المشاركات الشائعة

السبت، 11 مايو 2019

رواية دون كيخوته لسارڤانتس في عشر نقاط.




- دون كيخوته دي لامانش، الرجل الخمسيني الذي تأثر بكتب الفروسية، ولم يجد بُدًا إلا أن يبحث عن المجد والخلود كفارس مغامر جوّال يبحث عن المغامرات.
*

- تجد في المغامرات والمخاطر، والدعابة والحكم، ولم يغب عنها الطابع الرومانسي، الذي رافق بطل روايتنا في كل مغامراته.
*

- كانت بمثابة نقد لعالم الفروسية الذي تم تشويهه في كتب الفروسية، لذلك يبدو جليًا نقد ثربانتيس، لكل هذه الكتب التي امتلأت بالخيال والكذب، وليقوم الدون كيخوته، بمهمته على أتم وجه معبرًا عن فكر صاحبه وموقفه من هذه الكتب، التي كان مصيرها الحرق.
*

- هذه الرواية من الأهمية بمكان حتى أنها تعتبر أول عمل روائي أوربي في فن الرواية الحديث كُتبت من قبل الشاعر والروائي والجندي والكاتب المسرحي الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا. الذي ذاع صيته بروايته الدون كيشوت، أو كما عرف لدى العرب دون كيخوته.
*

- كُتبت عن هذه الرواية الكثير من الكتب النقدية والدراسات والبحوث حتى بلغ عددها الآلاف، لتأخذ هذه الرواية مكانة لا يُشق لها غبار في عالم الأدب العالمي، وليبلغ صيتها مشارق الأرض ومغاربها وللترجم لكل لغات العالم، لقيمتها الأدبية والفكرية.
*

- تجد في هذه الرواية النقد الاجتماعي، والنقد الروائي، والنقد للسلطة، وللمحاكم، فهي تستمد أحادثها من واقع كاتبها، الذي استطاع أن يعبر عن كل ما يريد على لسان دون كيخوته.
*

- البنية السردية والتفاعل النصي وتطور الشخصيات، والسخرية اللاذعة، والتناقضات، والشخصيات ذات الرأي المزدوج والمتغير، أعطت للرواية جماليتها وقوتها، وجعلت منها مثالا يُحتذى به، لكل روائيّ العالم من بعدها، لذلك هي بحق تحفة أدبية قلّت مثيلاتها في عالم الأدب الروائي.
*

- لم يقتصر تأثير هذه الرواية على الأدب وحده، بل تأثر بها الفن ليخلدها في لوحات لشخصياتها وتماثيل، وتدخل عالم التمثيل والسينما والمسرح، والموسيقى والقصص المصورة.
*

- رُبما يغيب عن القارئ العربي الحديث قراءة هذه الرواية، حتى يبدو جليًا أن هذه الرواية لم تأخذ الصيت الذي تستحقه والمكانة المرموقة لدى القارئ العربي، والذي أعتبره واجبٌ أدبي ومعرفي قراءة هذه الرواية، ليغوص في معرفة وجمالية الفن الأدبي بأحلى صوره وفي كل مجالاته البنيوية والسردية.
*

- تم ترجمة الرواية إلى العربية ترجمتات مختلفة منها ترجمة عبد الرحمن بدوي، وترجمة سيلمان العطار. وهناك ترجمة مختصرة عن الفرنسية لـصلاح الجهيم.

مؤمن الوزان.

الأربعاء، 8 مايو 2019

موسوعة السرد العربي - د. عبد الله إبراهيم. الكتاب الثاني.


مؤمن الوزان.

الكتاب الثاني من الموسوعة، هو إكمال لانطلاقة السرد العربي في مساره التصاعدي، وتنوعه، والذي ابتدأ الكتاب فيه بالحديث عن الخرافة وحديث الخرافة، وفيه تتبع لأولى أحاديث الخرافة، أو القصة المعروفة بـ"حديث الخرافة" وهي قصة رجل اسمه خرافة اختطفته أو أَسَرَته أو كانت له علاقات مع الجن وأُخبر بقصص عجيبة غريبة، ويحلل الدكتور عبد الله إبراهيم في فصل الكتاب الأول أصل الحكاية وسندها إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أو زوجه عائشة (رضي الله عنها) والاختلاف الدائر حول أصلها، فيما يكشف الفصل الثاني -وهو الأسلوب الذي اتبعه إبراهيم عبد الله في كتابه الثاني- عن نسيج البنية السردية للخرافة، ومن أمثلة الخرافة الأخرى كانت كتابي كليلة ودمنة وحكايات ألف ليلة وليلة، والتي توزع الحديث فيهما عن أصولهما، والحكاية الإطارية- وهي حكاية تضم عدة حكايات ليس بينهما رابط-. يعد ابن المقفع أول من كتب واستخدم هذا الأسلوب عند ترجمته لكتاب كليلة ودمنة الذي تأثرت به الآداب العالمية كما في الأدب الإنجليزي والإسباني والإيطالي كما في حكايات كانتربري والتربية الكهنوتية والديكاميرون على التوالي، ونقلت نسخة ابن المقفع المترجمة إلى اللغة السنسكريتية- اللغة الأصلية للكتاب- بعد أن اختفى الأصل، والنسخة السنسكريتية الحالية هي مترجمة عن نسخة ابن المقفع. تنوع الحديث عن حكاية ألف ليلة وليلة وعن مصادرها والاختلاف حول هذه المصادر، ومستويات السرد وتنوع الساردين، وأحداث القصة التي انتهت بشفاء شهريار من مرضه شكه بالنساء بعد خيانة زوجته له، ونجاة شهرزاد من الموت بعد أن أسرت الملك وسلبت لبه بحكاياتها التي امتدت لألف ليلة. الفصل الثالث من الكتاب وتطور السرد العربي هو ما تمثل بالسير والتي ابتدأت بسيرة النبي لابن إسحاق التي أعاد كتابتها مع التشذيب ابن هشام، والسير الشعبية الشهيرة التي ظهرت فيما بعد والتي كانت امتدادا للسيرة النبوية، ولها صلة وثيقة بعادات العرب وثقافاتهم كما يذهب بعض آخر، لا سيما في مركزية البطل الذي يحارب الأعداء وينتصر عليهم، وكذلك تأثرها بالإسلام، حيث يسعى البطل لمحاربة الكفر وتطهيرها من الرجس، ويقول بعض الباحثين بأن الأبطال يحاربون الكفر وتمهيد الأرض لخروج النبي، وهنا يبدر لنا سؤال مهم، ما هو دور النبي إذن، إذا كان هؤلاء الأبطال يحاربون الكفر وأهله بجيوش جرارة؟ على أية حال، يبقى دور السير الشعبية، مثل سيرة الأميرة ذات الهمة، وعنترة بن شداد العبسي، وسيرة بني هلال، والظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذي يزن، من السير الشعبية المهمة، والتي مثلت المخيلة الشعبية العربية. والفصل الرابع، هو دراسة في نسيج البنية السردية للسيرة الشعبية، وبحث تحليلي نقدي حول التشابه في بنية السيرة وأحداثها وأبطالها.
الفصل الخامس من الكتاب، شمل نوعا مهما من السر السرد العربي القديم هو المقامة العربية، والتي ابتدأت بصورة متميزة كما يشير الكاتب مع بديع الزمان الهمذاني، يؤكد د. عبد الله على أهمية التفريق بين البداية الزمانية والبداية الإبداعية التي أعطت للمقامة مكانتها والتي كانت انطلاقتها الفعلية مع بديع الزمان ومقامته الهمذانية. وبلغت قمتها مع الحريري ومقامته. أما النسيج وبنية المقامة، وعلاقة الراوي مع المروي والمروي له، والبطل الراوي والراوي المجهول، والبُنية السردية للمقامة فكانت هي حصة الفصل الختامي من هذا الكتاب.

موسوعة السرد العربي - د. عبد الله إبراهيم. الكتاب الأول.

مؤمن الوزان.

تعد موسوعة السرد العربي أحدث موسوعة أدبية عربية تبحث وتستقصي وتدرس الظاهرة السردية وأصول السرد العربي بأنواعه المختلفة سواءً في الأسطورة والخرافة أو القصة أو السيرة أو المقامة أو الرواية بأنواعها أو السيرة الذاتية، ومزايا كل نوع وخصائصه الأسلوبية واللغوية ومدى تأثرها بالحاضنة الثقافية والمرجعيات الدينية والفكرية المعاصرة لها. وهو عمل يمثل الإكليل الذي توج به الدكتور عبد الله إبراهيم جهود ربع قرن من البحث والدراسة والكتابة في موضوع السرد العربي كما في كتبه المتنوعة في هذا المجال، وصدرت الموسوعة عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2016.
 
في مقدمته لهذه الموسوعة، يشير الدكتور إلى خطأ عزل الظواهر الأدبية عن سياقاتها الثقافية التي تشترك فيها عناصر تاريخية وأدبية ودينية التي تتلازم مكونات الثقافات القديمة فيها وتتشابك عناصرها كما تكشف المدونة الثقافية العربية - الإسلامية عن ظاهرة التلازم لذا فيقول: "ينبغي أن نضع كل هذا الاعتبار قبل الانصراف إلى معالجة الظاهرة السردية؛ لأنها ظاهرة مشتبكة بخلفيات، ومرجعيات، وأصول، ولا نرى سبيلا لتعرّفها، وملامسة خصائصها، إلا إذا أُخذت تلك العلاقات مأخذ الجدية الكاملة. ولا يمكن مقاربة الأدب العربي بكامله، شعرا وسردا، إلا برؤية تربط الظاهرة النصية بالظاهرة الثقافية، وإلى غياب كل ذلك تعزى الإخفاقات الحاصلة في دراسة الأدب العربي، فكثير من الدراسات انطلقت من تحيزات مسبقة غايتها الفصل بين هاتين الظاهرتين المترابطتين مراعاة لأطروحات منهجية تقول بذلك الفصل. إذا كان مثل ذلك الفصل مفيدا في دراسة نص مفرد، أو ظاهرة فنية صغيرة، فهو بالقطع لن يكون مفيدا، أو صحيحا، في أية معالجة شاملة تهدف إلى تحليل الظواهر الأدبية الكبرى".[1-ص6].

الكتاب الأول من الموسوعة هو توطئة للسرد والظاهرة السردية، إذ خصص الفصول الأربعة الأولى لدراسة قضايا السرد ومفاهيمه وانبثاق الأنواع السردية والتمثيل السردي في الأنواع الأدبية، ودور المركزية الدينية وتأثيراتها في السرد والكتابة عموما وما أضافته من سياقات جديدة ومعانٍ عززت دور الكتابة واكتسابها الصفة الدينية، إذ كان لكتابة حديث النبي في بدايتها داخل نواة المجتمع الإسلامي الأول صيت سيئ، كما تشير بعض الأحاديث النبوية في ذم الكتابة، والتي وضع أهل علم الحديث لبعض هذه الأحاديث مخارج توضح الأسباب والمقاصد، وذاكرين شواهد أخرى في كتابة الحديث في عهد النبي. كره الرعيل الأول من الصحابة كتابة الحديث بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأن يُعتمد في نقل الأحاديث على الحفظ فقط، إلا أن الأمر لم ينتهِ هنا، إذ أصبحت الكتابة ضرورة ملحة بعد أن فَترت الهمم وخشي على الحديث من الضياع والنسيان، الأمر الذي دعمته الأسانيد التي لها الأهمية القصوى في معرفة صحة الحديث ودرجته.
ويتبع بعدها بدايات نشوء السرد العربي في الفترات التي ترجع إلى القرون الميلادية الأولى. إذ أخذت ظاهرة القص والقصص شكلا أكثر وضوحا واتساقا بعد بعثة النبي وتأسس نواة الدولة الإسلامية التي امتدت حتى يومنا الحاضر، حيث أصبح للسرد العربي في وقت لاحق فنونا وأنواعا كان من أبرزها الرواية. وباعتبار النثر سجلا للأمم والأمة العربية ليست بمنأى عن هذا، فقد قُدِّم في الكتاب مراجعات تاريخية عن حقيقة السرد العربي وعن أصول جذوره ومكانة النثر لدى العرب قديما، الأمر الذي يؤدي بنا إلى الفكرة الرئيسة التي يقدمها في موسوعته حول قِدم النثر وأهميته وكونه أسبق من الشعر. "وأن الشعر تطور عن صيغ سجعية، وتطورت هي الأخرى عن الكلام العادي، وهو الذي يخالف القول الشائع بين الدارسين حول أولية الشعر". [1-ص185]. بتتبع متأنٍ يستقصي الأسس التي تطور منها السرد ورسمت الخطوط العريضة له في تراث الأمة العربية والإسلامية ولا سيما بعد شيوع التدوين في النصف الأول من القرن الثاني الهجرة، وما سبقها شيوع ظاهرة القصّاص أمثال وهب بن منبه، إذ كان للقُصّاص دور وعظي وديني مهمان في مراحلهم الأولى مع المكانة  الرفيعة للقص حتى انحدارها وازدرائها. فقد تقصّى ظاهرة القُصاص في التاريخ العربي لا سيما أنهم اتخذوا من المساجد أماكن لأداء هذه الوظيفة. وتبلورت ظاهرة القص والقصّاص بداية مع النبي الذي كان يقص على المسلمين من القرآن الكريم ما حدث للأمم الغابرة؛ بعد أن أنزل الله عليه القرآن، وقصَّ عليه القصص، إذ يقول تعالى "نحن نقص عليك أحسن القصص". من هنا يبدأ القص بصورته التي تم تأطيرها لخدمة الدين وتذكير الناس، وما آلت إليه بعد ذلك هذه الوظيفة من انحراف منهج القُصّاص والنظرة الدونية التي أُنيطت بهم، إذ أصبحت أحاديثهم مليئة بالكذب والابتداع بعيدا عن الغاية التي أُريد لهم أن يتّبعوها، فتم رفضهم لانحراف منهجهم في القص وأُبعدوا عن المساجد وانتقلوا إلى الأسواق والساحات، وأماكن تجمع الناس. هكذا كان للسرد تطوره وأهميته مع القص في إنتاج مرويات سردية شكلت مادة السرد العربي القديمة ونواة مادته الحديثة فيما بعد.

هوس الشهرة وتشيخوف.

يكاد يكون البحث عن الشهرة في العصر الحالي أقرب لمرض اجتماعي وهوس جماعي، فما بين مدون ويوتيوبر وفاشنست وصانع محتوى ومحلل رياضي وشاعر وكاتب وناقد، الجميع يبحث عن الشهرة وأي شهرة وكيفما كانت ومهما كان الثمن، فهناك الملايين حول العالم يبحثون عن الشهرة حتى لو كانت على حساب الآخرين ومعاناتهم ومآساتهم بل وحتى على كرامتهم وماء وجوههم؛ فهم يُريقونه لأجل أن يُصبحوا معروفين، وأعطت وسائل التواصل الاجتماعي الفرص وجعلتها سانحة للجميع، فاختلط الغث بالسمين، والنافع بالفاسد، والراقي بالتافه. لكن هل هذا الأمر جديد؟ الأمر لا يبدو كذلك فأول من تفطن لهذا الأمر وطرحه بقصصه -حسب اطلاعي*- كان أنطوان تشيخوف في إحدى قصصه التي كان عنوانها "فرحة" التي نشرها في بدايات مشواره الأدبي. وهي القصة التهكمية الساخرة الذي يصور بها تشيخوف فرحة الغلام ميتيا كولداروف الذي ظهرت صورته في أحدى الصحف، والسبب لندع تشيخوف وميتيا** يخبرانا به:

كانت الساعة الثانية عشر ليلا.
اندفع ميتيا كولداروف إلى شقة والديه منفعلا منفوش الشعر، ومضى يروج ويجئ بسرعة في جميع الغرف. وكان الوالدان قد أويا إلى الفراش. ورقدت أخته في سريرها تقرأ آخر صفحة في الرواية. أما إخوته فكانوا نائمين.

وقال والداه بدهشة:
من أين جئت ماذا بك؟
أوه، لا تسألا! لم أكن أتوقع أبدا ذلك! كلا، لم أتوقعه أبدا! إنه.. إنه غير معقول!
وقهقه ميتيا، وجلس في الفوتيل وهو لا يقوى على الوقوف من فرط السعادة.
هذا غير معقول! لا يمكن أن تتصوروا! انظروا! قفزت أخته من الفراش، وأسدلت على كتفيها البطانية واقتربت من أخيها. واستيقظ التلاميذ.
ماذا بك؟ إنك شاحب جدا!
هذا من الفرحة يا ماما! فالآن أصبحت روسيا كلها تعرفني! كلها! من قبل لم يكن أحد غيركم يعرف أنه يوجد في الدنيا المسجل الاعتباري (أدنى الرتب في روسيا القيصرية) ديمتري كولداروف، أما الآن فروسيا كلها تعرف ذلك! ماما! يا إلهي!
قفز ميتيا، وجرى في غرف البيت ثم عاد إلى مجلسه.
لكن ماذا حدث؟ هل أوضحت لنا!
إنكم تعيشون كالوحوش البرية، لا تقرأون الصحف، ولا تهتمون أبدا بما ينشر، بينما في الجرائد أشياء رائعة! فإذا حدث شيء يصبح معروفا على الفور، ولا يخفى أبدا! كم أنا سعيد! يا إلهي! الجرائد لا تكتب إلا عن مشاهير الناس فقط، وإذا بهم فجأة يكتبون عني!
ماذا تقول! أين؟
امتقع الأب. ونظرت الأم إلى الأيقونة ورسمت علامة الصليب. وقفز التلاميذ في قمصان النوم القصيرة فقط واقتربوا من أخيهم الأكبر.
وأخرج ميتيا من جيبه عددا من جريدة وأعطاه لأبيه وهو يدس إصبعه في موضع محاط بخط قلم أزرق.
اقرأ!
وارتدى الوالد النظارة.
هيا اقرأ!
ونظرت الأم إلى الأيقونة ورسمت علامة الصليب. وتنحنح الأب وشرع يقرأ:

"في 29 ديسمبر، في الساعة الحادية عشر مساء كان المسجل الاعتباري ديمتري كولداروف..
هل رأيتم؟ هل رأيتم أكمل!
.. كان المسجل الاعتباري ديمتري كولداروف خارجا من الحانة الواقعة في شارع مالايا برونايا، في منزل كوزيخين، وهو في حالة سكر..
شربت مع سيمون بتروفيتش.. وصفوا حتى أدق التفاصيل! أكمل! بعده! اسمعوا!
وهو في حالة سكر فزلت قدمه وسقط تحت حصان حوذي كان واقفا هنا، ويدعى إيفان دروتوف من قرية درويكينا بناحية يوخنوف. وذعر الحصان فخطا من فوق كولداروف وسحب من فوقه الزحافة التي كان جالسا فيها ستيبان لوكوف التاجر من الدرجة الثانية بموسكو، وانطلق عبر الشارع وتمكن البوابون من الإمساك به. ونقل كولداروف الذي كان فاقد الوعي إلى قسم الشرطة حيث أجري له كشف طبي. واتضح أن الضربة التي تلقاها في مؤخرة رأسه..
إنها من اصطدامي بذراع الزحافة يا بابا. اقرأ بعد ذلك!
.. التي تلقاها في مؤخرة رأسه تعتبر من الضربات الخفيفة. وقد تم تحرير محضر بالواقعة. وأجري للمصاب إسعاف أولي.."
نصحوني بأن أبلل مؤخرة رأسي بالماء البارد.
حسنا، هل رأيتم؟ هه؟ هكذا! الخبر الآن سينتشر في روسيا كلها! هات الجريدة!
وخطف ميتيا الجريدة وطواها، ودسها في جيبه.
سأسرع إلى آل هكاروف لأريها لهم.. ينبغي أن أريها لآل إيفانيتسكي، ولنتاليا إيفانوفنا، ولأنيسيم فاسيليتش! أنا ذاهب! وداعا!
وارتدى ميتا العمرة ذات الشريط المعقود وانطلق إلى الشارع منتشيا فرحا.
***

وأنتم هل رأيتم؟ هه!
فكم بيننا من أشباه ميتيا من يظنون كل شيء شهرة، ويفعلون كل شيء ليقنعوا أنفسهم بأنهم أضحوا مشهورين!
ـــــــ
*حسب اطلاعي فهذا أول توصيف أدبي لموضوع الشهرة والبحث عنها في الأدب، فإن كان هناك من سبق تشيخوف، فاذكروه متفضلين.


** القصة من الأعمال المختارة - الجزء الأول.


مؤمن الوزان.

رواية التائهون - أمين معلوف.

التائهون آخر رواية مترجمة للروائي الفرانكفوني من أصل لبناني أمين معلوف الحاصل على جائزة الكونكور عن رواية صخرة طانيوس والعضو العربي الثاني في الأكاديمية الفرنسية بعد الجزائرية آسيا جبار، ترجمتها المبدعة نهلة بيضون ونشرتها دار الفارابي في نسخة أنيقة كما عودتنا دائما، الاسم الأصلي للرواية    Les désorientés يحمل دلالات أكبر ووفقت بيضون في اختيار أقربها فمن هم التائهون، ولمَ ضلوا طريقهم؟ وكيف أراد معلوف لهذه الرواية أن تكون؟
يبدأ الكاتب روايته بجملة قد تكون غير مفهومة للقارئ سيفهمها مع توالي الصفحات وخصوصا آخرها "أحمل في اسمي ولادة البشرية، غير أني أنتمي الى بشرية تندثر" هذا ما قاله آدم الشخصية المحورية في هذا العمل ولم يأت اختيار معلوف لاسم البطل اعتباطيا لما يحمله هذا الاسم من دلالة دينية تجد مرجعيتها في أغلب الديانات المعروفة، آدم  المقيم في فرنسا المؤرخ اللبناني والباحث الذي يفكر كتابة والمولع بشخصية أتيلا الهوني البطل الذي لفظته روما فعاد اليها مستعمرا، ولم يخف معلوف اسقاطه لتاريخ أتيلا على وضعية المهاجر العربي لأوروبا بين القبول والرفض العزلة والذوبان، لهذا بدت أزمة الهوية أكثر وقعا لدى آدم عن غيره من شخصيات الرواية وقد يعود ذلك للتشابه بين آدم ومعلوف هو الأمر الذي لم ينكره هذا الأخير في معرض حديثه عن الرواية.
تقع الرواية في ستة عشر فصلا (أو يوما) وهي عدد الأيام التي تجري فيها الأحداث ويتناوب الكاتب مع الشخصية الرئيسية في السرد هذا التناوب بين الراوي البعيد والآخر القريب جعلني أتوه أحيانا بين شخصية الكاتب وبطل روايته ولم ينقذني من التيه إلا ضمير المتكلم عبر مذكرات حملها آدم يدون فيها يوميات قصته، تبدأ وقائع الحكاية باتصال ليلي يحثه على العودة من منفاه للوطن لوداع صديق قديم يحتضر وبعد تفكير يذعن آدم لنوستالجيا المهاجر ويقرر العودة لقضاء يومين لتطول الرحلة بسبب رغبته في لم شمل الأصدقاء القدامى من شتى الطوائف والمهن، محاولة آدم ستنجح فنتعرف بالتوازي مع الأحداث الحاضرة على ماضي الشلة ورحلة الشتات التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية (ولا نجد ذكر صريح للبنان إلا بالاستعارات التاريخية والمكانية)، معلوف كان ذكيا في اختيار شخصياته وتحميلها رسالة من رسائله السياسية وقراءته للأحداث الماضية والحاضرة نستعرض باختصار لهذه الشخصيات مع رؤيتي الشخصية لحضورها ورمزيتها:

آدم: المؤرخ ويوصف عادة المؤرخون بالثقة فكل ما سيقوله آدم موثوق ومؤكد، آدم وحيد والديه سيعاني من يتم بعد وفاة والديه بحادثة جوية فيخرج من بيته (الجنة) ليتربى بعيدا عنه، فهو تمثيل لبداية البشرية وبالتالي كان بديهيا أن يتحمل عبء جمع أصدقاء من أجل احياء أو محاولة احياء الصداقة (البشرية).
ألبير: المسيحي المنعزل الانطوائي بسبب ميوله المثلية وهو سبب سنعرفه متأخرا في الرواية، شعوره بالاضطهاد وانعدام الهدف تدفعه للانتحار وسينقذه من هذا الانتحار عملية خطف معتادة آنذاك في لبنان لكنها ستخرج من الاعتياد بنشأة علاقة بين الخاطف والمخطوف مزيج بين متلازمتي ليما وستوكهولم فينقذ الخاطف ألبير من اليأس ويغير فكرته السوداوية ويسافر ليقيم في الولايات المتحدة الأمريكية كعالم مستقبليات ذو حظوة.
نعيم: الصحفي اليهودي الذي يقنعه والده بضرورة الهجرة لما تعانيه طائفته من تمييز فيختار البرازيل منفى له و ينجح في عمله و حياته، اليهودي الأكول الذي لا يشبع و في هذا ايحاء ساخر من معلوف.

مراد و زوجته تانيا: مراد الكتوم الصريح والواضح الأهداف والأخ الأكبر نوعا ما لباقي الشلة فضل البقاء في الوطن لحماية بيته كرمز للوطن ككل وهذا ما ذكرته تانيا بوضوح لآدم معلقة أنه كان من الضروري على أحدهم أن يبقى للحفاظ على وطن قد يعود اليه التائهون.

بلال: الشخصية الشبح، الأديب الذي أساء الاختيار بدخوله الحرب من أجل الأدب، في هذا تلميح صارخ لمعلوف يبرر فيه اختياره لمنفاه من أجل حماية قلمه من الدم، بلال سقط مع أول قذيفة تاركا قلبا مكلوما قلب سميراميس.

سميراميس: المرأة الفاعلة في غياب تأثير واضح لباقي نساء الرواية، سميراميس المهاجرة من مصر بعد حكاية غريبة لأبيها الذي هاجر في الوقت المناسب مع ثروته لتفادي أثر ثورة يونيو، سميراميس الحمامة في الحضارات العراقية القديم، الحضن والألم الذي يوجع كل مغترب ويجبره على العودة للوطن والارتماء في أحضانه دون نسيان الرفيقة الغربية إيحاء من معلوف للأزمة شرق غرب.

نضال: أخ بلال المسلم المتعصب والذي ينتقد بفظاظة هروب مواطنيه من لبنان، جرى بينه وبين آدم حوار طويل حول قضايا المنطقة خصوصا الصراع العربي الصهيوني وأظهر فيه معلوف رؤيته السلمية للقضية بعدم تغليب جانب على الآخر.
رامز: المهندس المسلم الذي وقف مرة ثانية على رجليه بعد خسارة شركته في الحرب ليكون من أثرى أثرياء لبنان وهي الصورة النمطية لمعظم رجال الأعمال اللبنانيين وقد يكون رفيق الحريري مثال واضح لهم.

رمزي : شريك رامز في عمله الذي يفضل الرهبنة بعد وفاة زوجته واكتشافه مدى عبثية الاشتراكية  و حسن توزيع الثروات في زمن لا يعترف إلا بالأقوى.

هؤلاء هم التائهون، والغريب أن كل شخص منهم عانى تيها خاصا به في وطنه الأم آدم وخروجه من جنته الصغيرة بعد وفاة والديه ألبير وعزلته بسبب مثليته نعيم عزلته بسبب دينه وارتباطه بإسرائيل سميراميس بعد هجرتها من مصر وضياع حلمها بأن تكون مطرب.. فالتيه الأول قاد الرفاق الى تيه أكبر هذا هو تبرير معلوف للمنفى.
هذه الرواية حبلى بالرسائل التي أراد معلوف إيصالها للعالم، فمعلوف اعتبر أن سياسة اللا عنف هي الفيصل في حياة هادئة وحتى نصل لهذه الحياة لا مجال لوجود الأديان لتكون مؤثرا على الأشخاص الذين يخلطون بين الدين والانتماء للطائفة فتختلط القومية بالديني لتنتج غلوا وعصبية تنتهي غالبا بالدم.  يقول معلوف: "هنا في المشرق لا يكترث الناس للعقائد الإيمانية بل الانتماءات، فطوائفنا عشائر غلونا الديني شكل من أشكال القومية". "القيمة السامية هي العلمانية بالنسبة لصديقنا الذي هو فرنسي أكثر من الفرنسيين. إذا حاد عنها العالم، وعاد إلى كنف الدين، فهذا يعني أنه تقهقر..".
يحاول الكاتب في رواياته إيصال لغة من اللا عنف والتسامح الديني وهي تيمة نجدها أيضا في رواية ليون الافريقي حين اعتنق البطل ديانتين دون أن يؤثر ذلك على رؤيته للأشياء، فلماذا اختار التائهون لحل هذه المعضلة ألبير يجيب على هذا السؤال في معرض جوابه على تساؤل  دولوريس رفيقة آدم حين سألتهم "ما الذي جمعكم؟ فيقول "رامز أعز صديق لي بين المسلمين، ونعيم أعز صديق لي بين اليهود، وآدم أعز صديق لي بين المسيحيين. وبالطبع لم يكن جميع المسيحيين مثل آدم ولا كل المسلمين مثل رامز ولا كل اليهود مثل نعيم. ولكني كنت أرى أولا أصدقائي. كانوا كمامة عيني، أو إذا شئت كانوا الأشجار التي تخفي عني الغابة" فلبنان أو أي بلد يحتاج لأشخاص يحاولون بقدر الإمكان نسيان "الأنا" لاحترام "الآخر" وقد نجح آدم في جمعهم في النهاية لكن النهاية كانت مأساوية وصادمة وهذا ما يقوله معلوف على لسان آدم فالعالم ومهما فعلنا سينتهي قريبا فلسفة تشاؤمية هيجيلية بامتياز يحاول الكاتب أن يبلغنا اياه بألطف الطرف وبعمل أدبي أغرق فيه معلوف على غرار كتابه بدايات في كم من الرسائل الطويلة  تحكي قصة داخل القصة أو توضح مفهوم وهو أسلوب يزداد اطنابا في الحوارات الطويلة التي جمعت آدم بباقي الشخصيات والتي بدت أحيانا خارج سياق الحدث الذي يتطلب منحى آخر للحوار مثل حواره مع نضال (وأجد شخصية نضال في حد ذاتها مقحمة).
يتساءل معلوف في هذه الرواية هل من المعقول أن يبقى العنف مرتبطا بالديانات لكنه في ذات الوقت يقول بنهاية التاريخ واندثار البشرية، قد بدت نظريته هذه أقرب لنظرية فوكوياما لا سيما مع الاقتباس الذي استهل به روايته "كل ما تمسه القوة ينحط قدره أيا كان التماس.. فاللطخة هي نفسها سواء كان اعتدى المرء أم تعرض للاعتداء". سيمون فايل الفيلسوفة المتشائمة.
يضعنا معلوف هنا أمام إشكالية محيرة فاذا كان اللاعنف مرتبط بسقوط الدين فالبشرية ستنتهي بهذا السقوط؟ فما الذي أراد معلوف أن يصل إليه بالتحديد سيما في المشهد التراجيدي الأخير في الرواية (إن كنت لم تقرأ الرواية بعد فلا تستمر) ولماذا اختار هذه النهاية دون سواها رغم أنه يلعب بالمتخيل وليست سيرة ذاتية وما المقصود بتلك الاختيارات؟
تفاعل القارئ مع الرواية بمنتهى الحماس والاندفاع ليصل إلى نهايتها المحتملة وهو لقاء الأصدقاء ولم الشمل من جديد لكن معلوف فاجأنا بحادثة سير يموت فيها رمزي (الرمز الديني) حرقا وبقاء آدم معلقا بين الحياة والموت، حادثة تثير أكثر من سؤال لماذا أختار رمزي دون غيره للموت ولماذا المحضر لم يذكر اسم باسل واقتصر على رمزي فحسب فهل هذه إشارة أن الدين سيؤدي إلى التهلكة وأن الدين هو سبب مآسي البشر وليس العكس، تزداد سخرية معلوف في هذا المشهد بتعليق حياة آدم (البشر) على شيء ما لم يذكره معلوف لكن بالمقابل ترك هذه الحياة معلقة بفرنسا وليس الوطن الأم (الشرق)، وهل آن الأوان للإنسان أن ينتهي ليفتح لمجال لفاعل آخر في اللعبة أو أن قدره الاستمرار رغم كل العبث الموجود في هذا العالم؟

التائهون قد تحتمل أكثر من قراءة فهي ليست رواية بسيطة تنتهي بمجرد إغلاقها بل تفتح مجالا شاسعا للنقاش قد يكون نقاشا بيزنطيا كتلك النقاشات التي جمعت البيزنطيين كما اعتاد الجميع أن ينادي التائهين وقد يكون نقاشا حميدا ينتهي بحلول لإحياء الإنسانية.

إيمان العزوزي.

اصنع تأملك بخطواتٍ ثلاثٍ يقدمها دان هاريس - فنسنت كوانميير.



هل تشعر أن التأمل ليس لك؟ أو أنه مضيعةٌ للوقت أو ربما تنتابك بعض الشكوك حول فوائده؟
يتحدث دان هاريس، مذيع ABC إلى كيتلين حول كيف قام التأمل بتغيير حياته وكيف يمكن أن تكون فوائده جمةً حتى لو لم تشترك في الجانب الروحي من هذه الممارسة.
هنا نقدم لك ثلاث أفكارٍ رئيسةٍ لتبدأ بها مسيرتك التأملية.
1-  تعلم التعرف على الصوت الذي بداخلك،
جميعنا نملك صوتًا داخليًا وهذا لا يعني أننا نعاني من تشتت الذهن بل يصف التجربة اليومية الدنيوية لمعظم الناس، فمن أول لحظات الصباح وحتى اللحظة التي ننام فيها تقدم أذهاننا تصورًا مستمرًا على كل ما نقوم به خلال اليوم.
فمهما كان يومك، يقوم عقلك بنسج قصةٍ حول كل ما يحدث، وللأسف يكون عقلك هنا معلِّقٌ متحيزٌ بشكلٍ مقلقٍ والكثير من هذه القصص التي ينسجها تلقي ضوءًا سلبيًا عليك، إذ يظل يلح عليك بشدةٍ في بعض الأمور ويكرر عليك عباراتٍ مثل: يجب أن تذهب إلى صالة الرياضة، يجب ألا تتحدث كثيرا في الاجتماع، يجب أن تعرف المزيد عما يحدث في السياسة والكثير من الأمور على هذا الغرار.
ومع ذلك، بغض النظر عن أهمية ذلك الصوت؛ فإن التأمل يساعدك على رؤية البدائل وأن صوتك الداخلي قد يضعف شعورك بالقيمة الذاتية أحيانا، فحين تلاحظ ذلك وتعترف به تستطيع أن تختار عدم التأثر به في الأمور السلبية وأن تتركه وتعود إلى ما تقوم به.
2. يستطيع عقلك إيجاد الوقت ليتأمل.
يسبب التدفق المستمر للأفكار في أذهاننا موجاتٍ مستمرةٍ من التصورات يمكن أن تقودنا بسهولةٍ إلى افتراض أن التأمل لا يصلح لنا، فنعتقد -ببساطة- أننا لا نستطيع التأمل لأن هناك سحابةً كثيفةً من الأفكار بيننا وحالة الهدوء السعيدة التي نعتقد أنه من المتوقع أن نحققها، لكن هذا الاعتقاد يفتقد إلى الهدف من هذه الممارسة فوجود عقلٍ مشغولٍ باستمرارٍ هو جزءٌ من كونك إنسان.
كما أن التعرض للهجوم من الأفكار مرارًا وتكرارًا أثناء محاولتك عدم التركيز على أي شيءٍ سوى التنفس ليس عائقًا، ولكنه جزءٌ طبيعيٌ من عملية التأمل، ففي الواقع إنها لفرصة! لأنه في كل مرةٍ ندرك فيها أن اهتمامنا قد انصرف عن التأمل وتحول إلى خطط تناول العشاء أو صور عطلة التزلج فإننا نقوم بتدريب أذهاننا على الخروج من تلك القصص والعودة إلى الوقت الحاضر.
كما أن ملاحظتك أنك قد صرفت انتباهك ليست علامةً على الفشل بل إشارة بدء النجاح، وفي كل مناسبةٍ تقوي قدرتك أكثر على إدراك ما يحدث الآن وهذا ما يعرف باسم mindfulness.
وقد أظهرت الأبحاث العلمية العصبية أن التأمل يمكن أن يغير تركيب دماغك نحو مزيدٍ من الاهتمام والتنظيم العاطفي بشكلٍ أفضل.
3. دقيقةٌ واحدةٌ فقط!
يمكن أن يكون الوقت أكبر عقبةٍ يجب التغلب عليها في إنشاء روتين تأملٍ منتظم، فقد تكون جداولنا الحالية مملوءة جدا حيث يبدو من المستحيل توفير مساحةٍ لالتزامٍ يوميٍ إضافي.
والخبر السار هو أنه على الرغم من أنه من الرائع أن تكرّس 15 دقيقةً أو أكثر للتأمل كل يومٍ إلا أنه لا يتعين عليك البدء بهذه الطريقة.
فكما يقترح دان هاريس؛ يمكن أن تكون دقيقةٌ واحدةٌ كافيةً لإلقاء نظرةٍ أولى على الفوائد التي يقدمها التأمل.
ومن المحتمل جدًا أن يستغرق الأمر دقيقةً واحدةً في اليوم لتبدأ التعرف على الصوت في رأسك ثم يمكن أن يكون ذلك بوابةٌ لفتراتٍ طويلةٍ من التدريب.
وعلى الرغم من أن الروتين اليومي يمكن أن يكون مفيدًا جدا، إلا أن الممارسة اليومية هي سببٌ وجيهٌ لتكون سعيدًا بالتزامك، فقد يكون لديك عزمٌ قويٌ لتخصيص وقتٍ كل يومٍ للتأمل، لكنه حتمًا ستكون هناك أوقاتٌ تتآمر فيها ظروفٌ خارجةً عن إرادتك لكسر خط ثباتك، وفي هذه الحالة بدلاً من أن توبخ نفسك بسبب عدم الالتزام والانضباط؛ تعاطف معها وقر بالجهود التي تبذلها بالفعل في هذه الممارسة.
ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: عبد الله علي.


رواية "نحتاج إلى أسماء جديدة" بقلم نوفيوليت بولاوايو.

رواية "نحتاج إلى أسماء جديدة" بقلم نوفيوليت بولاوايو
2013/11/15
الكاتبة الزيمبابوية نوفيوليت بولاوايو المرشحة لجائزة الكتاب الأول في الغارديان لعام 2013،
تعرض ملخصًا عن روايتها (نحتاج إلى أسماء جديدة) وتشرح السبب الذي ألهمها لتكتب هذه الرواية.
استلهمتُ شخصية بطلتي، دارلينغ، من صورة لطفل كان جالسًا على أنقاض منزله الذي دمرته الجرافات، تنفيذًا لعملية الإخلاء القسري (مورامباتسفينا) بأمر من حكومة زيمبابوي في أفريقيا، وهي حملة أقامتها الحكومة بحجة تنظيم المنطقة عام 2005،  أدت إلى فقدان بعض الأشخاص لمنازلهم. عندما نظرتُ إلى تلك الصورة المؤرقة، ظلّت تطاردني وأصبحتُ مهووسة بالتفكير في المكان الذي سيذهب إليه هؤلاء الأشخاص؛ ما هي قصصهم، وكيف ستتغير تلك القصص بعد ما حدث - والأهم من ذلك، ماذا سيحدث للطفل الذي رأيته في الصورة الأولى. وبذلك أصبح مشروع كتابة هذه الرواية وسيلة أساسية لمعرفة ذلك. كانت خلفية الأحداث هي البلد في الوقت الذي كانت تتفكك فيه بسبب فشل القيادة. الشيء الآخر الذي ألهمني هو الأطفال؛ قناعاتهم التي يدافعون عنها، وبراءتهم، وقدرتهم على الصمود، وشعورهم بالإنسانية، وروح الدعابة، وماذا يمكن أن يقولوا عن عالمنا نحن الكبار. أعتقد أن هذه هي النقطة التي نحتاج فيها إلى رواية "نحتاج إلى أسماء جديدة" لتقوم بدورها في كشف ذلك.
نحن نعيش في وقت يصبح فيه العالم أصغر يومًا بعد يوم - ألقِ حجرًا في مكان مزدحم ستصيب به على الأرجح شخصًا؛ جاء من مكان ما، مهاجرًا من وطنه لسبب أو لآخر. أردت لهذه الرواية أن تعكس هذا الواقع، والسبب وراء عبور الحدود للوصول إلى الولايات المتحدة، حيث انتهى المطاف بدارلينغ. وطبعا أمريكا بحد ذاتها مصدر إلهام. ومن القصص التي تهمني قصة المهاجرين، ربما لأنني أعيش في هذا المحيط وبالأخص مدى صعوبة أوضاعهم، وضرورة التحدث عنهم – لما لذلك من تأثير على الشباب، الذين لا تُسمع أصواتهم. أردتُ أن يكون لدى دارلينغ صوت يتسم بالأهمية ويُسمع.
الملخص

هم لم يأتوا إلى الجنة  (اسم على غير مسمى؛ فما هي إلا منطقة عشوائية تكدّس فيها الذين أخرجوا من منازلهم). مجيئهم يعني أنهم اختاروا المجيء. يعني أنهم نظروا أولًا إلى الشمس، وجلسوا... كزوا على أسنانهم ، وفكروا في القرار. يعني أنه كان لديهم الوقت الكافي للنظر في صورهم المنعكسة على المرايا الطويلة أمامهم، وربما لتسريح شعرهم، وشد أحزمتهم، والنظر في الساعات حول معصم كل منهم، قبل النظر في الطريق الأحمر أمامهم ليعلنوا أخيرًا: ها نحن مستعدون للذهاب الآن. لا لم يأتوا، لم يختاروا المجيء. هم فقط هكذا ظهروا.
ظهروا واحد بعد الآخر، ثم مثنى فثلاث. ومنهم من ظهر كمجموعة متتالية كالنمل، أو كسربٍ مثل الطيور. في موجات غاضبة مثل بحر هائج. كانوا يظهرون في الصباح الباكر، وفي فترة ما بعد الظهيرة، وفي جوف الليل. كانوا يظهرون بملابس يغطيها الغبار من منازلهم التي هُدمت، وأبتْ إلا أن تتشبث بشعرهم وجلودهم وملابسهم ، لتجعلهم يبدون وكأنهم جاءوا من حياة أخرى. ظهروا وهم يحملون صفائح القصدير، والكرتون، والبلاستيك، والمسامير وغيرها من الأشياء التي يحتاجونها ليبنوا منازلهم الجديدة. كانوا يتظاهرون بالهدوء وهم ينصبون بيوتهم من الصفيح، يثبتون صفيحة بأخرى... قطعة بأخرى، وينظرون بشجاعة إلى السماء  ويقولون لبعضهم: حتى هنا... في هذا المكان الجديد الغريب لا تزال السماء هي نفسها، بنفس زرقتها المعتادة، فأل حسن بأن الأمور ستصبح أفضل.
ظهر بعضهم وهم يحملون أطفالًا بين ذراعيهم، وآخرون يمسكون أطفالهم يدًا بيد. أما الأطفال فقد ظهروا حيارى، لا يفهمون ما كان يحدث. يمسك بهم آباؤهم، يقربونهم منهم، يضمونهم إلى صدورهم وينفضون عن رؤوسهم التراب، يمسدون بأيديهم المتصلبة رؤوسهم الشعثاء، يحاولون تعزيتهم، لكنهم في الحقيقة لا يجدون ما يقال.
ثم شيئًا فشيئًا... استسلم الأطفال وتوقفوا عن طرح الأسئلة وبدوا فارغين، كأن طفولتهم قد ولّت وتركتهم ولم تترك خلفها سوى ظلها.
  •   نوفيوليت بولاوايو في حديثها مع الغارديان.
  • ترجمة: بلقيس الكثيري.
  • تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب