المشاركات الشائعة

السبت، 22 ديسمبر 2018

ما كتبه جورج أورويل عن مخاطر القومية.

                                       ما كتبه جورج أورويل عن مخاطر القومية.

يبدأ جورج أورويل مقاله "ملاحظات حول القومية" بالاعتراف بأن القومية ليست في الواقع الكلمة الصحيحة، بل هي عبارة عن مصطلح تقريبي لما يود مناقشته. و يوضح:
كلمة "القومية" أعني بها أولاً العادة التي تفترض أن البشر يمكن تصنيفهم مثل الحشرات وأن الكتل الكاملة المكونة من الملايين أو عشرات الملايين من الناس يمكن أن يطلق عليها تصنيف "جيد" أو "سيئ". وثانيا -وهذا أكثر أهمية من الأول بكثير- أعني عادة تعريف الذات بالانتماء مع أمة واحدة، ووضعها فوق أي اعتبار وكأنها تسمو عن وصف الخير والشر وعدم الاعتراف بأي واجب آخر سوى تقدّم مصالحها.
وفي مكان آخر يصف القومية ببساطة أكثر بأنها "العادة الحديثة المجنونة التي تقتضي تعريف الذات بالانتماء إلى وحدات القوة الكبيرة ورؤية كل شيء من حيث عظمته التنافسية".
اختار أورويل الكتابة مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية وفقط عند بداية فترة إنهاء الاستعمار، بالتأكيد عن القومية -على عكس الشوفينية أو التعصب- لأسباب سليمة ومحددة تاريخيا. اليوم، ربما كان سيختار الأصولية، على الرغم من أنها بعيدة كل البعد عن معناه الخاص. وقد أنتج لاحقاً مفردات كاملة لوصف هذه العملية الفكرية: blackwhite, crimestop, doublethink, goodthink.
الشيء المهم هو نوع الارتباط الذي يتشكل لدى القوميين، وليس الهدف المعيّن وراء ذلك الارتباط: "إن العاطفة التي أتحدث عنها لا ترتبط دائماً بما يسمى بالأمة.. يمكنها أن ترتبط بالكنيسة أو الطبقة، أو قد تعمل بمعنى سلبي محض، ضد شيء أو غيره ودون الحاجة إلى أي ولاء إيجابي".
في هذا الإطار، يسرد أورويل ثلاث "خصائص رئيسة للفكر القومي":
1. "الهوس: بقدر ما هو ممكن، إلا إنه لم يفكر أي قومي أو يتحدث أو يكتب عن أي شيء سوى تفوق وحدة قوته الخاصة". إن مهمته الخاصة هى إثبات أن أمته المختارة فى جميع الأحوال أفضل من منافسيه. لذلك، حتى بالنسبة إلى الحدود الخارجية للمعقول، يمكن إرجاع أي سؤال الى هذه القضية المركزية. لا توجد تفاصيل لا مبالية، ولا توجد حقيقة محايدة.
2. "عدم الاستقرار". محتوى اعتقاد القومي، وحتى موضوع تفانيه، عرضة للتغيير حسب الظروف. "ما يظل ثابتًا لدى القومي هو حالته الذهنية"- الحماسة المتصلبة، المختزلة والتي لا هوادة فيها. الهدف هو الحفاظ على الذات دائما في حالة مسعورة فيما يتعلق بالصراعات غير المباشرة حول الشرف، سواء من خلال الالتهاء في نوبات غضب حول إهانات ملموسة أو في ابتهاجات سادية احتفالا بانتصار جديد. إنها القوة ذات الهدف الموحد هي التي تهم، وليس السبب الظاهري.
3. "اللا مبالاة بالواقع". يحقق القوميون بالفطرة هذا النوع من التفكير المزدوج الذي نمّاه سكان إيرستريب 1 (بريطانيا العظمى سابقا) بجهد واع: "القومية هي التعطش للسلطة مخفف بخداع النفس. كل قومي قادر على خيانة الأمانة الأكثر فظعا، لكنه أيضا -بما إنه مدرك أنه يخدم شيئا أكبر من نفسه- مؤكد بشكل يقيني على وجوده في المكان السليم والصحيح." إنه اعتقاده الجوهري، هو متأكد، لا بد أن يكون صحيحا. ومن ثم، يجب أن تكون الحقائق تناسبه.
يصنف أورويل الأنماط البارزة من القومية على أنها "القومية الإيجابية" (التي تخص بلد المرء نفسه، على سبيل المثال، القومية الكلتية أو الصهيونية)، "القومية السلبية" (التي هي ضد مجموعة أخرى، على سبيل المثال، معاداة السامية أو التروتسكية في نسختها الخالصة المناهضة للسوفياتية)، و"القومية المنتقلة" (والتي تعني تحديد الانتماء مع عرق أو طبقة أو بلد مخالف لبلد/ عرق/ طبقة الشخص نفسه -في أيام أورويل، عادة ما كان الأمر يخص اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية- ).
من الممكن طبعا، حمل أي من هذه المعتقدات وعدم الخضوع إلى "القومية" بالمعنى الأورويلي. المشكلة ليست متأصلة بأي تفكير معين، مثلما لن تضمن أي نظرية معينة الحصانة. القضية هي أقل مدًى فيما يخص المحتوى الفلسفي وأكثر اعتبارا لمن الطريقة الذاتية التي يرتبط بها الفرد. يحمل القومي عقيدته الخاصة ليس فقط حقيقة لا تناقش، بل معيارا مطلقا يمكن من خلاله الحكم على الحقيقة. لا يقتصر نطاقها على الأمور الأخلاقية أو السياسية، ويمكن الإجابة مقدما على جميع الأسئلة، سواء كانت حقيقة أو قيمة، بالاستناد إلى عقيدة القومي- أو بشكل أدق إلى "النفوذ التنافسي" لـ "وحدة القوة". التي ألزم نفسه بها.
تمتد مخاطر تفكير القومي إلى أبعد من أي خطأ معين، بل تتجاوز الحركات التي تصاب بالقومية. فبمجرد أن تنتشر النزعة القومية إلى نقطة معينة، فإنها ستؤدي إلى تدهور الجودة الإجمالية للمناظرة السياسية، ثم الفكر السياسي- ولأنه لا توجد أي حقيقة أو فكرة لا ترتبط بالطموحات القومية، فهذا يعني في النهاية تدهور جميع الافكار.
وفي ما يرجح أن يكون المقطع الأكثر اكتئابا في يومياته، كتب أورويل:
نغرق جميعا في القذارة. عندما أتحدث إلى أي شخص أو أقرأ كتابات أي شخص لديه مأرب في الأمر، أشعر بأن الأمانة الفكرية والحكم المتوازن قد اختفيا ببساطة من على وجه الأرض. الجميع يفكر شرعيا، كل شخص ببساطة يطرح "قضية" مع قمع متعمد لوجهة نظر خصمه، وما هو أكثر من ذلك، مع عدم الإحساس بأي معاناة باستثناء تلك التي تخصه هو وأصدقائه.. يلاحظ المرء ذلك في حالة الأشخاص الذين لا يتفق معهم، مثل الفاشيين أو المسالمين، ولكن في الواقع الكل متشابهون، على الأقل كل من لديه آراء محددة. الجميع غير صريح، والجميع قاسيون جدا تجاه الناس الذين هم خارج النطاق المباشر لمصالحه وتعاطفه. ما هو الأكثر إثارة للدهشة هو الطريقة التي يمكن بها تشغيل التعاطف أو إطفاؤه- مثل الصنبور- وفقا للنفعية السياسية.. أنا لا أتحدث عن الكذب لأهداف سياسية، ولكن عن التغييرات الفعلية في الشعور الذاتي. لكن ألا يوجد أحد لديه آراء ثابتة وآفاق متوازنة؟ في الواقع هناك الكثير، لكنهم بدون سلطة. فالسلطة الكاملة هي في أيدي المصابين بالبارانويا.
لا يمكن للمناقشة السياسية، في مثل هذا الإطار، أن تشكل محاولة للوصول إلى الحقيقة، أو إلى تحقيق درجة معينة من التفاهم المتبادل، أو إقناع الآخرين برأيك الشخصي، أو حتى مجرد تفسير ذاتك.
إنها بدلاً من ذلك نوع من اللعبة التي يكون فيها كل من الانتصار والرهانات خياليين إلى حد كبير. قام أورويل بتحليل دوافع القومي: "ما يريده هو أن يشعر بأن الوحدة التي ينتمي إليها تتحسن أفضل من الوحدات الأخرى، ويمكنه أن يفعل ذلك بسهولة أكثر عبر التسجيل على الخصم بدل البحث عن الحقائق لمعرفة ما إذا كانت تدعمه أم لا." وبما أن كلا الجانبين، بصورة عامة، متساويين في "عدم الاهتمام بما يحدث في العالم الحقيقي" بالتساوي، فإن نتيجة مثل هذه النزاعات "غير محسومة على الدوام"، و"كل متسابق يعتقد دائماً أنه هو الذي فاز بالنصر".
"يتم اختيار الحقائق أو قمعها من أجل صنع القضية. إذا لزم الأمر، يتم اختراع الحقائق الضرورية ببساطة، أو العكس، محوها".
في مثل هذا النوع من المنافسة، من شبه الحتمي أن تحل الأوهام بديلا للحقائق، وتتفوق المغالطات على الحجج، ويصبح اغتيال الشخصية تكتيكًا مفضلاً لدى جميع الأطراف.  وسرعان ما يستقر ضباب عبارة عن عدم يقين فوق كل حساب، "مما يزيد من صعوبة اكتشاف ما يحدث بالفعل"، ثم "يسهل التمسك بالمعتقدات المجنونة. وبما أنه لم يتم إثبات أو دحض أي شيء على الإطلاق، فإن الحقيقة الواضحة يمكن إنكارها بشكل قاطع" لكن رغم ذلك فسرعان ما ينتقل عدم اليقين الى لامبالاة. يتم اختيار الحقائق أو قمعها من أجل صنع القضية. إذا لزم الأمر، يتم اختراع الحقائق الضرورية ببساطة، أو العكس، محوها.
أكثر ما كان يقلق أورويل هو أن الأفراد -وربما الملايين منهم- قد يفهمون حس النزاهة بالاستعداد للخضوع للعقائد المتغيرة، بدلاً من احترام الحقيقة أو احترام مطالب ضمير المرء نفسه.
وقد يتوقفون بعد ذلك عن إدراك أن أشياء مثل الأدلة المفبركة والتشهير بخصومك هيإافعال خسيسة وغير صادقة. لقد وجد هذه الفكرة "مخيفة" لأنه غالباً ما تعطيني الشعور بأن مفهوم الحقيقة الموضوعية يتلاشى من العالم. في كتابه 1984، يضغط ميله اتجاه إلى استنتاجه المنطقي. أوبراين، عضو الحزب الداخلي، المعلم-الجلاد، يحاضر وينستون سميث المسكين في زنزانته داخل وزارة الحب:
نحن، الحزب، نسيطر على جميع السجلات، ونسيطر على جميع الذكريات.. نحن نتحكم في الماضي.   أنت تعتقد أن الواقع شيء موضوعي، خارجي، موجود في حد ذاته.. لكني أقول لك، وينستون، أن هذا الواقع ليس خارجيًا. الواقع موجود في العقل البشري، وليس في أي مكان آخر. ليس في العقل الفردي، الذي يمكن أن يخطئ،  يهزم قريبا على أي حال؛ فقط في ذهن الحزب، الذي هو جماعي وخالد. أيا كان ما يعتبره الحزب حقيقة فذلك هو الحقيقة. من المستحيل رؤية الواقع إلا من خلال النظر عبر أعين الحزب.
في النهاية، انهزم وينستون. تم اقناعه وتحويله إلى وجهة نظر الحزب. كان قد كتب ذات مرة "الحرية هي الحرية في القول بأن اثنين زائد اثنين هو أربعة". ولكن في النهاية تعلم أنه "في بعض الأحيان النتيجة هي خمسة. وفي بعض الأحيان ثلاثة. وأحيان تكون كل هذه الإجابات في وقت واحد". وولائه للحزب مضمون بـ -أكثر من ذلك، أنه متطابق مع- استسلام حكمه الخاص.
*
وكما هو الحال مع وصفاته لتحسين الكتابة الضعيفة، فإن استراتيجية أورويل لمعالجة مغالطات القومية هي تعليمنا الاعتراف بها، ومن ثم مناشدة حسنا السليم. الخطوة الأولى التي يقترحها تكمن في الاعتراف بنقصنا وعدم صحتنا وتحيزنا. ويكتب:
أما بالنسبة للحب والكراهية لدى القوميين التي تحدثت عنها، فهي جزء من تشكيلة معظمنا، سواء أحببنا ذلك أم لا. أما إذا كان من الممكن التخلص منهم، فأنا لا أعرف، لكنني أعتقد أنه من الممكن أن نكافح ضدهم، وأن هذا هو في جوهره جهد أخلاقي. إن السؤال أولا وقبل كل شيء هو اكتشاف المرء ما هو عليه حقا، وما هي مشاعره حقا، ومن ثم إعطاء بدلات للتحيز الحتمي. .الحوافز العاطفية التي لا مفر منها، والتي ربما تكون ضرورية حتى للعمل السياسي، يجب أن تكون قادرة على التواجد جنبا إلى جنب مع تقبل للواقع.
قد لا يكون المرء قادراً على تجنب التحيز، لكن المرء لا يحتاج إلى تبني التحيز ليكون مبدأ. يمكن للمرء، إذا لم يكن هناك شيء آخر، أن يرفض التنازل عن حكمه الشخصي. وسوف يكون ذلك جزئياً مسألة شخصية: القدرة على التمييز بين ما تريد وماذا تعرف، "قوة مواجهة الحقائق غير السارة"، الرغبة في العيش دون الحاجة إلى الأكاذيب المهدئة. ولعل ما نحتاجه أكثر من أي شيء هو الإيمان المستمر بوجود حقيقة موضوعية مع الحفاظ في الوقت نفسه على تشكيك شديد وشديد يتعلق بجميع المزاعم التي تدعي معرفة كل شيء .
هذا بالطبع هو حل جزئي. قد يساعد على الحفاظ على عقل الفرد سليما وصادقا، لكنه لا يفعل الكثير لتغيير الجو العام. أدرك أورويل بنفس القدر، ولكن في نهاية حياته، إن مسألة الفكر الفردي أصبحت مصدر قلقه المركزي. وفي مواجهة التهديد المستمر للشمولية، وصل أورويل لرؤية النضال من أجل الحرية كما يحدث، ليس فقط بين الطبقات أو الأمم، ولكن أولا وربما الأهم داخل "بضع سنتيمترات مكعبة داخل جمجمتك".
ترجمة: نوال.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

آنا بيرنز تفوز بجائزة مان بوكر الخمسين عن كتابها ميلكمان!

آنا بيرنز تفوز بجائزة مان بوكر الخمسين عن كتابها ميلكمان!


حصلت رواية ميلكمان لآنا بيرنز الليلة، يوم الثلاثاء 16 أكتوبر، على جائزة 2018 Man Booker فئة الرواية. إنها روايتها الطويلة الثالثة وجائزتها الكبرى الأولى.
واعتمدت بيرنز (56 عاما) التي ولدت في بلفاست وتعيش في شرق ساسكس على تجربتها في أيرلندا الشمالية خلال الاضطرابات لكتابة ميلكمان. كما إن روايتها الأولى الشهيرة "لا عظام" حدثت في نفس هذه الفترة. شهدت منافسة من كاتبين بريطانيين، وكاتبين أمريكيين وكاتب كندي.
كوامي أنتوني أبياه، 2018 رئيس لجنة التحكيم، علق:
لم يسبق لأي أحد منا أن قرأ شيئا من هذا القبيل من قبل. يتحدى صوت آنا بيرنز المميز التفكير التقليدي ويتشكل في نثر مفاجئ وغامر. إنها قصة عن الوحشية، الزحف الجنسي والمقاومة مترابطة مع الفكاهة. كل هذا في مجتمع منقسم ضد نفسه، يستكشف ميلكمان الأشكال الخبيثة التي يمكن أن يسببها الاضطهاد في الحياة اليومية.
تقع أحداث ميلكمان في مدينة غير مسمّاة، فالرواية تركز على الأخت الوسطى وهي تبحث عن طريقها وسط الإشاعات والضغوط الاجتماعية والسياسة في مجتمع مغلق ومحكم. تبين بيرنز النتائج الخطيرة والمعقدة التي يمكن أن تحدث لامرأة بالغة في مدينة في حالة حرب.
وصفت التلغراف الرواية بأنها "مضحكة بوحشية"، وأثنت على بيرنز لقدرتها على "رسم مشهد اجتماعي ملون". في هذه الأثناء، كتبت صحيفة "آيريش تايمز" أن بيرنز ابتكرت رواية " مثيرة للإعجاب ومليئة بالكلام، الذي كثيراً ما يكون مضحكاً، الكتاب يؤكد أن آنا بيرنز واحدة من نجومنا الأدبية الصاعدة".
في الكتاب، تمتلك الشخصيات تسميات بدلاً من أسماء. عندما تم إجراء مقابلة مع الكاتبة لفائدة موقع Man Booker Prize، قالت بيرنز: "لم تصلح الأسماء في هذا الكتاب. لقد فقدت القوة وأفسدت الجو وحولته إلى كتاب أصغر أو ربما مختلف. في الأيام الأولى، جربت الأسماء عدة مرات، لكن الكتاب لم ينجح بها. كانت القصة تصبح ثقيلة ومنعدمة الحياة وترفض الحركة حتى أزالتها مرة أخرى. في بعض الأحيان، كان الكتاب بنفسه يحاول التخلص منها".
تم نشر ميلكمان بواسطة Faber & Faber، مما يجعلها السنة الرابعة على التوالي التي يفوز فيها ناشر مستقل بهذة الجائزة. حصل فابر وفابر على ثاني أكبر عدد من العناوين الفائزة بصفته ناشرا، تتضمن ستة فائزين بما في ذلك:
Something to Answer For (1969), Rites of Passage (1980), Oscar and Lucinda (1988), The Remains of the Day (1989), True History of the Kelly Gang (2001), Vernon God Little (2003).
يعلق لوك إليس، الرئيس التنفيذي لمجموعة مان:
"نود أنا وزملائي في مان جروب أن نهنئ آنا بيرنز، وكذلك كل من المؤلفين المختارين والمرشحين في اللائحة النهائية". وقد استكشفت الروايات الست المرشحة هذا العام تجارب وموضوعات متنوعة وواسعة النطاق، وتتشارك جميعها في استخدامها اللامع للّغة القوية والإبداع. يشرفنا أن ندعم جائزة مان بوكر للسنة السادسة عشرة، حيث تستمر في عامها الخمسين لدعم التميز الأدبي وقوة الرواية على نطاق عالمي.
وإلى جانب كوامي أنتوني أبياه في لجنة التحكيم لعام 2018 نجد كل من كاتب الجريمة، فال ماكديرميد؛ والناقد الثقافي ليو روبسون. والكاتبة والناقدة النسوية جاكلين روز. والفنانة والروائية المصورة Leanne Shapton. ونظر الحكام في 171 مشاركة لجائزة هذا العام.
تم الإعلان عن فوز آنا بيرنز عن طريق كوامي أنتوني أبياه في حفل عشاء قاعة غيلد في لندن. وقد قُدمت لها جائزة من صاحبة السمو الملكي دوقة كورنوول وشيك بقيمة 50000 جنيه إسترليني من قبل لوك إليس، الرئيس التنفيذي لمجموعة مان. كما تلقت بيرنز طبعة مصممة من كتابها بالإضافة إلى 2500 جنيه إسترليني أخرى لكونها ضمن القائمة النهائية. سيتم عرض غلاف الكتاب للجمهور، إلى جانب القائمة الترشيح النهائية، لمدة أسبوعين في Bonhams Auction House.
تصدر Royal Mail رسالة تهنئة الكترونية تتضمن اسم الفائز، والتي سيتم تطبيقها على ملايين العناصر بالبريد المختوم على مستوى البلاد لمدة ستة أيام بدءًا من 17 أكتوبر. سوف تقرأ "تهانينا لآنا بيرنز، الحائزة على جائزة بوكر مان لعام 2018".
يمكن للمؤلف عند الفوز بجائزة Man Booker، أن يتوقع اعترافًا دوليًا، بالإضافة إلى زيادة هائلة في مبيعات الكتب. في الأسبوع التالي لإعلان الفائز عام 2017، ارتفعت مبيعات لينكولن آن دا باردو لصاحبها جورج سوندرز بنسبة 1227٪. كانت "بلومزبري" حتى الآن، قد بيع منها ما لا يقل قليلاً عن مليون نسخة على مستوى العالم عبر جميع الأشكال، 70٪ من تلك المبيعات تأتي بعد الفوز.
****

مراجعة ميلكمان - إبداع مخيف وسط رواية أصلية ومضحكة.
اليوم الذي وضع فيه شخص ما مسدسا في اتجاه صدري ودعاني بلقب القطة وهددني بإطلاق النار علي كان هو نفس اليوم الذي مات فيه ميلكمان"، هكذا تبدأ هذه الرواية الغريبة والمثيرة التي تعالج صراع أيرلندا الشمالية من منظور فتاة تبلغ 18 سنة لا مصلحة لها في المشاكل. دوما ما تبقي رأسها منخفضا، حرفيا، من خلال دفنه في كتاب وهي تمشي. "هذا سيكون كتابًا يعود إلى القرن التاسع عشر لأنني لم أحب القرن العشرين". وبقولها ذلك، ميزت نفسها بأنها "أبعد من كل الحدود" وجذب الاهتمام الجنسي غير المرغوب فيه من شخصية شبه عسكرية بارزة، وهو ميلكمان، الذي اعتبرها إحدى ممتلكاته. وسرعان ما أصبح من المعروف أن لديها علاقة مع هذا الرجل المتزوج والأكبر سنا. "لكنني لم أكن على علاقة مع ميلكمان. لم يكن يعجبني بل كنت خائفة ومرتبكة بسبب سعيه ورائي ومحاولته لإقامة علاقة غرامية معي".
بسبب طبقة الرجل وسلطته داخل هذا المجتمع المحاصر، فيجب على روايتنا أن تتحمل وجوده. "بعد أن نشأت في مجتمع يسهل استفزازه حيث كانت القواعد الأساسية- إذا لم يتم وضع لمسة عنيفة جسديا عليك، ولم تتم توجيه أي إهانات لفظية صريحة إليك، ولا مظاهر تعذيب في المناطق المجاورة، إذا لم يحدث أي شيء من هذا، فكيف يمكن أن تتعرض للهجوم من قبل شيء لم يكن هناك؟
كونه شخصية في الرواية، يعتبر ميلكمان اختراع مخيف/غريب للغاية. "لم أكن أعرف من كان يخص هذا الميلكمان. لم يكن ميلكمان الخاص بنا. لا أعتقد أنه كان يخص أي شخص. "لكنه كان في كل مكان. هناك مجموعة من الرجال الصامتين يتحركون في محيطه. لقد أوضح أنه سيقتل حبيب الراوية إذا استمرت في رؤيته. يعمل على كسرها إلى أن ينجح". "لقد تم إحباطي في العدم الذي بني بعناية من قبل هذا الرجل. أيضا من قبل المجتمع، من خلال الجو العقلي، تلك التفاصيل الدقيقة للاجتياح".
آنا بيرنز، التي كانت ضمن القائمة النهائية لجائزة أورانج في عام 2002 مع رواية "لا عظام"، والتي صوّرت المتاعب أيضًا، ممتازة في استحضار النظام البيئي الغريب الذي يظهر أثناء الصراع المطول- "هذا الجو النفسي-السياسي، مع قواعده للولاء، والانتماء القبلي". كانت هناك "الزبدة الصحيحة". الزبدة الخاطئة شاي الولاء. شاي الخيانة. كانت هناك "متاجرنا" و"متاجرهم". كان عدم الثقة في قوات الدولة كليا: "المرة الوحيدة التي تتصل فيها بالشرطة في منطقتي هي إذا كنت ستطلق النار عليهم".
ومع ذلك، لا يظهر عنف الدولة أو شبه العسكر. أهداف بيرنز هي قوى خبيثة أكثر: ظلم القبلية، الاتّباعية، الدين، النظام الأبوي، العيش مع انعدام الثقة الواسع والخوف الدائم. تحمل مرآة الى "الشرطة المشتركة" التي تحدث بين "مجتمع بأكمله، أمة بأكملها، أو ربما مجرد دويلة مغمورة على المدى الطويل على الطائرات المادية والحيوية في الطاقات العقلية المظلمة. المشروطة أيضا. كما أنه من خلال سنوات من المعاناة الشخصية والمجتمعية، والتاريخ الشخصي والجماعي، تكون مغمورة بالثقل والحزن والخوف والغضب".
يذكرنا "ميلكمان" بالعديد من الأعمال الإبداعية من الأدب الأيرلندي. في صوتها الساخر المجنون والمتناقص، يشبه الرواية التي استشهد بها الراوي: تريسترام شاندي لبيكيت وهذا يظهر في قدرته على تتبع المنطقي داخل العبث. في استدعائه لمجتمع يتكيف للبقاء ضمن "استبداد محاصر"، ويذكر بعمل قام به كاتب شمال إيرلندي آخر، والذي كان سيدينه جيران الراوية بإنه من "الدين الخطأ": ديريك ماهون، الذي يجب على الجميع قراءة قصيدته المدهشة "A disused shed in co wexford".
لكن بالنسبة لجميع المقارنات، فميلكمان يمتلك طاقته الخاصة وصوته الخاص. على الرغم من أن الرواية تم وضعها في أيرلندا الشمالية خلال سبعينيات القرن العشرين، إلا أنها تطرح أفكار أنظمة أخرى وتأثيرها: روسيا الستالينية، طالبان. مطاردة الساحرات في العصور الوسطى، وتسمم سكريبال وحركة #MeToo أيضا تخطر في الذهن أثناء قراءته. على الرغم من السيريالية، فإن كل شيء عن هذه الرواية يبدو صحيحًا. وتبدو إرادة المجتمع في البداية مهيمنة ولا تقهر، لكن زميل الراوية "خارج الحدود"، على الرغم من اختلافه، هو منارة أمل.
وهناك الزوجان العالميان اللذين تحملا الكثير لتحقيق شهرة عالمية بصفتهم راقصي باليه في قاعة الرقص، مما ألهم الأطفال المحليين للاقتداء بهم. هناك "قضية المرأة"، وهي جماعة نسوية ناشئة. هناك "ميلكمان حقيقي"- وهو بائع حليب حقيقي لا يقف وراء وجود أسلحة مدفونة في حديقته، ولا الرضفات والمحاكم الصورية، ومن ثم يجعل نفسه منبوذاً.
ما يبدأ دراسةً حول كيف تسير الأمور بشكل خاطئ ينتهي به المطاف دراسةً في كيفية سير الأمور بشكل صحيح، والبراعم الخضراء ليست من عمل المجموعات شبه العسكرية. تعرقل راوية ميلكمان الوضع الراهن ليس من خلال كونها سياسية أو بطولية أو معارضة عنيفة، بل لأنها أصلية ومضحكة ومتهورة وفريدة: مختلفة. ويمكن قول الشيء نفسه عن هذا الكتاب.
ترجمة: نوال.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.



اللاهوت في تمويه المرض العقلي في "الصخب والعنف".

اللاهوت في تمويه المرض العقلي في "الصخب والعنف".

إن شخصية بنجي كومبسون في رواية ويليام فوكنر التي ترجع إلى عام 1929 المُعنونة "الصخب والعنف" هي شخصية أسطورية وشبيهة بالمسيح مع نبوءة إلهية أكثر من كونه الطفل المتخلف كما تنظر إليه الشخصيات الأخرى في الرواية. لكي ترى العالم من خلال عيون بنجي، يجب أن تكون جزءًا من نادٍ حصري للغاية يضم عضويتين: التوحّد والتصاحب الحسي. التوحد هو اضطراب في النمو غالبا ما يتميز بانحطاط في تكوين العلاقات الاجتماعية العادية وإعاقة في القدرة على التواصل مع الآخرين. التصاحب الحسي هو أيضًا اضطراب، ناجم عن سمة عصبية نفسية إذ يؤدي تحفيز أحد الحواس إلى اشتغالٍ تلقائي لآخر. على سبيل المثال: القدرة على تذوق الأرقام أو الشعور بالألوان. يستخدم فوكنر بنيجي كومبسون، وهو شخصية تعيش خارج المباني التي صنعها الإنسان مثل الزمن والعرق والأخلاق من أجل إظهار أن هذه التركيبات هي فقط: نظريات من صنع الإنسان ليس لها أي تأثير في الأحداث الطبيعية للعالم وحركاته اليومية. من خلال وصف بينجي على إنه شخص يصارع الأمراض العقلية مثل التوحد و التصاحب الحسي وعده "أحمقَ" حسب تعريفنا له باستخدام معاييرنا التي هي من صنع الإنسان. لكن ما يُطلق عليه بينجي من الأمراض هو في الواقع هدايا إلهية تجعله ينظر إلى العالم من خلال عين مستنيرة.
يُثبت سرد بينجي الكيفية التي يواجه بها شخص مصاب بالتوحد العالم، وبالأخص عن طريق الصوت. في المقطع التالي، يعرض علامتين لسلوك التوحد: "لكنني لم أتوقف وأمسكتني أمي بين ذراعيها وشرعت بالبكاء فبكيت أنا أيضا. ثم جاءت الوسادة/ قادتني إلى النار وبحثت في الأشكال الساطعة والناعمة. استطعت سماع النار والسقف. أخذني أبي ورائحته كرائحة المطر (64)". الأول هو إنه عندما تواجه أصواتا صاخبة، مثل أمه وهي تبكي، فإن استجابته الفورية هي أن يصاب بالضيق. والثاني هو تأثير الحواس فيه. وإلى جانب شقيقته كادي، فإن الحواس هي الشيء الوحيد الذي يريحه. اليوم، عندما ينزعج مرضى التوحد، كما هو معروف يقوم الناس الذين يهتمون بهم باعطائهم "بطانية أمنية": كائن حسي خاص بهم لديه القدرة على تهدئتهم. لكن أكثر أعراض التوحد التي يقدمها بينجي هي الأصوات التي يصنعها. يشتكي، ينفخ، ويبكي عندما يكون مستاءً أو يحتاج أو يريد شيئا. جميع علامات مريض التوحد غير اللفظي محاولا التواصل مع العالم.
بالإضافة إلى عرض أعراض التوحد، يظهر بينجي أعراض التصاحب الحسي. تعتمد تجربة حياته بالكامل على الروائح والأشكال والأصوات. في أطروحة تخرجها "صوت لا يوصف في رواية فوكنر الصخب والعنف"، تكتب لين رامسي إن "الصوت السائد لبينجي يثبت علاقة متزامنة مع عالمه، إذ يصنعه فوكنر شاعرا ميتافيزيقيا ينظر إلى العالم من خلال زهور الشباك. يأمر عالمه المشرق من خلال حواسه". ينظر إليه لين بأنه شاعر ميتافيزيقي بسبب الاختلافات نفسها التي تجعل الشخصيات الأخرى تصفه بالأحمق في الكتاب.
يستخدم فوكنر بينجي من أجل إظهار كيف يمكن لشخص ما أن يختبر العالم من خلال عدسة جميلة وفريدة من نوعها، وعدسة نابضة بالحياة وصاخبة بالألوان والأصوات، ولكن أصواتهم لا تزال مقلقة بسبب الخوف من أن المجتمع لديه أي شيء آخر. كان لدى بينجي الكثير ليقوله ويساهم به. لم يكن في حالة من الركود. حاول باستمرار التواصل مع الآخرين طوال فترة الرواية: عندما كان يئن، يبكي، وخاصة عندما حاول دفع شقيقته كادي الى الحمام ليجعلها تستحم بعد أن شعر بقذارتها. ولكن نظرًا لاعتقاد الناس الراسخ بأنهم أفضل من أي تصرف  لدى بينجي، والتي هي في الواقع نواقيس، يتجاهلونها. لم يرغب أحد في سماعه، وأولئك الذين سمعوه تمنوا ألا يكونوا مضطرين للاعتراف به، متمنين أن يكون بينجي "طبيعيا". وبعبارة أخرى، أرادوا أن يكون بينجي مثلهم تماما حتى لا يُجبروا على مواجهة نقائصهم الخاصة أو حقيقة أن طريقتهم في تجربة الحياة ليست هي الطريقة الوحيدة. ذكرهم بنجي بقوة شديدة بإنسانيتهم. نتيجة لعدم قدرتها على الاستماع إلى بينجي، كان سقوط عائلة كومبسون أمرًا لا مفر منه.
بسبب وجود حساسية أعمق (من الناس العاديين) للنظام والفوضى، يمكن لبنجى الشعور على الفور بوجود أي شيء خاطئ أو في غير مكانه، وخاصة فيما يتعلق بعائلته. لقد شعر بالاختلاط غير الشرعي لشقيقته وفقدانها عذريتها بمجرد حدوثه، وشعر بانتحار شقيقه كوينتين، رغم إنه وقع على بعد آلاف الأميال في جامعة هارفارد.
من خلال مرضه (التصاحب الحسي) كان بينجي مرتبطًا بمستوى من الذكاء الإلهي مكنه من كسر بنيان الزمان والمكان، حتى إنه عانى من موت أخيه إلى جانبه. في قراءة فوكنر: الصوت والغضب، الذي كتبه ستيفان م. روس ونويل بولك، علّق المؤلفان على الكيفية التي لاحظت بها إحدى الشخصيات هذه الظاهرة، عندما ذكروا أن روسكوس، الموظف العائلي، يلاحظ أن بنجي يمكنه أن يشم رائحة الموت    (24). علاوة على ذلك، من المهم أن نلاحظ أن بنجي يدرك حقيقة أن ما يشمّه هو الموت. وهو يعرف بالضبط ما يحدث عندما يواجه وفاة جدته دامودي، كما ثبت في هذا المقطع: "بينجي علم ذلك عندما ماتت دامودي. بكى. إنه يشم رائحة الضربة "(90). من خلال كتابة "ضرب" بدلا من "ذلك او الضمير ـه"، يشير فوكنر إلى أن رائحة الموت قوية ومؤلمة إلى حد كبير، وأن بنجي شعر وكأنه يعاني من ضربة.
لسوء الحظ، تألفت حياة بنجي من ضربات مؤلمة الواحدة تلو الأخرى، إذ كان يعيش في زمن كانت فيه العنصرية تجاه المعاقين منتشرة، وهي التمييز ضد المعاقين لصالح الأشخاص القادرين على العمل. إنها تجعلنا نتجاهل أولئك الذين يمكن أن يساهموا في المجتمع. في مقالته، "بناء الحياة الطبيعية: منحنى الجرس، الرواية، واختراع الجسم المعاق في القرن التاسع عشر"، كتب لينارد ج. ديفيس إن الإعاقة مثل الحالة الطبيعية هي بنية اجتماعية. إن "المشكلة" ليست هي الشخص ذي الإعاقة؛ "المشكلة هي الطريقة التي تبنى بها الحياة الطبيعية لخلق" مشكلة "الشخص المعاق". وبعبارة أخرى، فإن أفعالنا السابقة والتمييز هي المشكلة. المرض يكمن في المجتمع. وُصِف "بنجي" على أنه "مريض عقلي" هو مثال على استخدام البنى الاجتماعية من أجل تبرير إدامة ما نسميه "الحياة الطبيعية". فهو ليس في الواقع مريضًا أو أحمقَ، إنه يختبر العالم فقط في طريقة غير تقليدية.
من أجل فهم أهمية وجود بنجي في الرواية، لا يمكن للقارئ أن ينظر إليه على إنه "أحمق"، وبدلا من ذلك يجب عليه أن ينظر إلى التوحد والتصاحب الحسي  كهدايا إلهية، مما يسمح له برؤية سقوط عائلة كومبسون عندما لا يستطيع ذلك شخص آخر. في أطروحته "إن اللعنة لوني: إلقاء الضوء على بنجي وروايته مع الأشياء والتوحد"، يجادل إيفان تشالوبكا بأن "نظرا إلى خصائص بنجي الفريدة، وهوسه الكائن، وعلاقاته الاجتماعية، ولغته المحدودة، "الشخص المصاب بالتوحد" هو تصنيف دقيق لتطبيقه على بنجي". ويذهب شالوبكا ليقول إن مصطلح "أحمق"، من خلال استخدامه، يوجه الانتباه إلى مشاكل نص بنجي، في حين أن مصطلح "شخص مصاب بالتوحد" يعيد توجيه انتباه القارئ إلى السمات المثيرة للفضول: "صوره للعلاقات الأسرية إما أنها تتغذى بحرارة وإما تُهمل بحرارة؛ ذاكرته النقابية السريعة التي تشير إلى لحظات مؤثرة في تاريخ آل كومبسون". بالنسبة لجميع النوايا والأغراض، فإن ذاكرة بنجي هي أرشيف تاريخ عائلة كومبسون، وهو أرشيف لن يفتح أبدا حتى يصبح المجتمع جاهزا لمحاولة فهم بنجي، بدلا من الاستهزاء به.
في جميع أنحاء الكتاب، تزدري جميع الشخصيات بنجي لكونه طفلا. في عيد ميلاده الثالث والثلاثين، أشارت إليه والدته كطفل رضيع: "هل ستخرج هذا الطفل من دون حذائه". "هل تريد أن تجعله مريضا، مع بيت كامل لإشراكهم؟" (8). لكن مفهوم ربط الأطفال بالعجز والاعتماد هو مجرد بناء اجتماعي آخر يمثله بنجي. مثل طفل، فهو قادر على رؤية السحر والجمال بطريقة تختفي عند معظم الناس عندما يكبرون وتغمرهم البنى الاجتماعية للحياة اليومية، إنهم مجبرون على الانحناء وألا يخاطروا بالخسارة، يبنون أنفسهم لآلة المجتمع. يجب أن نعيش في مجتمع يتوقع منا أن نتحمل من أجل الحفاظ على مصلحة طبقة معينة من الناس. الذين يعتبرون أنفسهم "عاديين" ويريدون الحفاظ على الطريقة "الصحيحة" للتصرف في العالم ومعايشه.
ولكن في الواقع، فإن الصفات ذاتها التي يسخرها الناس، تسمح لبنجي بالإدراك بأن تجعله نبيًّا يشبه كاساندرا، وكذلك شخصية شبيهة بالمسيح. في الأساطير الإغريقية القديمة، وقع أبولو، إله الشمس، في حب كاساندرا ومنحها هدية النبوة الإلهية. لكن عندما رفضت كاساندرا الإله وميزاته، وضع عليها لعنة، حتى لا يصدق أحد كلماتها أو تنبؤاتها. أعطى لها هدية من شأنها أن تجلب معها الإحباط واليأس. عندما تنبأت بتدمير طروادة عبر حصان، حذرت من ذلك، لكن لا أحد صدقها.
وعلى غرار كاساندرا، فإن الهدايا التي تمكن بنجي من الاستيلاء على قوة أعلى هي ما جعله ينقطع عن توصيل معرفته الإلهية بالعالم الخارجي. في كتابهم قراءة فوكن، يثبت ويسلي وباربرا موريس الأهمية التي وضعها فوكنر على أسطورة كاساندرا في كتاباته، مكتوبًا أن "في أبشالوم! أبشالوم! رواية أخرى له، يقول فوكنر "إن السيد كومبسون يقول إنه تم تسميتها [كليتمنسترا] خطأً، كان يجب أن يطلق عليها كاساندرا" بسبب حقيقة أنها حضور صامت فعليًا، وبدون أي صوت يكشف عن عيب قاتل في تصميم سلالة سوتبين". وبالمثل، كان بنجي هو الشخص الوحيد الذي يعرف تمامًا سقوط عائلة كومبسون. ولكن بسبب خوف المجتمع ونفوره من شيء "آخر"، بغض النظر عن عدد المرات التي قام بنجي بالشكوى ورفع صوته، كان ملعونًا دائمًا ليكون مراقبًا للفوضى والمآسي.
على الرغم من طبيعته البريئة، يجبر بنجي على تحمل الإساءة على يد مجتمع يكرهه لكونه مختلفًا، مما يجعله قابلاً للمقارنة مع المسيح. في رسالته "دراسة استخدام ويليام فوكنر للرمزية الإنجيلية في ثلاث روايات مبكرة: الصخب والعنف، في حين أضع الموت والضوء في أغسطس"، كتب ريتشارد ويست إن "فوكنر يبدو أنه يدرك بوضوح أن جمهوره سوف يتعرف على بعض أوجه التشابه بين بنجي، الابن الغبي في الصخب والعنف (1929)، والمسيح "(شمال 12). تتضمن الأمثلة النصية لأوجه التشابه هذه بين بنجي والمسيح حقيقة أن بنجي يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا في بداية الرواية (نفس عمر المسيح عندما مات)، ويحدث وقت قسمه في اليوم السابق عيد الفصح الأحد، وحقيقة أنه يتحمل الإساءة على الرغم من طبيعته البريئة. محاور آخر يدعم مفهوم بنجي باعتباره يسوعا للعصر الحديث هي Evelyn Scott. في تعليقها في أكتوبر 1929 على الصخب والعنف وجد في كتاب ويليام فوكنر: التراث الحرج الذي كتبه جون باسيت ، كتبت سكوت:
بنجي رهيب، وأحيانا مرعب. إنه يرمز إلى المسيح، ولكن ليس كذلك أيضا. بنجي ليس قديسا مع غرور مجروح يمكن لإيمائته الخاصة أن تعزيه. إنه ليس أي شيء. هو على قيد الحياة. يمكن أن يعاني. إن بساطة معاناته، غيابه، غياب أي تعويض عن الدراما، تجعله عاريا من الإطراء الذاتي كما كان الرجل الأول.
بنجي ليس له اسم، لأنه جعل البشرية عارية. الإنسانية بدون زوائدها.
يستخدم فوكنر بنجي ليكون اختبارا حاسما من أجل اختبار حموضة المجتمع. الشخصيات المُحيطة ببنجي تتفاعل معه، وتعامله، وتنظر إليه، وتحكم عليه بطرق مختلفة. تمثل تصرفات هذه الشخصيات الحالة التي كان المجتمع الأمريكي فيها، ولكن أكثر من كونها تمثل الدولة التي كانت عليها الإنسانية. كيف نتعامل مع شخص مختلف عنا؟ لماذا نعاملهم بشكل مختلف؟ في ذلك الوقت، إذا أظهرتم أي علامة على "الاختلاف"، "فسيرسلون جنوبًا" إلى ملجأ. في النهاية، يعذِّب بريق ما بِنجي من خلال الذهاب بعكس عقارب الساعة في العربة بدلا من عقارب الساعة، مما يزعج شعور بنجي الروتيني. يبدأ بنجي بالظهور يائسا، مما يتسبب في أن شقيقه القاسي جاسون،  يركض ويصرخ في وجهه. بالنسبة لبنجي، إنسان إلهي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأصوات، فإن الصراخ أمامه هو بمثابة الصراخ في آذان الجرو. سيكون مؤلما وضارا للغاية. هذا الفعل الأخير من الكراهية والقسوة لجيسون هو طريقة فوكنر لوضع بنجي في نور يشبه المسيح. بنجي يدفع ثمن خطايا عائلته والإنسانية ككل.
إن الصخب والعنف هي صورة مصغرة لمجتمع أواخر عشرينيات القرن الماضي وموقفه تجاه أي شيء لا يتناسب مع قالب الوضع الراهن. من خلال محاولة استنباط أي شيء لا يتناسب مع البنى الاجتماعية، كان المجتمع يتخلص أيضًا من الفوائد المحتملة ومصادر المعرفة التي لا يمكن لمعظم الناس الوصول إليها. يُجبر القارئ على إعادة النظر في عدسة تلك الفترة الزمنية، ولكن أيضًا لإعادة فحص العدسات الخاصة به، بغض النظر عن العقد الذي يقرأ فيه الرواية. في أطروحتها "الحاسة السادسة: الحس الفكري والمنظور". يكتب تايلور راي بندي ما يلي:
يوظف فوكنر التصاحب الحسي بطرق استفزازية ومثمرة بما يكفي لجذب القارئ نحو فحص فلسفي أكبر للحدود والبنية، والطبيعة الظالمة للهياكل الاجتماعية الموضوعية المفترضة التي نعتقد أنها تحدد وتشرح الإنسانية.
كان فوكنر يحتاج إلى بنجي لكي يخبر العالم أن التركيبات البشرية التي نثابر عليها في الاشتراك يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل ليست سوى نسج خيالية من خيالنا. لكن بالنسبة للناس الخارقين، أولئك الذين ينغمسون أكثر في قوة دماغهم ثم يعملون على مستوى أقرب إلى الإلهة ، هذه البنيات لا معنى لها. ليس لديها معنى عندهم، مثلما ليس لديها معنى عند الاطفال. يحكي الأطفال وبنجي بعض الوقت بجمال السماء، في حين أننا جميعًا متروكون لأجهزة الساعات الموقوتة.
ترجمة: محمد جواد. 
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان. 


هكذا رسم بورخيس نفسه بعد أن أصبح أعمى - إيملي تمبل.


ترجمة: مؤمن الوزان.



عرف خورخي لويس بورخيس دائما بأنه سيصبح أعمى فقد كان داءً وراثيا في عائلته: أصيب والده، وجدته لأبيه، وجد جده كلهم بالعمى قبله وماتوا. كما كتب في محاضرته سنة 1977 عن موضوع "أعمى، وضحوك، وشجاع، هكذا آمل أن أموت" والأمر له كما أشار ليس "دراما خاصة" حيث الدرامي يحدث فجأة لأولئك الأشخاص الذي يفقدون بصرهم، أما في حالتي كان حلول الظلام بطيئا، وببطء خسرت بصري، بدأ حين بدأت النظر. لقد استمررتُ في حياتي  منذ 1899 (سنة ولادته) بدون أي أحداث درامية مهمة، ثم امتدَّ الظلام لأكثر من نصف قرن. وفي  1955، جاءت اللحظة المثيرة للشفقة، حين عرفتُ بأني فقدت بصري، بصري قارئا وبصري كاتبا. 

أطلق بورخيس على عماه "طفيف" لأنه كان عمًى كليًا في عين وجزئيًا في الأخرى. "بقي بإمكانه رؤية الأزرق، الأخضر، والأصفر، لكن لا الأحمر ولا الأسود. نعم، الأسود.  كان شكسبير مخطئا" يوضح بورخيس حين كتب "النظر إلى الظلام الذي يستطيع الأعمى رؤيته".

"اللون الوحيد الذي لا يستطيع الأعمى رؤيته -في الأقل هذا الرجل الأعمى- هو الأسود؛ والآخر  الأحمر. الأحمر والأسود هما اللونان اللذان يُنكراننا. أنا الذي اعتدت النوم في الظلام الدامس، وأتضايق مدة طويلة من النوم في هذا العالم من الغشاء، غشاء مزرق أو مخضر، إضاءة غامضة، هذا هو عالم المكفوف. أردت أن أستلقي في الظلام. إن عالم المكفوف ليس الليل الذي يتصوره الناس". 

تضمنت هذه المحاضرة عن العمى أطرف المزح المقتبسة، إذ يقول: "لقد تخيلت الفردوس دائما كإحدى المكتبات".عادة ما يُستشهد بهذا الاقتباس دون أخذه جزءا من نص كامل: يقول بورخيس إنه كتبه سخرية من تعيينه مدير المكتبة الوطنية الأرجنتينية سنة 1955 عندما فقد بصر عينه بصورة نهائية، وأصبح بهذا غير قادر على القراءة مطلقا، وبالرغم من هذا فإنه استمر في الكتابة.

ويكتب بورخيس "كنت هناك، في سيري بين تسعين ألف كتاب بلغات مختلفة، أجد نفسي بالكاد أستطيع قراءة عنوان الصفحات والكتب. كان هذا بعد عشرين عاما على تعيينه. وبعد اقترابه النهائي ليكون شبه أعمى، رسم بورخيس صورة لنفسه لبورت بريتون* في قبو متجر ستراند* في مدينة نيويورك. في سبعينيات القرن الماضي، جمع بريتون قرابة 500 لوحة شخصية لنجوم أدبية لامعة، أصرَّ في البداية أن الأمر كان لـ"هوسه الخاص" لكنه جمعها في كتاب: كتاب اللوحات الشخصية لأناس رسموا أنفسهم". ووفقا لبريتون، فإن بورخيس رسم صورته الشخصية: باستخدام أصبع واحدة دالا بها القلم الذي أمسكه بيده الأخرى" وأخبر بريتون النيويورك تايمز: اللوحة مثالية، وكان مترجمه يرافقه في كل مكان، وأهم ما أتذكره، أنه كان ينصت إلى الغرفة، وأكوام الورق والكتب وأخبرني: "تمتلك الكثير من الكتب مثل التي نملكها في مكتبتنا الوطنية".  

يمكن رؤية اللوحة التي رسمها بورخيس عادة بهذا الشكل الصورة 1.


لكن في عام 1976 وفي المقتطفات التي نشرتها الباريس ريفيو من كتاب بريتون كانت اللوحة تبدو هكذا الصورة 2.



 ويبدو أن بورخيس قلبَ الصفحة مرة واحدة في الأقل أثناء الرسم، ويبدو أن ما كتب في أسفل اللوحة هي عبارة Tanglewood، لكني لا أرى أن هذا صحيح. 

لم يكن بورخيس -ويجب أن يقال هذا- متأسفا لإصابته بالعمى. وكتب "الكاتب أو أي شخص آخر، يجب عليه أن يؤمن بأن كل ما يحدث له فهو عبارة عن سبب، من أجل الوصول إلى نهاية مُقدّرة. وهذا أقوى وأهم أمر في حياة الفنان، يقع كل شيء بما تتضمنه إهانات، إحراجات، حظ سيئ، كل ما يحصل له مثل الصلصال وأدوات فن ما. وعليه تقبل هذا.  إذا كان رجلٌ أعمى يفكر بهذه الطريقة، فقد نجى. العمى هِبة. ولقد استنفدتُ هذه الهبة التي مُنحت لي. فقد منحتني معرفة أنجلو- سكسونية ومعرفة إسكندنافية، والمعرفة الأدبية للعصور الوسطى لم أعرفها من قبل، ومكنتني من كتابة أنواع مختلفة من الكتب، جيدة أو سيئة، لكن الشيء المُرضي هي اللحظة التي كُتبت بها. علاوة على هذا، جعلني العمى أشعر بأني محاط بعطف الآخرين. يعامل الناس الأعمى بشكل حسن دائما". 

وننهي المقال بقصيدة كتبها بورخيس عن عماه، معنونة بـ (أتخيل) وهو ذات العنوان لسونتانة الشاعر جون ميلتون*: 

 

في نهاية مطاف السنين شئتُ أم أبيت

يُحيطُ  ضباب مضيء بي، لا يتغير-

يحطم الأشياء ويُصيَّرها شيئا واحدا

عديم اللون والشكل أمام ناظري

في الليل الطويل والنهار

يزدحم الناس ويصبحون ضبابًا دائمًا

يومض ضوء ليس له دلالة 

وأستلقي منتظرا الفجر،

 تائقا لرؤيته مرة واحدة كوجه إنسان لا أعرفه 

الموسوعة الكبيرة والمسرحية الممتعة ذات المجلدات

لا يمكنني الانتظار أكثر 

يتصاعد تغريد الطيور الصغيرة وأقمار الذهب

بعض يملكون العالم، نحو الأفضل أو الأسوأ

وأنا أملك نصف الظلام، وعناء الشعر

 

*أصيب ميلتون بالعمى في آخر حياته.

 

 





ثلاثية نجيب محفوظ - مؤمن الوزان.


لم أكُ قد قرأت مسبقا لنجيب محفوظ، قررت القراءة له، فابتدأت بثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية). وكان مستهل رواية بين القصرين يسرد فيه حال السيدة أمينة في بيت الزوجية، وكيف كانت تخاف الوحدة والعفاريت، وما يصيبها من جزع ورعب إذا غادر زوجها السيد أحمد عبد الجواد البيت. لو طُلب من أي أحد أن يصف حالها ربما لأجازه في جمل معدودة، وهنا اكتشفت أمر نجيب حين استمررت بالقراءة، ولأقف على قدرة سردية كبيرة، ونفس طويل، يُمكّنه من سرد الحالة ويصفها بكل تفاصيلها المهمة دون أن يجعل القارئ يُصاب بالملل، أو يناله شيء من التراخي في القراءة أو عدم الانتباه بل يشده بسرده المتمكن والرصين واللغة الجزلة قبل أن يشرع بحبك قصته وسردها، منذ البداية فقط عرفت أني قد فوتُّ على نفسي روائيا عظيما لفترة ليست بالقصيرة. أكثر ما يشدني في أي عمل أدبي أقرأه: القدرة السردية للكاتب ولغته؛ فوجدت مبتغاي في نجيب.
نجيب محفوظ لا يحتاج لتعريف وما كتب عنه من دراسات وبحوث ومقالات لا تعد ولا تحصى وما تُرجم له إلى اللغات الأجنبية جعلت من اسمه في مصاف القامات الأدبية العالمية الكبيرة التي يشهد لهم الجميع بالابداع والتميّز وما قدموه وأثروا به المكتبة الإنسانية من أدب غزير؛ جاعلا إياهم في مستو لا ينافسه عليه منافس ومن فعلها فإنه حاجز لنفسه مقعدا بجانبهم لا محالة.
ما الذي يميز هذه الثلاثية، أشهر ثلاثية عربية ومن أشهر الثلاثيات الأدبية على الأطلاق، ولست هنا في مقامة القراءة لهذه الرواية أو الاستعراض لأحداثها، بل ذاكرا ما نالني من شذرات عبقريتها، ونفحني من شذى عطرها الأدبي. الثلاثية تدور أحداثها بصورة رئيسية في عائلة السيد أحمد عبد الجواد وزوجته أمينة، وأبنائه: ياسين وفهمي وكمال، وابنتيه: خديجة وعائشة. تكثر الشخصيات شيئا فشيئا، في داخل الأسرة من خلال الزيجات، أو من خلال من يتعرف عليهم القارئ من أصدقاء السيد والجيران وأصدقاء أبنائه من بعده.
فما بين الطابع الاجتماعي للبيئة إلى السياسة وتاريخ مصر في فترة مهمة ومصيرية في تاريخها الحديث في الربع الأول من القرن العشرين، إلى مواكبة تطور الحياة في مصر وتحديدا القاهرة، المدينة التي ضمت بين أكنافها حياة أبطال الثلاثية، تبرز قيمة نجيب محفوظ الأدبية في تخليد هذه المرحلة في رواياته، فأن تنقل تاريخ شعب كامل بكافة تفاصيله الاجتماعية والدينية والسياسية والعمرانية بشوارعها ومقاهيها، وخالقا ذاك الجو الذي تبرز فيه كل شخصية بالدور المقرر له، فتؤديه بكل احترافية، وهذا ما شعرت به حين قرأت الثلاثية، فأنا لست أمام شخصيات روائية يكتب حياتهم ويحدد مصيرهم كاتب لا ينتمي إلى عالمهم، بل أمام شخصيات حية، نفخ فيهم الروح من خلال قدرته الأدبية والسردية وعبقريته الفذة في الكتابة. وما أعطاه لكل شخصية من صفات  وأخلاقيات وتوجهات وتطلعات ورغبات وأحلام، حتى تكاملت الشخصية بنفسها في فضاء بعيد عن الكاتب وقامت بنفسها في التفاعل مع محيطها وبيئتها وواقعها التي وجدت نفسها حبيسة فيه، والزمن الذي ولدت فيه، كل هذه المزيّات التي يشعر بها القارئ وهذه الأحاسيس والمشاعر التي تصل للقارئ لا يُمكن أن يُبدعها أي كاتب، فهي من آي كبار الأدباء وعظمائهم. عشت مع عائلة السيد أحمد عبد الجواد وتفاعلت مع كل ما حصل لهم، إلى الدرجة التي أشجت مدامعي نهاية الرواية الأولى وقرأت وفاة السيد بعينين مغرورقتين بالدمع. وقتها خالجني أحساس عرفت من خلاله لمَ قال باولو كويلو: "من لم يقرأ لنجيب محفوظ فهو لم يعرف معنى القراءة بعد". ما الذي قصده كويلو؟ أن الكاتب يكتب شخصياته ثم يجعلها تتحرر من دنيا الورق لتشارك القارئ حياته، وقتها سيعرف القارئ أن القراءة ليست مجرد آلية تفكيك الرموز وفهم المكتوب ومعرفة معاني الجمل، بل هي مشاركة فعلية لشخصيات رغم البعد الذي يعيشون فيه؛ فإن نجيب كان قادرا على جعل الأبعاد تتداخل مع بعضها البعض فيلغي الفروق بين عالم الرواية وعالم الواقع ويجعلهما عالما واحدا من خلال شخصياته.
شخصية السيد أحمد عبد الجواد، شخصية الرواية الرئيسية، والتي لا ينافسها على الصدارة منافس، بما حملته من تناقضات أو تعددت ما بين البيت مع الأسرة حيث تكون صارمة ومتزمتة وما تقوله هو الذي يتم تنفيذه دون نقاش، وتكون في أحيان كثيرة قاسية، وأنانية لا تهتم إلا بنفسها وصورتها ومظهرها أمام الأسرة، الأب الذي يسيطر على أفراد عائلته ذكورا وإناثا، قامعا كل الآراء وعادما كل الشخصيات، حتى شخصية الزوجة فهي تبقى في ظل زوجها، لتبدو كأنها مجرد خيال امرئ في حضرته، معدومة لكل صفات البشر، وفي الوقت الذي يزرع الأب الرعب في أسرته خالقا من نفسه ذاك الغول الذي يهابه ويخافه الجميع، يكون الخوف هو المعيار الذي يقيس به هيبته أمامهم، كلما استمر خوفهم منه، وعدم مناقشتهم إياه، بل حتى تكون محاولة إبداء الرأي أو النقاش أو التفكير بالتعارض كفيلة بأن تُنزل بالفرد غضب السماء، وعذاب السعير، فلا يرون إلا ما يرى ولا هدي إلا هديه ولا حياة إلا من خلال ما يشاؤه ويرتضيه لهم، حتى لتبدو هذه الشخصية أنها مستأثرة بكل الشر الذي تم توزيعه على شخصيات الرواية، فما يفعله السيد أحمد عبد الجواد وخاصة في مرحلة المبكرة من حياة أسرته، تضعه في هيئة شريرة أقرب ما تكون لهيئة جلاد يقتص من ضحاياه بكل عنف ولا يظهر لهم أي شفقة أو رحمة.
هذا حاله داخل الأسرة، لكنه ينقلب على النقيض تماما خارج الأسرة فهو ضحوك بشوش مع أصدقائه وندمائه وعشيقاته، ذو نكتة، وأنامل رشيقة تُداعب الدف كما تداعب خد الحبيبة، صاحب كيف، ومزاج يحب الأُنس والشراب والسُكر والسهر، فهو يعيش في شخصيتين واحدة هي التي سبق ذكرها مع عائلته والأخرى هي التي تكون محط الجدل والتساؤل والاستفهام، وتبرز قدرته وإمكانياته في التوازن ما بين الشخصيتين وعدم الخلط بينهما، فلكل مقام مقال، ولكل بيئة شخصية، ولكل فرد نبرة صوت وطريقة تعامل مختلفة، لا يتداخلان مهما تغيرت الحال أو تعددت الظروف، فهو يعيش داخل البيت جبّار متكبر وخارجه وديع عشيّق، زير نساء لا يخلو ليله من أنثى يداعبها ويرشف من رحيقها.
ويحافظ السيد كذلك على الجانب الديني والروحاني في حياته، متمثلا بالتزامه بأداء صلاة الجمعة آخذا معه أبناءه. ويتصدق كثيرا، فهو جواد لا يبخل بالخير، لذلك تبدو شخصيته معقدة جدا، ومتعبة في حياكتها بكل تناقضاتها وتفرعاتها، لا يُمكن أن يُسيطر عليها بسهولة، فهي تُشارك خالقها رسم صفاتها الجيدة والسيئة ولا تترك المجال مفتوحا أمامه ليتلاعب بها كما يشاء، بل تفرض نفسها فرضا، محددة الخطوط التي يجب أن يتبعها الكاتب. لا يترك السيد أحمد دربا إلا سلكه فهو وطني يدعم المقاومين للاحتلال الانجليزي، مهتما بتتبع أخبار السياسة والسياسيين، وصورة سعد زغلول تُزين محل عمله وتجارته.
تتغير شخصية السيد رغم محاولاته من أجل الحفاظ عليها، كلما كبر أفراد أسرته في السن وتقدم به السن هو الآخر يتغير كل شيء حوله، يضعفه المرض وتخور قواه، وحين يصل للحلقة السابعة من عمره، يجد نفسه في آخر الدرب، ملك في منفاه، وأسرته التي عمل على حكمها بالحديد والنار قد عرفت درب التحرر من قيوده، يجلس فوق كرسيه مطالعا الآتي من حياته ومراقبا حاضره وعينه تُذاكر الأيام الخوالي، بتلك الهيئة القوية والوقورة التي لن تعود والصحة التي تآكلت بآفات السن وغوائل الدهر، فأين أيام الشباب والسهر والأنس، أين الأصحاب والخلان، وحتى الأسرة أين هي الآن، كل شيء تغير فما أعجبها من حياة وما أقساه من مصير، وما أعدله من قدر، ها هو ينتظر الموت بهدوء محارب أتعبته كثرة الحروب، وهدَّه القتال، ليستقبل الموت مستعدا للانطلاق إلى الحياة الأخرى دون جزع أو رفض، فقد نال من الحياة الكثير وسعد بها السعادة التي تغنيه عن الندم والتأسف على حياة لم ينل منها كفايته. إن وفاة السيد من أشد الحوادث إيلاما وحزنا في الرواية، فرغم كل صفاته وتناقضاته والصورة الشريرة التي يظهر عليها أحيانا بقسوتها ووحشيتها لكنه في الختام لا يسع القارئ إلا أن يكفكف دموعه حزنا على وفاته ونهاية أسطورته التي تعايش معها وغاص في كنه أعماقها ليقف على شخصية السيد بكل تجلياتها وحقائقها، حتى تتوارى بعد حياة حافلة في التراب تاركةً القارئ في حيرة من أمره عن مدى  الشجاعة التي امتلكها نجيب ليرسم هكذا حياة لهكذا الشخصية ويقودها نحو الموت بهدوء ورزانة وثبات.

عمود الأسرة الآخر، الأم السيدة أمينة هي الأخرى لا يمكن أن تقل أهميتها وجوهر دورها في الرواية أهمية عن أي شخصية أخرى تلي السيد، المرأة المغلوبة على أمرها، المأسورة بقيود زوجها، معلنة الطاعة العمياء، والانقياد الذي لا يثنيه ثانٍ ولا  يصده عن أداء واجباتها صادٍ، في استمرار دائم لتنفيذ حاجيات زوجها، للدرجة التي يختفي فيها كيانها وينعدم شخصها، فلا يوجد من هيئتها إلا ظل لا يُشير لمخلوق أكثر من إشارته إلى الانصياع للأمر، كأنها جندي في خدمة أبدية، أو كشمس محكوم عليها بالشروق والغروب كل يوم حتى يشاء لها الله، وتكوّر إلى لا عودة. هكذا تقضي أمينة حياتها وتطوي السنين، واحدة فأخرى، تركض فوق بساط الحياة أسير ما بين زوجها وجدران بيتها التي شُغل حيز غرفها بابنيها وياسين وابنتيها. أمينة لم تخلُ من الصفات الحميدة فهي طيبة ورؤوم وعطوف وكما يصفها كمال أن قلبها أبيض وسرعان ما تنسى، وتبدو لي بشخصها وإيثارها وتفانيها ودأبها وسعيها لرخاء عائلتها وسعادتها بالأم بيلاجيا بطلة رواية الأم لمكسيم غوركي، وإن كانت أمينة أقل من بيلاجيا تأثيرا على الرواية والحياة المحيطة بها، لكن في الهيئة العامة، تبدو كالشجرة التي تؤتي ثمرها للقاطفين، وبعد أن تعمّر يصبح ظلها ملاذا للعابرين. التزامها وعبادتها وطيب نفس وأخلاقها، يقرّبها من هيئة الملاك في حياتها حتى مماتها، الذي اختار نهايتها نجيب لتكون هادئة كموت سليمان.
أفراد الرواية الآخرين بتنوع شخصياتهم وأهدافهم وطموحاتهم ورغباتهم وشهواتهم، وتطورهم المستمر كلما تقدم بهم السن وشتّت الحياة مصائرهم ومعتقداتهم وعاداتهم وساقهم القدر لطرق متعددة سواء على مستوى الفكر أو العقيدة أو المشاعر، يُعطي كل منهم بعدا للرواية يأخذ معه القارئ للتعرف على درب من دروب مصر التي أراد نجيب أن يخلدها ويُوصلها للقارئ، ذاك القارئ الذي لم يولد بعد، فما بين المقاومة والسياسة لفهمي إلى التحلل وسوء الخلق لياسين إلى التقلبات الفكرية والعاطفية والدينية والأخلاقية لكمال الذي كان من أكثر الشخصيات إثارة، فما عاناه في طفولته، وصدمة الحب مع عايدة والانقلاب الديني نحو الإلحاد بعد أن كان ملتزما مؤمنا، فقد عاش بعد أن دفع ضربية الحب الباهضة التشتت ودخل عالم الشك من أوسع أبوابه الفلسفية التي تأثر بفلاسفتها وكانت ظلالها ثقيلة على حياته؛ رسمت طريقا شاقا له.

للرواية بعيدا عن الجوانب الاجتماعية والسياسية والتاريخية والدينية والفلسفية، جوانب أخرى أدبية واستقرائية للمستقبل والحاضر ونقدية، وآخر تنبؤية. ومن جملة ما ورد أذكر بعضها فمنها المضحك والحكمة والمحزن:

1-
  • لقد رحل مع كثيرين إلى المعتقل..
     فتساءل رياض باسما:
  • الذي يعبد الله والذي لا يعبده؟
  • #يجب_أن_تعبد_الحكومة_أولا_كي_تعيش_مطمئنا..
  • على أية حال الاعتقال أخف في نظري من المحاكمة!

2-
  • أختك تقول إنهم قد قبضوا على عبد المنعم لأنه من الإخوان المسلمين، لماذا يقبضون على المسلمين؟
  • الحكومة تظنهم يعملون ضدها..
  • وأحمد؟ قالت إنه...، نسيت الكلمة يا بني؟
  • شيوعي؟ الشيوعيون كالإخوان في ظن الحكومة!
  • الشيوعيون؟! أشياع سيدنا علي؟
   فدارى كمال ابتسامة وقال:
  • الشيوعيون لا الشيعة، هم حزب ضد الحكومة والإنجليز!..

وأود التعليق عن هذه الحادثة، أن لنجيب ذاك النَفَس الهزلي في كثير من المحاورات سواء أكانت محاورة بين شخصيتين أو تعريض يذكر أو غمز أو لمز، المليء بالسخرية التي لا بد للقارئ أن يضحك أو يبتسم لها:

3-
  • أرجو أن أصل للبيت قبل أبي..
  • الخوف شر أنواع التعاسة، لتحيا الثورة!
  • أجل لتحيا الثورة!
  • لتسقط الزوجة المستبدة!
  • ليسقط الأب المستبد!

4-
  • يا للغرور! يكتب قصة من صفحتين كل شهر، ويظن أنه يطور البشرية، وأنا لست دونه سماجة، فلأنني ألخص فصلا من كتاب تاريخ الفلسفة لفدنج، أطالب من أعماقي بالمساواة بفؤاد جيل الحمزاوي وكيل النيابة الدرب الأحمر، ولكن كيف تطاق الحياة دون ذلك؟ مجانين نحن أم عقلاء أو مجرد أحياء؟ أف من كل شيء!


5-
  • هذا قولنا وذاك قولكم، ترى الأصل في هذا الخلاف الدين أم الطبيعة البشرية المتطلعة أبدا إلى الخصام؟! لا المسلمون على وفاق، ولا المسيحيون على وفاق، وستجد نزاعا مستمرا بين الشيعي والسني، وبين الحجازي والعراقي، كالذي بين الوفدي والدستوري، وطالب الآداب وطالب العلوم، والنادي الأهلي والترسانة، ولكن رغم ذلك كله فشد ما نحزن إذا ما طالعنا في الصحف خبر زلزال اليابان! اسمع، لماذا لا تعالج ذلك في قصصك؟

6-
  • كيف نكون أمة متحضرة والعساكر تحكمنا!

7-
  • انتخابات مزورة، كل شخص في البلد يعلم بأنها مزورة، ومع ذلك يُعترف بها رسميا وتُحكم بها البلاد، ويعني هذا أن يستقر في ضمير الشعب أن نوابه لصوص سرقوا كراسيهم، وأن وزراءه لصوص سرقوا بالتالي مناصبهم، وأن سلطاته وحكوماته مزيفة ومزورة، وأن السرقة والتزييف والتضليل مشروعة رسميا، أفلا يعذر الرجل العادي إذا كفر بالمبادئ والخلق وآمن بالزيف والانتهازية؟

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب