المشاركات الشائعة

الأربعاء، 21 أبريل 2021

الأدب الإسباني في عصره الذهبي - محسن الرملي.

مؤمن الوزان. 



إنَّ هذا البحث الكبير دراسةٌ شاملةٌ للأصناف الرئيسة الثلاثة (الشعر والمسرحية والرواية) في الأدب الإسباني في عصره الذهبي (النصف الثاني من القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر ألا إنه عمومًا يشمل هذين القرنين). يُقسم هذا الكتاب إلى قسمين رئيسين الأول هو دراسة نقدية تحليلية لهذين القرين سواء على المستوى الاجتماعي والتاريخي والسياسي أو المستوى الأدبي من خلال استعراض أبرز الأدباء والشعراء الأسبان، والتعريج على أولئك الذين لم يسلط الضوء عليهم كذلك، وشمل القسم الآخر من الكتاب، ثلاثة أبواب: هي مختارات قصصية وشعرية ومسرحية. ترجم وقدّم وعرض هذا العملَ الكبيرَ الدكتورُ الروائي محسنُ الرملي، والذي قام بعمل جبار ومجهود كبير، خاصة وهو يذكر الصعوبات والعراقيل التي واجهته أثناء الترجمة لهذه النصوص التي تعدُّ في وقتنا الحالي لغةً وتراكيب- تاريخية، وقراءتها بحاجة إلى قواميس ومعاجم تساعد على الفهم، فكيف بالترجمة! على أي حال، فإن هذا الكتاب وما يحتويه من مادة ضخمة، تكفي لأن تكون مرجعا للباحثين والدارسين. يُقدَّم الكتاب بنظرة تاريخية حول الأوضاع السياسية التي كانت دائرة في القرن السادس عشر، والخلافات التي كثرت في البلاط الملكي الإسباني، خاصة حين نعرف أن هذه المملكة أو الممالك قامت بعد الدولة الأندلسية التي استمرت على هذه الأرض لأكثر من ثمانية قرون، لذلك فإن الأجواء والصيرورة لهذه المجتمع ما زال -حديثا- إن جاز لنا القول، وفي الوقت ذاته فأهله مرتبطون بمن سبق، مما يعطي لهذه المرحلة في التاريخ الإسباني في أصعدته كافة مزية متفردة على المستوى الأوروبي المحيط، ومحاولة العودة والانتشال بعد قرون من الفوضى عاشوا فيها "إسبانًا بهويتهم الخاصة" كل هذه الأسباب ألقت بظلالها على الأدب الذي كانت إسبانيا والبرتغال تربة خصبة لنشوء العصر الباروكي وهذا ما يشير له مصطلح باروك ذو الأصل البرتغالي، والنتائج في العصر الوسيط "(1550-1650) تقريبا" كانت ثرية جدا بما أضافت للأدب الأسباني خاصة والأدب الأوروبي والعالمي عامة. لذا ينقلنا هذا الكتاب في رحلة امتدت لأكثر من قرنين نقف فيها ومعها على أبرز الظواهر الأدبية شعرا ونثرا، والتعرف على أبرز الأدباء الإسبان، والذين لا يمكن حصرهم باسم أو اسمين لكن ما يجمع عليه الجميع ألا وهو اللؤلؤة الكاملة ميغيل دي ثربانتيس الشاعر والروائي والمسرحي صاحب الرواية الخالدة والتي ما زالت تقرأ حتى اليوم "دون كيخوته"، كما يذكر الرملي في تقديمه لهذا الأديب بأنه قال "أنا أول من كتب الرواية باللغة الإسبانية"، يُلحق التقديم لهذا الروائي حديث عن روايته الشهيرة الكيخوته. وكذلك الشاعر غارثيلاسو دي لابيغا والمسرحي تيرزوا دي مانيلا صاحب المسرحية الشهيرة "محتال أشبيلية والتمثال الضيف" أو ما تعرف بالـ دون جوان أو خوان، وهي المسرحية التي تأثر بها المسرحي الفرنسي الشهير موليير. 

ومن الأشياء المهمة التي تذكر في الكتاب ما يخص العمل الأدبي (سيليستينا/ القوادة) أو ما يعرف بصاحبة الماخور، والتي يميل البعض إلى عدها رواية كما لدى كولن ولسون في كتاب فن الرواية، لكن للرملي رأي آخر إذ يعلل رأيه بأنها مسرحية وليست رواية بـ: العمل بمجمله يعتمد على الحوار بين الشخصيات، ويتمحور الموضوع حول علاقات عاطفية غير شرعية كونها لا تقود إلى الزواج. كما إن الحدث يقتصر ضمن وحدة زمنية قصيرة، هذه المواصفات وغيرها يجعل العمل ضمن إطار المسرحية الإنسانية -والتي كانت عادة ما تقرأ بصوت عال ولا تُؤدى مسرحيا- وهي وريثة لبلاوتو وتيرينثيو من حيث مضمارها العالمي، كل ذلك يبرر تصنيفها ضمن الأعمال المسرحية أكثر من كونها رواية.

وبعد تقديم وتحليل لأبرز ما في هذين القرنين على المستوى الأدبي، ننتقل إلى القسم الآخر من الكتاب والذي كان مختاراتٍ قصصية، وشعرية، وثلاث مسرحيات قصيرة أو ما تعرف بـالإنتريميس   ENTREMES، والتي تُعرَّف بأنها نوع من المسرحيات القصيرة كانت تمثل قديما بين فصلي المسرحية الرئيسين، وكلمة إنتريمس تعني المشهيات -من المخللات- وتتكون من فصل واحد -كما في الفودفيل الذي شاع في القرن التاسع عشر- هدفها المتعة والتسلية كما نجد هذا في مسرحيات الكتاب الثلاثة (قاضي الطلاق، انتخاب رؤساء بلدية داغانثو، ومسرح العجائب). ترجم هذه المختارات الرملي أيضا، ليثري الكتاب والقارئ العربيين بالمزيد من ينابيع الإبداع وفتح نافذة على الآخر. 

وحين نقرأ هذه المختارات الأدبية نجد أنفسنا بحضرة أدب غني وثري بالإبداع والأصالة، والجمال والحكمة والعبرة والعظة، ويكشف لنا عن أدباء أفذاذ بعقول وخيالات وأفكار إبداعية قليلة نظائرها، كما ونجد في القصص الإسبانية التأثير العربي الواضح وهذا ما يؤكده الرملي بشأن التأثر بأدبيات عربية كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، هذا ما يضفي لهذه القصص لمسة يستشعر بها القارئ خاصة تلك التي تحمل العبرة والحكم وتذكرنا بأخبار الأذكياء وأخبار الأغبياء، كتابي أبي الفرج بن الجوزي. وكذلك المواضيع التي تخص بعض القصائد التي تفيض حبا وعاطفة نقيين وهو كالحب العذري، النزيه العفيف، الذي كان شائعا في قصائد شعراء العرب والأندلس، كل هذا يضفي للأدب الإسباني في عصره الذهبي لمسة خاصة تجعله قريبا من الأدب العربي وقارئه.

*

إنَّ الترجمة الشعرية في عمومها يكاد يكون هناك إجماع على أنها أصعب أنواع الترجمات، إن لم تكن في كثير من القصائد ضمن المتسحيلات؛ فلا يمكن أن تترجم القصيدة دون أن تفقد القصيدة رونق ونظام لغتها الأصلية، وهذا ما يمنح الشعر خاصية متفردة في كل لغة تضم الأوزان وبحور الشعر والإيقاعات والقوافي والأصوات، وجرس ورنين كلمات كل لغة، التي تختلف من لغة إلى أخرى، ومن أسس نظم الشعر في أدب إلى آخر، وتزداد الصعوبة حين تتم الترجمة بين الأبجديات المختلفة، فالترجمة من الإنجليزية إلى الهولندية أو العكس هي أسهل نوعا ما من الترجمة من هاتين اللغتين إلى العربية، وكذا الحال مع بقية الأبجديات. 

وتقاس جودة المترجم في ترجمته الشعرية على ما يوصله للقارئ في لغة القصيدة الجديدة، من روح وموسيقى ومعنى الشعر، وهي مهمة لا نجاح كامل فيها، يشوبها الخلل بل سمته إياها. يقول الرملي في تقديمه لهذه المختارات والصعوبات التي واجهها: 


أما عن هذه الترجمة، فبمقدار ما سعينا فيها إلى الشمولية لتضم أكبر عدد ممكن من شعراء (العصر الذهبي) بقدر ما تزداد فيها الصعوبات، حيث إن هذا التنوع في التيارات والمراحل والشعراء يؤدي بالمقابل إلى تنوعات متشعبة أخرى في الأساليب والمواضيع والمفردات، الأمر الذي لا يمكن مقارنته بعملية ترجمة نصوص عديدة لمؤلف واحد يمكن الإلمام بسيرته ورؤيته ولغته.. هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك تلك الصعوبات الموجودة أصلا في عملية ترجمة النصوص القديمة لكون لغتها قد أصبحت موغلة في البعد الزمني عن لغة اليوم بعد أن طرأت عليها تحولات كبيرة، حيث إن القارئ الإسباني نفسه يواجه صعوبة في فهمها بعد أن اندثرت منها كلمات كثيرة، وتغيرت معاني كلمات أخرى مثلما تغيرت تراكيب الجمل وبناءاتها، فليجأ، مثلما فعلنا نحن، إلى القواميس والشروحات. 


ومما سبق نستنتج قبل أن نقرأ أن ما ستصل له أبصارنا نماذج شعرية قد تعرضت لمعادلات كيميائية لغوية معقدة ليُحافظ على سلامتها اللغوية والتعبيرية والتركيبية، لكننا في المقابل نجد ترجمة أقل ما يقال عنها إنها بديعة، وقصائد شعرية تحمل من الجمال والبلاغة والصور الشعرية والتنويعات الوصفية والخيال الإبداعي الفذ، وتصوير الحالات النفسية والمشاعر التي تختلج في نفوس قائليها، حتى تصفق لهذا الجموح في الخيال والتميّز. لكننا هنا نكون بحضرة سؤال مهم كيف وصلت لنا كل هذه الأحاسيس والتفاعلات مع القصائد والنماذج الشعرية، بل وحتى تُشنّف آذاننا لرنين الكلمة ونُصغي لصدى جرس عباراتها؟ يقول المترجم المصري هشام فهمي -الذي ترجم ويُترجم سلسلة روايات صراع العروش- بأن إعجاب القارئ بالمؤَلَّف تعني أن المترجم قد أدّى دوره بالتمام، لذلك لا داعي للحزن إن نسى القارئ شكر المترجم. ونحن في حضرة هذه القصائد نجد أنفسننا مجبرين على التعبير عن امتناننا وشكرنا للرملي على هذه الإبداع في الترجمة. 


والآن مع بعض من المقتطفات الشعرية التي ترد في المختارات: 


  • لقد سلبتِ مني في ساعة 

         كل  الخير الذي وهبتني في السابق 

        فخذيني، إذًا، مع المساوئ التي تركتني فيها 

       وإلا فسوف أشك؛ بأنك قد وضعتني 

        وسط خير عميم.. لأنك ترغبين 

برؤيتي ميتا وسط ذكريات حزينة! 


**

  • لا أحد يستطيع أن يكون سعيدا 

يا سيدتي.. ولا تعيسا

إن لم يكن قد رآكِ 

لأن المجد الذي سيراه

سيفقده في لحظتها

حين يدرك أنه لا يستحقكِ

وهكذا فإن الذي لا يعرفك 

لن يستطيع أن يكون سعيدا 

يا سيدتي.. ولا تعيسا 

إلا إذا رآكِ! 


** 


  • لقد أخذتني الأحداث 

إلى موت مؤكد 

.. الذنب ذنبكم وأنا من يعاني! 


** 


  • دخلت في الحقل

كي أتصارع مع رغبتي

ضد نفسي كنت أحارب 

فدافع عني يا رب من نفسي

والعقل يحاول تقويمي

إصرار مع إصراري

لكن الحرب تعاود أيضا 

ويداي على رأسي 

منتظرا هنا من ينجدني

ينجدني من لا أحد، ينجدني من هذياني

لأنني أنا من يحارب نفسي 

فدافع عني يا رب من نفسي! 


** 


  • آه.. مني 

فلأمت بعد أن أراك

وآه.. منك

يا من سيسألك الرب! 

كنا ضدي، نحن الاثنان؛

أنا الذي أموت بمن ينساني

وأنت بانتزاع الحياة 

ممن يموت بك

بالنسبة لي 

سأبقى مطفأً هكذا 

ولكن أنت 

ماذا ستقول للرب؟ 

إذا كان اعتذاري مجديا 

فإن موت بك هو اعتذاري! 


** 

  • وجهك أغلى من وجوه الملائكة 

لهذا فهو يمنحني السلام الذي عليه السلام 


** 


  • إن الذي يموت جوعا في النهارات 

ستطعمه الليالي أحلاما لذيذة، 

وحيدا، هناك، في الجبل على صخرة


** 

  • أنت جزء من إسبانيا، لكنك أفضل منها كلها! 


** 


  • آه.. فبالرجال وحدهم تكون البلاد عزيزة ومجيدة

** 


  • نحّى آلامه هناك 

وهو ينظر 

إلى فتاته السعيدة 

مقارنا ما عليه من هموم 

بما عليه هي من بهجة 


** 

  • ومما يضاعف حزني؛ 

أن تفكيري يتعقد 

أنك لم تكوني تحبينه 

فإنه هو الذي سيحبك إذا رآكِ

وهذه حقيقة، لأن الحب يعرف 

بأنه منذ أن طعنتني 

ومن أجل مزيد من الإيلام.. 

ينقصني منافس أقوى مني! 


** 


  • لأنني أعرف جيدا بفضل آلامي؛ 

أن الذي يخشى الحب 

لن يخيفه أي خطر آخر! 


** 

  • آه.. أيتها الليلة التي قدتني. 

آه.. أيتها الليلة التي هي أعذب من الصبح

آه.. أيتها الليلة التي جمعت عاشقا بمعشوقه 

معشوق في العاشق ذاب! 

** 


  • آه.. يا نداء الحب الحي

يا من تجرح بحنان

أعمق صولجان في روحي! 


** 


  • أطالبك بالعدل أيتها السيدة

كوني منصفة 

فإما أن تحبيني كما أحبك

أو.. أن تقتليني! 


** 

  • ذلك قد يأتي أو لا يأتي

ذاك قد يخرج أو لا يخرج

فلا شيء يساوي فرح العشق! 


** 

  • هذه الحياة بالغة الحزن والمرارة

فهي للمعاناة طويلة

وللسعادة قصيرة


** 

  • فأنت الذي تدفعني يا مولاي 

تحركني رؤياك على الصليب

مقيدا ومهانا

تدفعني رؤية جسدك الجريح 

يدفعني ما لاقيته من سخرية.. وموتك

يدفعني، في نهاية الأمر، حبي لك 

أحبك إلى الحد الذي حتى لو لم تكن ثمة جنة

فسوف أحبك

وحتى وإن لم يكن ثمة جحيم فسوف أخشاك

ليس عليك أن تعطيني لأني أحبك

فأنا وإن كنت أنتظر عطاياك.. لا أنتظرها


.. فأنا أحبك وسأبقى أحبك 




السبت، 17 أبريل 2021

صراع الأصوات السردية بين روايتي جين إير وبحر سارغاسو الواسع

قراءة في رواية بحر سارغاسو الواسع 

مؤمن الوزان.


"لا بدَّ أن شارلوت تكنُّ ضغينة ما لجزر الهند الغربية، وكنت غاضبة بشأنه وإلا لمَ قادت تلك الهندية الغربية إلى ذلك الجنون الفظيع". 


إنَّ هذا التعليق الذي تقوله ريس يمثل مفتاحًا لفهم رؤيتها التي عادت من خلالها إلى رواية شارلوت برونتي "جين إير" لتستقرئها وترد الاعتبار الذي غاب عن بيرتا مايسون أو أنطوانيت كوسوي وفقا للتاريخ الحياتي الذي كتبته لشخصيتها، التي كانت على نحو ما نظيرة من نظائر جين ريس المولودة عام 1890 لأب ويلزي وأم خلاسية وسليلة أحد مالكي العبيد المُستعمرين في الجزيرة، التي لم تُلغَ العبودية فيها حتى عام 1834. عانت ريس في طفولتها من تشتت الهُوية والانتماء في جزيرة الدومينيكان، إحدى جزر الهند الغربية. وقد شابهت أنطوانيتُ/ بيرتا جينَ ريس في كونها من جاماكايا، إحدى جزر الهند الغربية، ومن عائلة كانت مالكة للعبيد، وذات بشرة بيضاء، مما جعلها وأمها من قبلها تقاسي رفض السكان المحليين وكراهيتهم. ليبدأ منذ وقت مبكر في حياة أنطوانيت/ بيرتا التمزق الهُوياتي وإحساس اللا انتماء الذي ضرب الشخصية والكاتبة على حد سواء واستمر معهما حتى وفاتهما. 


الصرصور الأبيض يعبر بحر سارغاسو 


ابتدأت معاناة جين ريس في حياتها في جزيرة الدومينيكان لكونها بيضاء البشرة مما سبب عرقلة انسجامها في المجتمع المحلي ورفضها إياه، ولُقِّبت في المدرسة بالصرصور الأبيض، اللقب الذي خلعته على شخصيتها أنطوانيت أيضًا. أدَّت معاناة جين هذه في الدومينيكان أن تصلي في صغرها لتصبح سوداء وفاقم سوء حالها علاقتُها غير المتوافقة مع أمها بسبب هذا الإرث الاستعماري الذي رأت أمها فيها منصفةً بإفراط مع مجتمعها المحلي مما ولَّد لديها إحساس اللا انتماء، وبعد انتقالها في عام 1907 بسن السادسة عشرة إلى إنجلترا فقد قاست أكثر ابتداءً مع خالتها التي انتقدت فيها عدم الإحساس الامتناني لفتاة مُستعْمَرة ثم الرفض الذي تعرض له في إنجلترا أثناء الدراسة الجامعية في كامبريدج حيث لُقِّبت بالزنجية وعيبَ عليها لكنتها مما اضطرها للكلام همسًا. انحدرت حياتها إلى فوضى مستمرة لم تفارقها حتى وفاتها في عام 1979. لكنها زاولت الكتابة في خضمِّ هذه الحياة العاصفة والمتقلبة والمشتتة والمُعلَّمة بالخروج الدائم من العلاقات الغرامية الفاشلة والشائبة بإدمان الكحول والشعور بالغربة والحنين إلى البلد الأم والزيجات الفاشلة والعلاقة السيئة مع ابنتها، ومن بين أعمالها التي رفعت من شأنها كانت رواية بحر سارغاسو الواسع الذي نُشرت في عام 1966 بعد غياب عن الأنظار والكتابة قرابة عقدين من الزمن؛ اُعتقدَ فيهما أنها تُوفيت لكنها ظهرت مجددًا وبقوة لتعيد بيرتا عبر بحر سارغاسو، الواقع في وسط شمال المحيط الأطلسي ولا بدَّ للمسافر الآتي من جزر الهند الغربية وإلى إنجلترا (أو العكس) أن يقطعه، إلى جامايكا في ردٍ على واحدة من أشهر كلاسيكات الرواية الإنجليزية، جين إير، لشارلوت برونتي. 

إنَّ هذا الصراع الذي اشتعل فتيله مع شارلوت برونتي كان القاعدة التي انطلقت منها جين ريس لتكشف للقارئ ذلك الماضي وسيرة الحياة التي قاستها أنطوانيت/ بيرتا حتى وصلت إلى تلك النهاية الفظيعة التي اختارتها لها شارلوت برونتي في روايتها. 


بيرتا مايسون - جين إير 


إنَّ أول ظهور لبيرتا مايسون هو في رواية جين إير التي لا يعرف القارئ للرواية إلا القليل عنها والتي تتكشَّف هويتها تدريجيًا وعلى نحو متفرِّق. فقد وُصِفت في رواية جين إير بأنها خلاسية أصلها من جامايكا، تزوجها روتشيستر حسب روايته بسبب أبيه البخيل الذي نوى أن يحرمه من الإرث ويمنحه كله لأخيه الأكبر لكي لا يقسم ثروته، وكان له صديق في جزر الهند الغربية، مستر مايسون، ولديه ابنة سيزوجها ويمنحها ٣٠ ألف جنيه إسترليني، كانت كافية للابن وزواجه وتأمين حياته بعدها. هكذا تم الزواج الذي يرى روتشيستر فيه نفسه ضحية لأن الجميع شاركوا بخداعه وأخفوا عنه حقيقة تلك الأسرة ذات اللوثة العقلية المتوارثة والبنت ذات الطباع المخبولة التي سرعان ما اكتشف حقيقة جنونها وإدمانها الخمر إثر زواجه وتفاقمت خلال السنوات الأربع الأولى من زواجهما وعيشهما معا في جامايكا مما اضطره لحبسها هناك قبل أن يقرر العودة إلى لندن وحبسها في قصر ثورنفيلد والتكتم على أمرها. ليعيش في السنوات العشر التالية حياة متنقلة بين إنجلترا وإسكتلندا وأوروبا ويتقلب في علاقته مع السيدات حتى وصلت جين إلى قصر ثورنفيلد. لم يضع روتشيستر أي احتمالية أخرى في روايته لأسباب ما حدث سوى تلك التي ربطها بزوجته وطبيعتها المخبولة وتصرفاتها المشينة. 

هكذا فقد كانت بيرتا حبيسة في علية قصر ثورنفيلد، وقال عنها روتشيستر بعد أن فُضح أمر زواجه منها بأنها مجنونة ومن أسرة مجانين في ثلاثة أجيال، وأمها مجنونة وسكيرة. تدرَّج ظهورها في الرواية منذ مهاجمة غامضة على ريتشارد مايسون، أخيها غير الشقيق، وبعض الصرخات القوية التي سُمعت في القصر كما تذكر جين إير، ساردة الرواية. ثم تأكد وجودها بظهور غريب لها قبل الزواج المزمع عقده بين جين وروتشيستر حين تراءت لجين في غرفتها قبيل طلوع الصبح، وكان وصف جين لها فظيعا وبشعا، ومزق ذلك الشبح المخيف خمار عرسها، لكن روتشيستر حاول تكذيب ما حصل ووعزه إلى تخاريف ومخاوف وكوابيس وأن لا بد التي فعلتها كانت إحدى الخادمات. 

*

لم يكن لبيرتا صوتا سرديا في رواية جين إير، فلم تمنحها شارلوت أي فرصة للدفاع عن نفسها، أو تمكنها من إسماع صوتها، وبقيت في كل مراحل الرواية مقصيّة ومهمَّشة وليس لها أي صوت، في الوقت الذي كان لغريمها، روتشيستر، المساحة الكاملة لحكي ما حدث له مع زوجته وإلقاء اللائمة عليها وحدها. وصوِّرت بيرتا في حالة أقرب ما تكون إلى الهمجية وجُنَّت فاقدة عقلها ومحاولةً الانتقام من زوجها روتشيستر دون أن تفسح شارلوت المجالَ لبيرتا الرد على روتشيستر الذي اكتفت بشهادته عنها. 

كان مصير بيرتا هو الانتحار وإحراق قصر ثورنفيلد قبل ذلك، فهي تبقى في الرواية مجنونة محبوسة ومهمشة وتعامل مثل حيوان أو أقل، بل وتكون نهايتها هي بداية سعادة جين بزواجها روتشيستر التي كانت بيرتا عائقا أمامه لكونها زوجته التي حبسها في بيته مخفيًا إياها عن الأبصار والأسماع. 

فحينما كانت تتّرقي فيه حياة وذات جين إير كانت بيرتا تنحدر حياةً وذاتًا لتصل في النهاية إلى القدر المحتوم، القدر الذي كان أشبه بوصفة تكميلية تجميلية داخل العمل وأحداثه دون أن يكون له وزن أو قدر فلم يؤبه لها في النص، ولم تظهر إلا لإكمال الصورة الشيطانية العنيفة التي رُسمت لها وحبست فيها. لقد سلب روتشيستر بيرتا من حياتها وأتى بها إلى لندن آخذا ثروتها ومسيئا معاملتها وحابسا إياها في الأخير لتعيش غربة مضاعفة تنتهي بالانحدار إلى الجنون التام والبهيمية وأخيرا الموت. وفي الوقت الذي سلبها روتشيستر كل شيء فقد سلبتها شارلوت صوتها السردي وتركتها حبيسة الصفحات حتى حررتها جين ريس. 


صراع الأصوات السردية 


لم تُرد جين ريس الدفاع عن أنطوانيت/ بيرتا أو إدوارد روتشيستر بل ما فعلته هو إفساح المجال لكليهما في تولي مهمة سرد القصة، قصتهما، دون أن يكون لها رأي خاص أو نظرة متحيِّزة تجاه أي من الاثنين، وتُرك الأمر للقارئ لمعرفة القصة ومن فيهما الجاني أو الضحية، وهنا يكمن الرد على رواية شارلوت التي سلبت صوت بيرتا السردي ومنحته روتشيستر الفرصة وحده ليتكلم ويكيل التهم إلى خصمه دون أن ينال الخصم هو الآخر فرصة الرد على تهم خصمه. إنَّ تعددية الصوت السردي في جين ريس يأخذ العمل إلى إلى حقل آخر من الصراعات الاستعمارية (المُستعمِر والمُستعمَر) والانتماء والاغتراب وتشكل الهُوية وصراعاتها الذاتية والغيرية، لذا فهذا النص من النصوص المهمة في دراسات ما بعد الاستعمار الذي ذاع صيتها في القرن الماضي وكان لهذه الرواية حضورها المميز في هذه الحقل الدراسي الذي يمثل صراع السرد فيها صراعًا أكبر بين التابع والمتبوع وكيف تؤثر الخلفية الاستعمارية في صوت الكتابة وفكر الرواية، هذا التأثير الذي كانت جين ريس واعية له وسعت إلى إشراع الباب أمام روتشيستر وأنطوانيت ليعرضا القصة دون تدخل أو إسكات أو إخفاء للحقائق أو تحيُّز مُسبق لطرف دون آخر. 

لكن قبل ذلك فثمة سؤال يُطرح هل كانت شارلوت برونتي واعيةً بإقصائها الآخر وتهميشه في نصها أو أن الأمر محض حبكة روائية صادفَ لسوء الحظ أن تقع عقدة الأحداث في بيرتا الجامايكيّة؟

يعود تاريخ بدايات الاستعمار والسيطرة الإنجليزية والإسبانية لجزر الهند الغربية منذ منتصف الثاني للقرن الخامس عشر ثم أصبحت الكثير من تلك الجزر منها جامايكا والدومينيكان جزءًا المقاطعات البريطانية التابعة للمملكة المتحدة منذ منتصف القرن السادس عشر. لذا فمن المستبعد أن يكون اختيار شارلوت -مع كل هذا الإرث الاستعماري التاريخي لبلدها في تلك الجزر النائية والقصيّة في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي- اختيارًا عبثيًا أو غير مدروسًا فالتعامل مع الآخر البعيد عن أرضه بتلك القسوة والوحشية والحبس ستكون له تبعاته القانونية فيما لو كانت بيرتا إنجليزية أو حتى أوروبية، لكن الأمر مختلف تمامًا مع كونها غريبة في أرض لا تنتمي لها، بلا أهل أو أصل، لذا فإنَّ كل قيمتها القانونية في إنجلترا هو في كونها زوجة إنجليزيّ، أي تابعة لزوجها ولا تأثير أكبر لها وإلا لما تجرأ روتشيستر على هذا الفعل. يكمن هنا الشطر الأول الذي يبدو هو ما أثار حفيظة جين ريس ودفعها إلى اتخاذ موقف عنيف من الرواية، والشطر الآخر هو ذلك الجنون والنفسيّة المتوحشة والصفات البهيمية التي خلعتها شارلوت على بيرتا، فهذا المصير المجنون هو مصير ليس مصير بيرتا بل مصير الآخر الذي لم تهذِّبه الحضارة والمدنيّة بعد، وتلك النفسية المتوحشة هي نفسية الإنسان البدائي الذي استعمره الأبيض وامتهنه وصيَّره عبدًا له، ولم يكُ له أن يكشف عن هذه النفس المتوحشة لولا السلوكيات البهيمية التي يستطيع من خلالها أن يقرر الأبيض درجة تحضُّره ومستواه العقلي وقابلية تهذيبه. رأت جين ريس في رواية شارلوت كل هذا، لكنها لم ترها تهمة أو سمة تخص بيرتا وحدها، بل تخص سكان الهند الغربية، وفي الأخير تخصها هي، نفسها، التي رأت في نفسها بيرتا، لا ليست بيرتا، لسان حالها يقول، بل هي أنطوانيت، وإن سلْبَها صوتها وذاتها وثروتها وأرضها وحياتها لا يمكن أن يكتمل دون أن تُسلب اسمها، فالاسم هو ما يُعرَّف به الإنسان، ووقتما تغيَّر اسمه تغيَّر رسمه. فقد أعادت ريس إلى بيرتا هُويتها القديمة، الأصلية التي لا بد أن تعرف بها بعيدًا عن الرواية الآخر "الزاعم بفوقيته"، أن يُعاد لتلك المرأة المحبوسة كاملُ ذاتها وهُويتها، أن تعودَ بيرتا إلى أنطوانيت المرأة الجامايكية، الإنسان، لا الآخر التابع البهيمي المحبوس. 


أنطوانيت تروي وروتشيستر يرد  


تتوزع رواية بحر سارغاسو الواسع في ثلاثة أقسام، اثنان منها لها الحصة الأكبر في الرواية يسرد القسم الأول أنطوانيت بدايات حياتها وعلاقتها مع أمها في جامايكا ومحيطها والثاني خاص بروتشيستر الذي يتحدث عن قدومه إلى جامايكا من أجل زواج أنطوانيت مايسون ثم سنواته اللاحقة معها في هذه الجزيرة قبل أن يقرر العودة إلى إنجلترا، والقسم الأخير يعود الصوت لأنطوانيت التي تتحدث عن حالها في قصر ثورنفيلد ونهاية حياتها التي كانت شارلوت قد اختارت أن تكون في روايتها مأساوية بحرق أنطوانيت للقصر وانتحارها. 

تبدأ رواية بحر سارغاسو بسرد بضمير المتكلم على لسان الصغيرة أنطوانيت التي تعيش مع أمها في جزيرة جامايكا لكن هذه الحياة مضطربة وعنيفة ولا يوجد فيها التئام كامل مع المحيط الذي كره الأم والبنت كونهما من سلالة المستعمرين وإن كانت الأم والبنت خلاسيتين تنتميان إلى هذه الأرض، لذا فقد بدأت رحلة التشتت والضياع بعيدًا عن الذات وعدم التشكل للهُوية والانتماء لدى الصغيرة مبكرًا وفاقم الأمر ما كانت تعاني منه الأم من كراهية الآخرين لها، ووفاة زوجها الذي لا ندري متى حصل لكنه كان كافيًا ليجعل من حياة الصغيرة أنطوانيت مع أمها حياة مضطربة فالأم التي سرعان ما بدأت تحاول الانعزال والابتعاد عن ابنتها، وحتى بعد زواجها مايسون ثم مهاجمة السكان المحليين لمنزلهم وقتل ابنها الصغير، فقد انحدر حالها كثيرًا ما بين هذه العزلة والكراهية والخوف وإدمان الرَّم. أما أنطوانيت فهي الأخرى فقد أُقصيت بعيدًا عن أمها بطلب من الأخيرة وعاشت في دير. هكذا لم يكن لأنطوانيت هُوية تشعر بها حتى بتقدُّمها في السن، وكان الاغتراب عن الذات متشكِّلًا بسوء العلاقة مع الأم وتلك الكراهية التي تشعر أن الآخرين يكنونها لها، ولم ينتهِ الأمر هنا لكنه ازداد أكثر بعد زواج روتشيستر الذي حدث سريعًا وأملت أن تجد فيه نجاتها أو حتى خلاصها لكنه كان مرحلة ختامية من الاضطراب والتشتت العقلي. 

يبدأ بعد روتشيستر بالسرد وهو العارف تمام المعرفة أن قدومه إلى جامايكا وزواجه أنطوانيت هو بترتيب من والده وأخيه ومايسون لأجل الثروة التي ستحصل عليها أنطوانيت من السيد مايسون بعد زواجهما، لذا فإن هذا الزواج لم يكن يُشكل لديه إلا حاجة ملحَّة حتى لا يعيش حياة بلا ثراء. وفي الوقت الذي بدا على أنطوانيت أمارات الرفض بل حتى تصريحها بالرفض فقد أقنعها بقبول الزواج. يبدو روتشيستر هو الآخر في ضياع أو بحث عن حياة مستقرة لكنه واعٍ أكثر من أنطوانيت بحقيقة ما يُريد، لذا فلم يُكوِّن أي عاطفة حقيقية أو حب تجاه الأخيرة التي سريعًا ما شعرَ تجاهها بمشاعر غير وديّة ثم عرف عبر دانيال كوسوي، الذي زعم أنه ابن غير شرعي لكوسوي والد أنطوانيت، أنَّ من تزوجها وأمها وأخيها مصابون بالجنون ولوثة العقل وأنه قد خُدع بهذا الزواج. يظن روتشيستر نفسه ضحية مؤامرة حيكت ضده اشترك فيها والده وأخوه ومايسون لزواج أنطوانيت، وإخفائهم عنه حقيقتها المجنونة. تُعلِّم هذه المعرفة المتأخرة انحدار العلاقة بين الزوجين، وتتفاقم بمرور الوقت، يصبح فيها روتشيستر جلادًا عبر تجاهله أو قلة اكتراثه بأنطوانيت التي يُشرع عملية سلبها هُويتها والإمعان في زيادة ضياعها بتسميتها بيرتا، هذا السلب للاسم يلقى ردًا رافضًا من أنطوانيت التي تعاقر شراب الرم بكثرة وتنعزل عن روتشيستر، الذي يخونها مع خادمة وتعرف بذلك ويسعى روتشيستر لعدم إخفاء خيانته لكي يزداد وضها أنطوانيت/ بيرتا سوءًا، وفي محاولة حثيثية لكسب حبه، الحب القليل الذي محضها إياه، لكنه يرفض أن يمنحها حتى هذا الحب القليل، ليتحول كل شيء حول أنطوانيت كارهًا لها ونافرًا منها حتى من ظنته خلاصها وملجأ الأخير. ينتهي هذا الصراع بين الاثنين إلى ترك أو فرار روتشيستر من جامايكا وأخذه بيرتا معه إلى إنجلترا وحبسها في قصر ثورنفيلد.            


من الجاني، ومن الضحية؟ 


في خضمِّ هذا الصراع بين الاثنين، دون إغفال الماضي الشخصي لكل منهما تبدو عملية الفصل بينهما ومعرفة الجاني من الضحية أمرًا يزداد صعوبة ويتعقَّد بكشف أوراق الاثنين. فأنطوانيت تعاني منذ طفولتها في حياة مضطربة وعائلة ممزقة ومجتمع رافض وهُوية غير واضحة الملامح وتتزوج رجلا جاء إليها من أجل ثروتها لا أكثر بتخطيط من والده الذي قرر حرمانه من ثروته وسرعان ما يعرف أن حقيقة زوجته أو ما يشاع عنها هو الجنون الضارب في أسرتها فيجد نفسه قد وقع ضحية من طرفين لكنَّ هذا لا يرفع عنه مسؤولية الشروع في زواج كان يعرف منذ البداية أنه بُني لأجل المصلحة لا أكثر لكنه لم يستطع أن يتحمل أن يُخدع من الطرفين، ففي الوقت الذي كان أحد الطرفين بعيدًا عن انتقامه فقد كان الطرف الآخر والأضعف قريبًا والانتقام منه في متناول اليد. لكن هذا الطرف الأضعف، هذا الآخر ليس بالإنسان السوي الكامل، فهو يعيش صراعاته الداخلية التي تعزله عن العالم وعن زوجه، ويبدو أن انحدارها في بئر الجنون والاضطراب النفسي لا محالة. وتتبادر نيَّات السوء لدى روتشيستر إلى ظهور مبكرًا مما يعجل من انحدار زوجته التي بدأها بسلبها اسمها، ثم الإساءة في المعاملة وخيانتها دون محاولة إخفاء ذلك على العكس كشفه للأمر واعترافه بعد حبه لها وأنه لن يمنحها حبه ثم كراهيته للمكان الذي يعيشان فيه. ينتقل هذا الاضطراب السلوكي والنفسي من أنطوانيت إلى روتشيستر لكن الأخير يستقبله بكامل وعيه وإرداته عكس الأولى التي تبدو أنها واقعة منذ طفولتها في شِركِ الحياة المشؤومة، فقد كانت بحاجة إلى دفء الأسرة وحب الآخر لها، لذا فقد طلبت من روتشيستر أن يحبها وسعت لنيل المساعدة من العجوز كريستوفن لتجعل زوجها بسحر الأوبيا  يحبها. هل كانت تبحث أنطوانيت عن الحب فعلًا؟ إنَّ الإجابة عن هذا السؤال مبهمة لأن أنطوانيت ذات شخصية غامضية ومتقلبة ومضطربة فليس بالضرورة أن ينقذها الحب من كل هذا الضياع لكنه فقدانه بالتأكيد سيُشرف على نهايتها التي عجَّل فيها روتشيستر بأخذها من موطنها في سلب آخر لوهيتها بعد اسمها ثم حبسها في ضربة قاضية يُنهي بها سلامتها العقلية ويختم على جنونها.  

إنَّ أنطوانيت ضحية حياة أكثر مما هي ضحية شخص، ضحية تاريخ استعمار لجزر الهند الغريبة، ومعاملة الآخر المختلفة معاملة دونية، ضحية البيئة التي رفضت اندماجها ورأت فيها صرصورًا أبيضَ وأنها لا تنتمي إلى هذه الأرض وبذات الوقت لا تشعر بالانتماء إلى أرض الآخر ومرفوضة منه كذلك، ضحية لحياة أسرتها المضطربة وعلاقتها السيئة مع أمها التي تركتها لتنحدر إلى جنون وإدمان الرم، ضحية مايسون ووالد روتشيستر اللذين عملا على تزويجها روتشيستر، ضحية روتشيستر الذي تزوجها لأجل الثلاثين ألف باوند ثم أساء معاشرتها وأخذها معه إلى إنجلترا لتعيش حتى نهايتها المأساوية. 

لقد أجادت ريس في رسم صورة كاملة لحياة أنطوانيت ورفع الستار عن الخلفية التي شكلت حياة بطلتها دون أن تقف معها علانية أو تهاجم خصمها صراحة، عرضت الأمر والحقيقة من كل الزوايا المحتملة، فهل ثمة حقيقة واحدة يمكن العودة إليها والاحتكام إليها أو أن الحقيقة التي لفَّت صوت روتشيستر وأنطوانيت ستبقى متنقلة بينهما إلى الأبد؟   


المراجع والمصادر:

أدباء حياتهم وأعمالهم: جين ريس، ترجمة مؤمن الوزان.

جين إير - شارلوت برونتي، ترجمة منير بعلبكي.

بحر سارغاسو الواسع - ترجمة فلاح رحيم


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب