانية عشرة زوالا وتمضي الآن الدقيقة الأخيرة.
- هل بإمكاني أن أقول كلمة قبل أن أموت؟
- لا، يا صاحب الجلالة.
- ومن حرمني من هذا الامتياز؟
- أنتم نفسكم يا مولاي، تحسبا لأن لا يلغي أمر جديد الأمر السابق.
- هل ذلك هو السياف وتلك هي سقالة الإعدام؟
نعم، يا جلالة الملك.
إذن سأسكت للأبد.
- وسيشكر لكم شعبكم ذلك.

٣- الجسد القصصي الطويل: وهو الذي يتعدى الصفحة ويكون قريبا في صيغته الحكائية  من نَفَس الأقصوصة، أو نَفَس القصة القصيرة.

٤- النهاية: تكون النهاية تقريبا الجزء الأهم من جسد القصة القصيرة جدا، كون الختام يكون بها، والفكرة المراد إيصالها من القصة، متضمنة في نهاية قوية قد تفاجئ القارئ أو تكون مفارقة له على عكس ما كان يتوقع، وللنهاية تقريبا أكثر من عشرين نوعا، منها النهاية المفاجئة، والشخوصية، والسردية، والوصفية، والتشكيلية، والتأملية، والفضائية، والحوارية، والتقريرية.

١- النهاية التأملية: وهي النهاية التي ترتكن إلى التفكير والتخمين والتأمل كما في قصة (خطأ كبير) سمية البوغافرية ص ٢٩. 
"سقط الكوب من يده فتهشم..
نهره أبوه بعصبية: احترس يا ولد… أخطاؤك تجاوزت الحد المقبول.. ستقودك لا محالة إلى الهلاك.. ألقى ابنه نظرة معبرة على ساق أبيه المعلقة وقال له: اطمئن يا أبي ليست أخطاء الصغار من تقود إلى الهلاك.. وخرج تاركا أباه يخمن كلام ابنه، وفي خطئه الذي غيبه عن وعيه شهرا وكاد يودي بحياته.

٢- النهاية التقريرية: تنتهي بعض القصص القصيرة جدا، بنهايات على شكل تقريرات خبرية، أو أحكام إثباتية تخلو من الأساليب الإنشائية الطلبية وغير الطلبية.
كما في قصة الغزال. سمية البوغافرية ص٣٠.
"سُئل غزال: لماذا تحك قرنيك الجميلين مع الصخر؟" 
أشار بعينيه إلى ظل ينتقل متخفيا خلف جذوع الأشجار وقال: 
- إني أبريهما لأرسم بهما حدود بسالتي في جسد الغدار. 

نماذج من القصص القصيرة جدا من كافة أنحاء العالم.

السجين

عندما أُلقيَ لويس أوغوستو بيانكي في الزنزانة، استغرق بضعة أيام حتى اكتشف أن بمقدوره التحلل إلى هواء والهرب مثل نسمةٍ بين القضبان ثم استعادة جسده في الجانب الآخر، والتسكع في الطرقات مزاولاً حياته كالعادة. كان ثمة عائق وحيد يتمثل في الحراس الذين يقومون بتفتيش الزنزانة. كان على بيانكي أن يترك كل شيء ويعود في طرفة عين محافظاً على صورة السجين. تلك مسألة ضمير! فلو تغافل السجانون لأصبح بيانكي حرًا في الحقيقة. كان قد أعد جدولًا زمنيًا لجولات الحراس حتى يتمكن من التسكع في المدينة خلال الساعات الأكثر -أو حتى الأقل- أمانًا بلا خوفٍ من المقاطعة. كان بوده لو قضى الليل بطوله في الخارج على الرغم من كونهم قد اعتادوا على القيام بجولات مفاجئة في السجن. فقد اضطر أكثر من مرة إلى التحلل من ذراعي امرأة ما إن يشعر بهم وهم يفتحون الزنزانة. لم يكن راضيًا على الإطلاق. أخذ يتخلى شيئًا فشيئًا عن قدرته على التبخر وآثر في النهاية البقاء في السجن.

  غيرة

صَحَتْ إيليسا هي تتعذب من الغيرة، كانت تحلم أن زوجها يغازل امرأةً أخرى، وما عذبها مثل شوكةٍ لعينة أنه إذا تجاسر على فعل ذلك في حلمها فما الذي لم يجرؤ عليهِ عندما كان ذلك الحقير وحيدًا في أحلامه.

لـ أنريكي أندرسون إمبرت - الأرجنتين.

تيليكينيسيا

هكذا قال له الرجل الخارج من الغرفة، حين كان هو يدخل إليها:
ـ إما أن تصدق أو تنفجر.
بعد أن دخل، انتظرت المرأة حتى جلس، أغمضت عينيها، وبصوت كهفي نادت على الطاولة البروفنسالية الموجودة في الطابق الثاني.
نزلت الطاولة الدرج وهي تحرك قوائمها كأنها ذو أرجل أربع.
كائن تام ومروض.
صاح:
ـ هذا لا يصدق!
وقبل أن يتمكن من التعبير عن رأيه بشكل أفضل، انفجر.

راوول براسكا - الأرجنتين.


تغيير الهوية

حين استيقظ “أ” عند منتصف الصباح وهو على سرير لم ينم فيه، وإلى جانبه الجسد العري لزوجة “ب”، أعز صديق له، اتصل مباشرة ببيته الشخصي. اندهش قليلا حينما أجابه ”بـ“ في الهاتف وطلب منه أن لا ينزعج إن هو تأخر: زوجته ما تزال نائمة.

فرناندو أيينسا - الأرغواي.

الخوف

ذات صباح أهدونا أرنبا هنديا.
وصل الأرنب إلى بيتنا في قفصه، فتحت له باب القفص عند الظهر.
عدت إلى البيت مساء، فوجدته كما تركته، داخل القفص، ملتصقا بالقضبان وهو يرتعش فزعا من الحرية.

 إدواردو غاليانو - الأورغواي.

الأغنية 

في حافة الصحراء، في المنحدر،  والرمح مغروس في الرمل، أنشد، بينما أنا على جسدها، أغنية تسربت إلى فمي، فعلمت أنها آتية من الفم الأول، الذي أنشد أغنية أمام وجه الزمن، لتصل إلي فألصقها بدوري في أفواه أخرى، لتصل إلى آخر فم قد ينشد أغنية أمام وجه الزمن.

 لويس بريتو كارسيا - فينزويلا.

عجلة

ذهب رجل متأخرا إلى اجتماع مستعجل وحاسم.
التقى بصديق:
- ماذا أفعل؟  كيف يمكنني أن أصل في الوقت المحدد؟
- أدر ظهرك وامش. أجابه الصديق.

 خوسي بالثا - فنزويلا

مشروع الفن القصصي. 

كلمات

أغلبُ الكلمات، مثل فكرةِ اللغة، مثل الناس، مثل الأشياء،  الغريبُ أنها تأتي وتذهب دون أيّ غرض، وأحيانًا تجتمع كقصة قصيرة جميلة. 
فيكتور - الدنمارك. 

ما الصوت؟
عميقًا في الغابة، شجرةٌ طويلةٌ سقطت. لم يسمعها أحد. هل تُصدرُ صوتًا؟ 
جوتي - الدنمارك.

مفاجأة 

استيقظَ مُبكرًا. فتاةٌ شقراءٌ جميلة في فراشه. كانت مصنوعة من البلاستيك. 

فينسينت - بلجيكا 

المصادر: 
١-
* القصة القصيرة جدا- رؤى وجماليات. د. حسين المناصرة.
** دراسات في القصة القصيرة جدا. د. جميل حمداوي.

٢- القصة القصيرة جدا- قراءة نقدية. د. جودي فارس البطاينة

مصادر القصص:

١- شبكة الإنترنت.
٢- مدونة عبد الله ناصر.
٣- قصص القرية العالمية، مشروع الفن القصصي. ترجمتي.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب