المشاركات الشائعة

الجمعة، 23 أغسطس 2019

تريد تغيير سلوكك؟ اسأل نفسك هذه الأسئلة الستة - كاري م. كينغ.



لماذا يصعب علينا جدًا أن نصبح من نريد أن نكون؟ لماذا نكافح من أجل إجراء تغييرات شخصية كبيرة؟
هنا، لدينا بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعد في هذا الشأن.


إذا سبق لك اتخاذ قرار في العام الجديد أو حاولت التخلي أو التحلي عن/بِـ عادة ما، فإنك تقف معنا على ذات الصف وتقر على حقيقة أن تغيير السلوك أمر صعب إذ أن عاداتنا وأنماطنا الحياتية أمور متأصلة فينا وكأنها جزء لا يتجزأ منا، رغم أن عزمنا تقوده رغبة عقلانية قوية  فبعد أن نخوض غمار المرحلة نشعر وكأن السلوكيات القديمة تتجاوز ببساطة محاولاتنا لبناء عادات جديدة.
 

لماذا؟
هل عندما قررنا أن نبتدئ عادة أو سلوك ما لأننا كنا نقوم بالعكس من قبل؟
يثير كتاب "Triggers" لمارشال غولد سميث ومارك رايتر هذه القضية إذ يناقش سبب وجود صعوبة في التغيير ولماذا نتصرف في بعض الأحيان بطرق تتعارض مع رغباتنا وأهدافنا، في قراءة رائعة تلقي بعض الضوء على التشويش الغامض الذي يصاحب تحقيق الأهداف وتغيير السلوك الشخصي.

قدم لنا غولد سميث ورايتر خبرًا سارًّا في أنه ليس من المستحيل إجراء تغييرات في الواقع إذ نحتاج فقط إلى أن نكون على بينة من "الزناد" الخاص بنا ونوجد طرق فعالة ندير بها ردود أفعالنا.

فالزناد هو الحافز الذي يعيد تشكيل أفكارنا وتصرفاتنا، منه ما هو واضح ومنه ما يصعب علينا تحديده، منه ما هو إيجابي ومنه ما هو سلبي، واعٍ وغير واعٍ، مباشر أو غير مباشر.
فإذا كنت تظن أن حوافزك السلبية تمنعك من إجراء تغييرات في حياتك؛ فهناك بعض الطرق التي يمكنك بها التدرب على التعامل مع سلوكياتك والتعرف على "زنادك" والتأكد من أنك تتفاعل معه بطريقة صحية ومعينة لك على التغيير.

قد تكون فكرة طرح أسئلة شاملة على نفسك طريقة فعالة إذ تعود بذلك إلى المحطات المهمة في التغيير وتحدد من خلالها المحفزات الرئيسية لك في عملية التغيير، فإذا كنت تريد أن تصبح أفضل في إدارة سلوكك؛ عليك أن تتحلى بالصبر مع نفسك إذ إن الأمر علمية تتطلب قليلًا من الوقت، ومن ثم اسأل نفسك هذه الأسئلة كل يوم:

1. هل أبذل قصارى جهدي لوضع أهداف واضحة؟
2. هل أبذل قصارى جهدي للتقدم في طريق تحقيق أهدافي؟
3. هل أبذل قصارى جهدي لإيجاد معنى لما أقوم به؟
4. هل أبذل قصارى جهدي لأكون سعيدا؟
5. هل أبذل قصارى جهدي لبناء علاقات إيجابية؟
6. هل أبذل قصارى جهدي لأكون منخرطًا فيما أقوم به بالكامل؟

من خلال طرح هذه الأسئلة على نفسك؛ فإنك تجبر نفسك على التفكير في سلوكياتك وتغيير تصرفاتك وفقًا لما تريد تحقيقه، كما أن هذه الأسئلة تساعدك على معرفة محفزاتك بشكل حاسم وقاطع، وتتحكم في كيفية استجابتك لها.

إضافةً إلى ذلك، طرحك لأسئلة مصاغة بطريقة مبنية للمعلوم أفضل من لو كانت مبنية للمجهول إذ أنك بها تضع كامل المسؤولية على عاتقك مما يمنحك القوة التي تحتاجها لاتخاذ القرار الأفضل وتوقفك عن لوم المؤثرات الخارجية -كم مرة ألقينا باللوم على رؤسائنا عندما نكون في مزاج سيء؟- كما تجعلك ترى نفسك "العامل الأساسي" فيما تشعر به وما تفعله.

ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.



غير حياتك في عن طريق طرح أسئلة أكثر جمالا - مايكل بننجر.


"إذا أثارت فكرة الاستمرار في التحسن في عام 2019 اهتمامك؛ فضع قدمك اليمنى في هذا العام على مواطن جمالية من خلال التفكير في بعض الأسئلة الكبرى في الحياة."



مع بداية العام الجديد نتطلع غالبًا إلى إمكانيات جديدة، وأحد الكتب التي اكتشفناها والتي تساعد في تحويل الأهداف إلى أفعال ونتائج هو كتاب "سؤال أكثر جمالًا: قوة الاستفسار عن أفكار تشع وميضًا (A More Beautiful Question: The Power of Inquiry to Spark Breakthrough Ideas)" ويوضح هذا الكتاب الأكثر مبيعًا، الذي كتبه الصحفي وارن بيرغر، أهمية طرح الأسئلة الصحيحة من أجل الشروع في رحلات شخصية من الإبداع والنجاح.
 
استنادًا إلى الأبحاث المتطورة، وتسليطًا للضوء على الأمثلة الفعلية من عالم الأعمال اليوم، يحدد كتاب "سؤال أكثر جمالًا" لعيش حياة أكثر معنى من خلال إظهار كيف يمكن أن يؤدي حب الاستطلاع إلى المزيد من الأسئلة الهادفة.

لذا، إذا كنت ترغب في أن تصبح مفكراً أكثر ابتكارا في عام 2019، أو إذا كنت تحلم بإنشاء طريقة جديدة لكسب لقمة العيش بمفردك دون الحاجة للعمل عند الآخرين، فإليك نظرة سريعة على ما يقدمه لك "سؤال أكثر جمالا".

حافظ على فضولك

ككل أطفال؛ جميعنا نطرح أسئلة لا نهاية لها في مسار بحثنا عن المعرفة، ولكن بمجرد وصولنا إلى المدرسة؛ يتضاءل فضولنا الفطري بسبب الحاجة إلى الانضباط وحفظ المعلومات من أجل اجتياز مجموعة من الاختبارات، وحتى نصل لعمر التخرج نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا في مسار حفظ المعلومات عن ظهر قلب!

ومع ذلك، فإن فقدان شغفنا بـ "لماذا" و "ماذا لو" غالبًا ما يجعلنا عاجزين، إلا أن تنشيط القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة يمكننا من اكتشاف فرص جديدة وتحويل مسار حياتنا إيجابيا على الصعيدين الشخصي والمهني.

لماذا نطرح الأسئلة؟

بحلول الوقت الذي يصل فيه الكثير من الناس إلى عالم العمل أو الجامعة وفي الوقت الذي يصبحون فيه أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ يكونون قد فقدوا جميعهم القدرة على طرح أسئلة فعالة.
وتعرض هذه البيئات فائدة السؤال الصحيح الكبرى وكيف أن طرح الأسئلة يفرض علينا معالجة الثغرات في معرفتنا أو طرقنا، فمن خلال البحث عن إجابات؛ نشعل إبداعنا ونحفز الأفكار الجديدة.
وقد أدت الاستنتاجات التي أدركت هذه المفاهيم الناشئة وطبقتها إلى العديد من ابتكارات التاريخ والعصر الحديث.

ما هي الأسئلة التي يجب أن تسألها؟

ابدأ بالعودة إلى عقلية الطفولة واسأل "لماذا؟" كلما كان ذلك ممكنًا، إن هذا السؤال بمثابة أساس لقدرتك على الوصول إلى جذر المشكلات المعقدة وحدود فهمك.

وعن طريق إضافة سؤال "لماذا لا؟" يمكنك البدء في تحدي الافتراضات الأساسية حول كيفية عمل الأشياء، أو كيف ينبغي أن تكون، ومن هناك؛ تبدأ الأسئلة التي تبدأ بـ "لماذا لا؟" في وضعك على المسار الصحيح في طريق حل المشكلات.

"ماذا لو؟" أسئلة تقدم الحلول التي تقف خارج النماذج القياسية، أو تخلق فرصًا لتجميع الأفكار القديمة في حلول محتملة جديدة، وقد تؤدي الإجابات على "ماذا لو؟" إلى طريق مسدود، لكنها في ذات الحين يمكن أن توفر أيضًا التفكير الإبداعي الذي تحتاجه للنجاح، وبمجرد أن تحدد الفكرة التي ترغب في متابعتها، تكون في الوقت المناسب لوضع التروس وبدء الحركة عن طريق طرح السؤال "كيف؟".

هذه اللعبة الرباعية: "لماذا؟"، "لماذا لا؟"، "ماذا لو؟"، "كيف؟"؛ توضح ما يطلق عليه بيرغر الأسئلة الأربعة الجميلة.

الجمال في الممارسة

بالنظر إلى بيئة الأعمال اليوم، أصبح طرح الأسئلة الصحيحة أكثر أهمية من أي وقت مضى كما أن الاضطرار دائمًا للوصول إلى الإجابة الصحيحة يشجع على اتخاذ موقف تفاعلي تجاه المتغيرات.

ومن خلال عقد جلسات عصف استباقية للأسئلة، يمكن للشركات أن تظل ذكية ومنافِسة إذ أن طرح الأسئلة بدلاً من تقديم الإجابات كما هو الحال في اجتماع العصف الذهني التقليدية، يعزز الحوار بين أعضاء الفريق الواحد.

إن الأسئلة الجميلة الفعالة ليست مفيدة فقط في عالم الأعمال بل إنه من خلال إجراء مثل هذه الاستفسارات في حياتنا الخاصة يمكننا أن نصبح أكثر سعادة وأكثر إنجازًا ونجاحًا يومًا إثر يوم.

من السهل أن نغفل عن سبب سعينا لتحقيق هدف معين، ولكن من خلال سؤال أنفسنا باستمرار لماذا شرعنا في رحلة معينة، يمكننا تعيين هدف صادق لأفعالنا وتحديد المعنى الحقيقي لحياتنا وهذا يمنعنا من متابعة الآخرين لمجرد التشابه.

يعد طرح الأسئلة الجميلة أفضل طريقة للحصول على إجابات في الحياة، لأنه فقط من خلال التساؤلات الصحيحة؛ يمكننا تحديد المشاكل الفعلية واكتشاف الحلول الناجحة.

ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان. 



خمسة كتّاب إندونيسيون ينبغي أن تقرأ لهم- ويل هاريس.




كل الأعين موجهة إلى إندونيسيا في الوقت الراهن وتزدهر السياحة فيها أكثر من أي وقت مضى. يتدفق الأجانب الغربيون إليها للعمل والعيش بتكلفة زهيدة وبصحة جيدة في مطلق الأحوال، ومؤخرًا احتفل العالم بالمشهد الفني فيها.
إن بعض أكبر الأسماء التي اشتهرت في الشعر والنثر والمقالات لكتّاب انحدروا من إندونيسيا، وإذا أردت أن تطلع على آخر مستجدات هذه الأعمال الأدبية الرائعة من أنحاء بعيدة في عام 2019، إليك خمسة من الكتّاب الإندونيسيين المميزين جدًا لتبدأ بهم.


إنتان باراماديثا (Intan Paramaditha)
أحدثت إنتان باراماديثا ضجة في عالم الأدب المترجم عام 2018 بمجموعتها القصصية القصيرة "تفاحة وسكين" Apple & Knife (ترجمها ستيفن ج. إبستين). وهي مجموعة من القصص المستوحاة من أساطير شعبية من جميع أنحاء العالم، والرعب والخيال، كل ذلك مع لمسة نسوية وشيء مما يستحق مناقشته حول الأنوثة والذكورة والجنس والنوع الاجتماعي. تقول إنتان إنها تكتب عن "النساء المتمردات" وهذه بلا شك أفضل طريقة لقص هذا النوع من الحكايات التي غالباً ما تتصف بالشر.
ومن الأخبار المثيرة السارة سيصدر عملها القادم "التجوال" (The Wandering) في المملكة المتحدة عام 2020 وهي رواية من نوع اختر مغامرتك بنفسك؛ تعني بموضوع السفر وشعور النزوح. إنتان باراماديثا مركز قوة للخيال بروح نسوية متّقدة. يجب أن يقرأ لها كل العالم.


نورمان اريكسون باساريبو(Norman Erikson Pasaribu)
قد يكون من غير المهنية أن نقول ذلك لكن نورمان هو الأول وصاحب قصب السبق في عفة القلب والحب المطلق. شاعر مؤثر، ومتحدث مبتهج ومتحمس، وهبة حقيقية لعالم الشعر الإندونيسي. هو شاعر كاثوليكي غريب الأطوار، ولد ونشأ في جاكرتا، تمتد جذوره إلى مجتمع باتاك في سومطرة، يستحضر كلماته من مصدر فريد لا نظير له.  وهذا أحد الأسباب التي تدعوك إلى قراءة مجموعته الشعرية المترجمة حديثًا من قصائد Sergius Seeks Bacchus (التي نشرتها Tilted Axis Press في المملكة المتحدة وترجمتها تيفاني تساو).
لا يكشف عمله هذا خلفية الصراع الشخصي والسياسي فحسب، بل ويوضح لنا أيضًا أن كلماته نابعة من مصدر حب، والرغبة في  نيل حرية الحب.


دي ليستاري (Dee Lestari)
حازت ليستاري على أوسمة شرف في مجالها، دلالة على سعة خيالها ومهارتها بصفتها فنانة. أقول فنانة لأنها -بالإضافة إلى كونها كاتبة  وفوزها مرتين بجائزة "جائزة كتاب العام في إندونيسيا" - هي أيضًا مغنية رائعة وكاتبة أغانٍ، ولديها أربعة ألبومات إلى جانب تأليف أغنيات لمطربين آخرين في إندونيسيا. تستحق بجدارة أكبر عدد من الجوائز لأعمالها في الترجمة كما حصلت عليها في بلدها الأم، ونحن واثقون بأنها ستحصل عليها.
صدرت روايتها "قوارب الورق" Paper Boats في عام 2017 ، التي ترجمتها تيفاني تساو.


لاكسمي بامونتجاك (Laksmi Pamuntjak)
تعد بامونتجاك واحدة من قصص النجاح العظيمة في الأدب الإندونيسي والكتابة الثقافية، وهي شخصية حالمة مذهلة نُشرت كتاباتها في المجلات والصحف من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك صحيفة الغارديان البريطانية. تقيم حاليًا في برلين وتتمتع بنجاح أكبر وأعظم في الغرب بسبب كتابتها القوية وصوتها الناقد النافذ.
استفادت من مهارتها الرائعة بصفتها كاتبة طهي لصياغة روايتها الجديدة  "ذوق امرأة الطيور" The Birdwoman’s Palate ذات الصلة بالطبخ والطهي.


رضا غوديامو (Reda Gaudiamo)
سيصدر كتاب غوديامو -الرئيسة السابقة لتحرير مجلة "كوزموبوليتان أندونيسيا"-  الأول مترجمًا إلى الإنجليزية (مغامرات نا ويلا The Adventures of Na Willa ) في مايو 2019 عن مؤسسة النشر إيما برس. 
الكتاب عبارة عن مجموعة من القصص المصورة عن فتاة شابة نشأت من عرق مختلط، لا تهاب طرح الأسئلة الكبيرة. وتشير كل الدلائل إلى أن كتاب غوديامو حقق نجاحًا كبيرًا في العالم الناطق بالإنجليزية. وبصفتها فنانة أدت سابقًا عروضًا غنائية ثنائية duo، لتخلق تفسيرات موسيقية مذهلة للشعر. غوديامو صوت فريد ونابض بالحياة في الفن والأدب والثقافة الإندونيسية.


  • ويل هاريس: كاتب من التراث الإنجليزي الإندونيسي، ولد في لندن ويقيم فيها.
  • ترجمة: بلقيس الكثيري.
  • تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

السبت، 10 أغسطس 2019

الطريق إلى لوس أنجلوس - جون فانتي.


(ملحمة أرتورو بانديني) 

الرواية الثانية من رباعية جون فانتي الروائي والقصصي والسيناريست الإيطالي-الأمريكي. الرواية التي نُشرت سنة 1985 بعد وفاة جون فانتي، على الرغم من كتابتها سنة 1936.

قصة الرواية: 
مع تغيير بسيط في عائلة آرتورو بانديني في الرواية الأولى، يعيش آرتورو مع أخته وأمه بعد وفاة والده. يعمل بامديني أعمالا شتى ليعيل أمه وأخته، لكن آرتورو الذي يحلم بأن يُصبح كاتبا، المولع بفلسفة الألمان- نيتشه وشوبنهاور وسبنجلر وكانط- وبنظرته لهذا العالم ولحياته واقعه وأحلامه، يبعث فيه فانتي روحًا متضاربة وعميقة وفلسفية ويأخذ معه القارئ إلى آفاقٍ جديدة. في هذه الرواية الإبداعية الكلاسيكية المميزة الكثير من التشابه مع رواية سارڤانتس ودونه كيخوته، فكلا البطلين كيخوته وآرتورو يعيشان في واقع لا يربطهما به أي صلة، يُحلقان وينتقدان ويُحاربان من أجل غايات دفينة ورغبات تُسيطر عليهم بأنهم متفوقون وبإمكانهم تغيير هذا العالم وتكون لهم الواجهة فيه.

هذه الرواية عمل مبدع على الرغم من سير الأحداث بنسق واحد دون أي إثارة على مستوى الحياة والبيئة المحيطة لكنَّ حياة آرتورو الداخلية مليئة بما يُثير القارئ ويحبسه في أروقتها. نسيج سرد مميز، ورصانة وجمال، وبثٌّ للفكرة المراد طرحها بصورة ممتعة للغاية، سخرية مع كوميديا، حتى الفكرة والكلمة العنصرية التي يتفوّه بها آرتورو، تنساب بكل جمالية وإتقان، هذا العمل كما يصفه الكاتب الإنجليزي جون كينج:
"الطريق إلى لوس أنجلوس ستُدهشك، هذا ما يتوجب على الروايات الجيدة أن تفعله". 

ويجب التوقف عند شخصية آرتورو والحديث عن الأفكار التي كانت تُسيطر عليه والقضايا التي طرحها فانتي من خلال بطلنا آرتورو بانديني، الشاب ذي الثمانية عشر ربيعا.

أولا: 
أهتمامه وقراءته للفلسفة خاصة لنيتشه وكانط وشوبنهاور وانتقاده لهم باستخدام جملهم في وصف حياته أو للتعليق على حادثة معينة، ويبدو تأثيرهم جليًا فيه والتقديس الذي يكنهُ لهم، ويتهكم أحيانا عليهم بعدم الفهم لكنه يقرأ ويستمتع لأن الكلمات تنساب في الصفحات وتملأها مما يدفعه للقراءة وهذا النقد لكتب الفلسفة مشابه لما نراه في دون كيخوته والنقد لكتب الفرسان.

ثانيا: 
آرتورو يعيش في حلم أنه كاتب، ويبدأ بالادعاء أنه يكتب القصص والروايات، وتبقى هذه الأفكار وهذا الحلم يرافقه في كل مكان حتى يُصبح حلمه حقيقةً يلمسها ويعيش لأجلها ويجعل الآخرين يُصدقون أنه كاتب ومن ثم يشرع في الكتابة آخر المطاف. 

ثالثا:

في صراعه مع الحياة، وبحثه عن عمل وتنقله بين عمل وآخر، يضع أمامه وأمام الآخرين أن يبحث عن عمل يلائم شخصيته كونه كاتبا، فالعمل ليس مهما وإن لم يكن يملكُ سنتًا في جيبه ما لم يكن يوافق شخصيته الحالمة وأقصد هنا كونه كاتبا.

رابعا:

آرتورو مولع كثيرا بالكتب والقراءة، حتى أصبحت الكتب من يحكم بواسطتها على الناس، ويسخر منهم أو ينتقص منهم -أنت لم تقرأ كتابا في حياتك-، فنظرته لهم نظرة ورقية وعيون ماء عينيه هو الحبر، وبشرتهم هي أغلفة الكتب، فهو يعيش في مستوًى ثقافي أعلى من بيئته المحيطة الدونية بنظره. 

خامسا:

تبلوّر حبه للقراءة وعيش حلمه كونه كاتبا في جعل كل ما يحيط به هو رواية يقوم بكتابة أحداثها، وما عمله هنا أو هناك؛ إلا لأجل تحضير مادة لروايته، هذا من باب، ومن باب آخر، فهو يبحث عن نظير يناقشه أفكارًا أو يطرح عليه تساؤلات، كما حدث حين سأل مدير معمل تعليب السمك عن رأيه بالفوهرر! الذي لم يعرف عن ماذا يتحدث أو ماذا يقصد ليزدري بعدها هذا العالم الذي لا يجاريه ثقافيا.

سادسا: 
لآرتور صفة أخرى يتميز بها، بعيدًا عن الكتب، يستلذ بقتل الحيوانات، صغيرة كانت أو كبيرة، ولا يكتفي بقتلها، بل يُدخلها في عالم خيالاته، ويُنشئ قصصا ومعارك تحصل بينه وبينها، ويسخر من الذباب أنه لا يُقدّر موهبته الأدبية! 

سابعا:
في عالمه السرّي- غرفته- داخل خزانة ملابسه، يُخبئ شبقه المحموم للنساء، جامعًا صور النساء الجميلات والمثيرات، من المجلات والكتب، ويعيش كل ليلة مغامرة عاطفية في مناطق مختلفة في هذا العالم، ويتم ذكر روزا بصورة عرضية -حبيبته في الرواية الأولى-، يستمر بحمّى النساء هذه حتى يثور على عالم نزواته، ويقرر بكل شجاعة إنهاء استمرار هذا الجنون.

ثامنا:

بعد أن يبدأ العمل في معمل تعليب الأسماك، والصعوبات التي يواجهها، يستخدم فانتي بطله في التعبير عن  عدة وقائع ينقلها على لسان شخصيته الساردة للرواية:

١- كثرة المهاجرين من آسيا وأمريكا اللاتينية الذين يعملون من في هذه المعامل، مع أجرة قليلة، واستغلال الرأسمالية لليد العاملة ومعاملتهم كعبيد، فيتكهم على الرأسمالية القذرة، ويسخر منها، ويزدريها. 

٢- العنصرية التي يواجهها هؤلاء المهاجرين، فينتقص منهم آرتورو -لم يسلم خاله منه، فيصفه بالأمريكي الأحمق-، مستنًدا على مبدأ الفوقية والعلوية البشرية والإنسان الأعلى، وهنا تعريض على نيتشه وفلسفته التي -كما ذكرت آنفًا- انعكست على حياته.

تاسعا:
يواجه آرتورو تشتتا دينيا فهو لا يتبع دينا أو إلهًا، ولا يؤمن بالكنيسة، يناجي الله ومن ثم يزدري الرب الذي تؤمن به أخته، هذا التخبط يُعبّر عن واقعية مرحلة مرَّ بها المجتمع في لوس أنجلوس، الصراع الديني الذي نشب في نَفْسِ آرتورو فهو غاضب من المعتقدات التي تؤمن بها أسرته، ولكنه يعود لإلهٍ آخر -ربما ذات إله أخته- يدعون ويناجيه ويعترف له بخطاياه، لكن لا تطول الحالة أن تزول فيهرب بعيدًا عن عالم السماء، فالسماء يعيش في فضائها الواسع حلم الكتابة ولا وقت له بكل هذه التفاهات على حد قوله.

عاشرا: 
المرحلة الأهم والمفصلية في حياة آرتورو التي كانت الدافع بعدها للسفر نحو الشرق إلى لوس أنجلوس، آرتورو بعد ليال وأيام من الكتابة، يُنهي روايته الأولى، حلم أصبح حقيقة، لحظة لم يكن يتخيلها، يبحث بعدها عن قارئ يُقدّر ما كتب، وهنا يطرح فانتي مسألة النقد الروائي في روايته بصورة أكثر تفصيلا. أُخت آرتورو بعد أن تحصل على المخطوطة الأولى من الرواية، لا تجد فيها شيئًا مهما فتصفها بالسخافة، يطلب منها رأيا ونقدا أين أجدت وأين أخطأت، فترد ساخرة بإمكانك أن تجعله ينتحر في الصفحة الأولى ولا حاجة لهذه الصفحات جميعا، وفي نقد أخته لكتابه، ازدراء واضح للذين يحاربون كتبًا أو أعمال أدبية دون أن يُعطوا رأيا أو نقدًا موضوعيا، وهذا ما واجهه فانتي مع هذه الرواية بالذات فهي لم تُنشر إلا بعد ٤٥ عاما تقريبا.
أما أمه التي أبدت رأيها الإيجابي أولا، لكنه لم يقتنع فيلحُّ عليها أن تقول رأيها بما كتب بكل صدق، فتبدأ بعد لأي وتقول إنها رواية مريعة لأن بطله يمارس الزنى في كل صفحة من صفحات الرواية، وهنا يطرح جون فانتي قضية محاكمة العمل الأدبي من منظور ديني كنسي، فالرواية بالنسبة لآرتورو يجب أن لا تُنقد دينيا، بل أدبيا.
لم يخضع آرتورو لكل هذه الآراء السلبية، بل ازداد عنادًا وإصراراً على مدى نجاح موهبته الأدبية، واستعلاءً لهذا المحيط الجاهل الذي لا يُقدر عظمته. 

مؤمن الوزان.

موسوعة السرد العربي - د.عبد الله إبراهيم.



الكتاب السادس.
مؤمن الوزان.

خُصص الكتاب السادس من الموسوعة للسرد النسوي فقط، ويكتب د. عبد الله في تقديمه لهذا الكتاب بأن السرد النسوي قام على ثلاثة مراحل: الأولى نقد الثقافة الأبوية والذكورية؛ والثانية اقتراح رؤية أنثوية للعالم؛ والثالثة الاحتفاء بالجسد الأنثوي؛ واشتبكت هذه المكونات في بلورة مفهوم الرواية النسوية التي صارت تعرف عليه اليوم. 
امتازت الأجزاء السابقة في الموسوعة على إبراز تفرد وصيرورة السرد العربي الذاتية، ومحاولة نفي أي شائعات تربط تطوره بالآداب الغربية، ولا سيما ما يخص الرواية الحديثة، كما يُلاحظ القارئ في الكتابين الرابع والخامس، لكننا نجد في كتاب السرد النسوي، وفي تقديم الفكر النسوي والحركات النسوية والأسس التي انطلقت منها والأهداف التي رامت إليها، أن د. عبد الله اعتمد اعتمادا كاملا على الفكر النسوي الغربي في الثلث الأول في كتابه، وهذا ما يُشير لنقطتين مهمتين؛ الأولى هي أن السرد النسوي العربي ليس سردا ذاتيا متفردا خاصا بالأدب النسوي العربي، بل هو تأثر واستمد الأسس الانطلاقية من الفكر الغربي؛ الثانية هو التداخل والتشابه والوحدة ما بين المشاكل التي تعاني منها المرأة، والتي دفعتها إلى مواجهة هذا العالم الذكوري الذي عمد إلى انتهاكات تجاه المرأة على مر العصور لاعتبارات تصنيفية وتميزية وفوقية تم استغلالها في بناء نظام سلطوي أبوي ذكوري. وعلى الرغم من مشاركة النساء المشكلة ذاتها، فقد تأثر الفكر النسوي الغربي بالنظرة الازدرائية إلى الآخر/ الأجنبي (المرأة) وهذا ما دفع الكثير من النسويات الرد على هذه الرؤى الانتقاصية ونقدها وبناء رؤى خاصة بها، يواجهن بها مشكلات مجتمعات مختلفة عن نظيراتها الغربية، التي رأين أن مشكلة المرأة في أوربا هي مشكلتها في كل مكان. ويستفيض الحديث في هذا الكتاب عن الفكر النسوي والغربي عموما، حتى يكاد يجعل الكتاب شاذا في الموسوعة، والذي يتأتى فيما بعد السبب في هذا، حيث هذه النظريات والمناهج الفكرية هي التي نهلت منها الكاتبة العربية القواعد الفكرية التي كتبت فيها من أجل نقد الأسس التي قامت عليها المظلومية التي تعرضت لها المرأة العربية. وتوزعت فصول الكتاب ما بين نقد الأبوية، والرؤية الأنثوية للعالم، الأنثى ومركزية الذكورة، والمركزية الجسدية، وربط هذه المواضيع بالسرد النسوي في الرواية العربية التي كُتبت بأقلام الإناث. وعرض الكتاب عشرات الروايات وتحليلها ونقدها، وتكاد الروايات جميعهن ينبعن من رؤية واحدة ويتجهن نحو محطة واحدة وإن تباينت كل رواية عن الأخرى بسمات خاصة ومثلت مشكلة معينة وبيئة خاصة، لكنها بدت كردة فعل تجاه نظام صارم امتهن المرأة وخفض من قيمتها وعاملها بقسوة، لذلك كانت ردة الفعل هي القيام بكل ما يزعزع هذه القيم التي قام عليها المجتمع، سواء أخلاقية أو دينية، فتود الشخصيات النسوية في الرواية تحرير الجسد والتمتع بملذاته وتحطيم الحدود بين الذكر والأنثى في المجتمع، دون أي محاولة لفهم هذه الأسس، وهذا ما لاحظته في كثير من الأمثلة الروائية أنه ليس هناك محاولة جادة لفهم هذا المجتمع والأبوية التي تبلغ من العمر قرونا كثيرة، بل هي تحطيم وتهديم وفي كثير من المرات تخريب لا أكثر، دون تقديم أي رؤية واضحة وجديّة يُمكن أن يُبنى عليه حلٌ مستقبلي ويكون ناجعا في تصحيح المسار، بل وتبدو كثير من الأحداث المذكورة في الروايات أنها مجرد تخيلات واستيهامات مكانها الرواية لا غير، فهي مليئة بالطوباوية والرؤية اليوتيوبية لعالم غير موجود، ويؤكد ما لاحظته ما يقول الدكتور في خاتمة الكتاب:
"ركبت الرؤية الأنثوية في الكتابة السردية النسوية العربية عالما تتعرض فيه الأبوية- نظاما وثقافة- إلى التأزم الذي يفضي إلى الارتباك ثم الانهيار، لكنها لم تقترح بدائل ولم تجرؤ على ذلك، فظل موقع الأنثى يراوح في ذلك العالم السردي المتخيل بين رغبة في الهروب من سلطة الأب بوصفه كابحا لرغباتها الجسدية، وبين مقاومتها، وبين الاستجابة لها إثر بدائل لا تفضي إلى نتيجة تحقيق التوازن في حياة المرأة. ومع ذلك فقد رسمت تلك الكتابة بوادر تفكك ذلك العالم، وصرّحت بضرورة خلخلة القيم التقليدية الداعمة له، فكان السرد يضطرب في إحالة دلالية لا تخفى عن العالم المضطرب الذي قام السرد بتمثيله".

 عملية الهدم المجتمع الأبوي وزعزعة استقراره، يجب أن يكون وفق عملية بناء أخرى لا تبخس حق الرجل، ولا تضعه في الدائرة التي خرجت منها المرأة، لأنها ستواجه في هذه الحالة صدًا وتمنعًا يجعل من مهمة الإصلاح مهمة عسيرة، لم يقدم السرد النسوي في الروايات التي تم ذكرها في الكتاب أي بوادر تصحيح تعطي أملا بفهم دقيق لهذا المشكل الحقيقي، وبذات الوقت فهم للرجل والذكورية والأبوية، والأخذ بها وفق سياقها التاريخي والتطوري، دون الانخداع بمجتمعات رأسمالية أخرى، بقدر ما تعطي الأنثى تستغلها، لتتميز عن المجتمعات الشرقية بأنها لا تعطي وإن أعطت فهو النزر اليسير وتستغل المرأة، لذلك يتبدّى لنا أن المشكلة عالمية، وما تؤكده الإحصائيات لا تخفيه غيوم. 
الإصلاح الاجتماعي مُطالب به الرجل هو الآخر قبل المرأة، فهو أساس المشكلة، التي أدت بالمرأة إلى الخوض في غمارات مُتعبة للمطالبة بحقها! وعلى السرد النسوي عربيّه وعالميّه، أخذ المشكلة بعين الاعتبار من خلال رؤى واضحة بعيدا عن الربط بين الأنثى والجسد وجعله وسيلة متعة للذكر، فما تطرحه بعض الروايات، هو تحرير الجسد من جسد للتمتع الإجباري للذكر لتضعه في جسد للتمتع الاختياري للذكر، بل قد تنجرف أُخريات وتنزلق به إلى مستنقع الشذوذ والسحاق، فهذه الأمثال وغيرها تربط الحقوق والحريات التي يجب أن تتمتع بها المرأة بمفاهيم ضيقة لا تحقق شيئًا  فهي تقوم بمواجهة التطرف بتطرف آخر. 
ومما ينقده د. عبد الله عن الرواية النسوية، هي الأنثى الجميلة التي لا تبلى بتقدم العمر، فهي تبقى محافظة على شباب خالد، ويضيف كأن السرد النسوي لا يود الاعتراف بشيخوخة المرأة لذلك تنتهي الروايات والمرأة في منتصف عمرها وفي ذروة الحيوية!






نادجا.. ملهمة السريالية.

نادجا.. ملهمة السريالية



قصة شغف وجنون

"أندري؟ أندري؟… ستكتب رواية عني. أوكد لك ذلك. لا تقل لا. احذر: فكل ما يوجد يفقد قوته، كل ما يوجد يزول. منا نحن يجب أن يبقى شيء ما...". 

نص نشر سنة 1928 وعاد أندريه بريتون وأصلحه سنة 1962، مقتطف من سيرة ذاتية للكاتب ركز فيه على لقاء بالصدفة جمعه بنادجا توجت بعلاقة مميزة ما بين أكتوبر 1926 وفبراير1927، لقاء قصير خرج منه بريتون بثورة من الأفكار حول الفن والحياة الفرد والآخر ولم تكن الكتابة عن نادجا سوى تنفيذ لوصيتها في إحدى لقاءاتهما، يبدو النص أنه يتماهى مع مانيفستو السريالية الذي كتبه بريتون  سنة 1924 تمهيدا وتعريفا بالسريالية للمبتدئين بصيغة نثرية وفي ذات الوقت تطبيقا عمليا لها أدبيا فبريتون رفض التعبيرات الرومانسية الروائية وأكد على ذلك صراحة في الكتاب ورفض الوصف واعتبره استخفاف بذهن القارئ الذي يدعوه إلى المشاركة في النص والتفكير فيما وراء السطور ويساعد القارئ في ذلك وعوض الوصف بكمية من الصور التوضيحية، كما نجد النص فيه نوع من التصاعد الغريب عن الأدب، إذ يبدأ بريتون الكتاب بتمهيد أضافه بعد إصلاح النص سنة 1962 يحاول فيه إدخالنا بسلاسة لعالم السريالية ويعطينا لمحة عن فكره وفلسفته ولا عجب فالنص بدأ بتساؤل "من أكون؟" ويحاول أن يختزل الجواب بقول مأثور "قل لي من تعاشر أقل لك من أنت" يبدو التساؤل تعرية لذات بريتون  قبل أن يعري شخصيته الأساسية نادجا، وقد يكون أيضا محاولة منه لتفسير آخر هذه العلاقة الشبقة فكريا وليس جسديا لأننا لن نلمس ذلك في النص وتجاهله بريتون لسخافته أمام المحاورات الشيقة التي كانت بينه وبين نادجا، المثير في النص أن الشخصية تبدو في حد ذاتها تصورا للسريالية في أبهى تجلياتها الواقع الذي يصور ببراعة اللا واقع مجنونة بعقل ناقد و متحفز. يجمع الكتاب بين سطوره التيمات الأساسية التي نجدها غالبا في أعمال السرياليين وهي الحب والشعر والحرية (الحب لبول إيلوار، الحب والحرية لديسنوس). نص نادجا عفوي حيوي نشعر بأن الكاتب لم يعد مادته مسبقا بل عمد إلى استحضار الذكرى والكتابة عنها دون أن يأخذ بعين الاعتبار أي مقومات أدبية ولعل هذا ما دفعه إلى إعادة إصلاح النص، يحكي عن اللقاء ويترك للقاء أن يكشف لنا وله خباياه، نص أدبي من طراز رفيع عرفنا على عدة شخصيات رسامين كبيكاسو وكيريكو وكوربيه وأدباء كبول إيلوار وبودلير وبنجمان بيريت وديسنوس ولويس أرغون.. وغيرهم.
يتوازى مع الحوار بين نادجا وبريتون حوار مكاني قائم على الصور فالمكان يبدو حتمية لدى بريتون فهو مكان اللقاء/ مكان اللا متوقع/ مكان المرآة/ مكان الحظ/ مكان المسرح والفن عموما.
والصور في النص أخذت حيزا مهما لكن الملاحظ أن الصور عرفتنا بكل شيء مرتبط بالنص إلا فاعليه الأساسين نادجا وبريتون فلا نجد صورة للثنائي وكأنهما يعبران بدقة عن المقولة الشهيرة لبول إيلوار التي تقول: "أن نحب ليس معناه أن نرى بعض بل أن يرى كلانا نفس الاتجاه". فنادجا لم تعرفنا عن نفسها بل وضعت لنا طريقا يمكننا من أن نتعرف عليها وبالعودة إلى الصور يمكن تقسيمها لثلاث أقسام صور للأماكن الباريسية، غالبا باريس العشرينات  المسارح السينما ثم القصور والعودة للتاريخ بعدها تأتي الصور الشخصية للأدباء وبعض الشخصيات الطبية والفنية ترافق رأي بريتون حولها نوع من الإثبات أراد به بريتون دعم رأيه فيهم وأخيرا الصور الفنية لعصر النهضة والسريالية وبعض الصور للفن الفطري رؤية جامعة للفن فيها إسقاطات لنظرة بريتون الشخصية لبعض المدارس الفنية وضمن الصور الفنية نضيف رسومات نادجا التي سأعود إليها في ملحق.

يحاول بريتون أن يبدو جازما وواضحا من خلال نصه فيما يتعلق برؤيته للفن والحب، حيث يبدي رغبته بعد أول لقاء بإنهاء العلاقة قبل أن تبدأ  حيث وجد في نادجا أكثر مما توقع واستغرب كيف لهذا الرجل السريالي أن يُدهش من جنون الملهمة وكيف يعتبره تجاوزا للمعقول في حين أن مدرسته قائمة على اللا معقول، ونفي كل ماهو جاهز وحاضر. نادجا كما ذكر بريتون في النص وُجدت في طريقه ليجرب بقسوة كل ما لا يجرب فيها، هزة ربما لتكشف ضعفه تجاه المطلوب منه كونه رجلا مجتمعيا، ففي النهاية هجر نادجا التي تبدو مجتمعيا مرفوضة، فهل نعتبر هذا النص تكفيرا عن ذنب الهجر وهل يمكن لنص بحجم نادجا أن يحل المعضلة كيف يمكن أن نعيش بإرث عاطفي يسكننا لسنوات تجاوزت الثلاثين في حالة بريتون وربما استمرت معه لمماته.
ما الذي يجعل من نادجا مصدرا لهذا النوع من الهزات، لا يضاهيها أي حضور نسوي آخر بمن فيهم زوجة بريتون، لعل فوضويتها وعدم تقيدها بأي عادة اجتماعية قراءتها المتميزة والناقدة لكتاباته وأخيرا نادجا الكاتبة وباعتراف بريتون كلماتها كان له وقع و سحر "هي جمل أجد فيها حقا نبرة صوتها ولها في نفسي رجع قوي" وأعطانا لمحة صغيرة عن بعض جملها، هكذا كانت نادجا فكرة موازية لحلمه المفترض لعلاقته الغرامية الناجحة وأدخلته عالما ثانيا متفردا لمعنى الحب ومعنى الوجود، مخيلتها الشاردة والجامحة جذبت بريتون ليتتبع بفضول وشغف مسارها للإعلان عن نفسها وعن الجنون الذي استولى على عبقريتها، تطور الشخصية في النص تُصور علاقة بين شغف وفضول علاقة اطرادية بين الاثنين فالاثنين يحكمهما الفضول لمعرفة الآخر وتعريته ويجمعهما الشغف لأن يكونا معا تقول نادجا واصفة وجودهما "إنهم لا يستطيعون التصديق، أترى، إنهم لا يستطيعون العودة إلى حالهم الطبيعي بعد أن يرونا معا. فما أندر تلك الشعلة التي في عينك،التي في عيني". ومهما كان وقع نادجا كونها ملهمة لبريتون فإنها كانت سببا في منح الأدب الفرنسي إحدى روائعه و ذا جعلها تدخل لمصاف عظيمات الإلهام الفرنسي فمن هي نادجا؟
تعرف نفسها بأنها "نادجا، لأن هذه هي بداية كلمة أمل بالروسية ولأنها ليست إلا بدايتها فحسب" هاربة من هويتها الحقيقة ورافضة للواقع المفروض عليها ظهرت لبريتون أولا إمرأةً جميلةً وجذابةً بأناقتها  وضحكتها ومشيتها وتبرجها لتتحول بسرعة إلى المرأة اللغز فنجده يسألها "من أنت" معتقدا أن سؤال هكذا يعفيه من باقي الأسئلة ومنتظرا لجواب شافي فيكون الجواب "أنا روح هائمة" فتزداد جاذبيتها أكثر، تبدو المرأة  لبريتون شخصية مزدوجة في كل التعليقات التي كتبها حول حياتها فهي نقية غير مرتبطة بالدنيا لكنها حريصة عليها ملهِمة وملهَمة ضعيفة وقوية حياتها تتجاذبها قوى صاعدة وأخرى تدعو الى السقوط هي الحورية والسمكة وجه ملائكي لتتحول في لحظة للمرأة الثعبان تناقضات حيرت بريتون ودفعته لمحاولة الكشف عن حقيقة نادجا.
تصبح نادجا بالتالي حقلا خصبا لتجارب بريتون السريالية بقدرتها العجيبة على ملاحظة والتنبؤ بما تخفيه ملامح العابرين كما كانت عرافة ترى ما لا يراه الآخرون أو تسبقهم في الرؤية، منصتة جيدة للطبيعة وقادرة على ترجمة لغتها، كانت لها رؤيتها الخاصة للأشياء فهي ترى أن كل شيء يجمع بين النار والماء في حين لا شيء بتاتا يجمع بين الذهب والنار، كما كانت تؤمن ببعد غير الأبعاد المتعارف عليها تتجمع فيه كل الأفكار لتعود من جديد في متتالية تشبه عمل النافورة، كهذا بدت المرأة لغزا سريالية صارخا ازداد تألقا برسوماتها الغريبة سأركز على بعضها.
زهرة العشاق: الثعبان يمثل بريتون في حين تمثل الزهرة  ذات القلبين والنظرة الثنائية نادجا، وضعية الزهرة فوقية والسهم الموجه للثعبان قد يعبر على رغبة نادجا في التحكم ببريتون.
الحورية والمسخ: يمثل المسخ بريتون بينما الحورية تمثل نادجا ثنائي الماء والنار الذي يتماثل حسب رأي نادجا.
حلم القط: اختيارها للخلفية السوداء والقط القائم محاولة واضحة للهروب من الواقع الجاثم على روحها بكل أثقاله.
الرأس والكف: الرأس يمثل نادجا وموشوم عليه الرقم المشؤوم 13 وتوقيع نادجا والكف لبريتون الذي يمثل النار كما ذكرت نادجا رسمة تمثل حسب فهمها التماثل بينهما.
الأمير وتحية الشيطان: صورت نادجا فيه نفسها بصورة أميرة تضمها علامة استفهام، وتساؤل من تكون، وصورة لشيطان يبدو خارجا من حذاء أو مصباح مبتسما واثقا رسمة تمثل ثنائية الشر والخير في نادجا.
القناع: يمثل بريتون تربطه نادجا بقلبها بنقط توضح مدى شكها في علاقة كهذه وعلى جانب الرسمة نجدها تحدد تطلعاتها من العلاقة الانتظار الرغبة الحب والمال.
**
نعرف من النص أن اسمها الحقيقي ليونا ديلكورت ولدت بليل وأنجبت طفلة في سن 16 سنة انتقلت إلى باريس واشتغلت في عدة أعمال كالمخدرات والدعارة قبل أن تلتقي بريتون وبعدها دخلت في هلوسات انتهت بها للجنون فدخلت مصحة وبقيت فيها لحين وفاتها في أربعينات القرن الماضي، لم يقم الكاتب بأي محاولة لزيارتها كما لم يُعرف إن كانت قد قرأت كتابه عنها أم لا. دفع جنونها بريتون لنقد المجتمع ونظرته للمرض كما انتقد الطب النفسي كونه آلية علاجية، وأجده انتقد الكل إلا نفسه بحيث كان ممكنا أن يزرها فهي تبقى ملهمة فوق العادة، تبدو المعلومات عن نادجا باهتة وقد شغفت بها كاتبة هولندية هي ايستر ألباك التي تتبعت مسار نادجا وبحثت عن أصولها واستجوبت حفيدتها  ألفت كتابا حولها لم يترجم الكتاب على حد علمي للعربية.
فحقيقة من تكون نادجا؟ وهل الجنون صفة ملازمة للعباقرة؟
إيمان العزوزي.

الاثنين، 5 أغسطس 2019

من أين يستلهم الكتّاب قصصهم؟ – بلقيس الكثيري.



وراء كل كتاب وقصة مكتوبة ثمة إلهام مختلف المصدر. والإلهام هو الحصول على الفكرة التي توقظ الرغبة لديك وتلح عليك بإصرار لتكتب. وهو أشبه بإشارة تأتي كومضة عابرة، يظل أثرها وضّاءً في عقلك. ويمكن أن نصفه بصورة أدق بطرف الخيط الذي ما إن تمسكه حتى تبدأ بحياكة قصة. فعندما يشعر الكاتب بأن يديه مقيدتان، ويبدو أن عقله عاطل عن العمل يأتي الإلهام ليمنحه جناحين فيطير بخياله بعيدًا.

الإلهام يحوّل القارئ الحاذق والمتأمل الفطِن إلى كاتب مبدع. لذا عندما نسمع عن قفلة الكاتب أو ما يسمى بـ "Writer’s Block"  فهي الحالة التي يفقد فيها الكاتب القدرة على إنتاج عمل جديد بسبب غياب الإلهام غالبًا. وإذا تلاشى الإلهام لم يكن للدافع والرغبة قيمة.

وهنا نسأل: كيف يأتي الإلهام؟ ومن أين يستلهم الكتّاب قصصهم؟

يُقال: "الشاعر يستدعي الإلهام بتأمله". إن مجريات الحياة اليومية مليئة بمصادر الإلهام التي تستحق أن نكتب عنها، كما تقول إليزابيث جيلبرت: "كل ما تراه وتلمسه يقودك إلى فكرة ما".  
فالأفكار موجودة في كل مكان؛ في الصحف، وفي الأفلام، وفي الأخبار، وفي الكتب، وفي الحوارات المسموعة، وفي الأشخاص المقربين منك أو البعيدين. في الناس الذين تقابلهم، أو تحبهم، أو تكرههم، وفي الأحلام بل وحتى في الكوابيس. أنت نفسك قد تكون فكرة ومصدر إلهام لغيرك. 

كذلك قد يأتي الإلهام من مصادر غير متوقعة، كالتغيرات الكونية، أو من مسرح جريمة ما، وربما ينشأ عن حالة يأس، أو حالات تأمل. وثمة من يرى أن مجرد التساؤل الافتراضي الذي تبدؤه بـ "ماذا لو؟" كفيل بأن يثير في رأسك ألف فكرة. لذا نقول لا تنتظر الفكرة فالأفكار تنتظرك.

صورة واحدة قد تحفز خيالك لتكتب قصة من مائتي صفحة أو أكثر، كما حدث مع الروائية الأفريقية نوفيوليت بولاوايو، فصورة طفل كان جالسًا على أنقاض منزله الذي دمرته الجرافات -تنفيذًا لعملية الإخلاء القسري بأمر من حكومة زيمبابوي في أفريقيا- ألهمتها لتكتب روايتها (نحتاج إلى أسماء جديدة) التي كانت ضمن القائمة القصيرة لأفضل المرشحين لجائزة المان بوكر عام 2013.

كما استلهم المؤلف خالد حسيني فكرة روايته (عداء الطائرة الورقية) بعد مشاهدته تقريرًا على التلفاز؛ يتحدث عن أثر طالبان على حياة الناس في أفغانستان (موطنه الأول)، ومن ذلك منعهم رياضة الطائرات الورقية التي كان شغوفًا بها منذ طفولته.

واستوحت ملكة الجريمة  وسيدة الرواية البوليسية المؤلفة أجاثا كريستي  شخصية العجوز ماربل من جدتها التي وصفتها بأنها شخص مبتهج ومرح ولكنها كانت تتوقع الأسوأ من أي شخص ومن كل شيء، وكثيرًا ما أثبتت توقعاتها صحتها. 

أما لويزا ماي ألكوت مؤلفة العمل الكلاسيكي الشهير (نساء صغيرات) فقد استلهمت شخصيات الأخوات الأربع من حياتها الشخصية وشقيقاتها الثلاث. 

ويشاع بأن القاتل الفرنسي بيير فرانسوا لاكانير الذي أُعدم في باريس عام 1836 بسبب جريمة قتل بشعة ارتكبها في حق شاب ووالدته ألهم فيودور دوستويفسكي ليكتب  أشهر الروايات العالمية الروسية تحت عنوان (الجريمة والعقاب). وليس من شيء يؤكد إذا ما كان دوستويفسكي قد ابتكر شخصية راسكولنيكوف في الوقت الذي سمع عن لاكانير، ولكن هناك العديد من أوجه الشبه التي لا يمكن إغفالها بين جريمة قتل المرابية أليونا إيفانوفنا وأختها غير الشقيقة ليزافيتا وجريمتي لاكانير قبل ذلك بثلاثين عامًا. 

واستلهم جورج أورويل رائعته (مزرعة الحيوان) التي تعتبر من أعظم الأعمال الأدبية في القرن العشرين بعد مشاهدة صبي يضرب حصانًا بالسوط، وقد علّق قائلًا: "حينها خطرت ببالي فكرة... فقط لو أن هذه الحيوانات تعي مدى قوتها، ما كنا لنملك سلطة عليها، يضطهد البشر الحيوانات بالطريقة نفسها التي يضطهد بها الأغنياء العاملين لديهم".

ويقول جون غرين مؤلف رواية (ما تخبؤه لنا النجوم) أنه ما كان ليكتب هذه الرواية لو لم يقابل الفتاة الأمريكية استير إيرل المصابة بمرض السرطان، والتي تركت أثرًا في الملايين عبر قناتها على اليوتيوب ومدونتها قبل وفاتها وهي في السادسة عشرة.

وقد ألهمت لوحة الرسام الهولندي يوهانس فيرمير المعنونة بـ (الفتاة ذات القرط اللؤلؤي) الكاتبة الأمريكية تريسي شوفالييه لتكتب روايتها التي تحمل الاسم نفسه عام 1999. وظلت تلك اللوحة معلقة في منزلها على مدى ثلاثين عامًا. 

وأخيرًا ينبغي أن ندرك أن الإلهام مع أهميته ليس كل شيء، فما هو إلا جزء من العملية الإبداعية التي تنطوي على مراحل عدة، وكما يقول نيل جايمان: "الصعوبة ليست في العثور على الفكرة، بل في الجلوس ومحاولة رصف الكلمات، كلمة تلو أخرى لتشييد ما تود بناءه".

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب