المشاركات الشائعة

السبت، 13 أبريل 2019

خمسةُ كتبٍ تساعدك على اتخاذ قراراتٍ أفضل - كيتلين شيلر.


"حتى مع وجود العزيمة والنية، فإن خياراتنا لا تكون دومًا الأفضل بالنسبة لنا لأننا ببساطةٍ كائناتٍ غير عقلانية"
أن تركض صباحًا لمدة شهر، أن تتعلم البرمجة في شهر يونيو، أمورٌ مهما أقسمت أن تفعلها تجد بعد فترةٍ أنك لم تقم بأي شيءٍ منها!
توقف عن الشعور بالذنب وقم بشيءٍ ما حيال ذلك! هنا، نكشف عن خمسة كتبٍ تعلمك كيفية بناء إرادتك وإنجاز الأمور.
إن نصفيّ ذهنك -الجاد والساعي وراء المتعة- يتصارعان باستمرارٍ من أجل الاستحواذ على نطاق الأمور، سواءٌ أكنت ستنام في ساعة مبكرة أم لا، ستتناول مثلجاتٍ أم لا، ستتمسك بالتزامك لتتعلم البرمجة قليلاً، كل ذلك يتوقف على عددٍ كبيرٍ من الآليات المختلفة التي تمارسها أو تقمعها في حياتك بواسطة الدماغ.
وعلى الرغم من أننا نعلم أنه أمرٌ شاقٌ إلا أن بقاءك على طبيعتك سيكون أسهل عندما تكون لديك الأدوات اللازمة للوصول إلى أهدافك، لذا اخترنا هذه الكتب الخمسة لتساعدك في معرفة لماذا تتهدم اختياراتك؟ وما الذي يمكنك القيام به للبدء في اتخاذ خياراتٍ أفضل الآن؟
الكتاب الأول: Freakonomics – A Rogue Economist Explains the Hidden Side of Everything
Freakonomic- خبيرٌ اقتصاديٌ يشرح الجانب الخفي من كل شيء:
من كيفية تربية أطفالك، التعارف عبر الإنترنت إلى شراء شقة.
كلها خيارات!
حياتنا مليئةٌ بالخيارات التي تبدو في الوهلة الأولى بسيطةً، لكن الحقيقة هي أننا غالبًا ما نتأثر بالاستفزازات التي لا تظهر على الفور.
يؤثر عقلنا الباطن على الطريقة التي نختار وفقًا لها قراراتنا، لذا في كتاب Freakonomics يتم وضع الوعي والإدراك تحت المجهر ويُجاب عن الأسئلة المثيرة للاهتمام، مثل لماذا يعمد تجار الكراك إلى العيش مع أمهاتهم؟
"تم الإعلان عن أن أي والدٍ يتأخر أكثر من عشر دقائقٍ سوف يدفع 3 دولاراتٍ لكل طفلٍ مقابل كل حادث، وأن هذه الرسوم ستضاف إلى الفاتورة الشهرية للوالدين والتي تبلغ 380 دولارًا تقريبًا، بعد إصدار الغرامة، ارتفع عدد السيارات الصغيرة المتأخرة ... "- مقتطفات من Freakonomics
الكتاب الثاني: Predictably Irrational – The Hidden Forces That Shape Our Decisions
لا إرادية، لا يمكن التنبؤ بها! -القوات الخفية التي تشكل قراراتنا:
لماذا كلما قررنا أن ننقص أوزاننا نصبح عاجزين عن مقاومة سحر كعكة الشوكولاتة؟ لماذا تُحبَط الأم إذا عرض عليها ابنها أن يدفع لها ثمناً مقابل طهيها؟ ولماذا تعمل مسكنات الألم بشكلٍ أفضل عندما يعتقد المرضى أنها باهظة الثمن؟ هذا الكتاب يُظهر كيف أن عقلنا الباطن هو منطقنا الحقيقي -شئنا أم أبينا- ولماذا، وماذا يمكننا فعله حيال ذلك.
"ولكن لنفترض أننا لسنا أكثر من مجموع سلوكياتنا الأولى الساذجة والعشوائية. ماذا بعد؟" مقتطفاتٌ من كتاب لا إرادية، لا يمكن التنبؤ بها!
الكتاب الثالث: Nudge – Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness
دفع - تحسين القرارات حول الصحة والثروة والسعادة:
كيف يمكنك إقناع مراهقٍ يعاني من السمنة أن يتناول تفاحةً بدلًا من قطعة حلوى؟ كيف نقنع الناس في العالم بأن يدفعوا إلى صندوق المعاشات والذي من شأنه أن يجعلهم يخرجون من الفقر في سن الشيخوخة عندما لا يجيدون مصدر دخلٍ ثابتٍ لهم؟
هذا الكتاب يظهر كيف أن مثل هذه التحديات تصبح سهلةً عندما تقوم بالتغيير باستخدام دفعاتٍ دقيقةٍ في الاتجاه الصحيح.
"أولا لا نقلل من قوة القصور الذاتي، ثانيًا يمكن لهذه القوة أن تُسخّر!" مقتطفاتٌ من كتاب دفع.
الكتاب الرابع: Carrots and Sticks – Unlock the Power of Incentives to Get Things Done
الجزر والعصيّ - فتح قوة حوافزك لتنجز أهدافك!
يعالج هذا الكتاب ميلنا إلى التسويف وابتعادنا عن إنجاز الأمور حتى عندما نعلم مدى أهميتها بالنسبة لنا، فهو يقدم فكرة عقد الالتزام وهي استراتيجية يحويها الكتاب تمكننا من تحقيق ما نصبو إليه كالإقلاع عن التدخين أو ممارسة التمارين بشكلٍ أكثر انتظامًا.
إذ يقدم الكاتب Ian Ayres أمثلةً ملموسةً حول كيفية استخدام الحكاية الشعبية الجزرة والعصا لإجراء تغييراتٍ في نفسك وفي الآخرين.
"إننا مهووسون بالرضا الفوري"  مقتطفاتٌ من الجزر والعصيّ
الكتاب الخامس: Thinking, Fast and Slow
التفكير؛ السريع والبطيء
يرتكز دانييل كانيمان الحائز على جائزة نوبل على العديد من الأبحاث لرسم صورةٍ واضحةٍ ومقنعةٍ عن النفس البشرية، وفي كتابه -التفكير؛ السريع والبطيء- يقدم طريقتي التفكير الأساسيتين المختلفتين والتي تكوننا من خلالها.
يوضح الكتاب كيف تعتمد أفكارنا وتصرفاتنا على الجزء الذي يتولى القيادة فينا، ومدى المخاطر الناتجة عن أي تصرف، وكيف يمكننا السيطرة على عقولنا لإصدار أحكامٍ أكثر حكمة.
"قناعتنا المريحة بأن العالم منطقيٌ تستند إلى أساسٍ آمنٍ وهو قدرتنا غير المحدودة على تجاهل جهلنا" - مقتطفاتٌ من كتاب التفكير؛ السريع والبطيء.
ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: عبد الله علي.


عوليس؛ بين معجبٍ وناقد - إيميلي تمبل.




حول هذا الموضوع جُمعت آراء واحد وعشرين من الكتّاب المشهورين بالإضافة إلى محلل نفسي.
يصادف عام (2018) الذكرى المئوية الأولى للظهور الأول لرواية "عوليس" للمؤلف جيمس جويس، حيث تم عرضها لأول مرة على شكل حلقات مسلسلة في مجلة ذا ليتل ريفيو The Little Review بين مارس 1918 و ديسمبر 1920 ، ويصادف اليوم الذكرى السادسة والتسعين لتاريخ نشر الرواية كاملة في كتاب لأول مرة من قبل سيلفيا بيتش. وهو أيضًا تاريخ ميلاد جويس وبالطبع الأمر ليس مصادفة.
يصف الكتّاب والقراء عوليس -على الدوام- بأنها رواية مغيّرة للحياة والفكر، وكثيرًا ما تصدّرت قوائم أفضل الكتب على الإطلاق. لكنها ليست محط إعجاب الجميع كما يبدو. ففي الواقع  يوجد العديد من القراء – من ضمنهم كتّاب بأسماء بارزة – لم تعجبهم تحفة جويس الفريدة وقد يصل بهم الأمر حد المقت. لربما تسأل كيف لك شخصيًا أن تعرف ذلك؟ حسنًا في الإحصاء النهائي للآراء التي تم جمعها، توصلنا إلى التعادل: أحد عشر شخصًا مع وأحد عشر شخصًا ضد، لذا يجب أن تقرر شعورك تجاهها بنفسك؛ سواءً استعرضتَ الآراء والتقييمات أحادية النجمة في الأمازون حول هذه الرواية أو لم تفعل ، فالأمر يعود إليك.
مع:
فلاديمير نابوكوف- في مقابلة عام 1965- : "عوليس عمل فني استثنائي وسيصمد على الرغم من كل التافهين الأكاديميين الذين يحولونه إلى مجموعة من الرموز أو الأساطير اليونانية. ذات مرة أعطيتُ طالبًا درجة سي منخفض C-، أو ربما دي مرتفع +D لاستعارة عناوين من هوميروس بدون حتى أن يلاحظ ذهاب وإياب الرجل ذي المعطف البني. لم يكن يعرف حتى من هو هذا الرجل صاحب المعطف! لا أمانع أن يقارنني الناس بجويس بكل وسيلة، إلا أن لغتي الإنجليزية ما هي إلا كرة بالنسبة لبطل اللعبة جويس."
ضد:
رودي دويل- في احتفال بعيد ميلاد جيمس جويس عام 2004- : "كان يمكن أن تكون عوليس أفضل بيد محرر جيد. . . دائمًا ما يضع الناس عوليس في قائمة أفضل 10 كتب على الإطلاق، لكنني أشك في أن أيًا من هؤلاء قد تأثر بها فعلًا. . .  لو كنت كاتباً من دبلن وكتبتَ حوارًا خاطفًا، يظن الجميع أنك اختلسته من جويس. فكرة أن جويس حاز لغة دبلن كما يتحدث بها في دبلن مجرد هراء. فهو لم يخترع لهجة دبلن. وعندما تكتب يبدو الأمر كما لو أنك تتعدى على منطقته أو أنه يتسلق على كتفك. هذا الأمر يستفزني".
مع:
توماس ستيرنز إليوت -في مقاله "Ulysses, Order, and Myth" عام 1923- : "أعتبر هذا الكتاب من أهم نصوص الزمن المعاصر، الكتاب الذي ندين له جميعًا بالفضل ولا يمكن لأحدنا أن يتخطاه. أفترض أن هذا ما يسعني قوله عند الحديث عن هذا الكتاب. ولا أريد أن أهدر وقت القارئ بالخوض في تفاصيل ثنائي عليه. لقد منحني شعور المفاجأة والابتهاج والخوف؛ كل ما أبتغيه كقارئ. وسأتوقف عند هذا الحد."
ضد:
باولو كويلو –في حديثه لصحيفة برازيلية عام 2012- : "يسعى كتًاب اليوم لإثارة إعجاب كتَاب آخرين. رواية جيمس جويس "عوليس" من الكتب التي أحدثت ضررًا كبيرًا وكانت عبارة عن أسلوب مجرّد. مجرّد من أي شيء. وعلى وجه الدقة عوليس ليست سوى حماقة".
مع:
إرنست همينغوي – في رسالة إلى شيروود أندرسون عام 1922 – : "كتب جويس كتابًا رائعًا بالغ العظمة. ربما سيصلك في الوقت المناسب. في الوقت الحالي يشير التقرير إلى أنه وجميع أفراد عائلته يتضورون جوعًا، ولكن يمكنك أن تجد العائلة بأكملها في "ميتشاودز" كل ليلة؛ المكان الذي لا يمكن لـي و"بيني" الذهاب إليه سوى مرة واحدة في الأسبوع.
تقول جيرترود شتاين أن جويس يذكرها بامرأة عجوز في سان فرانسيسكو. يتمتع ابنها بالثراء في كلوندايك بينما تمضي المرأة العجوز رافعة يديها "يا لجوي المسكين! يا لجوي المسكين! لديه الكثير من المال!" لا ينفك هؤلاء الأيرلنديون الملاعين عن التذمر من أمر أو آخر، لكنك لا تسمع أبداً عن أيرلندي يتضور جوعاً."
ضد:
دونا تارت – في النيويورك تايمز: "لا أحب همينغوي. وأعلم أنني لا أحب عوليس بقدر ما يفترض بي أن أفعل - ولكن أكرر مرة أخرى، لم يسبق أن أبديتُ اهتمامًا بالأوديسة ولو حتى عُشر الاهتمام الذي أوليتُ للإلياذة."
مع:
جورج أورويل- في رسالة إلى بريندا سوكيلد عام 1934- : "استطعتُ الحصول على نسخة من رواية عوليس بأمانٍ هذه المرة. وتمنيتُ لو أنني لم أقرأها. عندما أقرأ كتابًا بهذه الروعة ، ثم أنظر إلى عملي أشعر بعقدة النقص...".
ضد:
جوناثان فرانزن – في مقابلة مع الغارديان- : "لم أستطع إنهاء عوليس. من أجل أن أقوم بذلك كان يلزمني مشرف دراسات عليا حتى يجعلها  تشق طريقها إلى رأسي بالسوط، ولم يكن لدي واحدًا."



مع:
جويس كارول أوتس- في مقالها "Jocoserious Joyce" عام 1976- : "بالتأكيد عوليس أعظم رواية إنجليزية وقد يرى البعض تفرّدها ويعتبرها أعظم عمل فني في تراثنا. ما أبلغ وما أغرب أن تشمل هذه التحفة النادرة الكوميديا وأن يثمّن مبتكرها النظرة الفكاهية على المأساوية.
ولربما كان جويس يخاطب قراءه عندما كتب إلى نورا في عام 1909: "الآن ... أريدكِ أن تقرئي مرارا وتكرارا كل ما كتبتُه لكِ. قد يكون بعضه سيئًا... وفاحشًا وهمجيًا، وبعضه طاهرًا ومقدسًا وروحيًا: كل ذلك يمثلني أنا".
ضد:
ألدوس هكسلي – كتب في 1925- : "على الرغم من تعدد مزاياه– فالكتاب نوعًا ما كتيب تقني، يمكن أن يتعلم الروائي الشاب من خلاله كل الطرق الممكنة وغير الممكنة لحكاية قصة- عوليس من الكتب المثيرة للملل وأقلها أهمية، وهذا يرجع إلى عدم وجود أي نوع من الصراعات فيه".
مع:
إيمير مبريد- كتبت في الغارديان- : "وضع جويس عالمي على المحك. قراءتي لروايته عوليس غيرت كل ما كنتُ أعتقده حول اللغة وكل ما كنتُ أفهمه حول ماذا يمكن لكتاب أن يفعل. كنت في القطار في طريقي إلى وظيفة مؤقتة ومملة وأنا في الخامسة والعشرين من عمري. دخلتُ توتنهام -شمال لندن- وفتحت أول صفحة من الرواية. عندما نزلتُ في شارع ليفربول -وسط لندن- لا أعتقد أني أبالغ إذا قلتُ أني وجدتُ أن مجرى حياتي قد تغيّر. إلى جانب جدية جويس والدهشة التي يخلفها، فإن الكثير من متعة قراءة أعماله تتمثل في الجانب الهزلي الذي يتمتع به ومجازفته التي يخوضها مع اللغة. لا شيء يضاهي متعة التورية الملتوية لجويس".
ضد:
ريتشارد فورد- كتب في صحيفة نيويورك تايمز- : ""عوليس" من الكتب المبالغ في تقديرها! بدون أدنى جهد. لكن أعتقد إذا ما كنتَ أيرلنديًا، فسيبدو الأمر منطقيًا. أضع معظم كتبهم جانبًا بدون أن أنهيها. وأغلبها ليست من الكتب الجيدة، وليس من سبب يجعلها كذلك. بالنهاية "الموهبة" ليست بالشيء الذي يقتسم ديمقراطيًا".
مع:
سلمان رشدي – في مقابلة مع الغارديان - : "يشغلني التفكير في الكتب التي أحدثت انفجارات صغيرة في ذهني، وأوضحت لي الإمكانات الأدبية التي لم أحلم بها من قبل، حتى قرأتُها. كان كتاب "عوليس" لجيمس جويس أحد هذه الكتب".


ضد:
عالم النفس كارل يونغ – في مراجعة للكتاب عام 1932- : "عوليس كتاب مكوّن من  سبع مائة وخمسة وثلاثين صفحة؛ فترة زمنية تسع سبع مائة وخمسة وثلاثين يومًا، وكلها تتضمن أحداث يوم واحد، بلا معنى من حياة كل رجل، في السادس عشر من يونيو 1904 اليوم غير الملائم بتاتًا اليوم الذي لا يحدث فيه أي شيء في دبلن. تبدأ الشخصيات في الفراغ وتنتهي في الفراغ أيضًا. كيف لهذا البيان الطويل جدًا والمفرط في التعقيد المثير لاستياء القارئ ألا ينتهي؟ قد  يكون تطرق إلى جوهر الحياة. ولكنه لامس عشرة آلاف من سطوحها بمائة ألف لون. على طول قراءتي في السبعمائة والخمسة وثلاثين صفحة لا وجود لنقطة استئناف واحدة حيث يمكن للقارئ أن يستريح. ليس ثمة موضع واحد يستطيع أن يجلس فيه، يسترجع ذكريات ما مر به، ويفكر في طول الشوط الذي قطعه سواء كان ذلك في مائة صفحة أو حتى أقل. النص يتدفق بشكل لا منقطع، وتتنامى سرعته في الأربعين صفحة الأخيرة لتطمس علامات الترقيم نهائيًا! وبذلك يعطي تعبيرًا حادًا عن هذا الفراغ الخانق، والذي قد يكون ناتجًا عن التوتر، أو يمتلئ به ليوشك على الانفجار، فهو يتنامى بشكل لا يطاق. هذا الفراغ البائس هو الفكرة المهيمنة على الكتاب بأكمله. لم يبدأ في الفراغ فقط بل وانتهى في الفراغ أيضًا، ليس به محتوى غير الفراغ.
الصفحات السبعمائة والخمسة والثلاثون التي لا تحتوي سوى على الفراغ، لا يعني بأي حال من الأحوال فراغ الورق من الحبر. فأنت تقرأ وتقرأ وتقرأ ثم تتظاهر بفهم ما تقرؤه. لقد قرأتُ مائة وخمسة وثلاثين صفحة بشيء من الثّقل في قلبي، وغفوتُ خلالها مرتين".
مع:
إيدنا أوبرين –في مقابلة في أتلانتك- : "أن تعيش أجواء أعمال جيمس جويس وكلماته سبيل من سبل السعادة والتعلّم. لقد ازداد إعجابي بجويس أكثر لأنه لم يتوقف عن العمل، استحوذت عليه الكلمات وكانت هاجسه. كان رجلًا محطمًا في نهاية حياته، لم يدرك أن "عوليس" سيكون الكتاب الأول في القرن العشرين، والقرن الحادي والعشرين كذلك".
ضد:
فرجينيا وولف – كتبت في مذكراتها عام 1922- : "قرأتُ مائتين صفحة من عوليس وكنتُ مستمتعة، ومتأهبة ومفتونة في أول فصلين أو ثلاثة حتى نهاية مشهد المقبرة، ثم بدأت أشعر بالحيرة والملل والانزعاج وخيبة الأمل.  ولا أفهم كيف يساوي توماس، الكاتب توم العظيم هذا العمل برواية الحرب والسلم! يبدو لي كتابًا محفوفًا بالجهل، كاتبه تعلّم ذاتيًا وكلنا يعرف كيف يكون هؤلاء... كئيبين… مغرورين… مُلحين بشخصية صلفة لافتة للنظر ومثيرة للغثيان. عندما يكون لديك سمكًا مطهوًا لماذا ستنظر للسمك مسلوخ الجلد؟ لكن إذا كنتَ مصابًا بفقر الدم مثل توم، فستعظّم قيمة الدم!"
مع:
إدموند ويلسون -في مراجعة كتبها عام 1922 لمجلة ذا نيو ريببلك-: "مقارنة بجميع أعماله الطويلة الهائلة  فإن عوليس عمل عبقري على مستوى عالٍ. لا تكمن أهميتها في فتح أبواب جديدة للمعرفة ، بل في تقديم مثال للكتّاب الأنجلوسكسونيين لوضع كل شيء دون تآلف، أو ابتكار أساليب أدبية جديدة. إن معادلة جويس -كما لاحظتُ فيما يقارب خمسة وسبعين سنة – هي رفع معايير الرواية بحيث تأخذ مكانها بجانب الشعر والدراما. بلغ تأثير عوليس أن جعل كل شيء خلافها يبدو بسيطا. منذ قرأتها  بدا لي بناء الروائيين الآخرين ركيكًا وغير مدروس على نحو لا يطاق.. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل سيتمكن "جويس" من كتابة تحفة تراجيدية تستحق أن توضع إلى جانب هذه التحفة الكوميدية!
ضد:
جورج مو – في حديثه مع صديق كما ورد في كوكبة من العباقرة Constellation of Genius عام 1922-:   خذ مثًلا الايرلندي جويس، كحالة سيئة. مؤخرًا أرسل إلي أحدهم نسخة من روايته عوليس. وقال لي يجب أن تقرأها، ولكن كيف يمكن للمرء أن يطالع مثل هذا الشيء؟ قرأت شيئًا يسيرًا من هنا وهناك، وكم شعرتُ بالملل! ربما ظن جويس أن استخدامه لكل تلك الكلمات القذرة سيجعل منه روائيًا عظيمًا. تدرك أنه استقى أفكاره من دوجردان؟ . . . عوليس عمل بائس، ومن العبث أن نتخيل نتيجة جيدة لعمل يحاول تسجيل كل فكرة وإحساس لأي شخص. هذا ليس فنًا، إنما محاولة لنسخ فهرس لندن!"
مع:
آنا  إنرايت- في مقابلة عام 2008 مع صحيفة بوسطن غلوب-: "لم أكن أريد الابتعاد عنه. الكتّاب الرجال هم غالبًا من تكون لديهم مشكلة مع جويس. هم جميعا "تحت ظله، فمن ذا الذي يمكنه أن يحل مكانه؟" جويس جعل غير الممكن ممكنًا؛ فتح كل الأبواب والنوافذ. ولدي نظرة ثاقبة جدا أنه قد يكون في الواقع امرأة. كتب أشياء باطنية لا حصر لها تجدها عند الكاتبات من النساء- لا يوجد أكشن ولا شيء يحدث. وبالتالي ستنظر إلى عوليس وتقول لقد عرفت السر، جويس امرأة، هذا هو سره".
ضد:
ديفيد هربرت لورانس – في رسالة إلى كوتيلينسكي عام 1922-: "أنا آسف لكني أحد أولئك الذين لا يستطيعون قراءة عوليس، باستثناء القليل منها. لكن سرّني الاطلاع على هذا الكتاب ففي أوروبا يذكروني أنا وجيمس جويس معًا- وكان عليّ أن أعرف نوع الارتباط لتخليد اسمي مع جويس. وأظن أنه سيكون لدى جويس تجاهي نفس نظرة الارتياب. نختار رابطًا كذلك الذي بين باولو وفرانشيسكا تذروه رياح الجحيم".
مع:
كولومن مكان –كتب في مجلة GQ- : "عوليس بمثابة الخلاصة الأدبية الأكثر اكتمالاً للتجربة البشرية. ففي كل مرة أقرأها أشعر باليقظة وقلة الخبرة. لقد أتيح لي مؤخرًاً فرصة الاطلاع على طبعة نادرة للنسخة الأولى. عندما فتحت ظهر الكتاب، وقعتْ قطعة صغيرة من الصفحة، لا يتجاوز حجمها حجم حبة دواء. لم يكن ثمة أحد ينظر إلي. وضعتها على إصبعي وفعلت ما يمكن أن يفعله أي شخص في مكاني: لقد أكلتها."
ضد:
ريبيكا ويست –كتبت في مقالها "The Strange Case of James Joyce" المنشور في مجلة ذا بوكمان 1928-: "عدم الكفاءة الأدبية في عوليس خلّف بصمتين ضخمتين، أظهرتا أن التدقيق في الأحرف وعدم الإحساس بالروح أدى إلى انحراف جيمس بشدة برغم كونه أحد الموالين للكلاسيكية. لقد كان الكاتب الفرنسي فاليري لاربو أول من اكتشف أن عنوان هذا العمل العظيم لم يوضع بغرض إضفاء صعوبة على العمل، ولكن هناك توازنا وثيقا بين أحداث الأوديسة وعوليس: فشخصية  ليوبولد بلوم تمثل عوليس، وستيفن يمثل تليماك، وزوجة بلوم تمثل بينيولوبي، كذلك مكتب الصحيفة بمثابة كهف الرياح وهلم جرا. وهذا أعمى مناصري السيد جويس في انجذابهم العميق الذي لم يتح لهم أن يسألوا ما الغاية التي يخدمها مثل هذا التماثل.
...
إنه لمن عدم الترابط أن تضع الكلمات في غير ترتيبها المعين منطقيًا لتشكيل الجمل، إذ أنها أداة العمل  الحقيقية وليست مجرد شرط، غير أن هناك حالات خاصة، ومثل هذه الحالة الخاصة موجودة بالتأكيد في عوليس. لكن لسوء الحظ السيد جويس طبّقها على العديد من الأشياء في عوليس ليجعل منها حالة خاصة!"
  • إيميلي تمبل من كبار المحررين في موقع Literary Hub، وستصدر أول رواية لها بعنوان "السطوع" (The lightness) عن مؤسسة ويليام مورو في عام 2020.
  • ترجمة بلقيس الكثيري.
  • تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

هاروكي موراكامي - مؤمن الوزان.


الأديب الياباني الذي يعد من أفضل الكُتّاب مبيعا للروايات والقصص في اليابان والعالم، وقد تُرجمت أعماله لأكثر من خمسين لغة، وتم بيع ملايين النسخ من كتبه حول العالم، يمتاز أدبه بالسوريالية واللا واقعية والفانتازيا، حصل على عديد الجوائز من بينها جائزة خيال العالمي، وجائزة فرانك أوكونور الدولية للقصة القصيرة.
بدايتي مع أعماله كانت من خلال رواية كافكا على الشاطئ، الرواية الذائعة الصيت، والتي أعجبني بها: الأسلوب الشائق والغموض وأسلوب طرح الأفكار ومزج الخيال بالواقع، والسوريالية الجاذبة والمثيرة للفضول والأسئلة، وأكثر ما سحرني بها هو الانطلاقة نحو العقدة، التي يتحمس لها القارئ ويقرأ بشغف ليصل بعدها لنهاية التي لا يعرف كيف ستكون لكنه يضع عدة احتمالات، ظانا منه أنه قد يصطدم بنهاية مثيرة جدا، تحبس الأنفاس، لكن النهاية  لا تقع ضمن توقعاتك. البساطة، والواقعية التي قد تبدو غربية إذا ما قيست على السمة العامة للرواية التي امتازت ومُلئت بالغرائبيات واللا معقول، معطيا لنا عنوانا عريضا تفصح عنه الأحداث الختامية، أن الخيال واللا واقعية وكل غريبة تقرأها، ستبقى في حدود المعقول، مهما بدت لك طلائع النهاية توحي بخاتمة لا تقل غرابة عن البداية وسائر الأحداث، لكنها لن تخرج من واقعية هذا العالم وقوانينه، فصدمة القارئ التي يعمل على إبرازها هاروكي كانت في اطلاق عَنان خيال القارئ ليعيده تدريجيا إلى حقل الطبيعية وقوانين العالم المتعارفة. مزيج فني وأدبي، يصهر في إطار روائي واحد، لا يغلب أحدهما الآخر، ففي النهاية الخيال جزء من منظومتنا الفكرية والإبداعية، والتي عرف كيف يوظفها في رواياته. قد تكون أعماله غير جاذبة لبعض القرّاء، لكن لا بأس أحيانا بدفقة من الجنون تزيح بها أبعاد المنطقية أو في الأقل جعلها أكثر مرونة في تقبل أعمال أدبية كهذه، وأن تحلق في فضاء ميتافيزيقي مليء بالفانتازيا، والغرابة، والجنون، والعبثية، والفوضى، والغموض، والألغاز.

يأخذنا في روايته القصيرة نعاس، إلى حقل آخر من حقل الإنسان الذي يجب أن يبحث في أموره المعتادة ليجد الجديد واللا معتاد، بعد أن ترى بطلة الرواية حالمة أو متخلية، جسدا بشريا بهيئته يقف عند سريرها ويصب الماء على قدميها، في مشهد يشبه حالة جاثوم النوم، تفقد فيها القدرة على إبداء أي ردة فعل، ينتهي هذا الموقف المخيف لبطلة الرواية بسلام، لتصاب بعدها بانعدام النعاس والنوم، فهي تبقى مستيقظة دون أن يهاجمها النعاس، أو ترغب بالنوم، التعامل مع هذه الحالة في بادئ الأمر كان يعتريه الشك وعدم الوثوق مما حدث، والتردد في اتخاذ الخطوة المناسبة، لكنها تقرر التعامل مع هذه الحالة بصورة أكثر إيجابية مستغلة الوقت الطويل الذي كانت تستغرقه في النوم، في أشياء تحبها وكانت تفعلها قد أنستها إياها الحياة والزاوج والعائلة، وتعود لممارسة عادات تحبها، لتحول هذه الحالة غير الطبيعية إلى حَسنة ودافع لتغيير واقع قد تلبسها وأنساها نفسها، العودة لاحتساء الخمر والمطالعة، واكتشاف زوجها، وكيف انجذبت لشخص مثله.
الحادثة التي كانت نقطة مفصلية في حياتها على المستوى الشخصي، في الوقت الذي أبقت الأمر مقتصرا عليها، لم تترك للآخرين فرصة اكتشاف ما حدث، ولتتحول الحالة إلى أكثر تأثيرا فيها، بعد أن قرأت عن النوم وأنه آلية تجديد طاقة الجسد ليقوم بأعماله اليومية، وهنا تطرح السؤال هل أنام لأعيد لذاتي الطاقة من أجل الاستمرار في العمل اليومي الذي استمررت عليه لسنوات! لتبدأ برحلة جديدة في عالمها ينتهي نهاية لا تقل غرابة عن حالتها.
ادراج حالة خيالية أو غير قابلة للتصديق، في متن العمل الأدبي، وتوظيفها في توفير الأرض المناسبة لزرع بذور ثمار قديمة من أجل ثمار بنكهة وطعم مختلف، عملية إعادة قراءة للحياة ولدواخل النفس بذات الأدوات، هو إحدى السمات الفنية لهاروكي موراكامي، بأسلوب سلس يتدفق بصورة تصاعدية أحيانا، وقد تكسوه الرتابة، لكنها رتابة في اللا معقول، حيث التفاعل الذي تقوم به خيالاته المطروحة باستمرار تدفق السرد دون ملل أو مطبات يضيع معها القارئ، أو تضيع الفكرة التي يرمي إليها. ونقرأ عملا مشابها في المضمون لدى كويلو في روايته: فيرونيكا تقرر أن تموت، حين تكون محاولة الانتحار والعيش في مستشفى المجانين، هي النافذة التي نرى العالم فيها نظرة مختلفة، كيف تتحول حالة مرضية كالأعراضِ الجانبية النفسية لمحاولة انتحار فاشلة أو كانعدام النعاس واختفاء أي رغبة في النوم، إلى محفّز للانقلاب والثورة على كل شيء والعيش بطريقة نصنعها لا أن نعتاد عليها دون سابق اختيار.

الحال لا يتغير كثيرا في قصصه التي توحي بعضها بالغرائبية كما في قصة المكتبة الغربية، حين يدخل الفتى باحثا عن كتاب، ليُحبس بعدها في المكتبة بسبب العجوز الشرير، ويحاول بعدها إيجاد سبيل للهرب من مأزقه، وهي قصة التي فيها شيء من طفولة أي منا، الجموح في الخيال، السفر إلى عالم تحفه المخاطر، يمزج هذا الخيال في حياة طفل طبيعية يحب القراءة والاطلاع، لنجد خاتمة مفتوحة مليئة بالتساؤلات وأمَا حدث كان فعلا أم أنه مخاوف تشكلت وسيطرت على ذهن الفتى، جرته لينسى واقعا ألمَّ به وهربا من مصير محتوم، حين تغيب خيوط القضية في حدث القصة، يبقى لكل قارئ نافذته الخاصة يقرأ فيها العمل وفقا لما تنستجه أفكاره ومخيلته التي تفاعلت مع القصة أثناء القراءة.

وفي قصة ليدرهوزن، يعطي القصة وعناصرها طابع الفكاهة والغرابة والواقعية، والنظر للزوج من خلال شبهائه، كيف يمكن أن نكتشف عيوب من نحب أو من ارتبطنا بهم من خلال آخر لا يمت لهم بصلة. وكيف يكون خيار عدم الاستمرار سهلا وأن تكون أسبابه مهما بدت في أعيينا صغيرة وتافهة ألا أنَّ لها في وقعها في بحيرات دواخلنا الأثر الكبير، الذي لا مناص من اتخاذ قرار لا رجعة منه.

أما في قصة حرق الحظيرة، التي يلتقي بها البطل برفيق صديقته الذي يهوى حرق الحظائر خاصة تلك التي لا القديمة والتي لن يكترث لها أحدٌ كثيرا كما يقول، وبعد أن يُطلع بطل الرواية على هدفه الآخر يبقى شغله وجل اهتمامه أن يعرف أي حظيرة ستكون التالية، التأثير النفسي التي يُفرض على البطل من جراء اهتمامه بهذا الموضوع، يجعله يفكر بإحراق حظيرة وترك الانتظار، القصة برمزية تقف على إسقاط كل منا على فكرة تخطر بباله، فما أراه أن ما قصده من الحظائر وحرقها، هم البشر الذي نتعرف عليهم خلال حياتنا، والحرق لا يعني بالضرورة الإيذاء أكثر من كونه الاستحواذ على الآخر وجعله خاضعا لما نفرضه، سواء أكان قائما على العاطفة أو المال أو الصداقة أو أي رابطة نحكم وثاق الآخر من خلالها، وتأثيرات غياب أي ما يجمع الآخر معنا أو يربطه بنا، قد يحمل التأثير جوانب سلبية أو إيجابية فما يحددها هو نمط العلاقة ونوعها، الحظيرة التي كان بطل القصة يفعلها لم تكن في مكان ما في منطقة سكنه، كانت رفيقته، ففي ختام القصة حين يبحث بطل القصة عن صديقته، وحين يسأل رفيقها عنه، يجيب بالنفي وأنه لا يعرف مكانها، وأصدقاؤها التي تدون أسماءهم في دفترها والتي قد يساعدون بطل القصة في معرفة مكانها هم مجرد أسماء أكثر من كونهم أصدقاء فعليين، لكن بطل القصة، يبقى في بحث وتساؤل مستمر عن حظيرة احترقت أو حظيرة يُحرقها، ولم يطلق لخياله العَنان، ولم يدرك أن الحظيرة قد احترقت واختفت نهائيا، وهذا الرفيق يبحث عن حظيرة أخرى يحرقها، بنار لا دخان لها.

وارث الشواهد - وليد الشرفا.

بينما أقرأ هذه الرواية، أرى الروائي الراحل غسان كنفاني، يُبعث من الكلمات، وأشعر لوهلة أني أقرأ له، أقرأ حيفا التي بكاها، والموتى الذين قتلتهم الشمس، وأم سعد ووشائج حبها للوطن، والأدب الذي يكسب معناه من القضية التي كُتب لأجلها، بهذه الرواية تسمو غاية الكتابة وهدفها حفظ التاريخ والدفاع عن الحقوق، والمقاومة، والحب، وأرض فلسطين. هنا فوضى الدين والتاريخ والحاضر والقتل واليهود والعرب، هنا الشهيد المذبوح فوق الرصيف، هنا الشتات والإقصاء والتهجير، لم يرث بطل هذه الرواية الشاهد- شاهد منزل جده- وحده؛ بل جميع من يقرأ وارثٌ وله دوره في أحداثها. هذه الرواية من الروايات التي تزداد ألقا وسطوعا إذا قُرأت، هي شهادة لا تُسمع إلا في حضرة قاضي القراءة، أما أن تبقى حبيسة في الأوراق، هي خيانة أخرى لفلسطين أرضا وتاريخا وقضيةً.
إن الأدب الذي يستفز مشاعرك ويُلهبها بعد إيقاظها، الأدب الذي يحمل بين حروفه عبءَ الدفاع عنك، ويحتضن قضيتك، يرافع عنها، ويصفع بيد قوية من يحاول أن يشكك بها، حين يُقاوم العدو الذي يحاول قتلك أو قتل أرض أو تشويه جسد تاريخك، أو يعبث بمقدرات مستقبلك، هو الأدب الذي يستحق أن ينال الجوائز، وأن يقف في المقدمة، وارث الشواهد، لوليد الشرفا، هي من أجمل ما قرأت في الأدب الفلسطيني، أدب الصمود والمقاومة.
ما بين الماضي والحاضر، ما بين هجرة قسرية، وأمل بالعودة إلى الأرض، يُبعثر القدر بطل الرواية، تبدأ من مقتل والده على يد الصهاينة، ليُحبس بعدها خلف قضبان هذه الأرض أو الفكرة التي تبلورت عنها، فهي المركبة التي تستمد منه وقودها، وتتركه بعدها في صراع مع الواقع، مع الإرث الذي كتب باسم جده.
تتنوع المواضيع التي تطرحها الرواية والقضايا التي تمر عليها، وبصياغة دينية لكثير من المواضيع، فيها التهكم على إقحام الدين في شرعنة القتل والاغتصاب لشعب وأرض، تلف محاور الرواية، ما بين ذكر التهجير من حيفا، وقيمة الدم الفلسطيني، وصراع الهوية العربية - الإسرائيلية، والعودة إلى الأرض، وقضية دعم أوروبا لليهود في استحلال أرض فلسطين بعد أن كانوا يُذبّحونهم، فيها لقاء الشرق والغرب فوق سرير اللذة، الغوص في تاريخٍ يبدو غير واضح الملامح، وعن قيمة النص وأدلجته لخدمة الغايات وجعله غطاءً لتمرير ثم لتبرير أحكام تُصدرها محكمة الشيطان.
إن جمع كل هذه المواضيع وإدراجها في العمل الروائي، يُعطي للرواية مقومات القوة والرصانة حين تكون هي مادتها بلا إفراط أو تفريط، أو أن تأخذ مسارًا أُحاديا يتم تغييب الآخر من دائرة الأخذ والرد، والمكانة المطلوبة من جعل الرواية وسيلة لطرح القضايا التي تهم الأمة، وتُنعشها في حالة احتضارها وتبعث فيها الحياة من الجديد.
شخصيات الرواية المتعددة، تمثل كل شخصية جانبًا معينا، فبينما البطل "الوحيد" يمثل الجيل الذي امتزجت طفولته مع التهجير القسري من حيفا، وعلاقته أمه وجده الذي ضخوا فيه تاريخ الأرض بأسمائها العربية والوطن والعائلة، ويسافر بعدها ليدرس ويبتعد عن الوطن حتى لا يتكرر فيه مصير والده. ويمثل الجد الذاكرة الحيّة للفلسطيني الخالد، بينما ريبيكا هي الأنثى الغربية التي اختلط بدمائها الجمال وتقبل الآخر والقدرة على التشكّل لتقبل حالات الحبيب والإيمان بقضيته، وبشارة العربي الإسرائيلي المسيحي، هذا المركب الثلاثي ما بين القومية والهوية والدين، ومحاولة العيش فوق أرض مع التغريب، ليجد نفسه في آخر المطاف في خضم المواجهة المباشرة مع عدوه الذي نساه، وأيقظه من سباته في دنيا النسيان صديقه الوحيد.
تتطور الشخصيات كلما تقدمت عجلة أحداث الرواية، تطورًا متزامنا مع الحدث، فهم ليسوا متشبثين برأي أو فكر أو توجه دون آخر أو ثابتين في أماكنهم لا يتحركون قيد أنملة، خاصة وهم يتعاملون مع قضايا سياسية وتاريخية وعقائدية ووطنية، بل هم في تفاعل مستمر مع الحدث والبقية من الأصدقاء أو الأقرباء، مما يعطي للرواية هيئة التطور والاستمرارية في خلق فكر مستمر في التفكير والبحث عن الحقيقة والهدف، والصراع النفسي مع الذاكرة والماضي والحاضر، إن التركيبة النفسية للإنسان الفلسطيني، وماضيه المرير، يُعطي للروائي مساحة أكبر في التعامل مع شخصياته، والسيطرة عليهم، حيث يلقى أدوات كثيرة تساعده على التحكم وخلق أجواء نفسية وتفاعلات تصل به إلى أهدافه وغاياته من الكتابة، ريبيكا وبشارة ليسوا مجرد أصدقاء لبطل الرواية، بل هم أيضا يُمثلون جانبا نفسيا وحياتيا مهما للبطل، أسواء كانت الزوجة ريبيكا التي احتضنت وآمنت به، أو صديقه الذي شاركه حمله الثقيل وتركة جده وأبيه وذاكرة الأرض العالقة في نفس البطل.
تميزت هذه الرواية بتعدد المؤلفين، فهي مجزأة إلى أربعة أقسام رئيسية بأربعة مؤلفين، يشغل البطل الوحيد المساحة الأكبر بسرده لحياته الماضية مسترجعًا إيها من خلال الذاكرة، إضافة إلى سرد واقعه في سجن الاحتلال بعد حادثة القتل في القسم الأول. القسم الثاني الذي يسرده بشارة بعد طلب صديقه تدوين القصة، علاقته بالوحيد وما جرى بعد اعتقاله وهو يروي الأحداث التي شهدها، وحالته النفسية بعد اعتقال صديقه والتغيّر الذي شهدته، والتأقلم وصراع الأصل العربي وأحقية أصحاب الأرض في ظل الظروف الجديدة. القسم الثالث الذي تسرده ريبيكا زوجة الوحيد، والذي تُرسله لصديقه بشارة ليقوم بترجمته، وهي تطرح فيه كثير من أفكار وحياة زوجها، وتأثير غيابه عليها وعلى حياة ابنتهم ليلى. القسم الرابع الختامي وهو الذي تسرده ابنة بشارة جولينا، وهو ختام الرواية الذي نشهد فيه المحاكمة لبشارة والوحيد.
مؤمن الوزان.

صندوق باندورا

يعد الفضول وحب المعرفة أحد أبرز المواضيع التي شغلت تفكير البشر منذ بدء التكوين، إذ راود الفضول آدم وحواء وهما في الجنة فكان السبب وراء إخراهما منها إلى الأرض، وكان السبب في فراق الخضر عن النبي موسى الذي لم يقدر على كبح أسئلته على رفيقه العارف. فأيعدُ فضول الإنسان لعنة عليه أم نعمة تضيء أمامه ظلمة الجهل؟
جسّد الإغريق هذه المعضلة في أسطورة "صندوق باندورا" الشهيرة، وهي أسطورة من نوع أساطير الأصل والكون التي تصف أصل ملامح العالم الطبيعي والاجتماعي. وفقاً للأسطورة، فقد نفخ هيفيستوس (إله النار) الحياة في جسد أول امرأة بشرية واستعان بالآلة الأخرى لتكوينها في أحسن صورة، حيث وهبتها أفروديت (آلهة الحب والجمال) الجمال الرائع وأغرقت قلبها بالمشاعر ووهبتها أثينا التقانة والاهتمام بدقائق الأمور ووهبها هيرميز المعرفة المطلقة باللغة ثم أطلق عليها اسم "باندورا". جاء بعد ذلك زيوس (ملك الآلهة) ليضع لمساته الأخيرة على تحفته فأهداها شيئين، الأول الفضول وحب معرفة ما يجري من حولها، والثاني صندوقاً (وفي المصادر القديمة جرّة) غامضاً أمرها بعدم فتحه إذ لا ينبغي لأعين البشر أن تشاهد مافي داخله.
وعندما نزلت "باندورا" إلى الأرض التقت بإبيميثوس الحزين الذي عهد زيوس إليه وإلى أخيه تزويد البشر بما يحتاجونه من أجل البقاء، إلا أن بروميثيوس الشهير وهب البشر النار، وهي الهبة التي حرم زيوس على البشر الحصول عليها فقد كان امتلاكها حقاً تتفرد الآلهة به، غضب ملك الآلهة علي بروميثيوس بسبب فعلته وأرسله بعيداً وربطه بأحد جبال القوقاز لينال عقابه. بقي إيبيمثيوس حزيناً على أخيه حتى جاءته "باندورا" الحسناء التي وجد بها الدفء والهيام اللذان سيسعدانه من جديد. مع مرور الأيام ازدادت نار فضول بندورا اتقاداً وبقيت تبحث عن معرفة أسباب ما يجري من حولها، وبقي سر الصندوق الذي تركه زيوس لها يقض مضجعها ويلهب الغموض داخلها.
في كل مرة تقف فيها "باندورا" أمام الصندوق تشتعل الأسئلة داخلها: "لماذا لا ينبغي لي فتحه؟"..لما عهده زيوس لي؟" وغيرها من الأسئلة التي كانت تؤرقها. كانت تشعر بقوة خفية تجرها نحو الصندوق حتى أنها كانت تتوهم سماع أصوات خفية تصدر منه وتناديها داعية إياها لفتحه. كادت "باندورا" تصاب بالجنون وهي تقاوم فضولها حتى جاءت تلك الليلة التي خارت بها قوى الفتاة الجميلة وقررت أن تفتح الصندوق أخيراً. قالت لنفسها: "لن أفتحه بالكامل، وسأكتفي بفتحه قليلاً لأرى مانوع السر المدفون بداخله لا أكثر"، ولكن ما إن حركت غطاء الصندوق حتى انفتح من تلقاء نفسه وخرجت منه خيالات وأشباح مرعبة لوحوش قبيحة راحت تسبح حول الفتاة المذعورة وتصدر أفظع الأصوات. حاولت باندورا يائسة أن تعيد تلك الأشباح إلى الصندوق ثانية لكنها لم تفلح، فقد كان زنزانة حبس فيها زيوس الأرواح الشريرة التي يحمل كل منها اسم الفقر، والحسد، والمرض، والجوع وغيرها من اللعنات وما إن خرجت حتى انتشرت في أرجاء الأرض. ندمت "باندورا" ندماً شديداً على فعلتها وأجهشت بالبكاء. أثناء نحيبها وتعاستها سمعت صوتاً محبباً يصدر من الصندوق، صوتاً لا يشبه ما صدر عن الشياطين المرعبة التي خرجت. اقتربت لترى ما مصدره فوجدت ضوءاً براقاً غمرها فأنار عتمة قلبها ليرزقها الأمل، أمل إصلاح الخراب الذي خلفته فعلتها.
بقيت إلى يومنا هذا أسطورة "صندوق باندورا" رمزاً لذلك الفضول الذي يدفعنا لتصرفات لا تحمد عقباها، وللتساؤلات التي لا ينتج عن أجوبتها سوى المزيد من الضياع والحيرة. ومع ذلك، يبقى البشر أمام المعضلة إياها، ألم نوجد من أجل أن نبحث ونعرف؟ أليس جزء من كفاحنا هوكفاح المعرفة ضد الجهل؟ وهل مرارة المعرفة مسوغٌ للسباحة في عسل الجهل؟
بقلم: أهلّة العبيد

شعر الهايكو.


هو الشعر الشعبي (التقليدي) الياباني، كُتب باللغة اليابانية اليومية، ليبتعد به كُتابه عن اللغة الصينية التي كان يكتب به المثقفون، ليكون نقلةً نوعية في تحديد الهوية اليابانية.
.
.
سابقا كان يُسمى بـ الهوكو Hokku، والهايكو مصطلح استخدم من قبل الكاتب الياباني ماساوكا شيكي Masaoka Shiki في نهاية القرن التاسع عشر
.
في شعر الهايكو هناك ال Kireji، أو الكلمة اللاذعة (الساخرة) وتكون في نهاية القصيدة (السطر الأخير) ولها في الشعر العربي شبيه، القفلة الشعرية، وهي الكلمة التي يحتفظ بها الشاعر ليوصل فكرته من خلالها أو يسخر بها من المقصود في شعره في آخر قصيدته. والKireji هي من مميزات شعر الهايكو.
.
.
ويتكون الشعر الهايكو من بيت واحد مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا، يكتب بثلاثة أسطر، السطر الأول يتكون من ٥ مقاطع صوتية والثاني من ٧ والثالث من ٥.
.
.
الkigo
تحتوي المقاطع الشعرية للهايكو كلمة ما تدل على الطقس أو المواسم الأربعة (لفظة موسمية) تعرف بالـ kigo، وأجزاء اليوم بليله ونهاره، ولذلك فهو مرتبط بالطبيعة.
.
.
مثال:
fu-ru-i-ke ya (5)
ka-wa-zu to-bi-ko-mu (7)
mi-zu-no-o-to (5)
القراءة بالياباني
فو- رو-ي- كي يا
كا- وا- زو تو-بي-كو- مو
مي- زو- نو- وو- تو
الترجمة:
بركة قديمة
ضفدع يَقْفزُ في
صوت الماءِ
(باشو ماتسو)
.
.
شعر الهايكو، شعر بسيط محاكي للطبيعة، يُعبر عن مشاعر الإنسان ولواعج روحه، بلغة بسيطة بعيدة كل البعد عن الصعوبة أو التعقيد، ليكون مرآة تعكس بكل صدق ووضوحٍ عالم نفس الإنسان الداخلية. شعر الهايكو يعتبر الشعر هو الحياة.
.
.
يعد باشو ماتسوو من أشهر شعراء الهايكو الياباني، ولد في عائلة من عوائل الساموراي في القرن الثامن عشر (١٦٤٤-١٦٩٤)، لكنه رفض حياة الارستقراطية، وفضل عليها حياة الترحال والتأمل والعزلة.
لم يلتزم ماتسو ب١٧ مقطعا صوتيا فتعدى إلى ١٨ مقطعا صوتيا بنظام ٦- ٧- ٥
مثال:
fu-ji no ka-ze ya (6)
o-u-gi ni no-se-te (7)
e-do mi-ya-ge (5)
الترجمة:
ريح الفوي*
لقد اشتريتُ مروحتي
هديةٌ من إيدو**
* الفوي: أعلى جبل في اليابان.
** إيدو: اسم مدينة طوكيو في السابق
.
من شعره
نحلة
تتمايل خارج
الفاوانيا
*
*
بركة قديمة
ضفدع يَقْفزُ في
صوت الماءِ
*
*
اليعسوب
لا يَستطيعُ الهُبُوط تمامًا
على وريقة العشب
.
ومن شعراء الهايكو المشهورين يوسا بوسين (١٧١٦ - ١٧٨٣)، وكان له أسلوب شعري خاص عُرف بـ أسلوب التينمي، نسبة إلى عصر التينمي Tenmie Era.
.
.
مختارات من شعر الهايكو الياباني:
بصوت من حفيف
ورق مترام يلاحق ويدافع
آخر فوق التربة
(تاتسوكو)
***
عصر ميجي
نديفُ ثلج تساقط
ومن مسافة بُعد
رحل ميجي
(كيسارو)
***
غروب
ثاقبا الأحمرَ القرمزي
غروبُ الخريف
على رأس نبتة عرف الديك
(جوشو)
***
حشرات الخريف
قرية صغيرة هنا
تنامُ، قد هدهدتها الجنادبُ
بسقسقة حلوة صافية
(جيتو)
***
حرّ الصيف
آهٍ، كم صغيرة، يا غرامي
مظلتكِ الملونة
في هذا الحر المجهد
(سيهو)
.
.
انتقل شعر الهايكو إلى الغرب، ففي ألمانيا برز الشاعر هندريك دويف (١٧٦٤ - ١٨٣٧). في فرنسا قُدم شعر الهايكو من قبل باولو لويس سنة ١٩٠٦.
وفي إنكلترا برز الشاعر بليث، وعاش هذا الشاعر في اليابان، وأنتج سلسلة من الأعمال الأدبية حول الزن zen، والهايكو، والسينري Senryu، وأعمال أخرى متنوعة من الأدب الآسيوي والياباني.
.
.
حاول كُتاب من مختلف الدول الكتابة فيه لكنهم لم يُبدعوا أو يصلوا لدرجة الفلاح، وفي الأدب العربي، لم يُعتبر مدرسة شعرية خاصة، وبقي ضمن الشعر النثري.
.
.
مختارات من شعر الهايكو
لشاعر الهايكو الأمريكي لينارد دوان مور 1958
ترجمة: سالم الياس مدالو
1
في بيت الكلب الغليظ الصوت
نباح
رعد الشتاء
2
قراد قراد
في صقيع الليل المتاخر
كلب يلعق رجليه
3
فتحت الباب
لثلج الصباح
إنه الصمت
4
أراقب امرأة تسحب جدائلها
موسيقى الجاز
عند الغروب
5
امرأة مزارع الاذريون
رياح عاصفة
ظلال نحل
6
غبار الرياح الحارة
مسمار النجار في الغروب
في اللعب الخشبية
7
امرأة عجوز
تحدق في النجوم
السماء ثلج
8
امرأة سوداء
ترضع صغيرها
قمر الخريف
9
في الخريف المتاخر
رجال سود ينشرون القير
في الطريق الجانبي
10
امرأة قروية
تهرول عبر الطريق الأبيض
حاملة طفلها
11
أكوام الصخور
تحرك امرأة عجوز
في مطر الربيع
ترجمة: سالم الياس مدالو.
نماذج من شعر الهايكو العربي- سوريا-:
شمسٌ و درَّاجة
على دراجتي
أسلُكُ الدّربَ الموصِلَ
للشَّمس
زُقــــاق ..
في الزُّقاق القديم
مع كُلِّ قطرةِ مطر
بعضُ ذكرى
**
مَحطَّةُ الحِجاز،
لا قِطَارَ يصِلُها
ولا حتَّى سِكّة
**
إِثْرَ الحَريق،
مُحَمْلقةً في السَّقْف
أقرأُ طَالِعي
هطل المطر
من قلبي
تفوح رائحةُ التراب
**
المقصلة الصدئة
تزيّنها
طحالبُ حمراء
***
يا للفراشةِ
منها، لا يفضح قُربَ يدي
أصفرُ الأقحوان.
**
فجرٌ صافٍ
قليلاً، وينبت أنملة.. أنمُلة
ظلُّ السارية.
إعداد: مؤمن الوزان.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب