المشاركات الشائعة

الاثنين، 26 يوليو 2021

الحدقي - أحمد فال ولد الدين.

 

مؤمن الوزان.


كنت وما زلت أعد روايات التخيّل التاريخي التي تعيد روي التاريخ وحوادثه وشخصياته في قالب روائي واحدة من أهم وأصعب الأنواع الروائية لأنها تحتاج إلى بحث وجهد كبيرين يفوقان أي شيء آخر في بُنية العمل. إذ رواية التخيّل التاريخي (أو الرواية التاريخية) هي إعادة صياغة الماضي عبر استقراء وتفكيك كتب التاريخ الخاصة بالمرحلة المعنية أو الأحاديث المروية المتعلقة بالموضوع وما يتفرع عن هذا الاستقراء والتفكيك من الاهتمام بمواضيع اجتماعية وفكرية وثقافية ودينية ولغوية ويصل الأمر إلى الاهتمام بالطعام والملابس وآلية بناء المنازل وأمور أخرى ضرورية في تشييد أي عالم روائي فكيف بإعادة تشييد عالم الماضي الذي يملك الكثير رؤى وأفكارًا وتصورات عنه تجعل من الخطأ فيه مضاعف المحاسبة. وتتمثل العقبة الأخرى التي يواجهها المؤلف في رواية التخيّل التاريخي هو محاولة معالجة المواد المفقودة، والأحداث المُبهمة، وكيفية رأب هذا الصدع الذي يحتاج إلى تخيله الشخصي، وتحليله الذاتي، ورؤيته للموضوع وفقًا ما تفرضه عليه أفكاره وخيالاته وبما يراه يتناسب مع عمله وبحثه، وهنا بالذات تخرج الرواية من الموثوقية إلى التخيلية التي تفرض على القارئ ألا يتمادى كثيرًا مع العمل وإسقاطه على الواقع كليّا وتصديق كل ما يرد فيه حتى وإن روى أحداثًا حقيقية وتناول أشخاصًا معروفين وإلا انتفت غاية الرواية وتحولت إلى مؤلف تاريخي وهي ليست كذلك. لذا فرواية التخيّل التاريخي تبقى رواية لا أكثر ولا يمكن وضعها في ميزان واحد مع كتب التاريخ وهذا لا ينفي أن تضبط هذه الرواية مادتها في حالة تناولها لأحداث حقيقية. في حين تكمن المرحلة التالية في رواية التخيّل التاريخي في كيفية صياغة العمل وبناء أحداثه شخصياته وتقديمه للقارئ، وهنا تبرز قدرة المؤلف الفنية في الصنعة الروائية، فرواية التخيّل التاريخي ليست مجرد تجميع لأحداث الماضي في قالب روائي بل يلزمها أن تنفخ الروح فيها، وأن تجذب القارئ إلى عالمها ليسبح فيه ويعود بالزمن إلى الوراء- زمن الحدث المقصود


رواية الحدقي واحدة من روايات التخيّل التاريخي التي قدمت هذا النوع من المحاولات في استعادة الماضي في قالب روائي، وتسليط الضوء على شخصية تاريخية وأدبية رفيعة في تاريخ الأمة الإسلامية متمثلة في العالم الأديب واللغوي المتبحر البصري أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، صاحب المؤلفات الذائعة الصيت ولا سيما مؤلفه "البيان والتبيين"، وكتبه الأخرى التي بلغت العشرات مثل البخلاء والحيوان وغيرهما كثير


يقدم الكاتب ولد الدين حياة الجاحظ أو الحدقي "كما أختاره عنوانًا للكتاب" التي بلغت تسعين عامًا وبضع سنين قضاها في البصرة وبغداد في العصر العباسي الذهبي ما بين القرنين الثاني والثالث الهجريين


تُفتح الرواية بسرد راوٍ عليم بالحديث عن اليوم الأول لمحمد القروي الشنقيطي وانضمامه للعمل في قناة "العروبة" مدققًا لغويًا فيها. وفي هذا العالم الإعلامي الغارق في اللهجات والعربيّة المحرَّفة الكسيحة يلفي القروي نفسه في مهمة مستحيلة لتقويم هذه الألسن التي اعوّجت من كثرة لحنها وخطأها وإهمالها نحو العربية في ضبطه سواء في كلامها أو أخبارها وتقاريرها. وفي غمرة موج الانحدار اللغوي الذي يطغى على القناة يُلقى على القروي مهمة كتابة وثائقي عن شخصية تاريخية ليقع الاختيار على الجاحظ، ومع الجاحظ تبدأ رحلة القارئ الماتعة إلى مدينة البصرة ثم بغداد في رحاب الأمراء والسلاطين ومجالس الأدباء والمناظرات والحوارات في المساجد والمنازل والقصور

يتسلَّم القروي هنا زمام السرد ويتحول من شخصية إلى راوٍ، وفتنقسم الرواية إلى عالمين روائيين أحدهما في الحاضر والآخر في الماضي، وفي مستويين للسرد (الحدث الماضي في الحدث الحاضر). وبهذا يبقى العمل متنقِّلًا بين الاثنين

حاول المؤلف أن يضبط لغة العمل في الزمنيين الروائيين والتي هي أبرز ما ميّز العمل في عمومه، إذ لغة الرواية في الزمن الحاضر امتازت بالوضوح والسهولة فهي أقرب للعامية منها للفصحى في كثير حواراتها رغم محاولة القروي الحفاظ على لغته العربية السالمة من اللحن والتشويه، ليبدو غريبًا في الوسط الذي يعمل فيه، في حين يحافظ القروي/ الراوي في كتابته عن الجاحظ باللغة العربية الفصحى التي تحاول مقاربة لغة عصر الجاحظ بنحوٍ شبه متقن. ليبرز هنا دور اللغة في تجسيد التاريخ المتناول، فاللغة هي الأساس الذي بُني عليه عالم الجاحظ قبل أي عناصر تأسيسية أخرى في العمل. تعطي لغة السرد وحوارات شخصيات عصر الجاحظ جوًا عربيًا قديمًا يتذوق فيه القارئ حلاوة العربية ويجد نفسه داخل البصرة القديمة وبغداد العباسيين


تتشكل رواية الجاحظ الداخلية في البصرة من أربع عناصر رئيسة:    

١- سيرة الجاحظ.

٢- البصرة وتاريخها وأهلها ومجتمعها وطوائفها.

٣- سير أعلام أهل البصرة.

٤- الحركة الفكرية أو الدينية المعاصرة للجاحظ كالمعتزلة والثنوية.


فعلى هذه العناصر يعمل القروي على السيطرة على قصة الجاحظ قبل الانتقال إلى بغداد والتي لن يكون الجو الروائي العام فيها موازيًا للبصرة والفرق بينهما واضح إلا أنه يتناسب مع أهمية البصرة ومدة مكوث الجاحظ فيها لا سيما وهي مسقط رأسه وأرض نشأته


يبقى العمل يسير في خطين متوازيين ما بين الماضي والحاضر، ما بين القروي والجاحظ، ومحاولة الموازنة ما بين الحالة النفسية والعاطفية للاثنين في العمل ما بين حب القروي لزميلته حصة، وما بين حب الجاحظ لتماضر بنت الخليل الفراهيدي ثم الجارية عليّة وإن اختلفت نهايتي القصتين وفقًا لما يقتضيه سياق كل قصة

لا تقدم رواية القروي الشيء الكثير، ولولا التركيز على المسألة اللغوية في القناة فهي رواية عادية تتمحور ما بين اهتمام القروي باللغة العربية وعمله في قناة العروبة -وهي مفارقة تهكمية من قبل المؤلف، فقناة العروبة تجهل العربية- والعلاقة مع حصة السعودية التي تنتهي بفشلها لأسباب معروفة وأخرى مجهولة بذات الوقت، إلا أنها في النهاية لا تعطي جديدًا يجهله القارئ، ولا تقدم تحليلا اجتماعيًا، ولا تعطي بعدًا إنسانيًا للقصة، هي مجرد حكي، وكان بإمكان المؤلف أن يجعل من العمل أكثر جاذبية وجرأة وهو الصحفي الذي عمل مع قناة الجزيرة، أن يأخذنا فيما خلف كواليس القنوات الفضائية، والتضليل الإعلامي الذي تمارسه القنوات، والحملات المؤدلجة، والحرب الإعلامية، ويكشف للقارئ خبايا وأسرار هذه القنوات وسيجعل من رواية الحاضر عملًا أكثر إثارة وجذبًا لكنه آثر الطريق السهل ومن يتجنب الوعورة في عالم الأدب يعود خالي الوفاض. لذا فالجزء الذي يتناول حياة القروي كان فارقًا بضعفه الفني فالسارد عليم، والشخصيات بلا أي أبعاد جوانية وأغلبها ظلال شخصيات وصور لا غير، ليس ثمة اهتمام بالمكان أو الزمان الروائيين وبضعف الحبكة التي هي أشبه بلا حبكة ناسخة لملل حياة العمل المتكرر، أما النهاية فهي لا تتميز بشيء يذكر سوى أنها كانت شبيهة لبقية الجزء المتعلق بالقروي وقناة العروبة


يختلف الأمر مع رواية الجاحظ رغم أنها هي الأخرى لم تستخدم القوة الإبداعية الحرة والمتطورة في العناصر الروائية. لكن نجد استخدام تقنية الاسترجاعية ضمنيًا مع السرد بالعودة إلى الوراء عبر ذاكرة الجاحظ، وهذا ما يضفي شيئًا من الفنية على العمل الذي استمر بخط زمني تصاعدي. وثمة تنوع في أحداث العمل والحوارات والأحداث والشخصيات -التي كانت شخصيات معروفة- لكنها تبقى عدا شخصية الجاحظ شخصيات خارجية لم يقتحم الراوي عالمها الداخلي إلا في مرات معدودة جدًا رغم مقدرته على هذا وهو الراوي العليم، فقد اهتم بالوصف الخارجي والحوارات أكثر من اهتمامه ببناء الشخصيات وهذا يعود جزء كبير منه إلى كونها شخصيات حقيقية، وعملية بنائها تلزم تفكيك الشخصية في الواقع من خلال ما خلفه من إنتاج أدبي، وبذلك ستفرض كل شخصية على المؤلف جهدًا خاصًا في التفكيك ثم التشييد لكن المؤلف هنا أيضًا آثر الطريق السهل واكتفى بتفكيك شخصية الجاحظ وإعادة بنائها في عالمه الروائي. والأمر الذي يسترعي الملاحظة هو اختفاء أم الجاحظ دون الإشارة إلى كيفية موتها أو حال الجاحظ عند وفاتها ولا يرد لها ذكر بعد ظهورها في البداية ولا سيما في حضرة الخليل الفراهيدي إلا عبر ما يتذكره الجاحظ عنها، ثم الظهور الفجائي لشخصية مريم بنت أخت الجاحظ لإعانته بعد إصابته بالفالج فلا نعرف من هذه الأخت ولا كيف أتت مريم فكأنها كانت تقف خلف الستارة وأُقحمت في النص إقحامًا وهذا ما يؤخذ على الراوي القروي ومن فوقه المؤلف

وبالعودة إلى ظهور أم الجاحظ وهي تقدم ابنها وهو في الرابعة من عمره إلى الخليل نلاحظ أن الراوي أضفى على قدرة الجاحظ الفكرية والنفسية على حد سواء ما لا يتناسب مع سنه الصغيرة فيكتب: "شعر الجاحظ بحرج من ضحك أمه بين يدي أعقل العرب، وظهر ذلك في تعرق جبهته التي تكاد المكان الوحيد الذي يفضح مشاعره كلما حاول إخفاءها". لا يتناسب هذا الوصف للجو النفسي الداخلي لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات وهي كما أراها سقطة في بناء شخصية الجاحظ في صغره. كما يلاحظ في العمل هو التسارع الزمني التي يكاد يبدو في بعض الأحيان كونه صفحات من حياة الجاحظ أقرب من محاولة عرض حياة الجاحظ كاملة.   

في الختام فإن الجزء المتعلق بحياة الجاحظ أراه ناجحًا رغم الملاحظات التي وقفت عندها فيه، ونحن بحاجة دائمة إلى مثل هذا النوع الروائي وإعادة الشخصيات المهمة في تاريخنا الديني الأدبي والفكري إلى الواجهة وإعطاء أمثلة ناصعة على مجد هذه الأمة وتاريخها التليد الذي يحاول تشويهه الكثير بكل ما أوتوا من قوة.


 **

الأخطاء اللغوية في العمل

ثمة في العمل عشرات الأخطاء اللغوية (ما بين مكرر وغير مكرر) -عدا تلك المقصودة التي نبّه عليها القروي- ولا يمكننا التغافل عنها لسببين أكره المؤلف نفسه بينهما، الأول في اختياره مهنة المدقق اللغوي لبطله، والثاني في اختيار سيرة الجاحظ اللغوي النحرير، فإن العمل هنا بالذات يقوم على اللغة السليمة قبل كل شيء آخر، فهي مجمع قوة العمل ومحوره وأساسه. وأي تضعضع فيه يجعلني أقف عنده، وهي أخطاء بعضها شائع فمثلا استخدام ظرف الزمان الدال على المفاجئة "بينما" والذي يتصدر الكلام، أداة ربط شبيهة بـ While في اللغة الإنجليزية، أو الخطأ الذي يرد في جواب الجاحظ:

هل أنت أبو عثمان؟ 

بلى

ونربأ بالجاحظ أن يستخدم بلى في إجابة سؤال مثبت بـ هل. وكذلك استخدام أم المعادلة مع هل في سؤال يطرحه الجاحظ! وكذلك في قوله لأبي نواس: حتى يعرف الخليفة مكانتك كأشعر أهل البصرة، والكاف للتشبيه وهي دخيلة على العربية من استخدام  As الإنجليزية في ذات السياق. وأخطاء أخرى لا بد من مراجعتها وتصحيحها فأي نقص أو سقطة تُحسب على العمل لا سيما وهي حصن هذه الرواية المنيع.




السبت، 24 يوليو 2021

كيف أكتب؟

 

حوارات وأسئلة مع أربعة كتَّاب 

حاورتهم: أليس فوترمان
ترجمة: عبير علاو


بيتر كيسبرت: كيف أكتب؟

تسلبك روايات بيتر كيسبرت من السطر الأول وتستحوذ على اهتمامك فلا تتخلى عنها، لذا فإنه من السهل معرفة سبب حصول مجموعته الأولى من القصص القصيرة "أعلم أنك تعرف من أنا I Know You Know Who I Am" على تقييمات رائعة وتبوئها مكانا مميزا في العديد من قوائم أفضل كتب عام 2020، ومع أن "الخداع" طابع يجمع هذه القصص فإن كل واحدة منها هي كنز مستقل بمعنى وفكرة خاصة بذاتها، فأسلوب كيسبرت الروائي يحبك القصة بنحوٍ مثير للإعجاب، ويضع بصمته وتأثيره الخاص في القصص العميقة الحادة، في هذه المجموعة القصصية؛ سيجد القراء أنفسهم مع كيسبرت يتذوقون فنًّا تلو الآخر ويستمتعون به، يذكر أن كيسبرت يعمل محررًا في HarperCollins كما أنه يكتب روايته الأولى حاليا.


موضوع مشترك:

بدأتُ في كتابة القصص التي  تدور أحداثها حول الكاذبين والمخادعين، وتنوع السرد ما بين قضايا غريبة وأخرى من نضالاتي الخاصة، هذا كتاب عن خيانة الذات وإلى أي مدى يمكننا الابتعاد عن أنفسنا، أظن أننا غالبًا ما نمتص الكثير من السموم، فكانت هذه القصص التي تحكي عن ارتباكنا الداخلي حين نتصرف عكس ما تمليه علينا ذواتنا لأجل الآخرين، فانبثق شيئًا من ذلك في كتابي واتبعته.


تشكيل القصة:

كل قصة تخرج بطريقتها الخاصة، عادة ما أبدأ بعناصر معينة وفريدة تتردد في داخلي، وقد لا تحصيها صفحة واحدة فأستمر بالسرد، لا أحمل أية فكرة عن شخصيات القصة حينما أبتدئ كتابتها، فهي تظهر من تلقاء نفسها ومن التحديات التي تنشأ مما أحاول صياغته عاطفيًّا، قد أكتب البداية عدة مرات، وأحيانًا أقفز إلى النهاية وأكتبها ثم أقوم بسد الفجوة بينهما، إنني أرى أن كل قصة مختلفة عن الأخرى، وكتابة القصة في نظري هو فعل اكتشاف كامل.


لماذا اخترت القصص القصيرة؟

لقد أثرت القصص القصيرة في داخلي وغيرت الكثير، كما أنني وجدتها أكثر تشويقًا من أي شكل أدبي آخر بما في لك الشعر والروايات، لا شيء يضاهي غمر نفسك بالكامل في الكتابة وقدرتك على كتابة قصة قصيرة كاملة في جلسة واحدة، كوني كاتبا شابا، كانت القصص القصيرة جل إنتاجي في ورش العمل، أحب أن أكون قادرًا على التعبير عن وجهة نظر العالم بنحوٍ كامل بسرعة، كما أنني أحب تحدي الضغوطات، واليوم أجد أنني أعيد تعلم الكثير من الأشياء حينما اتجهت إلى كتابة الروايات.


الحوارات:

أجد دائمًا أنه من المفيد قراءة الحوارات بصوت عالٍ، فهو مفيد لتحديد اللحظات التي نحتاج كتابتها بعمق وقرب، كونك تستمع لنفسك وتضعها بكل ثقة موضع القارئ، ولقد كان الحوار دائمًا مصدر قلق لي لأني كاتب شاب، لم يكن الأمر سهلًا بطبيعته، لكنني تعاملتُ معه كأداة للكشف عن الشخصية ومعرفة أبعادها الحقيقية.


النمط الكتابي:

نظامي الكتابي غير منتظم جدا، أميل إلى الكتابة أكثر في الصباح الباكر بين الخامسة والسابعة صباحًا، فهو يوفر لي الصمت والقدرة على تعبئة المساحات البيضاء بنحوٍ لا يمكنني إيجاده بعد يوم عمل طويل مليء بالضجة، أحيانًا أكتب قليلاً في مترو الأنفاق، حتى لو كانت عبارة عن بضع كلمات هنا وهناك، فهي تجدي نفعًا وينبثق منها شيئًا ما، كما أن لدي هوس شبه دائم حيث أفكر دائمًا في القصص ودائمًا ما أقلب الجمل في ذهني، وبهذا المعنى، فأنا أكتب دائمًا!


*


ريتشارد بلانكو: كيف أكتب؟


عُرف الشاعر ريتشارد بلانكو بعد قراءته لقصيدته "One Today" في حفل تنصيب الرئيس أوباما للمرة الثانية، فبعد هذا الحدث الذي غيّر حياته، حظي بلانكو بمكانة شعبية مختلفة فواصل خطاباته وتدريسه وعمله سفير تعليم في أكاديمية الشعراء الأمريكيين، وتعكس أحدث مجموعاته الشعرية "كيف تحب بلدًا"(1) مؤشر هام ومؤثر في القضايا التي تواجه أمته وشعبه، فتناول عددّا من الموضوعات المهمة للرأي العام مثل الهوية الثقافية، والهجرة، والعرق، والهوية الجنسية، وإطلاق النار الجماعي، والسياسة الحديثة، وينقل عمله القوي المميز والمؤلم أحيانًا خبراته ونضالاته الشخصية والجماعية، إضافة لذلك كتب بلانكو كتابي مذكرات: "أمير لوس كوكويوس"(2) و "لنا جميعًا، يوم واحد: رحلة افتتاحية للشاعر"(3).


كيف يُدرّس الشعر؟

أريد أن أحول الذين لديهم ميتروفوبيا (خوف من الشعر) إلى متعاطفين، أظن أن منشأ ذلك الخوف يعود إلى الطريقة التي درسوا بها الشعر، فبدلًا من تدريسه بطريقة يكتنفها الغموض، علينا أن نتعامل مع الشعر كما نتعامل مع الموسيقى أو الفن، فهو مثل أي شيء جديد تجربه، تبدأ وتفشل ثم تتحسن مع الوقت، جوهر الأمر يكمن في الممارسة، وقد يعطيك الإنشاء مساحة رائعة قد تصبح مرعبة أحيانًا لكن لا تجزع، فقط تقبل الأمر وغص في أعماقه، ففي النهاية، سينساب كل شيء، وسيصبح الأمر أسهل.


بدء قصيدة:

غالبًا لا أعرف إلى أين ستؤدي القصيدة، لكن أعي الموضوع أو الفكرة التي بدأت بها، قد أستلهم القصيدة من صورة أو اقتباس أو ذكرى، أكتبها وأرقب ببطء تطور الكلمات على الصفحة، عادةً، عندما أبدأ متمسكًا بقوة بفكرة ما، فإنني لا أستطيع المضي قدمًا كون التمسك يحرمني من الاكتشاف، فالوصول إلى الفكرة يشبه العثور على النغمة الموسيقية الصحيحة فأنت تجرب حتى تسمع النغمة المنشودة، ومع الشعر الحر، على كل قصيدة أن تجد منطقها الداخلي وبنيتها المتفردة، ولا يمكنك معرفة ذلك إلا أثناء الكتابة.


أنماط وأسئلة ثابتة:

يتلخص مساري الكامل في أعمالي في سؤال أساسي واحد: أين الهدف؟ في الكثير من أعمالي السابقة، كانت أفكار الهوية الثقافية والانتماء للمكان متمحورة حول هذه الأسئلة، وبعد أن قدمت القصيدة الافتتاحية في التتويج الرئاسي، اندفعت إلى عالم مختلف، ليس لشعري فحسب، بل لنفسي أيضًا، ولّد الأمر شعورًا بالتفكير في الواجب المدني نتيجةً لذلك، فلم أعد "أنا" بل أصبحنا "نحن"، وبنحوٍ أوسع؛ انبثقت طريقة أوسع وأكثر تعددية للتساؤل عن نفس الأشياء.


الوصول:

لقد نشأت في أسرة مهاجرة من الطبقة العاملة، ولم يكن لدي إمكانية الوصول إلى الشعر، أريد أن أكتب شعرًا تستطيع أمي قراءته، أو شعرًا كنت سأحبه عندما كنت طفلاً صغيرًا، أحسبُ نفسي شاعرًا للشعب، وأعارض الفكرة القائلة أن الوصول السهل إلى القصيدة يلغي تعقيدها، فالوصول ليس مرادفًا للوضوح.


النثر والشعر:

أردت نوعًا ما أن أعلم نفسي كتابة النثر وأمضي في عملية التعلم هذه، الفرق الرئيس أن الحبكة هي ما يحرك الكتاب حتى في كتابة المذكرات، فعلى السرد أن يواصل تحركه، فالقصيدة أشبه بأغنية مدتها دقيقتين أو ثلاث دقائق، في حين تشبه المذكرات مشاهدة فيلمًا، فكلما كتبت، سألت نفسي "ماذا سيحدث بعد ذلك؟"، إلا أنني لا يمكنني كتابة مذكرات دون كتابة الشعر أولاً، كوني أريد أن أعرف ما المركز العاطفي فيما أكتب.



  1. How to Love a Country

  2. The Prince of los Cocuyos

  3. For All of Us, One Today: An Inaugural Poet’s Journey.


*


كارمن ماريا ماتشادو: كيف أكتب؟


جمعت كارمن ماريا ماتشادو في مجموعتها القصصية القصيرة الأولى ذاتها وشخصيات أخرى لخلق قصص أصلية ومثيرة للإعجاب، كما أنها قدمت نهجًا مبتكرًا للواقعية في مذكراتها الشهيرة In the Dream House، بفصول قصيرة متنوعة أرخت ماتشادو الإساءات التي عانت منها أثناء علاقة مع كاتبة أخرى، وعرضت علاقتهما بعدسة مختلفة في كل فصل.

هذا الكتاب صريح بنحوٍ لا يصدق ومثير للاهتمام بذات القدر، بأسلوب كتابي جميل ومثير على الرغم من موضوعه المؤلم.


بناء مذكرات فريدة:

عندما بدأتُ الكتابة عن مذكراتي لأول مرة؛ حاولت سردها بطريقة مباشرة، لم يبدُ أي شيء مما كتبته جيدًا أو صحيحًا، في مرحلة من حياتي، كنت أدرّس في معسكر صيفي للكتابة للمراهقين وأركز كثيرًا على الأنواع الأدبية -والذي ينبني عليه عادة الطريقة التي أنظم بها جميع المناقشات حول الكتابة والأنشطة اليدوية-.

أثناء محادثة ما فكرت في نفسي: "ربما يكون النوع الأدبي أمرًا مثيرًا للاهتمام في هذا المشروع"، ثم بعد أن تكونت لدي الرؤية حول النوع، علمت بأنني وجدت الدرب الصحيح لهذا المشروع.


كتابة شخصية عميقة:

بالتأكيد كنت قلقة بشأن كتابة هذا الكتاب، كان الأمر بحد ذاته مرهقا جدًا، فكرت في التوقف عدة مرات لكنني في النهاية قررت أن علي القيام بذلك مهما كلف الأمر، لكن هذا القرار لم يمنعني من العودة إلى أسئلة مثل هل ما أكتبه مبالغ فيه، وهل علي فعلًا القيام بذلك، وقد كان من الغريب تخيل أشخاص أعرفهم يقرؤون تلك المذكرات، لم يكن لدي أي مانع في أن يقرأها الغرباء، لكن فكرة أن يقرأها مدرس ابتدائي أو زميل صف قديم أو قريب فتلك فكرة غريبة، ولا أحبها.


الواقعية مقابل الخيال:

أجد أن كتابة الروايات الخيالية ممتعة، وهي أمر إبداعي أستمتع به حتى عندما أكتب عن أشياء حزينة، إذ لا أجد صعوبة في كتابتها، وعادة ما أكون قادرة على الكتابة بسعادة وبسرعة وبنحوٍ جيد، إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على الكتابة الواقعية، فهي أمر صعب أشبه بأن تقتلع أسنانك، فهو تحدٍّ تقني ولوجستي يستنزفك عاطفيًا ويجعلك تكتب وتخفي إحدى يديك خلف ظهرك طوال الوقت، لذلك أجدني معجبة جدا بالأشخاص الذين يكتبون قصصًا واقعية جيدة، لأنني رأيت بنفسي مدى صعوبة الأمر وكتابته جيدا.


إيجاد نقطة البداية في الكتابة الخيالية:

عادةً ما أبدأ من مفهوم أو فكرة أو شكل ما أو سؤال أو نوع أدبي (فرعي)، لكنني لا أبدأ أبدًا من شخصية أو مكان، ولا أكتب نحو اللا شيء، فدائمًا ما يكون لدي مكان ما أقوم بتوجيه أفكاري إليه.


نمط الكتابة:

يعتمد نظام الكتابة على ما يحدث في حياتي، فإذا كنت مقيمة في مكان ما، أستيقظ مبكرًا جدًا وأكتب طوال اليوم، وألتزم بجدول زمني صارم جدًا، الكثير من هذه الأماكن تتولى العناية بك، فلا أحمل هم التفكير بشأن الطعام أو تحضيره أو غسل الأطباق، فهذه الهدية الحقيقية تمنحني الوقت للعمل والعمل والعمل على مدار اليوم، لكن عندما أكون أعيش حياتي الطبيعية في المنزل، يتوجب علي القيام بمهام أخرى؛ مثل مواعيد الطبيب، مكتب البريد، تسوق البقالة، إعداد العشاء، أخذ الكلب في نزهة، وغيرها من الأمور التي تقطع اليوم، وتجعل العمل في المنزل أصعب بكثير، ولحسن الحظ، أصبح مكتبي المنزلي الآن نظيفًا ومنظمًا، وأنا بصدد التعلم لجعله مكانًا مفيدًا ومساحة كتابة خاصة بي. 


*

مايا شانباج لانج: كيف أكتب؟




بعد تلقيها الثناء اللامع والمراجعات الإيجابية لروايتها الأولى "السادس عشر من حزيران The Sixteenth of June"، وحين بدأت مايا شانباج لانغ العمل على روايتها الثانية؛ تغير كل شيء، إذ أصيبت والدتها بمرض ألزهايمر في وقت مبكر، مما دفع بلانغ لأن تكون المسؤولة عن رعايتها ورعاية ابنتها الصغيرة في ذات الحين.

لم تكن تخطط لكتابة مذكراتها، إلا أنها لم تخطط لتلك التجارب التي دفعتها لكتابة "What We Carry ما نحمله".

نتيجة تلك المذكرات هي أسطر تستكشف العلاقات المعقدة بين الأمهات والبنات، المؤثر والتأثير، ولربما لم يكن "What We Carry" يحكي ما أرادت لانغ كتابته في البداية، إلا أنه يتجلى بين سطوره بوضوح أنه مما يُستَوجَب أن يُكتَب.


التحول إلى المذكرات:

لم أنوِ قط كتابة مذكرات، ولم أخطط لذلك من قبل، وفي الواقع كنتُ أعمل على رواية، وأرعى ابنتي، وأحاول بناء مسيرتي المهنية، أصيبت والدتي بداء ألزهايمر المبكر، وأصبحت صحتها تتدهور بسرعة، فجاءت لتعيش معي، وأصبحتُ من يرعاها ويتولى جميع شؤونها، ولأمنح نفسي بعض الراحة؛ كنت أجلس وأكتب منشورًا على Facebook عن يومنا أو شيئًا من أحداثه، قد يكون أمرًا فكاهيًّا أو قد يكون شيئًا من المعاناة، وفي مرة، رأى محرري المنشورات وقال: "أظن أن هذا كتابًا"، وقلت: "لا يمكنني كتابة مذكرات"، لكن في تلك الليلة الأولى كتبت أول 70 صفحة، وأدركت من خلالها ما أكثر  حاجتي إلى الكتابة عن هذه الأشياء، فقد كانت هناك أشياء في داخلي نُشّطت من خلال رعايتي لوالدتي.


الواقعية مقابل الخيال:

لم تكن الكتابة سهلة، فحين تكتب نصًّا خياليا، تشعر أنك مغطّىً ومحمي، تقف على مسافة بعيدة من نفسك وواقعك، فالخيال هو مثل الاستماع إلى نبضات قلب شخص ما من خلال سماعة الطبيب، في حين تشبه كتابة المذكرات جراحة قلب مفتوح تمسك فيها قلب شخص ما بين يديك.


نقطة انطلاق الخيال:

عندما أكتب الروايات الخيالية؛ أبدأ الكتابة دون معرفة سابقة عما سأكتب، فمع روايتي الأولى؛ بدأ كل شيء بظهور الجملة الافتتاحية في ذهني، لم أكن أعرف شيئًا عن الشخصيات، ولقد كتبت الكتاب جملة تلو جملة، مثل بناء منزل لبنة فلبنة، وفي رأيي، الخيال هو تمرين من عدم اليقين، ومغامرة نحو الظلام، وذلك اللغز المجهول هو ما يجعلني أستمر، وأكتب صفحات عديدة قد لا أضمنها نسخة الكتاب الأخيرة، لكنها ستساعدني في معرفة شخصياتي.


التحرير:

أنا ممن يعدلون ويغيرون كثيرًا مما يكتبون، وهذا أمر سخيف يبدو وكأنني أشعر بالحاجة إلى جعل المقدمة مثالية، كمن يختار ورق الحائط المثالي للردهة قبل بناء المنزل، وهي ليست بطريقة فعالة، فقد أقضي وقتًا كبيرًا في إعادة صياغة فقرة معينة وربما ينتهي بي الأمر بعدها لأن أقطع تلك الصفحة بأكملها لاحقًا، إلا أن الشيء الأكثر أهمية يكمن في كتابة المسودة ثم إلقاء نظرة عليها بعيون جديدة كما لو أنك في موضع القارئ، في أحيانِ كثيرة أجدني أصبحت قاسية تمامًا مع التحرير والتعديل، فأنا على استعداد تام للتخلص من أي جزء أراه غير مناسبًا.


نمط الكتابة:

عادةً ما أكتب وفقًا لجدول ابنتي، فأكتب ما بين التاسعة والنصف صباحًا والثالثة بعد الظهر، وأحاول جاهدة لأن أحشد تركيزي للكتابة وألا يُشتّت انتباهي بوسائل التواصل الاجتماعي أو رسائل البريد الإلكتروني، أمر أحيانًا بأيام لا أكتب فيها كثيرًا، لكني أنظر إلى ما لدي وأقرؤه وأتمحص فيه، أظن أن إعطاء كتاباتي بعض الوقت مهم جدا، فقد لا تسفر عن الكثير من النتائج أحيانًا، وقد لا تكتب كثيرًا، إلا أن الأهم ليس تراكم الصفحات بقدر ما حاجتك إلى تلك الأيام التي تغوص فيها في الأعماق نحو الجذور ليثمر محصولك بعده.



*أليسون فوتيرمان كاتبة مستقلة تقيم في شارلوت بولاية نورث كارولينا.



الأحد، 18 يوليو 2021

ملك رواية الجريمة اليابانية في العصر الذهبي


(سيشي يوكوميزو) 

باول فرينتش. 


شهدت السنوات الأخيرة تحركات للأكاديميين حول العالم للنظر في الحركة الأدبية للقرن العشرين، خاصّةً للحداثة من نطاق عالمي. مما أدى إلى توسع الإنتاج الأدبي الحداثي أكثر من كونه منحصرًا في جويس، وولف، إليوت، باوند أو هيمنغوَي، وللتفكير أكثر حول الأدب الذي يتدفق ذهابًا وإيابًا عبر الكرة الأرضية فمن الواضح أن هذا مرحب به. مع ذلك، حين نتحدث عن العصر الذهبي لكتابات الجريمة، فإن تلك الحقبة تتركز إلى حد كبير في حقبة العشرينات والثلاثينات، وتتكون من القصص البوليسية التي تركز التحقيق عن هوية القاتل والألغاز  البوليسية التي تُقام غالبًا في البيوت الريفية المنعزلة، وما زالت تُرى غالبا في الأسلوب البريطاني وشمال أمريكا. مارجيري ألينغهام، جلبرت شيسترتون، أجاثا كريستي، جوزيف جيفرسون فارجون، دوروثي سايرز وجوزفين تي، بالإضافة إلى الأمريكيين الذين يكتبون بطرق مشابهة مثل إيرل دير بيغرز، إليري كوين، إرل ستانلي غاردنر وآخرون ممن سبقوا ظهور هذا الأسلوب القاسي، هناك القليل من الطابع الدولي إذا أضفت أمثال جورج سيمنون في فرنسا والنيوزيلنديّ نجيو مارش. لكن القليل من الاهتمام في أي مكان آخر.

على الرغم من ذلك، الآن يمكن لمحبي العصر الذهبي أن يقرأوا للممثل الياباني الرئيس لهذا النوع من الكتب باللغة الإنجليزية، سيشي يوكوميزو، الذي كان معاصرًا لجميع الكتاب أعلاه كونه وُلد في كوبي عام 1902.

قال دانيال سيتون، من دار بوشكين فيرتيجو برس في لندن والذي نشر للتو اثنين من كلاسيكيات يوكوميزو المترجمة حديثًا، لموقع كرايم ريد: "القراء في بريطانيا والولايات المتحدة يحبون كلاسيكيات العصر الذهبي لمؤلفين مثل أجاثا كريستي وجون ديكسون كار، لذلك اعتقدنا أن فرصة استمتاعهم بأعمال يوكوميزو المبتكرة سيكون متأخر قليلًا ". لدى القراء الآن جرائم هونجين The Honjin Murders (ترجمة لويز هيل كاواي) و لعنة إينوماجي The Inugami Curse (تُرجم عبر Yumiko Yamazaki)، وكلاهما يضم المحقق الهاوي القذر كوسوكي كيندايتشي.

بمعنى ما السبب في أن كتب يوكوميزو لم تُترجم إلى اللغة الإنجليزية من قبل هو لغز بحد ذاته، الإجابة الوحيدة من الممكن أن تكون بسبب أن العصر الذهبي لجرائم القتل في الغرف المقفلة، الحبكة المبتكرة والمحققين المحترفين كانت من الأشياء التي انتشرت في بريطانيا غالبًا وفي أمريكا احيانًا. مع ذلك فالعناوين المذكورة سابقًا هي فقط اثنتين من بين ٧٨ رواية تُظهر المحقق كوسوكي كيندايتشي. كتب يوكوميزو أيضًا الكثير من الروايات الأخرى بين عام 1935 ووفاته في عام 1981، باع خلالها أكثر من 55 مليون كتاب.

نُشرت رواية جرائم هونجين أول مرة عام 1946 (على الرغم من أن أحداثها تدور في مدة ما قبل الحرب عام 1930) وفازت بأول جائزة في اليابان لكتّاب الغموض في عام 1948. هي رواية كُتبت في العصر الذهبي عن عمد، كتبها كاتب استشهد بتأثره بكريستي ومؤلفي العصر الذهبي الأوروبيين. مع هذا فإن هذا الكتاب قطعًا ياباني في عالمه، تدور أحداثه في نُزل هونجين المثلجة والمنعزلة (نوع تقليدي من النُزل حيث كان يُقيم فيه النبلاء في حقبة إيدو التي امتدت من عام 1603 إلى 1868 (آخر حقب اليابان القديمة). هذه الرواية تُعد من ألغاز الغرف المقفلة البوليسية، تتكون من محقق بوليسيّ، مفتش إيسوكاوا بالإضافة إلى المحقق السري كوسوكي كيندايتشي المجرد من السلاح. حدثت جرائم القتل قبل مراسم زواج تقليدي مع آلة الكوتو، آلة وترية تقليدية في اليابان، ستكون أساسية لهذه الحبكة. تشمل الأدلة الأخرى سيوف الكاتانا (سيوف الساموراي) وما إذا كان أحدهم قد قام بطقس السيبوكو الانتحاري (انتحار الساموراي عن طريق قطع الأحشاء). علّق يوكوميزو حين نُشر الكتاب متسلسلًا وشبهه المراجعون بروايات العصر الذهبي البريطاني وبعدها تُرجم وقرأه اليابانيين، "خلف الحكاية، دائمًا توجد صلة بالتاريخ الياباني".

لم يكن يوكوميزو كاتب الجرائم الياباني الوحيد في منتصف القرن العشرين الذي تأثر بالعصر الذهبي، وبالتأكيد ألهمت شهرته ونجاحه الأجيال اللاحقة. فهناك الكاتب سوجي شيمادا الذي وُلِد في عام 1940 في فوكوياما، كتب بأسلوب العصر الذهبي بإسهاب في كلٍ من أكثر روايتيْه مبيعًا المحقق ميتاراي والمحقق يوشيكي، ومثل سلفه يوكوميزو فقد كان حريصًا على ذكر الكتّاب الذين ألهموه، لا سيما إدجار آلان بو، كريستي وآرثر كونان دويل.

ولكن من المهم أيضًا أن نرى يوكوميزو كاتبًا ضمن التقاليد الأدبية اليابانية وكونه أكثر الكتَّاب انتشارًا في أوائل القرن العشرين أيضًا، وليس فقط من ضمن أولئك الذين سعوا لتقليد الكتابة الغربية. عندما كان شابًا، كان يوكوميزو قادرًا على الاستفادة من رواج الروايات الغربية في اليابان والكم الهائل من الكتابة، وليس فقط قصص الجريمة المترجمة إلى اليابانية كما هو واضح. كان يوكوميزو أيضًا معاصرًا قريبًا للكتّاب اليابانيين الحداثيين، أو كما كان يُطلق عليها غالبًا مدرسة الإثارة الجديدة للكتابة اليابانية. بحث هؤلاء الكتاب، مثل ريونوسكي أكوتاجاوا، وريتشي يوكوميزو، وياسوناري كاواباتا وجونيتشيرو تونيزاكي، بجد للحصول على ترجمات للكتابة الأوروبية والأمريكية وسعوا بوعي إلى مزج كل من أساليب الكتابة اليابانية التقليدية والأساليب الغربية في أعمالهم، وكذلك إعادة تفسير الأحداث التاريخية والقصص الكلاسيكية. قاموا بخلط الثقافات والحقب الزمنية والأساليب الشرقية والغربية عن عمد وجلب المشاعر المرهفة الحديثة حتى حين تكون الأحداث كُتبت عن الماضي.

يتضح أن يوكوميزو قد تأثر قليلًا بهؤلاء الكتّاب الأوائل، خاصةً أكوتاجاوا، يظهر هذا في استخدامه المتكرر لوجهات النظر المتضاربة والمتناقضة للحدث نفسه- في حالة يوكوميزو كان هذا الحدث هو جريمة على الدوام. باستخدام هذا الأسلوب الأدبي مرارًا وتكرارًا، يتابع يوكوميزو القصة القصيرة المؤثرة جدا لأكوتاجاوا عام 1922 In a Grove (المستوحاة من قراءة أكوتاجاوا للكاتب الأمريكي Ambrose Bierce)، وتقدم ثلاث روايات مختلفة عن مقتل ساموراي. أصبحت القصة أشهرَ في كل من اليابان بعد الحرب والغرب مع نجاح فيلم أكيرا كوروساوا عام 1950 في راشومون.

كان يوكوميزو على وعي تام حينما اتخذ قرار الكتابة بأسلوب العصر الذهبي الإجرامي. في السابق، جرب في البداية حين كان لا يزال يعمل في صيدلية عائلته (كان صيدليًا مؤهلًا) الكتابةَ التاريخيةَ (مرة أخرى مستلهمة من أمثال أكوتاجاوا) وبعدها قصصَ خيالية تاريخية تُبرز قاضٍ متدرب يحل الجرائم (هذا الصنف كان شعبيًا وبالأخص في الصين ثم انتشر في اليابان أيضًا). انقطعت مهنته إجباريًا خلال الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الأوراق وقيود النشر (بالإضافة إلى مرض السل الشديد الذي أصاب يوكوميزو). خليط من المرض والرقابة يعني أنه دبَّر بصعوبة الحصول على بعض القصص الرومانسية المنشورة حتى نهاية الحرب في 1945.

استمر هذا الوضع على حاله بعد الحرب فحسب، خلال الاحتلال الأمريكي لليابان، ليقرر يوكوميزو أن يكتب عمدًا بأسلوب العصر الذهبي، من أجل نشرها متسلسلةً في مجلات أدبية قبل نشرها في كتاب، وأن تجري وقائع رواياته في اليابان المعاصرة (أو الحديثة). أدخل سيشي يوكوميزو من أجل قرَّائه اليابانيين كتَّاب العصر الذهبي لأدب الجريمة الذين أمتعوا وقُرءوا إجباريًا في سنوات ما بعد الحرب العصيبة. على أي حال لولا المترجمين إلى الإنجليزية لبقي الكاتب مجهولا خارج اليابان تقريبًا. وحتى يومنا هذا. يسعى الناشر بوشكين فيرجيتو لترجمة عناوين أخرى ليوكوميزو. ما زالت تُقرأ روايات يوكوميزو في اليابان على نطاق واسع ويُحتفى بذكره سنويًا بجائزة أدبية هي جائزة سيشي يوكوميزو لرواية الغموض غير المنشورة، التي تأسست في عام عام 1980. ويحظى الفائزون بمبلغٍ ماليّ مُجزٍ ودُمية لكوسوكي كيندايتشي، أشهر إبداعات يوكوميزو وأمضاها ذكرًا. 

 


ترجمة: زينب محمد.


الأربعاء، 14 يوليو 2021

الشخصيات النسائية في رواية سولا للكاتبة الأمريكية توني موريسون



استعراض النماذج التي قدَّمت فيها الروائية توني موريسون التمثيل السلبي لشخصياتها النسائية "الخيالية"، وكيف مضت متحديةً هذا التمثيل وعلاقتها بالأفكار النسوية السوداء 1.


توني موريسون واحدة من بين أشهر وأهم المؤلفين في القرن العشرين خصوصا بأن معظم أدبها تحدى الأفكار النمطية التي فُرِضَت طوال التاريخ على النساء الأمريكيات ذوات الأصول الإفريقية.

إنَّ الشخصيات في رواياتها مُبدعةٌ بجمالية لكي يتمكن القارئ من استكشاف رحلات وعوالم هذه الشخصيات والأساليب التي قُدِمنَّ بها، ثم التشكيك في المنظور التاريخي الذي أُنشئ جرَّاء هذا. ومع ذلك، فإنَّ العديد من الصور النمطية بقيت عالقة من دون شك في وعي الأمريكيين من الأصل الإفريقي، ولذا فمن الضروري بدايةً إبقاء النساء في تلك الصور قبل دراسة كيفية طرد تلك الصور والأفكار النمطية إلى الأبد. كما تشير لسلوى غالي "وفقًا لإعادة التفكير في وجهات النظر التقليدية حول الهوية وعلاقتها بالثقافة، فإن موريسون تتجنب المنطق الثنائي لاستكشاف الأشكال المتعددة والأسباب الجذرية للتهميش الاجتماعي". وعلى هذا النحو، مع وضع هذا في الاعتبار، ستدرس هذه المقالة الذات الأمريكية الإفريقية في شكلها النمطي داخل عمل موريسون وكيف تُبنى بما يتعلق بالفكر النسوي من ذوات الأصول السوداء. مما لا شك فيه فإننا نستنج أنَّ موريسون تذهب إلى حد ما لتبديد مثل هذه الانطباعات السلبية وتعزز إنجازات الفكر النسوي الأمريكي-الإفريقي في هذه العملية.


الفكر النسوي الأسمر في مواجهة الصور النمطية السلبية


كانت باتريشيا هيل كولنز واحدة من اوائل المثقفين منذ القرن التاسع عشر الذين تخصصوا بالطريقة التي صوِّرت بها النساء الأمريكيات-الإفريقيات، وقد قدمت تحليلا حول كيفية وسبب تحدي الكتاب والمثقفين والشخصيات البارزة من ذوي الأصول الإفريقية للأفكار والصور النمطية على مدى سنين. تقول كولينز: "إن المثقفات الأمريكيات السمراوات قد وضعن أساسا تحليليا حيويا لوجهة نظر مميزة حول الذات والجماعة والمجتمع وبذلك خلقنّ تقليدا فكريا متعدد الأوجه للمرأة الأمريكية-الإفريقية". إنَّ حجة كولينز هنا صائبة واقعيًا لأن العديد من المؤلفين قدموا تحليلا محكما للذات الأنثوية والعرق من خلال البصيرة التي يمتلكها الفرد بدلا من الانطباع السائد لذوي البشرة البيضاء عن النساء السمراوات أو السود. وفي تسليط الضوء على هذا الجانب حددت كولينز العديد من الثيمات، تحديدا ست سمات تميّز الفكر النسوي الأسمر، وانطلاقا من هذه الثيمات التي قد توفر أرضية جماعية مشتركة تشتد الحاجة إليها بين الأمريكيات ذات الأصل الإفريقي أولًا، والأمريكيات ذات الأصل الإفريقي في علاقتهن بمجتمع يملك إدراكًا جمعيا أو فكرا ذا هدف محدد. إنَّ هذه المجالات أو الثيمات الست التي توفر أرضية مشتركة ستوفر تجربة أنثوية مشتركة وهي العمل والأسرة، والسلوك الأمومي والسيطرة، والتعريف بالذات، والسياسة الجنسية، وعلاقات الحب، والأمومة والنشاط. ومع كون هذه السمات توفر مشتركات مهمة قد ينتج عنها هوية جماعية للأنوثة الأمريكية من الأصل الإفريقي فقد ينتج عنها تمثيلات سلبية أخرى.

في ذات السياق، تقول الكاتبة المتخصصة في الدراسات الإفريقية والنسوية مادو دوبي "على الكاتب استبدال الصور النمطية السلبية بالإيجابية" ولكن مصطلح "استبدال" يعطي انطباعا بوجوب تجاهل النمط السلبي بدلا من فحص وتطوير هذه الصور من أجل إقصائها، مما يسبب في تطور الشخصيات الأنثوية بالنحو الإيجابي المطلوب. وعلى العكس من دوبي، فإن كولينز تدعو إلى عامل الخبرة والتمكين والوعي لطرد هذه التمثيلات السلبية من خلال استكشافها بدقة لإضفاء الصبغة الإنسانية حول شخصية الأنثى السوداء. تؤيد موريسون وجهة النظر هذه بالذات، وتُثبت ذلك شخصياتها الروائية. ومع ذلك فإنه من الضروري قراءة الشخصيات في رواية سولا لموريسون 2 لمعرفة فيما إذا كانت ستتحدى هذه التمثيلات السلبية بما يتعلَّق بالفكر النسوي أم لا.


العاهرة والزوجة المطيعة


تقدم موريسون توصيفيْن لتمثيلاتِ الصور السلبية في المجتمع الأمريكي تجاه النساء الأمريكيات-الإفريقيات، وتحددهما بالعاهرة أولا وتمثُّلها بطلة الرواية "سولا"، والزوجة الصالحة، وهو التمثيل الإيجابي العكسي لشخصية سولا في الرواية، واسمها "نيل". تعمل العلاقة بين الاثنتين كونها واحدة من الصداقات بين النساء السود في المجتمع وقد وصفت كولينز هذا التمثيل بـ"الحيوي". ولكن قبل فحص العلاقة بينهما، يجب فحص ما تقدمه هذه الشخصيات من تمثيلات على نحوٍ فردي. تمثِّل سولا فساد المرأة السوداء، فهي ومن الوهلة الأولى تخطو على نحو دقيق إلى دور العاهرة نتيجةً لموقفها من الجنس وكذلك من الأنوثة، فهي تعتقد أن الجنس منفصل عن العاطفة، فهو فعل جسدي غير متجسد يسمح لها أن تشعر بحزن لا يمكن بلوغه بأي وسيلة. مع أن هذا السرد يسلط الضوء على جانب سلبي من العلاقة مع الأنماط والصور الموجهة للنساء السوداوات التي تصفهن بأنهن ذوات "طبيعة منحلة" ولكنه يلمح بعمق إلى أهمية أخرى وهي "الفعل" الذي تتبناه سولا، مما يعد تحديا للتمثيل التقليدي. هذا الادعاء يعززه وصف الأم لتربية سولا، والتي تقدمه موريسون في هذه الجملة "علمت سولا أنَّ الجنس ممتعٌ ومتكررٌ لكنه أيضا غير ملحوظ" على هذا النحو أُنشئت التمثيلات النمطية داخل الرواية التي تقدمها الشخصية بفاعلية من خلال موقف الأم الليبرالي تجاه الجنس بدلا من كونه طبيعة غريزية مدمرة ولدت بها "كما يشير العرف السائد". يتحدى هذا البناء الروائي الثوابت والأنماط من خلال إضفاء الطابع الإنساني على شخصية العاهرة ويدحض الانطباعات السلبية الموجهة ضدها بغض النظر عن مدى المحرمات التي يترتب عليها موضوع ممارسة الجنس غير الشرعي بعده "دعارة واختلاط".

بالرغم من المعهود النمطي للعاهرة التي صُممت سولا لتجسيده وتحديه أيضا في الرواية، فإنَّ التحدي لا يكون فقط باستخدام خلفيتها السابقة وقصتها بل ومن خلال موقفها من الجنس كذلك حيث تعتقد سولا أنَّ الجنسَ وسيلةٌ لإثبات الوجود ورفض أعراف المجتمع. تغوي سولا زوج أعزِّ صديقاتها لتتهم بأسوأ تهمة مذلة على الإطلاق وهي "النوم مع رجال بيض". تصف كولينز ذلك بأن النساء الأمريكيات-الإفريقيات عادةً ما يُستخدمن من قبل الرجال البيض وهكذا جُسِّدن بناءً على هذا الانطباع. ولكن في حالة سولا فإن الأدوار معكوسة فهي من تستخدم الرجال لتشعر بالنشاط والحياة، وهي محاولة لاستكشاف ماهيتها  ولإثبات هويتها الذاتية التي لا تعتمد على التوافق مع الانطباعات المأخوذة عن النساء الأمريكيات-الإفريقيات في تلك المرحلة. لهذا فأن سولا ليست عاهرة بل امرأة تبحث عن مكانها وسط هذا العالم، ويقف عِرقُها عارضا في وجهها، وقد وجدت أن الجنس "وضعها في موضع الاستسلام، والشعور بثبات قوتها ولا محدودية طاقتها" فتكتشف سولا نفسها الحقيقية من خلال رفض الحدود المسلم بها للجنس وتشكيل رؤيتها الخاصة للحياة: "فهي ترفض منفردة القيمَ الهامشية التي تنتمي إليها، وهو هامش يعكس المركز من ناحية كونه يكبت أي إثارة للسخط والاستياء". إنَّ سخط سولا ملموس ويصف الصورة النمطية للعاهرة بأنه بناء اجتماعي صُمِّم للكبت بدلا من إطار حيوي يمكنها من خلاله التميُّز. لذلك تستخدم موريسون الموضوعات التي أسستها كولينز لفحص التمثيل السلبي لشخصية العاهرة ودرء الأحكام السالفة التي فُرضت على النساء التي تُطلق عليهن هذه التسمية بسوء فهم. أدان المجتمع سولا بما في ذلك صديقتها المقربة "نيل"، ولكن وقفت موريسون بمهارة في حكمها مع سولا بدلًا من الجميع لعدم استيعابهم للوعي الجمعي المناط بالعاهرة.


ليست العاهرة هي التمثيل السلبي الوحيد للمرأة الأمريكية-الإفريقية التي حاول الفكر النسوي الأسمر تبديدها، فهنالك أيضا صورة الزوجة المطيعة الخجولة التي تغفر لزوجها كل أشكال الذنوب. كان هذا الدور من حصة نيل لأنها تربت مذ كانت طفلة لتصبح ذلك النموذج للزوجة الصالحة والمطيعة التي تتشكل على صورة الأم غير الأنانية وتتوافق من دون شك مع القوالب الجاهزة والسائدة للأنوثة. إنها كل الاشياء التي كانت على سولا أن تكونها، ولكنها لم ولن تفعلها. هي مطيعة جدا لزوجها جود، تلزم المنزل وتحافظ عليه ولا تعارض زوجها بأي طريقة. وتفترض هوية زوجها في جوهرها، وهذا يعني أنها لا تمتلك هوية ولا يمكن القول إنها تعيش حياتها وفقا لشروطها الخاصة مثل سولا. إن الفتاتين تتناقضان بنحوٍ كبير ولكن موريسون تؤكد أنهما يشتركان في عنصر واحد وهو أن حياتهما وشخصيتهما وتمثيلهما ليست قيمًا حتمية بل قيم مغروسة. ففي سولا شُجِّعت ممارسة الدعارة، وفي نيل شُجِّعت قيم الزوجة المطيعة والصالحة. لقد أُجبرت بالتخلي عن هويتها، كانت تظهر ملامحها عندما تكون مع سولا فالأخيرة تشاركها أخوّة وهذه قيمة وصفتها كولينز بأنها أساسية في دحض الصور النمطية. مع ذلك فإن ضمير الزوجة المطيعة ينفي هذه الأخوة: "أبدعت نيل في الرواية كبشَ فداء لإعفاء "جود" من الشر والأفعال المشينة أخلاقيا مثل الخيانة الزوجية والهجر، تلك الاشياء التي كانت لتدمر زواجها، وكانت نيل تنكر قدرة جود على فعل الشر". تفوق مفهوم الزوجة المطيعة على مفهوم "الأخوة" لتقلب بذلك مفهوم الجماعة والاتصال مرة أخرى. في حين التزمت بصورة الزوجة المطيعة في البداية فقد قلبت موريسون الموازين وتحدتها لاحقا من خلال عملية تقرير المصير وتحقيق الذات وتكوين هوية أكثر استقرارا، ويأتي هذا الادراك عندما تقرر نيل رفض الصورة النمطية الملصوقة بها.

تنظر موريسون الى الزواج على أنه دمار مستمر، وهي توضح في اقتباس لها في الرواية مدى مخاطر هذا التأسيس الاجتماعي على شخصية مثل نيل "الزوجة المطيعة": لقد طوى الذين يملكون أزواجا أنفسهم في توابيت منذ النشأة، عظمهم ناتئ وأضلعهم منفجرة". ووصفت هذا الشيء لتسليط الضوء على أهمية عناصر الحياة الأخرى من خلال رؤية نيل وسولا مع تركيزها على مفهوم الصداقة والأخوة.

الحق أن سولا في البداية هي من أدركت قيمة الصداقة للنساء من ذوات البشرة الداكنة "كانت تبحث طوال الوقت عن صديق، وقد استغرقت وقتا لاكتشاف أن الحبيب لن يكون رفيقا مناسبا للمرأة ولا يمكن أن يكون". ولكنه أمر مثير للسخرية نظرا إلى حقيقة أن سولا فرطت بصداقتها مع نيل بعد النوم مع زوج الأخيرة. تموت سولا في النهاية من دون الحصول على صك الغفران من نيل. لم تدرك نيل الطبيعة الحقيقية للصداقة بين النساء الأمريكيات-الإفريقيات إلا بعد وفاة صديقتها،  وبحسب ما توصلت إليه كولينز من دراسة الفكر النسوي الأسود وما فعلته موريسون من جهد هو لدفع النساء أبعد من ذلك للتخلص من التمثيلات والصور النمطية قالت: "بعد وفاة سولا ودفنها تتوصل نيل إلى أنها كانت تفتقر على مر السنين  لشخص سولا في حياتها وليس زوجها جود".

ملخص لهذا الحديث أنَّ موريسون تبث فكرة أن حب الإخوة أمر ضروري للبقاء وتنشئة الهوية بدلا من مؤسسة الزواج، وتجيئُ هذه الفكرة رداً على صورة العاهرة والزوجة الصالحة لأنها تنفي دور الرجل عموما ويؤدي هذا الى تمكين المرأة من تحديد مصيرها وهو في النهاية تطورٌ للفكر النسوي الأسود.

ختاماً، تستخدم الروائية شخصيات سولا ونيل من أجل إجراء فحصٍ شامل لجدوى القوالب النمطية للمرأة الأمريكية-الإفريقية وتقدم أسبابا لتحديها ودحضها. إنهم لا يخفون الطبيعة  الحقيقية لما معنى أن تكون امرأة فحسب، بل يجعلونها بمفردها في حين أن الوعي الجماعي يرفض مثل هذا الشيء. كانت نظرية كولينز حول النسوية الأمريكية ذات الأصل الإفريقي أساسا ممتازا لفهم عمل موريسون الروائي ولكنها في الوقت ذاته تتجاوز القيم والعوامل التي قدمتها كولينز لكي تكون الرواية في صدد معالجة هذه الانطباعات السلبية وتعزز إنجازات الفكر النسوي. في شخصيات هذه الرواية رُفِض مفهوم الزوجة المطيعة ومفهوم العاهرة لصالح مفاهيم الصداقة والإخوة والهوية والأنوثة السمراء الحقيقية.


____

هوامش:


1-"Black feminist"

ارتأيت ترجمة هذا المصطلح على شاكلتين (النسوية السوداء) و(النسوية السمراء)، وهما يعنيان في النهاية الفكر النسوي في المجتمع الأمريكي من ذوي الأصل الإفريقي أو البشرة الداكنة.

Sula - novel by Toni Morrison -2 

رواية سولا لتوني موريسون الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 1973.


Ukessays.

ترجمة: مصطفى حمزة.

الخميس، 8 يوليو 2021

أولاد حارتنا - نجيب محفوظ

 

مؤمن الوزان.


أثارت هذه الرواية منذ أن كانت تنشر مُسلسلةً في الأهرام سنة 1959، حفيظة شريحة كبيرة من المسلمين، فيقول الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) في كتابه "كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا": "وقد ثارت ثورة الأزهر على هذه القصة وبين وجه الافتراء فيها على الإسلام وأبدى الرأي في ذلك صريحا واضحا فما كان من رئيس تحرير الأهرام وقتئذ محمد حسنين هيكل إلا أن انبرى لثورة علماء الأزهر على هذا الكتاب وأبدى احتجاجه الشديد اللهجة على رد علماء الأزهر وشجع الأستاذ نجيب محفوظ على مواصلة نشر هذه القصة ولم يعبأ بما أبداه علماء الأزهر من غضبة لله تعالى ودفاع عن شرع رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) فاستمر نشر هذه القصة في تلك الظروف القاتمة السواد". 


لم تنشر هذه الرواية في كتاب في مصر إلا أنها نشرت عن دار الآداب في بيروت عام 1967، وفي هذا السياق يذكر الدكتور أحمد كمال أبو المجد في مقالته عن رواية أولاد حارتنا المنشورة في الأهرام في التاسع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر سنة 1994 بعد لقائه نجيب محفوظ بعد محاولة اغتيال فاشلة بسبب الرواية، قول نجيب

"إني حريص دائما على أن تقع كتاباتي في الموقع الصحيح لدى الناس، حتى وإن اختلف بعضهم معي في الرأي، ولذلك لما تبينت أن الخلط بين "الرواية" و"الكتاب" قد وقع فعلا عند بعض الناس، وأنه أحدث ما أحدث من سوء فهم، اشترطت ألا يعاد نشرها إلا بعد أن يوافق الأزهر على هذا النشر (ولا يزال هذا موقفي إلى الآن). وقد أعيد نشر هذا المقال من قبل الدكتور أحمد كمال أبو المجد عام 2006. 


ومما يذكره المقال على لسان محفوظ أيضا: "إن كتاباتي كلها، القديم منها والجديد، تتمسك بهذين المحورين: "الإسلام وهو منبع قيم الخير في أمتنا، والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا"" ويضيف محفوظ أيضا: "إن مشكلة "أولاد حارتنا" منذ البداية أنني كتبتها "رواية"، وقرأها بعض الناس "كتابا"، والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال، ولا بأس بهذا أبدا، ولا يجوز أن تحاكم "الرواية" إلى حقائق التاريخ التي يؤمن الكاتب بها، لأن كاتبها باختيار هذه الصيغة الأدبية لم يلزم نفسه بهذا أصلا وهو يعبر عن رأيه في رواية


ومما يذكر موقع النوبل عن محفوظ في التعريف به بعد أن نال جائزة النوبل للآداب لسنة 1988: 

"... بدأ الكتابة مجددا برواية أولاد حارتنا -العنوان الإنجليزي أبناء جبلاوي- في سياق جديد أخفى فيه آراءه السياسية كثيرا خلف الاستعارة والرمز

وفي محاضرة النوبل يذكر الموقع أيضا عن رواية أولاد حارتنا

إن الثيمة لهذه الراوية غير الاعتيادية هي بحث الإنسان الأبدي عن القيم الروحانية. ظهر آدم وحواء، موسى وعيسى ومحمد وآخرون، إضافة إلى العالِم المعاصر- نسبة إلى العلوم-، بتخفٍ مكشوف. والعالِم هو المسؤول عن موت الأب الأول جبلاوي (الله). وتواجه النُظم المعيارية المختلفة تأزما في وصف صراع الخير والشر. ونظرًا للطريقة التي تعامل فيها الكتاب مع المقدسات فلم يستطع المؤلف طبع كتابه في بلده ونُشر في مكان آخر". 

إذًا، فنحن أمام تفسيرات مختلفة لثلاثة من المصادر التي تمثل معيارية مرجعية في الحكم على العمل بعيدا عن نطاق الأدب والرواية ما بين الأزهر (الرافض) ولجنة النوبل (المؤيدة) وفي الوسط يقف نجيب محفوظ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. بعد قراءة هذا العمل الذي اختلطت فيه الحقيقة بالخيال والواقع بالمحال، والمقدّس بالمدنّس، والإيمان بالكفر، في جو ميتافيزيقي وأحيانا فانتازي، إذ يستمد نجيب محفوظ من التاريخ والأديان والصراع بين العلم والدين، والصراع بين الأديان، والفلسفة الوجودية رؤيا تخوض الرواية في أعماقها، لتبدو في مواضع أنها تأخذ قصص الأنبياء بأسلوب بارودي ساخر ثم ترفعهم عبر مدحهم ومدح مشروعهم الإصلاحي الذي تمثّل في محاربة الفتوات والمديرين المسؤولين عن الوقف، وتحقيق رغبة جبلاوي، في حين تتبنى في موضع آخر رؤية وجودية إلحادية للخلق والخالق حين يعيد قول نيتشه الذي صرح بموت الإله بـ 

-لله الأمر، من بعد العمر الطويل مات الجبلاوي

لا يمكن أخذ هذه الجملة باعتباط أو أن نمر منها مرور الكرام، ففيها من البارودية والرؤية الفكرية التي تبشر بها الرواية التي تمثلت بعد صراع طويل بين المصلحين (جبل ورفاعة وقاسم) والفتوات والنظّام لأجل وصية (شريعة) جبلاوي  بموت جبلاوي (الله أو الدين) على يد عرفة (المعرفة أو العلم). 

فماذا أراد محفوظ من هذه الرواية وبهذا الطرح المثير، فهذا ما لم يسبقه به أحد من قبله، فهل يمكن أن نأخذ بقوله حين قال بأنه لا يجب أن نخلط بين الكتاب والرواية أو أنه مقتنع فعلا بأن الإسلام والعلم هما الحل لنهضة أمتنا؟ نحن بعد قوله لا يجب أن نتقول عليه ونزيد في تأويل ما لم يقله وإن لم نصدقه، ويبقى السؤال لماذا اختار محفوظ هذه الطريق الوعر للتعبير عن هذه الرؤية والمنهاج في روايته، لماذا اقتحم عالم المقدس بهذا الشكل؟ استعارته ورمزيته لم تكن كثيفة وهذا مقصود منه فهو يريد الاقتحام والمواجهة، يقينا منه أن المجتمع المحيط به يحتاج إلى صدمة قوية تزلزل أركانه وتبعثه من جديد لينهض بواقعه ويطوره، ولم يجد مناصا إلا باجتياح عالم المقدسات في رواية ينزلها إلى واقع مصري، حيث الحارات والمقاهي والفَتْوَنَة والنبوت. لا أخفي إعجابي بالأفكار الشيطانية التي لا تتنزل إلى أي كان، سواء أأخطأ محفوظ أم لم يخطئ، وفكرة العمل وهذا الطرح، واقتباس قصص الأنبياء (موسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام)) بل وجلبهم في هيئة مصرية تبدو مثيرة للاهتمام ومخيفة وخطرة وشرسة لكن من قال إنه يقصد الأنبياء بذواتهم المعروفة المقدسة؟ ليغامرنا سؤال لماذا لم يختر أحداثا أخرى إذا لم يكن يقصدهم أنفسهم؟ نعم، هنا بالضبط نقف أمام العبقرية الأدبية التي تستغل الواقع والتاريخ والدين والمقدس وتصهره في بوتقة الرواية، كلنا أصحاب رسالة علينا تعمير الأرض ومحاربة الظلم والشر. لا يمكن وصم الرواية بأنها تنتسب أو تصور دين من الأديان الإبراهيمية دون سواه، فهي تستمد من الثلاثة رغم أنها تبنت فكرة النصارى حول أن البشر أبناء الله -تعالى عما يقولون- عبر قول جميع ناس الحارة بأنهم أحفاد جبلاوي، الأب المؤسس. ولا يمكن لأي كان أن يخرج الرواية من الرمز الديني لأن هذا محال فالرمز يدل على مقصوده، ونتساءل هل هو رمز أو مجرد تغيير أسماء كأن يحاول فيل أن يخفي جسده الكبير أمام نبتة صغيرة، هي كذلك لم يقصد الرمز رغم استخدامه بل أراد تصوير الحقيقة التي يؤمن بها الناس عبر تقريب الصورة لهم بواقع يعيشونه ويفهمونه بسرعة، ليروه بأعينهم المعاصرة لا أعين القدماء. ما أراده محفوظ من هذه الرواية هو تسليط الضوء على عدم جواز تبني الدين وحده دون العلم وعدم تبني العلم وحده دون الدين، فمن تكلموا باسم جبلاوي سواء من مديري الوقف أو فتوات مثلوا الاستغلال الديني أو عرفة الذي مثّلا العلم المجرد من أي اعتبارات أخلاقية، وكان مصير الطرفين الموت! فلا بد من وحدة ما بين الاثنين وهذا ما يؤكده محفوظ في مقالة أبو المجد


بالعودة إلى الرواية فتبدأ الرواية من اختيار جبلاوي الأب لابنه الأصغر أدهم (آدم) ليكون مديرا للوقف؛ لمعرفته القراءة والكتابة والحساب، وهنا يثور الابن الأكبر إدريس (إبليس) رافضا هذا القرار، لينتهي به الحال مطرودا من البيت الكبير (الجنة) إلى الخلاء (الدنيا)، لكن إدريس لم يتوانَ عن محاولة إغواء أدهم الذي تزوج من أميمة (حواء) لأجل أن يطرده من البيت الكبير ويخرب علاقته مع أبيهما، وكان له ما كان بعد أن حاول أدهم بطلب من إدريس وتشجيع من أميمة معرفة أسرار الوصية والشروط العشرة (الوصايا العشر) التي تحوي ما كتبه جبلاوي عن مصير ثروته وورثته، ليطرد بعدها أدم وأميمة من البيت الكبير، وتبدأ مرحلة جديدة من حياة الاثنين مثلت الفصل الأول من الكتاب انتهى بعفو جبلاوي عن ابنه أدهم (كما حدث مع آدم (عليه السلام)). الفصل الثاني والذي مثل الجيل الأول من أحفاد أدهم وصراعهم مع فتوة الحارة والناظم مدير الوقف، وهي القصة التي مثلت قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل، واختار محفوظ اسم جبل ليمثل موسى (عليه السلام)، والجبل في قصة موسى له شواهد كثيرة منها

"ورفعنا فوقهم الطور" والطور هو الجبل

"فكان كل فرق كالطود العظيم" والطود هو الجبل

"ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل…" 

من هذه الشواهد القرآنية نعرف لماذا اختار محفوظ اسم جبل ليمثل القوة التي تنقذ أبناء الحارة من شر الفتوات والناظم مدير الوقف، وتحقيق العدل للجميع وتوزيع واردات الوقف عليهم بالتساوي

ويتكرر الأمر مع رفاعة (عيسى (عليه السلام)) وقومه، الذي عمل على مداواة الناس وإخراج العفاريت منهم، لأجل أن ينالوا الراحة والسعادة التي عمل على تعليم الناس أن السعادة لا تكمن في المال ولا القوة، وانتهى قتيلا بعد أن وشت به زوجته ياسمينة (يهوذا)، لكن تلاميذه (الحواريون) نهجوا نهجه وانتهى الأمر بانتصار من تبنى فكر رفاعة

لكن الحارة وأبناءها دائما ما يعودون إلى سيرتهم القديمة من الظلم والفتونة والاعتداء على الآخرين فدأبهم النسيان، ليسود جو من الخوف والرعب وتسلط ثلة قليلة على البقية، ليكون قاسم (محمد (صلى الله عليه وسلم) وكنتيه أبو القاسم) آخر من واجه الفتوات ومديري الوقف لأجل إحلال العدالة والمساواة بين أبناء الحارة وتوزيع خيرات الوقف بالتساوي بين الجميع

لتنتهي الرواية في فصلها الأخير متمثلا في عرفة الساحر (المعرفة والعلم) الذي تعلم فنون السحر (العلم)، وهنا تظهر نقطة مهمة جدا لا بد من تسليط الضوء عليها، فعرفة كشف سره بعد مقتل جبلاوي الجد الأول (العلم يقتل الله أو الدين. العلم يقتل القوة البشرية ويخلق نوعا جديدا من القوة، قوة العلم)، استغله الناظم (الحكومة) في صنع مادة قابلة للانفجار توضع في قارورة (القنبلة والسلاح) تنوب عن الفتوات والقوة، مكنته من السيطرة على الحارة وأحيائها الثلاثة (حي جبل وحي رفاعة وحي قاسم)، وحبسه الناظم عنده، وحينما قرر الهرب من الناظم، قُتل


هذه إذن الرواية المثيرة للجدل التي ما زالت محط نقاش بعد أكثر من ستة عقود على نشرها


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب