المشاركات الشائعة

الأربعاء، 15 سبتمبر 2021

عالم صدام حسين - مهدي حيدر.

 

مؤمن الوزان.


رواية مُذهلة لا يكتبها سوى مبدع. 


أظهر هذا العمل الروائي، الذي تمتزج فيه رواية التخيّل التاريخي مع السيرة الروائية الغيرية،  يتخللها أدب سياسي وأدب سجون، نتيجة خلّابة متقنة تسرد أحداثا مركزة على مدة خمس عشرة سنة (١٩٥٨-١٩٧٣) من تاريخ العراق المعاصر، ولا سيما تاريخ صدام حسين. بالرغم من إن الكاتب يوضح في بداية العمل بأن روايته ليست نصا تاريخيا، وإنما هي عمل تخييلي يستغل الواقع لبناء عالم خيالي موازٍ للواقع، يتفق معه أحيانا ويختلف أحيانا أخرى، فإنَّ هذه الإشارة حول "خيالية العمل" يجب ألا تمنع القارئ من الأخذ بهذه الرواية بمحمل الجد في بعض أحداثها ذات الحقيقية الواقعية، والكاتب كان مصرا على جعل العمل يتقاطع مع الواقع سواء بتغيير بعض الأحداث كما في نهاية عزيز الحاج الذي يُغتال في الخارج -وهذا عكس الواقع إذ لم يُغتل- على يدي موسى ويونس الخيّون. هاتان الشخصيتان اللتان لم أجد لهما أثرا، مما يدل على أنهما من خيال الكاتب لضرورة روائية تُضفي بعدا دراميا للعمل، إضافة إلى هدفه في إبعاد حقيقة النص التاريخي عن عمله. هذا الدمج بين الواقع والخيال في العمل الروائي، يجعل العالمين يتداخلان مع بعضهما تارة ويتوازيان في أخرى ثم يتقاطعان في مسارات مختلفة، تصبح الحقيقة خيالا والخيال حقيقة، مما يعطي العمل دفعة من الإذهال للقارئ والإرباك التشكيكي في التاريخ، وفي ضرورة إعادة قراءته، إذ الراوي يقدم رؤية شاملة للحدث، إذ من الأكيد الذي لا يقبل الشك أنَّ الراوي قد وقع على كمية كبيرة من المعلومات والوثائق التي ساعدته في عمله هذا، ناهيك عن قدرات سردية ولغوية وروائية كبيرة تكللت جميعها في هذه الرواية، التي حملت عنوان عالم صدام حسين. لم يُخطئ الروائي في هذا العنوان، إذ يتخذ من صدام حسين محور الرواية التي تتفرع منها بقية الأحداث، فمن طفل لم يرَ أباه ويعيش مع عمه في سنين حياته الأولى، هذا العم حسن إبراهيم كان له الأثر النفسي في شخصية صدام القاسية، لينتقل إلى بيت خاله خير الله طلفاح ليتلقى مبادئ البعث ويتعلم التاريخ والجغرافية، ويدخل المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة لتتشكل النواة التي سيتبلور عنها رجلٌ وشخصية لها الأثر الكبير في تاريخ العراق والمنطقة مدة أربعة عقود تقريبا. يشملها الراوي بعلمه المطلق للأحداث، وبسرد راوٍ عليم، تبرز فيه أهمية العنوان "عالم صدام حسين"، فصدام حسين مجرد مدخل إلى عالمه الذي لا يقل أهمية عنه، فكثير الشخصيات الروائية لها أصل حقيقي واقعي أمثال: ناظم كراز، عبد الكريم الشيخلي، عزيز الحاج، عبد الخالق السامرائي، خير الله طلفاح، ساجدة خير الله، عدنان خير الله طلفاح، البكر، الملا مصطفى برزاني، عبد السلام وعبد الرحمن عارف، عقداء وقادة في الجيش، في الحزب، في الحزب الشيوعي، في السجن. هؤلاء الأشخاص الحقيقيون مع نُظرائهم الخياليين، يُدّعمون عمل الراوي في إقحام عالم بآخر، ليتشكلا حول صدام حسين، الذي يُظهره الراوي، بصفات توحي بالمهابة والدهاء وبعد النظر والحذر والقسوة والسادية وقلة الكلام والإجرام وحب الذات والرغبة بالسلطة المطلقة، صدام الذي ينهار أمامه أعداؤه، صدام الذي لم يكسره السجن من تحقيق طموحاته أو الوصول إلى ما يريد، بعض الصفات تُبين الجانب الخيالي الذي أضفاه الكاتب عليه، أو حاول من خلاله ملء الفراغات أو جعل صدام تلك الشخصية الشبيهة ببطل ماركيز في خريف البطريرك.

أما كل من حول صدام من أشخاص وشخصيات، فهم لا يقلون أهمية عنه، فالراوي ذو خزين معلوماتي هائل -حقيقي وخيالي- يضخ المعلومات ويسرد حياتهم ومشاعرهم وأحيانا تاريخهم بصورة تميل نحو الحشو الذي يُمكن الاستغناء عنه دون أن يكون مخلا في بُنية العمل. 

وبالعودة إلى الروائي فإن هكذا عمل بهذه التفرعات الناتئة من محور صدام، كانت بحاجة إلى تعامل متقن مع الزمن، فاختار الروائي -المجهول الهوية- الزمن الكرونولوجي التتابعي، لكن هذا التتابع يتفرع منه خطان فرعيان رئيسان، يستخدم في الأول تقنية الفلاش باك -الاسترجاعية- ويعود الى الوراء والماضي لدرجة أنه يخرج عن حدود زمن الرواية إلى ما قبل زمن الحدث الأول، والآخر هو تقنية الفلاش فورورد -الاستباقية- غائصا في المستقبل ومتجاوزا زمن خط النهاية إلى ما بعد زمن الحدث الأخير داخل الرواية. هذه المرونة التي تمتع بها في تعامله مع الزمن الروائي الكرونولوجي، جعلت عالم صدام حسين عالما شموليا لا يخص فردا دون سواه، بل هي رواية الكل، إذ يتوزع مكان الحدث ليشمل العالم أجمع، من بغداد إلى تكريت إلى البصرة إلى الموصل إلى الأهوار، ثم يتجاوز العراق إلى البلدان العربية ثم ينطلق إلى أوروبا وبقية العالم، فتأخذ كلمة "عالم" في العنوان معنين الأول مجازي يشمل الأشخاص والشخصيات -عوالم من الشخصيات- والآخر ما يدل عليه معنى كلمة عالم المعروفة، العالم الذي تعيش فيه البشرية بمختلف لغاتها وألوانها وأعراقها وتاريخها وجغرافيتها وصراعاتها وسياساتها ومآكلها ومشاربها. تمتاز الرواية أيضا بتقنية سرد اللوائح والتعداد التي تعد من سمات رواية ما بعد الحداثة بالرغم من قِدمها مع هوميروس. إن التعداد لأنواع الطعام أو الحاجيات أو الأدوات، جعلت الوصف السردي والمكاني نابضا بالحيوية، وتُثبت أن الروائي على درجة عالية من المهارة الروائية والسردية.

 ما يثير الانتباه ويجذبه هو صوت الراوي، الذي بدا صلبا باردا، يسرد الأحداث من منظور المتابع الحيادي الذي لا يكترث بشيء، جريمة قتل، أو اغتيال، أو تعذيب، كل الأحداث تُسرد بصوت حيادي يقف في نقطة الوسط لا مع ولا ضد، فهو لا يُظهر تعاطفا مع أحد ولا يظهر عدائية أيضا، فصدام وغيره من الشخصيات، هم مجرد قوالب حقيقية مفرغة من الواقع ومملوءة بالسائل السري الذي جعل الراوي بمثابة مصور بآلة كاميرا يقف عند نقطة معينة من الخارج أو تراه يقتحم عوالم شخصياته التاريخية والفكرية والنفسية، ليسلط الضوء على مناطق الظل، أو كأنه مخرج وظيفته مراقبة جميع الممثلين والتدخل حين يستدعي الأمر. فلا يمكن أن نقول عنه كتب عمله ليمجد صدام أو كتبه لكي يهاجمه، هو يكتب فقط، هو يُظهر الشخصيات مجردة وعارية من أي هالة أو درع، والقارئ من يحكم. هذا العمل الذي أشاد به كثيرون، وهو دون شك يستحق، لكن في المقابل هناك من وجه انتقادات له متهمة إياه بتزييف الحقائق والتاريخ وإضافة شخصيات وهمية لم تفد العمل. لا يوجد عمل نال مقبولية الجميع لكن هذه الرواية هي إنجاز أدبي يستحق الاحتفاء بكاتبها! 

من الكاتب؟ من صاحب الاسم مهدي حيدر الذي يظهر بصفته كاتبا للعمل في واجهة الرواية؟ هذا ما أسال الحبر أيضا في معرفة هويته الحقيقة، أعراقي هو أم من بلد عربي آخر؟ التكهنات كثيرة لكن لا يوجد اسم يمكن أن نقول هو ذا الكاتب، حاولت أن أتتبع هوية الكاتب عبر ملاحقة بعض المفردات مثل بندورة التي وردت ثلاث مرات وكلمة زلعوم التي وردت عدة مرات، هاتان الكلمتان تُشيران إلى بلاد الشام، لكن هذا مجرد تخمين قد يكون صحيحا أو خطأً لا سيما وأننا نتعامل مع روائي حذق لا يمنع إنه استخدم هاتين الكلمتين طُعما يُزحلق الباحثين عنه إلى هُويات أخرى ورنجة حمراء لتشتيت الانتباه. السؤال لماذا لم يكشف الكاتب عن هُويته الحقيقية؟ السبب الذي أراه هو الرواية نفسها والمعلومات التي وردت فيها التي قد تعرض حياة الكاتب للخطر، وقد قرأت أن الرواي قد يكون شخصية سليمان عبد الرزاق ذا المواهب المتعددة والمتحدث للغات مختلفة، وقد يكون الكاتب أيضا لا الراوي فقط. هذه الاسئلة لا يجب أن تُبعدنا عن حقيقة قيمة عمل كهذا- عالم صدام حسين-. 

لم يقع الراوي في هفوات تاريخية -عرفتها- إلا في مناسبتين الأولى في بداية الرواية حين يذكر أن صلاح الدين فتح القدس سنة ١١٣٨، وهذا خطأ فبيت المقدس فُتح سنة ١١٨٧، والثانية في نهاية الرواية حين يذكر أن خير الدين بربروسا كان قرصانا، وهذا ما أشاع عنه المؤرخون الأوروبيون، فخير الدين بربروسا كان قائدا عثمانيا مجاهدا لأسطول بحري في البحر الأبيض المتوسط، وخاض ضد الأوروبيين معارك في البحر الأبيض المتوسط، وكان له دور في إنقاذ المسلمين واليهود من بطش الكاثوليكيين بعد سقوط الأندلس سنة ١٤٩٢.


الأمر الوحيد الذي قد يُزعج القارئ أن العمل يحتاج إلى أجزاء تكميلية فالرواية تنتهي أحداثها في صيف سنة ١٩٧٣، أي أن أمامنا ثلاثة عقود كاملة عن صدام حسين وعالمه قد تحتاج إلى كتاب أو اثنين مكمّلين. وهذا ما أرى أنه فرصة للروائيين أن يكملوا هذا العمل وينشرونه تحت أسماء مستعارة، فكون هوية الكاتب الحقيقية مجهولة فهذا يفتح المجال أمام الجميع لإكمال هذا العمل.

الجمعة، 3 سبتمبر 2021

مفكرون جهابذة: أبيقور

أبيقور (341-270 ق.م)




ولد الفيلسوف الإغريقي أبيقور العظيم عام 341 قبل الميلاد، في جزيرة ساموس التي تبعد بضعة أميال عن ساحل تركيا الحديثة. كان ذو اللحية الطويلة أشهر فلاسفة عصره، وكتب ما يزيد عن ثلاثمئة كتاب. اشتهر أبيقور بتركيزه المحكم الشديد على موضوع محدد هو السعادة. فصب تركيزه على هذا الموضوع خلافًا للفلاسفة السابقين، الذين أرادوا معرفة الطريق إلى الصلاح.

لم يقدم غير بضعة فلاسفة على هكذا اعتراف صريح وعمليّ عن اهتماماتهم من قبل. صَدَم أبيقور الكثير حينها، خصوصًا حين علموا أنه أسس مدرسة للسعادة سماها الحديقة. كان ما يحدث داخلها كُلي الغموض وعظيم التشويق. أذاع بعض الناقمين على الأبيقورية إشاعات مخربة عمّا كان يحدث في داخل المدرسة، فقال تيمقراط مثلًا -المنشق عن هذه المدرسة والفاني لعمره في التقليل منها- إن أبيقور كان يتقيأ مرتين في اليوم لأنه يمضي جل وقته جالسًا على أريكة تطعمه عصبة من العبيد أفخم اللحوم والأسماك. أما ديوتيموس الرواقيّ فقد نشر خمسين رسالة فاحشة ادَّعى -كذبًا- أنها مكتوبة من أبيقور المخمور المهووس بالجنس إلى بعض الطلاب الشباب. لكن هكذا إشاعات كانت عارية عن الصحة، فالحقيقة عن أبيقور أقل حسيّة وأكثر إثارة بكثير. اهتمَّ الفيلسوف الإغريقي بالسعادة والمتعة فعلًا، لكن لم يكن له ذاك الاهتمام بالوجبات الفخمة وطقوس العربدة. فلم يكن له غير ثوبين وحسب، واقتات على الخبز والزيتون، وتحليته غير المعتادة كانت شريحة جبن! عوضًا عن ذلك، خلص أبيقور من دراسته الصبورة للسعادة على مر الأعوام إلى استنتاج ثوري عظيم عمّا نحتاج إليه حقًا لنكون سعداء، استنتاج غريب عن افتراضات عصره وعصرنا على حد سواء.

قال أبيقور إننا عادة ما نرتكب ثلاثة أخطاء عند التفكير في السعادة، هي: 

1- نعتقد باحتياجنا إلى علاقات عاطفية


سابقًا كما الآن، شغف الناس بالحب بإفراط. لكن لاحظ أبيقور أنَّ السعادة والحب (خلا الزواج) لا يكادان يلتقيان. فهناك الكثير من الغيرة والمرارة وسوء الفهم. والجنس معقد غالبًا ونادرًا ما ينسجم مع المشاعر. لذا اعتقد أبيقور أن من الأفضل عدم الإيمان بالعلاقات كثيرًا. وعلى النقيض من ذلك وضع الصداقة، ونوّه إلى فوائد الكثير من الصداقات: نحن فيها خلوقون، ونبحث عن الاتفاق، ولا نُعنِّف أو نُوبِّخ ونخلو من حس التملك. لكن المشكلة أننا لا نرى أصدقاءنا بما فيه الكفاية. فنقدم عليهم العمل والعائلة، أو لا نجد الوقت، أو إنهم يعيشون بعيدًا.


2- نعتقد باحتياجنا إلى مال كثير


سابقًا كما الآن، شغف الناس بالوظائف بإفراط، يدفعهم التوق إلى المال ونيل احترام الناس. لكن بيَّن أبيقور الصعوبات في الوظيفة: الغيرة والغيبة والطموحات المحبَطة. آمن أبيقور أن ما يجعل العمل مرضيًا هو عندما نعمل فرادى أو بمجاميع صغيرة، وعندما يكون العمل ذا غاية فنشعر أننا نساعد الآخرين بطريقة ما أو نصنع شيئًا يحسن العالم. نحن لا نطمح حقًا إلى المال والجاه عبر العمل، بل إلى حس بالإنجاز.


3- نبالغ في تقدير الرفاهية


نحن نحلم بالرفاهية، نتصورها منزلًا جميلًا بغرف فخمة وإطلالة أنيقة. ونتخيل رحلات إلى أماكن مثالية حيث نرتاح ويدللنا الآخرون… لكن أبيقور يختلف مع توقنا. إذ يعتقد أن بغيتنا الحقيقية من خيال الرفاهية هي السكينة. لكن السكينة لا تتحصل بامتلاك منزل جميل وتغيير الإطلالة بسهولة. إنَّ السكينة سمة داخلية تتحصل عبر التحليل، نتاج تمحيصنا لهمومنا وفهمها صحيحا. لذا نحن بحاجة إلى استقطاع كثير من الوقت للكتابة والقراءة، والأهم من كل هذا، إلى الاستفادة من دعم دوري يقدمه مستمع جيد. المستمع الجيد هو شخص متعاطف ولطيف وذكي قد يوصف في زمن أبيقور بالفيلسوف ويمكن أن نسميه اليوم بالمعالج النفسي.


وضع أبيقور ثلاثة مستحدثات من تحليله للسعادة:


أولًا، قرر أن يعيش مع أصدقائه في مكان واحد عوضًا عن رؤيتهم بين حين وآخر. ابتاع قطعة أرض متواضعة السعر خارج أثينا وبنى مكانًا يستطيع وأصدقاؤه العيش فيه دائما. كان لكل منهم غرفة فيه، بالإضافة إلى المناطق المشتركة بينهم في الأسفل. هكذا كان جميع المقيمين محاطون بجيران عطوفين مسلين يشتركون معهم في وجهات النظر. وكان هناك جدول للاعتناء بالأطفال. والجميع يأكل معًا. ويستطيع الشخص أن يحظى بمحادثة في الممر متأخرًا في الليل. كان ذلك أول مجتمع مصغر متسق في العالم.

ثانيًا، توقف جميع من في ذلك المجتمع عن العمل للغير. تقبلوا أن ينخفض دخلهم مقابل أن يستطيعوا التركيز على العمل المُرضي: مثلًا كرَّس بعض أصدقاء أبيقور نفسهم للزراعة، وآخرون للطبخ، وقلة منهم للفن وصنع الأثاث. باتوا يجنون أموالًا أقل بكثير لكن يشعرون برضا داخلي وفير. 

ثالثًا، كرس أبيقور وأصدقائه نفسهم لإيجاد السكينة عبر التحليل المنطقي والبصيرة، فأمضوا حصة من كل يوم يتأملون في أوجاعهم، ويحسنون فهمهم لأرواحهم، ويتثقفون بأسئلة الفلسفة المهمة.  


ذاع صيت تجربة أبيقور في العيش فتبعها الآلاف وانتشرت المجتمعات الأبيقورية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وازدهرت تلك المراكز لأجيال إلى أن قمعتها كنيسة مسيحية متعنِّتة حاقدة بوحشية في القرن الميلادي الخامس. مع هذا فإن مبادئها نجت رغم تحوّل العديد من المراكز إلى أديار. ما زال تأثير الأبيقورية مستمرًا في العصر الحالي، فقد كانت أطروحة كارل ماركس في الدكتوراة عن أبيقور، وعدَّه فيلسوفه المفضل. بل إن ما نسميه اليوم بالشيوعية ليس في جوهره إلا نسخة أكبر -أكثر تسلطًا وأقل متعة- من الأبيقورية.

حتى اليوم، ما تزال الأبيقورية دليلًا لا غنى عنه إلى الحياة في المجتمعات الرأسمالية الاستهلاكية المتقدمة، لأن الدعاية -التي تعتمد عليها هذه الأنظمة- توظف خلط مفاهيم الناس ببراعة بخصوص ما يعتقدون أنه ضروري لسعادتهم. ويركز عدد هائل من الدعايات على الثلاثة أشياء التي صنفها أبيقور مغريات سعادة كاذبة، وهي الحب الرومانسي والمكانة المهنية والرفاهية.

ما كانت الدعايات لتعمل إن لم تناغِ احتياجاتنا الحقيقية. لكنها تحفزنا عبر مداعبتها ولا تحققها فعلا. فإعلانات البيرة على سبيل المثال سترينا مجموعة أصدقاء متعانقين، لكنها لا تبيعنا غير الكحول (الذي قد ينتهي بنا الحال نحتسيها بمفردنا). وخذ إعلانات الساعات الفخمة أيضًا، فهي تظهر لنا أشخاصًا بمكانة مهنية عالية يتمشون قاصدين المكتب، لكنها لن تلبي فينا التوق إلى عمل مُرضٍ بحق. وقد تدغدغ إعلانات الشواطئ الاستوائية حواسنا براحتها النفسية لكنها أبدًا لن تستطيع -بمفردها- أن تهب لنا السكينة التي نشتهيها.

يحثنا أبيقور على تغيير فهمنا لنفسنا وتغيير المجتمع وفقًا لذلك. لا يجب أن نرهق نفسنا والكوكب معنا في سباق السعي إلى أشياءَ لن ترضينا بحق حتى إن نلناها. نحتاج إلى العودة إلى الفلسفة، وإلى جدية أكثر بكثير بخصوص مسألة أن نكون سعداء.


Great Thinkers

ترجمة: موسى جعفر


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب