المشاركات الشائعة

الأربعاء، 17 يونيو 2020

البحث عن الزمن المفقود (الكتاب الأول)



جانب منازل سوان - مارسيل بروست.


إنَّ روايات بروست السبع في بحثه عن الزمن المفقود عبر الذاكرة تعدُّ إحدى الأعمال التي شكلّت الانطلاقة الأولى لأدب الحداثة في القرن العشرين، الأدب الذي حدد ملامحه وعبّد الطريق ثم شرعها عدة روائيين كان من بينهم بروست، وعمله المعتبر هذا ولا سيما في تعامله مع الزمن وتداعي الذكرة الطوعي أو الحر، إحدى التقنيات الرئيسة لنوع روايات تيار الوعي في جنس الرواية. ولا نبخس روائيًا حقه إن قلنا أن أدب الحداثة في الرواية في القرن الماضي قد تجسّد في تيار الوعي وأعلامه جيمس جويس وفرجينيا وولف، إضافة لصاحب الزمن المفقود.


فما ثيمة هذا العمل الذي تجاوز المليون كلمة؟ 


إنه سيرة روائية ذاتية، عمل اختلط فيه المتخيل بالواقعي، الخيال بالحقيقة، سيرة إنسان تبتدئ منذ الصغر حتى شبابه عارضا فيها حياته وحياة من حوله، ومستعرضا مواضيع مختلفة كالعائلة والحب والعلاقات الاجتماعية والأسرية والحياة والخسارة والمجهول وطبيعة الأناس الآخرين والعلاقات الجنسية القويمة منها والشاذة، موزعةً في سباعيته التي حمل كل كتابٍ منها جزءًا من الحكاية! 

الكتاب الأول من هذه السلسلة (جانب منازل سوان)، وهو مادة حديثي في هذا المقال، يشرع فيه بروست بسرد مادته موزعًا إياها على ثلاثة فصول (كومبريه، ومن حب لـ سوان، وأسماء البلدان) فصلان يسرد بضمير المتكلم (كومبريه وأسماء البلدان) وفصل بضمير الشخص الثالث والراوي العليم (من حب لسوان).  


يفتتح السارد الرواية بتذكره الأيام الخوالي ووقت خلوده إلى النوم في فراشه، لننطلق معه برحلة إلى الماضي البعيد عبر تداعي الذاكرة الحر، ويُطرح السؤال لماذا اختار هذا الوقت بالتحديد للتذكر بدايةً للشروع في بحثه عن الزمن المفقود؟ 


القبض على زمن ما قبل النوم


يقبض بروست على زمن ما قبل الخلود إلى النوم، فكل إنسان يغرق في أفكاره وماضيه وحاضره ومستقبله في خلطة عجيبة في بوتقة الذاكرة (الاسترجاعية) والاستبصار المستقبلي، يرى نفسه هنا وهناك وفي كل مكان ولا أي مكان، وهو في فراشه ثابتٌ راسخٌ لكنَّ الذاكرة والوعي مستيقظان، فإلى الماضي ننطلق، وينطلق بروست وسارده الذي يقص علينا تفاصيل هذا الزمن الآني الذي يلفه ويسعى للقبض عليه وإيقافه ثم العودة به إلى الوراء محركًا عقارب الساعة إلى الخلف. تبدأ الرحلة ولا شيء يوقفها فقد امتطى صهوة الزمن بعد أن قبض على أحد أجزاء جسده الطويل، والقبض عليه من منتصفه يعني القبض على بدايته ونهايته، ليصبح التحكم سهلًا والانتقال تقدما أو تراجعًا مهمة يسيرة بين يدينا. 


فهل زمن ما قبل النوم سهل إلى هذه الدرجة؟ وما الذي يميزه؟ إن الجواب عن هذين السؤالين أو محاولة الإجابة أو حتى وهم الإجابة يعطينا الفرصة لفهم لماذا اختاره بروست. 

يبدو زمن ما قبل النوم، بطيئًا في حركته، هادئًا في تدفقه، طيّعًا في انصياعه لرغباتنا، بإمكان كلٌ منا أن يلجه، فهناك مسافة كافية للتحرك بداخلها؛ الغوص في الذاكرة والتحرر من ثقل الجسد الهامد في فراشه، الصفو الذي يأتي به زمن ما قبل النوم يجعل منه زمنًا حُلميًا، يتدفق مسرعًا دون أن نشعر به، الساعة كالدقيقة، والدقيقة كالثانية، أو يتحرك ببطء الثانية كالدقيقة، والدقيقة كالساعة. كل هذا يعتمد علينا، على وعينا وموضوع انشغالنا، لهذا كان التقديم الذي يسرده علينا الراوي الضمني في "جانب منازل سوان" طويلا ومفصلا ومتراجعًا إلى الوراء بحركة بطيئة لكن كل خطوة في هذا الحركة تمثل نقلًا لمدة زمنية كبيرة إلى الماضي، فكان توصيف حاله في سريره خطواتٍ يأخذنا بها نحو بوابة قريبة، في طريق الذاكرة، هذه الخطوات التي قد تكون مئة خطوة، لكنها تحمل فيها زمنًا طويلا، زمنًا فقد كل خاصية دفاعية، ليمضي بنا إلى بوابة الحدث المقصود، الحدث الذي تحفظه الذاكرة، وتؤدي إليه. 

الذاكرة والزمن في شراكة حقيقة يحاول بروست القبض على الأولى لكنها مثل الرمل تتسرب من بين أصابعه في حين الثاني يكون التعامل معه أسهل، فهو بين يديه مثل حجارة ينقلها قاذفًا إياه في بحيرة الوعي الكبيرة فوق أرضية الذاكرة، هذا التمازج الذي يتداخل ويتعارض ويتوازى في حلقة تلتف حول نفسها في حركة أفعوانية ملتهمة نفسها ومولِّدة نفسها في حركة تتابعية ترتفع وتنخفض، تموت وتحيا، تبدأ وتنتهي. 

أدرك بروست قيمة الزمن والذاكرة في التعامل مع الماضي، والقبض عليه ثم التحكم به، لذلك كان الزمن والذاكرة من أبرز ما أعطى لهذا العمل قواه ومزاياه وجعله تحفة أدبية ثورية في الرواية الحديثة. 


الذاكرة المتداعية الحرة المتقافزة والزمن المتصاعد  


أعطى بروست للذاكرة حريتها، وجعلها تتداعى متقافِزة بين حدث وآخر أو شخصية وأخرى دون أن يكون هناك أي صلة أو انتقال تتابعي، الذاكرة تمنح الحدث وبروست يكتب، مما يعطي شعورًا قويًا ودقيقًا بأنه يتذكر ويكتب ما يتذكره، سواءً كان حداثة أو شخصية أو موقفًا، كل شيء يحضر لكن الذاكرة تجعله يتدفق من كل مكان ضاخة كل ما في جَعبتها من ذكريات يسعى بروست خلفها. لكن هذه الذاكرة الحرة المتداعية التي تتجسد ليست عشوائية الحركة بالمرة كما تبدو عليه، فلديها نظامها الخاص ذو هيكلية في التداعي، فيُسرد الحدث المتذكر عبر خطوات: 


1- يعود السارد بالزمن إلى الماضي عبر تقنية الاسترجاعية ثم تداعي الذاكرة الحر. 


2- يتصاعد الزمن المستعاد عبر الذاكرة المتداعية الحرة المتقافزة، وهنا الحدث يُبنى من مادة الذاكرة في الزمن المتصاعد وهو زمن خيالي لا وجود له إلا في الذاكرة وآلية التذكر. 


3- التنقل الحر في الذاكرة بدون ضوابط نعرفها أو نميزها ظاهريا، إلا إنها محددة في زمن ومكان معينين وما يرتبط بهما؛ وموضوع محدد هو الطفولة وما لفها من أحداث التي يحاول بروست تذكرها في جزئي كومبريه وأسماء البلدان. 


4- السرد المتصاعد. على الرغم من أن الرواية مبنية على الرجوع إلى الماضي، إلا إنها تسرد تصاعديا، فهي عودة إلى الخلف ثم تقدم إلى الأمام وكل هذا يجري في زمنين، زمن المضي إلى الخلف وزمن التقدم إلى الأمام وتشكل الذاكرة ماهية هذا المضي والتقدم. 


إذن، فلدينا رجوع إلى الماضي، ثم تذكر حر متصاعد، يتحكم فيها السارد، ويسرد الأحداث وفق فعل قفز الذاكرة، فنرى تعدد الشخصيات التي يحكي عنها "يتذكرها" ومن شخص إلى آخر، لكنه أثناء هذا التذكر للأحداث والشخصيات يمزجها في مدينة كومبريه وطبيعتها وأشجارها وأزهارها ونباتاتها ومائها وسمائها والطرق التي سلكها وكنيستها وبهوها وجدرانها ونوافذها ورسوم زجاجها، وبأجواء العائلة المكونة من الأب والأم والجد والجدة والعمة ليوني والخادم المسنة فرانسواز وسوان وضيوف العائلة وشخصيات أخرى خالقا لوحة فسيفسائية. ويعمد إلى الإطناب في الوصف الذي يجعل التشبيه لمشهد ما أو منظر أو فكرة تخطر بباله "في الماضي" غارقًا في تفاصيل أخرى راسما عبر هذه التفاصيل الشبه الذي يريده أو التمثيل مما يسمح لنفسه بمساحة كبيرة في السرد ويضيف لها أي وصف أو حدث آخر يشاء، وهكذا يستمر. 

فيبدو السرد كأنه نوع آخر من التذكر أو التأمل أو التداعي الحر، فتنتقل إليه تقنية الذاكرة المتداعية المتقافِزة، ويصبح السرد قفزا ضمنيا متداعيا في الحدث المسرود. هذا السرد يجعل من الصعب التمييز ما بين التذكر والتفكر (وهذا ما له شواهد في رواية في ربيع ظلال الفتيات، سأكتب عنها في وقتها)، وهل كل ما يسرد هو فعلًا تذكر أو أنه ممزوج بتفكير آني في "زمن الكتابة"، وأقول زمن الكتابة لأنه الزمن الفعلي لكل هذا، الزمن الذي لا يستطيع بروست القبض عليه أو تحكم به، فهو يتدفق بقوى أكبر من إمكانية بروست المحدودة، لكنه زمن يبقى خارج اللعبة إلا عبر ما قد يثيره في ذات بروست الحقيقية التي تجعل أفكاره الآنية التولد أثناء الكتابة مخلوطة في جسد الذاكرة والماضي البعيد. 

  


السرد بضمير الشخص الأول العليم 

 


يعود السارد بالزمن إلى الوراء عبر تداعي الذاكرة الحر، ويتقدم بعدها متصاعدًا، إلا إنه يضيف على هذا التصاعد تقنية الراوي العليم الذي يعلم كيف سينتهي تذكره التصاعدي وماذا سيحدث لاحقا، دون أن يعطي انطباعا للقارئ أنه يكتشف معه  الأحداث من ذكرياته. هذه التقنية السردية نقلت قدرات السارد العليم الكلي المعرفة إلى السارد بضمير المتكلم فيما يخص الأحداث التي يتذكرها ويعرف نهايتها، وهذا التركيب بين الاثنين يتناسب تماما مع الذاكرة وآلية التذكر، فحين نسترد حدثًا من الماضي فنحن نعرف كيف يبدأ وكيف ينتهي، وكذلك كيف حدثت وانتهت أحداث أخرى مرتبطة به هذا كله يضفي للسرد في الرواية تصويرا للذاكرة وعملها في الرواية بشكل ملموس، فأنت تقرأ الذاكرة المسرودة. لكن هذا الخلط بين قدرات السارد العليم والسارد الشخصي أوقع بروست في هفوة لا يجب أن تقع في الفصل الثاني من الرواية "من حب لسوان"، إذ يسرد هذا الفصل بضمير الشخص الثالث، وبسرد راوٍ عليمٍ، وهذا أمر معتاد في تنويع الساردين في النص الروائي إلا إن مشكلة هذا السارد العليم هو نفسه السارد الأول الذي يتكلم عن تجربته الماضية، وقد ورد هذا التدخل في عدة مواضع أذكر، أذكر منها:


- ... إذ يبدو وكأنه يرصد المتع التي تنعم بها مع الآخرين والتي تبدو له -فيما هو يعود وحيدا ويبادر للنوم وفي صدره ضيق مثلما كان سيتم لي بدوري بعد عدة سنوات في العشيات التي يجيء فيها لتناول العشاء في بيتنا في "كومبريه"- غير محدودة لأنه لم يبصر نهايتها.  


-  استمر بعضهم في زيارته -كجدي الذي دعاه في السنة السابقة لحضور زواج والدتي- فيما يكاد البعض الآخر لا يعرفه شخصيا…


- وكانت شخصية "الابن سوان" التي تطلقها عليه، بهذا الشأن، شقيقة جدي، وهي متميزة عن شخصية  "شارل سوان" الأكثر فردية.


توضح هذه الأمثلة الثلاثة، وأمثلة أخرى في الفصل الثاني من الرواية، أن بروست جعل من السارد بضمير المتكلم في الفصلين الأول والثالث، هو نفسه السارد العليم الذي سرد قصة سوان مع أوديت، الأمر الذي لا يمكن حدوثه، فلكل ساردٍ إمكانياته وتقنياته الخاصة، وأن يكون السارد متكلما بضمير الشخص الأول وعليمًا يغوص في نَفْسِ شخوصه الذين هم شخصيات حقيقية في حياته أمر لا يمكن، وأن يكون بروست قد فعلها ساهيًا أو متعمدًا فقد أخطأ في هذا وارتكب هفوة سردية لا يمكن أن تقبل ولا تنسجم في عمل مبدع وبارز مثل هذا. إضافة إلى أن اللغة المستخدمة في الفصول واحدة وثابتة المستوى، دون أن يكون هناك تغايرٌ أو تمايزٌ بين السارد بضمير الشخص الأول أو السارد العليم. هذا التشابه يثبت -إن لم يكن تقصيرًا من المترجم- أن بروست لم يسعَ إلى التدقيق ما بين الساردين وأنه كان يكتب خالطًا ما بين قدرات الاثنين، بل وفي مقاطع يكون المتكلم هو العليم والعليم هو المتكلم عبر ذكر أمور لا يتسنى للسارد بضمير المتكلم أن يعرفها، وهذا ما يرد كذلك في الرواية الثانية، التي سنعود إليها لاحقا.    


والنقطة الأخرى التي آخذها على السرد في الرواية هي الاعتماد على سرد الشخص الأول في الزمن الماضي البعيد، وإشكالية وجود ذاكرة دقيقة لا تنسى كهذه، وجدوى التداعي الحر للذاكرة في ظل قدرة خارقة لها، فنحن نريد أن نكون واقعيين في السرد عبر الذاكرة العادية أو المتوسطة لكل البشر، لذا فالذاكرة هنا ليست ذاكرة واقعية لشخصية بل "ذاكرة متخيلة" يتحكم بها الراوي الضمني.

يتذكر السارد أحداثًا وقعت قبل زمن بعيد فرغم محاولته في جعل الذاكرة تتذكر طوعيًا متداعية دون ترتيب أو تناسق في التنقلات لكنه يذكر تفاصيل دقيقة وحوارات كاملة. وهذه الإشكالية قد تُتفهَّم في السرد الروائي قبل قرن من اليوم لكني اليوم في القرن الحادي والعشرين فلا يمكن تقبلها ما دمنا نتحدث عن رواية واقعية وأشخاص عاديين فمن المفترض أن تكون ذاكرتهم أيضا عادية (لذا فالملاحظة خارجية أكثر مما تصب في صلب العمل). يتذكر الإنسان العادي أحداث الماضي لكنه يعيد تشكيلها وفق لما يستطيع تذكره ولا يمكن لأي منا أن يذكر أحداثًا خالية كما حدثت بالفعل ولا حوارات كما قيلت بالفعل ولا مشاعر وأحاسيس كما انتابتنا بالفعل بل نعيد تشكيلها وسردها وقصها ونسجها وفق لقدرتنا على التقاطها في زمن السرد الحاضر، وهذا القص الجديد للحدث لا يعني بالضرورة أنه هو فعلا بل قد يكون الأمر تذكر وهميًا أو تداخلًا بين حدثين أو شعورين فلا يجب أن نأمن الذاكرة ولا نثق بها كثيرا. 

لذا فسرد الذاكرة المتداعية الدقيق يدعوني أن أسميها "ذاكرة متخيلة" يتحكم بها الكاتب لا الشخصية التي تسرد لنا حياتها، هذه الذاكرة المتخيلة هي مزيج بين الواقع والخيال لبروست يضفي على الحدث المسترَّد الحقيقي أو المتخيَّل ألوانًا وأبعادًا جديدة مستمدة من الفكر الآني والزمن الحاضر لا الفكر الخالي ولا الذاكرة المتداعية ولا الزمن الماضي. والكاتب هنا يمارس نوعًا من الإيهام للقارئ يحاول فيه أن يجعله يصدق بأنه يتذكر في حين أنه لا يتذكر فقط بل ويتخيل أيضًا أنه يتذكر من أجل الكتابة.  


لغة الرواية


تمتاز لغة الرواية بمزايا، يجعل منها جديرة بالتوقف والاهتمام، ومن هذه المزايا:


١- التشبيهات والصفات الكثيرة لكل حادثة أو موقف أو صورة أو منظر أو وصف.

والتشبيه أو الصفة التي تُرفق لشخص أو جماد أو مكان تمتاز بجسد طويل من الكلمات  مما يوحي بأنه الكاتب يستغرق كثيرا في وصفه إلى الدرجة التي يضيع فيها عن الحدث الذي يقصد سرده أو قصَّه، وهو هنا كذلك يعمد على إدخال تقنية تداعي الذاكرة فيمنح للذاكرة إمكانية أن تكتب في عملية خلق توازيات ومتواليات للأحداث، الشبه يتبع شبيهه وهكذا. 


٢- الثراء اللغوي الكبير فكل حدث موصوف لا يوصف بجملة أو اثنين بل عدد كبير من الجمل أو بجمل طويلة كأنه يرسم لوحة انطباعية أو طبيعية وهذا لا أمر لا يتم إلا عبر ملكة كلمات لا تنفد. ويجب الإشادة بالمترجم الذي أبقى هذه السمة جلية وراسخة في الرواية عبر ثراء الترجمة بل وشاعريتها. 


٣- شاعرية اللغة.  للغة الرواية شاعرية خاصة تكاد الكثير من المقطع تتراقص شعرًا، فهي نوع ثري ورصين من النثر الشعري، إتقان وإبداع، وأذكر هنا مثالا عن مقطعٍ مع الرواية أعدت ترتيبه عموديا لأبرز شاعريته: 

إني هاهنا 

كما في كل مكان 

أعرفُ الجميعَ ولا أعرفُ أحدًا.. 

أكثر معرفتي بالأشياء؛ وأقلها بالناس!

الأشياء نفسها تبدو شخصياتٍ

شخصياتٌ نادرة من جوهر رقيق

خيّبت الحياة آمالها!


٤- الجملة البروستية الطويلة، يمتاز عمل بروست بالجملة الطويلة وهي مكونة من عدد كبير من الكلمات حيث تتكون الجملة من جمل فرعية أخرى لتكوين حلقة متداخلة تحتاج إلى الجهد والانتباه وإعادة القراءة لتفهم. ونُسب هذا النوع  من الجمل إلى اسم بروست وتبلغ أطول جملة في رواية بروست 871 كلمة.


٥- تتخلل مقاطع الرواية السردية الجمل الاعتراضية الطويلة التي هي بالأحرى جمل اعتراضية استطرادية لا تفرق كثيرًا عن الإغراق بالتشبيهات وهي الأخرى تقنية ذاكرة في اللغة، فقد نستطرد طويلا عند تذكر حدث بتذكر كلام مشابه في حدث آخر أو بإقحامه إلى كلام الحدث الرئيس. 


السعي خلف استعادة طعم الماضي


إن هذا السعي المحموم خلف الماضي يأخذ من بروست كل مأخذ، ويجهده كل جهد، ويدفعنا للتساؤل ما الذي يريده من هذا السعي المحموم؟ وما الفائدة المرجوة من كل هذا؟ 

وهنا أذكر مثالين من الرواية الأولى حول الحياة الماضية في الزمن المفقود وكيف جعل من الحدث شريكا في تنازع الزمن ما بين الاسترداد والابتعاد. 


القبلة وانشطار الحدث

 

يتذكر بروستُ البالغ بروستَ الصغير (ولأسمِّه بروست) الذي كان يعيش مع عائلته، كيف كان حضور وقت النوم يشكل له حالة مأزومة ما بين الرغبة بقدوم والدته لتتمنى له ليلة سعيدة وتقبِّله والخوف من عدم مقدرتها على الحضور لأي سبب طارئ كأن تكون الأسرة مجتمعة مع ضيوف، ومن ردة فعل والده الذي يرى أنه أصبح كبيرًا ويجب عليه أن يتجاوز هذه العادة في جعل والدته تأخذه إلى سريره. هذه العادة الطفولية التي قد يكون كل منا قد مرَّ بها في طفولته تشكل جزءًا كبيرًا تقديميًا في العمل، فيحاول بروست بكل جهد أن ينقل تلك المشاعر ويسطِّرها، بل ويجعلها شاطرةً للحدث المسترَّد المسرود، فالقبلة كانت همه الذي يرافقه ولا يتخلى عنه. يحدثنا عن أيامه الخالية واجتماعات الأسرة وحياته في كومبريه لكنه فجأة وبفعل قفز الذاكرة يعود إلى القبلة ما قبل النوم، الشعور الذي ما زال يرغب به ويريد أن يعيشه مجددا. إذن فالرواية وكل هذا السعي خلف الماضي هو لأجل عيشه مجددًا أو الاحتفاظ به بكل ما أوتي بقوة، الماضي العزيز لبروست الذي لم يستطع أن يتخلَّى عنه ليعود متذكرًا إياه بكل تفاصيله.


ولا يقتصر الأمر على هذا التذكر المجرَّد للحدث بل هناك حضور للماضي أو استدعاءٌ إلزاميٌ له، المتمثل في رغبة الإحساس بالطعم وتذوقه كما كان، واستنشاق الروائح التي تحمل معها ذكريات، وحالات، وأحداثًا، وهذا أيضا ما يريده. كل منا تحمل ذاكرته رائحة معينة، مرتبطة بمكان وزمان محددين أو بشخص أو حالة معينة، حزينة كانت أو سعيدة، لكن الذاكرة محتفظة بها، وكلما نستنشقها أو نتذوق ما يذكرنا بها فنحن ننتقل من مكاننا وزماننا الآنيين إلى مكان وزمان آخرين، نبتعد عن ذواتنا ونطير مسافرين خارج أجسادنا لننزل في أجسادٍ أخرى تحمل في ذواتها أشياءَ نحنُّ إليها، هذا الحنين هو أحد الأسباب الذي يريد بروست أن يحققه ويقبض على الماضي بكل روائحه ومذاقاته وأحواله لكن هذا الحنين لا يحصل منه على الكثير لأنه يقر بمحال الحصول عليه كاملا لكن بذات الوقت راضٍ بما يجني عارفًا بماهية المستحيل الذي يطارده فيقول: 

"على أنه في حين لا يظل شيء من الماضي البعيد بعد موت الكائنات ودمار الأشياء فإن الرائحة والطعم وحدهما -وهما الأشد هشاشة ولكنهما أطول عمرًا وأكثر شفافية وأشد استمرارًا وأوفر عمرًا- إنهما يظلان مدة طويلة كمثل الأرواح يتذكران وينتظران ويأملان فوق خراب كل ما عندهما ويحملان دون خور على قطرتيهما غير المحسوسة بناء الذكرى المترامية. 


جملة فانتوي الموسيقية


يقص بروست في الفصل الثاني من الرواية، كيف وقع "سوان" في غرام "أوديت" بعد أن دعته لحضور إحدى أمسيَّات "آل فيردوران"، هذا القسم الذي يشكل أكثر من نصف الرواية تقريبا، والذي سيكون له توابع في الكتب اللاحقة، فكان لزاما أن يفرد له بروست جزءًا كبيرًا يتناول به قصة سوان وأوديت، هذه القصة من الحب الذي بدا وكأنه أعورَ تارة أو غير ناضج تارة أخرى أو حتى غير نزيه كذلك، يمكن أن نلملم أطرافها في جملة فانتوي، وهي قطعة موسيقية من سوناتا، شكّلت بوابة إلى الحب الذي ربط الاثنين، لكنها بذات الوقت أيضا ربطت سوان برباط زمني مع أوديت، جعلت من بروست يحولها حاجزٍ يحجز خلفها مشاعرَ وأشخاصًا وحياةً وأحاسيسَ وزمنًا محددًا في هذه الجملة الموسيقى. الزمن المفقود وكل خطوطه الزمنية السابقة واللاحقة ارتبطت بهذه الجملة الموسيقية، التي بقيت حاضرة وشاخصة. الموسيقى والزمن، فكما حدَّدَ الطعم والرائحة وقدرتهما على الخلود في الذاكرة- ولا ينبغي لنا أن نغفل عن مدارك الذاكرة المتمثل في الحواس، الحواس بوابة الذاكرة، الطعم من التذوق، والرائحة من الشم، والموسيقى والأصوات وجملة فانتوي من السمع فالسمع وإن لم يشر إليه مباشرة فهو أحد الوسائل البانية للذاكرة. يعمل بروست على خلق شخصية سوان لتمثل إحدى نظائرَ أسلوب التداعي والسعي خلف الزمن فتتداعى ذاكرة سوان في كل مرة يسمع جملة فانتوي الموسيقية لتنبعث فيه مشاعر وتجيش أحاسيس لكن ما يفرق ما بين تداعي سوان وتداعي بروست هو الزمن، فبروست يسعى خلف زمن ماضٍ بعيد؛ وسوان يسعى خلف زمن ماضٍ قريب، بروست يسعى خلف كل شيء يمكن للذاكرة أن تسترده وتمنحه لنا؛ وسوان يسعى خلف ما يمكن للذاكرة السمعية أن تعيده لنا. 

هذا التقابل في السعي يختلف في كيفية المطاردة وآلية الاسترجاع، لا يبحث سوان عن كل شيء بل عن أوديت التي يتجسد حضورها وحبه لها في هذه الجملة الموسيقية.   

  



مؤمن الوزان.


الثلاثاء، 16 يونيو 2020

هل كان توماس إرنست هيوم: أول شعراء الحداثة؟


من كتب أول قصيدة حداثية إنجليزية؟ متى وأين كُتبت؟ ثمة العديد من الترشيحات، وأسوأ ما يمكن اقتراحه هو تفضيل آخرَ على "ت. ي. هيوم الذي كتب قصيدة "غروب شمس مدينة في عام 1908، على ظهر فاتورة فندق".  ويمكن ضّمُّ هيوم مع حفنة من الشعراء ليشكلوا مخططًا لأسماء شعراء الحداثة. لـ"شعر الحداثة" سمات يمكن تميزها بسهولة كـ: الإيجاز، دقة اللغة، البيان غير الصريح والمباشر، انعدام القافية، المواضيع اليومية والعادية، وبهذه السمات نحصل على هيوم وآخرين. 

لهيوم شخصية ذات جاذبية خاصة وفي كل الجوانب فعليًا، فقد كان بطول ستة أقدام، وبتقاسيم وجه قرمزية، ورغبة بالجدال مع أي شخص ومشاجرته (خاض عراكًا شهيرًا بالأيدي مع Wyndham Lewis في ساحة سوهو)، انحدر هيوم من ستافوردشاير، الريف الذي أخرج للعالم قبل قرنين كاتبَ رسائلَ جذَّاب آخر وهو الدكتور جونسون. قضى في بداية عشرينياته مغامرة قصيرة في كندا، ورحل إلى لندن، حيث أسسَّ "نادي شعر" وجادل الناس، وأكل الكثير من الحلويات (لم يشرب الكحول قط، وليس بمدخنٍ، مفضلًا عليهما أكلة suet pudding ودبس السكر)، وكتب في نشاطه العارم "بيان الشعر الحديث". 

نال عزرا شرف الإعلان عن هذا، بعد تأسيس الحركة التصويرية رفقة آخرين، وقعَّد في مقالته A Few Don’ts by an Imagiste بعض قواعد شعر الحداثة، التي صاغها هيوم قبل خمس سنوات سلفًا. تشارك هيوم وعزرا في تأسيس التصويرية الشعرية، على الرغم من أن عزرا سيزيل دور هيوم بقسوة الذي لعبَ دورًا في تشكيل التطبيق التصويري الشعري. 

وبالعودة إلى تاريخ أول قصيدة حداثة كتبها هيوم، فلا مجال للتردد في تحديد تاريخها الكائن في السادس والعشرين من شهر أيّار/ مايو عام 1908 على ظهر فاتورة فندق، بدأ بها هيوم بإبداع مفهوم جديد للشعر، مبنيٌ على الوضوح، والدقة اللغوية، والتي سيطلق عليه عبارات مثل "جاف، وقاسٍ، وشعر كلاسيكي". تُقرأ القصيدة "غروب شمس مدينة" كما لو أنها تفكير شاعرٍ بصوتٍ مسموع، ومألفةٌ كما يمضي شاعرها في البحث عن لغة جديدة، والذي ادَّعى أن العديد من قصائده كانت ارتجالية، ومنظومة من أجل موضوع عابر، تاركًا الصور تتنزل طبيعيًا إليه. 

"غروب شمس مدينة": 

 

فاتنٌ -إغواءُ الأرضِ- بأوهامٍ سامية

غروبُ الشمس الذي يسود في نهاية الشوارع الغربيّة

توهجُ سماءٍ مفاجئ

مربكٌ بغرابةٍ للمارِّ

برؤى سيثارا 

-غريبٌ على الشوارعِ المديدة-

أو باللحم الناعم للسيدة كاسلماين... 

***

جَذَلٌ قرمزيٌ

هو البهاءُ المنتشرُ للسماء

خادمُ العلياءِ المَرِح 

تَبخترُ أذيالِ ثوبٍ أحمرَ 

طوالَ أسطح المدينة الراسخة

وقت عودة الحشد إلى المنزل

خادمٌ مغرور، وباقٍ، يأبى الذهاب

 

ابتدأ هيوم كتابة قصيدة بقافية ثنائية (Conciets/أوهام وStreets/ شوارع، وPasser by/ المار، Sky/ السماء) ثم تبنّى تطبيقًا جديدًا من الشعر الحر -ابتداءً من جذلٌ قرمزي- في قصيدته، بكتابة سطور غير مقفّاة متجنبًا فيها بحور الشعر المعتادة، وبنيوية الشعرية المقطعية، والتي ستوصف لاحقا من قبل روبرت فروست بصياغة لا تُنسى "مثل أن تلعبَ التنس والشبكة على الأرض". من هذا التساقط الحر للسطور تبرز صورةٌ أو زوجان من الصور هما غروب الشمس، مجاز شعري تقليدي، مربوطًا بثوب امرأة حمراء يرفرف على أسطح المنازل. 

من جذر هذه الفكرة الواضحة، تطوّرت قصائدُ أخرى مثل "الخريف" التي يرتبط القمر فيها بوجه فلاح أحمرَ، و"فوق رصيف الميناء" التي يظهر القمر مجددًا لكن هذه المرة كبالونة طفل، و"الجسر" حيث سماء مزدانة كليا بالنجوم مرتبطة ببطانية قديمة تآكلتها العثة تائقةً بحزن لشخص ما ينام على مضض فوق شاطئ نهر التايمز. في كل قصيدة من هذه القصائد القصيرة صورتان -واحدة مرتبطة بلا نهائية السماء والعلياء، والأخرى مرتبطة بمظاهر الحياة اليومية الصغيرة- ينضمان لبعض معًا، كما لو أن هيوم في بحث لجلب الفضاء اللا محدود للشعر التقليدي إلى الأرض. وهذا بالضبط، كان أول فعل شعر الحداثة بتطبيقه على شيء ما غير ملحوظ، والحياة اليومية، مثل فاتورة فندق (كتب هيوم قصيدة أخرى على ظهر بطاقة بريدية).     

تشبه هذه القصائد القصيرة شعر الهايكو الياباني، الذي خَبِره عزرا بعد سنوات قلائل. ومنحت تجارب هيوم النهضة للتصويريّة، التي كانت الشعر الحقيقي الأول الذي يتعامل مع قضايا الحياة اليومية: وغالبًا ما تناولت التفاصيل العادية للعالم المعاصر، مثل الانتقال عبر الميترو، والمشي في شوارع لندن، ومراقبة الحشود وهي تغادر صالات السينما. ويسبق الشعرُ التصويري بعقدين من الزمن قصائدَ لـ Pylon Poets التي ذاع صيتها في ثلاثينات القرن العشرين. وبزَّت واحدة من قصائد هيوم القصيرة قصائد الهايكو الشعرية* بإيجازها إذ تتألف من ثماني كلمات: "كانت المنازلُ القديمة سقّالةً ذات مرة/ وصفيرُ عُمّال". إن شبكة الأصوات فيها معقَّدة ومعتنًى بها، فكلمة "قديمة" تحظى بدعم من "سقّالة" التي تغلِّف الكلمة، في حين تعاودُ "كانت" الظهور في "عمَّال" حيث ترتبط الصورتان معًا عبر قافية داخلية وصدًى.     

وبالطبع فثمة ساحل شعري حداثي بديل يمتاز بكونه أكثر غموضًا وتلميحًا كما في أسلوب ت. س. إليوت، وجيوفري هِل- لكن الفكرة الأكثر شيوعًا لـ"الشعر الحداثي" بلا شك فكرةُ هيوم التي سادت التخيُّل الشعبي. 

اقترح كارول آن دوفي في عام 2011 بأن القصائدَ شكلٌ من أشكال الرسائل النصيّة للُغتها غير الراقية وإيجازها: مقارنةٌ مُوحية للشاعر الذي يمنحنا "نصًا" ربما يكون أول قصيدة جديرة بالملاحظة حول خبرة المراسلة النصيّة. 

لكن الشعر الإنجليزي كان قد نما سلفًا نحو صغر الشكل قبل مئة عام، قبل الهواتف الجوّالة وعوالم الرسائل النصيّة بكثير. 

فكّر هيوم بأن على الشعر أن يكون قصيرًا حتى يستطيع الشخص العادي قراءته وتقديَّره في الترام وهو في طريقه إلى العمل أو أثناء جلوسه على الكرسي بعد العشاء. ترك هيوم لنا حفنة من القصائد التي سيشيد بها ت. س. إليوت بأن "اثنتان أو ثلاث من أجمل القصائد القصيرة في اللغة". أنزلَ الشعر من عليائه لكن ما حققه بعيد كل البعد عن الضآلة، فقد ساعد في إبداع شعر الحداثة كما نعرفه اليوم.  

 

_____

* يتكون الشعر الهايكو من بيت واحد مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا، يكتب بثلاثة أسطر، يتألف السطر الأول من 5 مقاطع صوتية والثاني من 7 والثالث من 5. المترجم.


Interesting literature

ترجمة: مؤمن الوزان.

السبت، 13 يونيو 2020

حوار مع لاورا فان دين بيرج



حاورها: ماكس وينتر*


هناك لحظة واحدة، في رواية لورا فان دين بيرغ  "الفندق الثالث" The Third Hotel عن تجارب المرأة في مهرجان سينمائي في كوبا، والتي تحول كل اللحظات التالية لها وتغير فهم الشخص للكتاب بشكل دائم، إنه ليس مجرد تطور للحبكة، حيث لا شيء يتغير في قصة الكتاب بعد ذلك، كما أنه أيضًا ليس "كشفًا" لأنه لا يمثل أية معرفة سرية، إنه أكثر من عرض للمعلومات التي لم تكن لدى القارئ في السابق، ثُمَّ يغير الطريقة التي ينظر بها إلى شخصية الكتاب، ويغير مقدار ثقته بها ويزيد من رمزية العديد من أفعالها وملاحظاتها وتغييراتها. قد يشعر بعض الكُتَّاب أنَّ الكشفَ عن تلك اللحظة هنا أمرٌ جيدٌ، بل من الضروري الكتابة عنها حينما نكون بصدد الكتابة عن الكتاب، وفي الواقع، لن تتمكن من معرفة اللحظة إذا لم تقرأ الكتاب، ومع ذلك، أجد أنني أميل إلى التفكير بأنه في هذه الحالة ليس من العدل بالنسبة لي أن أكشف عنها، كون الكشف عن المعلومات وعدم الكشف عنها يُعدُّ أمرًا حاسمًا ومهمًا في رواية "الفندق الثالث"، فعندما تتجول كلير -الشخصية الرئيسة للكتاب- في أرجاء المهرجان، يبدو انزلاق المعلومات جزءًا كبيرًا ومتسارعًا، فهي تسمح بأن يُظن أنها شخص آخر، وتتابع مجريات هذا الأمر قدر استطاعتها، فالمعلومات التي تكشفها لنا نحن القراء خلال هذا الأمر تتناثر بشكل تدريجي، فنعرف عن زواجها، وسلوك زوجها الغريب، وطفولتها غير التقليدية، وسلوكها المتغير، في لمحات بسيطة ومختصرة، يؤثر هذا النوع من السرد حول ما يروى وما لا يروى على سيرنا القرائي مع الكتاب، إذ نتعلم أشياء في صفحات قليلة تؤثر على طريقة عرض ما حدث من قبل وما يأتي بعد ذلك حتى نصل للجملة الأخيرة من الكتاب، وماذا عن السؤال المطروح أعلاه، عن الثقة؟ هل الانزلاق -في هذه الحالة- يجعل كلير متزعزعة أم بشرية؟ هل يمكن أن يكون هذان المصطلحان مترادفين؟ إنني أطرح هذه الأسئلة لأن الكتاب نفسه يثير أسئلة دون الحاجة إلى إجابات لها بالضرورة، في حين تقودنا فان دين بيرج عبر عالم المهرجان، مع منتقديه، وممثليه، ومديريه، ومشاهديه، فإنها تحتفظ بمزاج من عدم يقين يكتسب -ليس ببطء شديد- نزاهة عميقة، كما لو أن عدم اليقين كان وجهة جديرة وصعبة المنال، لقد استمتعت بطرح بعض الأسئلة لفان دي بيرج حول كتابها عبر البريد الإلكتروني، وقد استمتعت بقراءة الإجابات.


ماكس وينتر: ما جودة الفيلم التي تدفعك لجعله جزءًا مركزيًا في هذه الرواية؟


لاورا فان دين بيرج: الفيلم قصة تروى بطريقة مختلفة تمامًا عن السرد الكتابي، يعتمد الفيلم على تكوين لغة بصرية للقصة يساندها فورية وحيوية تكسب اللغة المرئية جاذبية، وهذا يتجلى بشكل خاص في أفلام الرعب، حيث على اللغة المرئية أن تنقل كابوسًا متحولًا من نوع ما، مشهدًا متغيرًا للواقع، ومفاتيحَ للمنطق المغمور للقصة، وبما أننا بصدد الحديث عن أفلام الرعب، لطالما اهتممت بالطريقة التي تستخدم أفلام الرعب فيها الاضطرابات الشديدة للواقع لكشف الحقائق البشرية التي دائما ما كانت موجودة.

أيضا، الكثير من أحداث رواية The Third Hotel جرت خلال مهرجان سينمائي في هافانا، لقد قرأت الكثير عن السياحة ونظريات الأفلام أثناء العمل على هذا الكتاب، وفي مرحلة معينة أدركت أن بعض الكتابات النظرية حول السياحة استخدمت لغة مماثلة للغة السينمائية، وهو اكتشاف سمح بزيادة التآزر بين الفيلم والكتب وأكسبها عناصر أخرى مثل مساحات العبور، السياحة، وغيرها.


ماكس وينتر: هل يمكنك توضيح التداخل بين نظرية الأفلام وكتابات السياحة؟


لاورا فان دين بيرج: أولا، لقد لاحظت ذلك التداخل على مستوى المفردات، فعلى سبيل المثال، يشير كلا النوعين من الكتابة إلى العدسات والنظرات، أي جودة المظهر وما الذي ينظر إليه، وهذا الأمر يظهر بوضوح أكثر في الفيلم، مع عدسات الكاميرا، ولكن أعتقد أن هذه اللغة هي أيضا جزء لا يتجزأ من ثقافة السياحة، من الذي يقوم بالمظهر؟ ما جودة تلك النظرة؟ ما التاريخ الذي تحدثه هذه النظرة أو تزيلها بالكامل؟ كيف يُروى ويحكى هذا المكان؟ وما أنواع الروايات التي يفرضها الغرباء على الأماكن وأسبابها؟


ماكس وينتر: الفنادق والمساكن المؤقتة الأخرى متخيلة بشكل جيد جدا في الكتاب، ما البحوث والأعمال المفاهيمية الأخرى التي قمتِ بها لتصلي إلى هذه النتيجة؟


لاورا فان دين بيرج: كنت أسافر كثيرًا عندما كتبت أجزاء من هذه الرواية، لذلك كان هذا مجالًا يتطلب بحثًا أقل! العديد من تفاصيل النقل العام مستمدة من الحياة، وأنا مهتمة جدًا بالتوتر بين الحميمية والغموض في مساحات الانتقال في النص، من ناحية ما، هناك الحراسة؛ الذات العامة المواجهة للخارج، ومن ناحية أخرى، يمكن أن تكون هذه المساحات بيئات غنية لأسرار النفس التي تطفو على السطح، فنحن نكشف عن أنفسنا للغرباء بطرق لا ندركها حتى، وذلك يتجسد في عدة تصرفات مثل عاداتنا اللا واعية، ما نتركه وراءنا في غرف الفنادق أو في جيوب ظهر المقعد، كما أنني متلهفة جدًا للنوم على متن طائرة، حتى ألاحظ عادات النوم لدى الغرباء، فإن كان لديهم حلم، أكون موجودة لشيء في منتهى العاطفية، إلا أن هناك ميثاق صمت حول هذه اللحظة، يكمن في أن الكشف عن الهُوية يكون لكسرًا للبروتوكول الاجتماعي.


ماكس وينتر: يذكرني الموقف من الموت في هذه الرواية بعدة أعمال بدءًا ببعض قصص ماركيز، أفلام بيرغمان (فاني وألكسندر على الأخص، Wild Strawberries و The Seventh Seal) وانتهاء بفيلم Black Orpheus، ما موقفك تجاه الموت، وهل يمكنك الحديث عن فكرة الحياة الآخرة، بصفته شيئًا يُشكِّل الكثير من التفاصيل في الأعمال الأدبية؟


لاورا فان دين بيرج: من المؤكد أن الأدب يتناول السر الغامض للموت، وقد أثَّرت الكثير من الأعمال التي تطرقت لفلسفة الموت بشكل كبير فيَّ، وقد بدأت الرواية بنوع من "التذكر والاستجابة" لرواية جان إيشنوز التي كانت بعنوان "بيانو Piano" التي تدور حول عازف بيانو قتل في الصفحات الأولى من الكتاب ثم توجَّبَ عليه اجتياز الحياة الآخرة، لذا كان التعامل مع الموت وما يأتي بعده أمرًا محوريًا في تطلعاتي لهذا المشروع.

بالنسبة لآرائي الخاصة، أجد أنني لا أملك أية فكرة حول الأمر، وأحيانًا كثيرة أشعر بالاضطراب لعدم تكويني أية فكرة، أنا مناهضة ولا أجد الاستقرار أو الراحة في السرد الديني، كما أنني أخشى أن يكون الموت الهاوية التي لا تنتهي من العدم،  لكنني لا أعرف، إلا أنني أشعر أحيانًا أن القراءة والكتابة هي طريقة لإعداد الذات، بقدر ما يمكن أن يكون الشخص مستعدًا.


ماكس وينتر: في كثير من الأحيان ، تكون أفعال "كلير" منطقية من الناحية الشعرية ولا تمت للواقعية بصلة، إذا كنتِ ستتجاوزين ترسيم الحدود، كيف وصلتِ إلى طريقة هذه الشخصية في التحرك عبر العالم؟


لاورا فان دين بيرج: الخسارة المفاجئة والحزن الشديد يشعرانك أن حياتك قد فُكِّكت، وقواعدك السابقة لم تعد منطقية، وأن كل شيء قد قلب إلى الداخل، وهكذا، كُلّفت كلير بإيجاد نوع جديد من المنطق للعمل بموجبه، فقد وصلت إلى مهرجان الفيلم في نوع من الكابوس الواعي وهي حالة تصيبها في وقت قصير.

لو تأملنا الرعب الذي يملأ الشخصيات في أفلام الرعب لوجدنا أنه يمكن أن ينتج نوع مشابه من تأثير تحطيم القواعد، حيث يجب على الشخصيات أن تجد طريقة جديدة للعيش، وهذا ما سعيت له في الأساس، إذ أردت أن تكون حياة كلير الداخلية في حوار دائم مع هذه الحالة السينمائية الكامنة في الوجود.


ماكس وينتر: يمكنك القول إن الجثث المتحركة (الزومبي) يجب أن تجد طريقة جديدة للعيش أيضًا، إلى أي مدى أثَّر وجود فيلم زومبي في الكتاب على الطريقة التي شُكِّلت بها كلير؟ أيهما جاء أولاً، كلير أم الزومبي؟


لاورا فان دين بيرج: بدأت The Third Hotel بنوع من الرد والاستجابة لرواية بيانو للمؤلف جان إشنوز، إذ يموت شخص في بداية الرواية ثم عليه أن يجتاز الحياة الآخرة، لقد عاد في النهاية إلى باريس، المكان الذي عاش فيه وقت وفاته، ولكن كان مظهره قد تغير ولم يتمكن أحد من أولئك الذين عرفوه عندما كان على قيد الحياة من تمييزه، إلا أن شخصًا واحدًا تمكن من التعرف عليه وتكشفت المشاكل بدءًا من ذلك، لن أسمي تلك الشخصية بالزومبي، لكنه شخص "يعيش" حياة عادية كشخص ميت، لذلك كان هذا الكتاب حجر الزاوية المهم، وفي أثناء العمل على هذا المشروع، شاهدت فيلم أليخاندرو بروجيس خوان دي لوس مويرتوس Juan de los Muertos، أول فيلم زومبي في كوبا، وقد قدم الكثير من الإلهام للفيلم داخل الرواية، خاصة بالإشارة إلى تصنيف نوع الرعب المرجعي الذاتي، وقد أردت أن أشير بذلك إلى التاريخ السينمائي الواقعي.


ماكس وينتر: كيف وصلت كلير إلى مهنتها في ضوء نظرتك الخاصة لماضيها؟ ما المعرفة، الرمزية أو غير ذلك، التي ستدفعها للتقدم في الكتاب حتى تصل؟ (وظائفنا تبلى علينا بطريقة أو بأخرى).


لاورا فان دين بيرج: أنا أعاني من رهاب الأماكن المغلقة قليلا. لذلك أخطو إلى المصاعد مع وميض طفيف من الفزع، وقد أردت أن تحصل كلير على وظيفة تفرض عليها أن تسافر كثيرًا، فهي مندوبة مبيعات، جعلتني أنجذب إلى عملها وقفزات انتقالاته، نظرًا لأن المصاعد مناطق مؤقتة مصممة لنقلنا من طابق واحد إلى التالي، أيضًا، أردت أن يكون لدى كلير علاقة محددة وطبقية لتسافر، بالإضافة إلى كونها زائرة لمهرجان الفيلم ومندوبة مبيعات تتنقل بالمصاعد، فقد نشأتْ في نزل صغير على شاطئ البحر في جاكسونفيل بيتش (كان والداها أصحاب نزل)، لذا فإن علاقتها بالسفر والسياحة تتبلور في هذه السياقات الثلاثة المختلفة جدا.


ماكس وينتر: إلى حد كبير، تتناول الرواية سؤال "من أنا" أو ما الذي أبدو عليه، كيف شكلت فكرة الهوية الشخصية والثقافية هذا الكتاب؟


لاورا فان دين بيرج: نوعًا من حب السفر، كنت أرغب في إلقاء نظرة على سؤال "من أنا" من خلال طبقات متعددة قدر الإمكان، حيث دخل زواج كلير وريتشارد في مدة محيرة قبل وفاته، وفي أعقاب ذلك، أُعيدَ تشكيل حس كلير لذاتها وواقعها، ومع تقدم الرواية، تضطر إلى مواجهة جوانب من تاريخها الحديثة والبعيدة على حد سواء والتي كانت تتجنبها بقوة، ثم تظهر هناك أسئلة كبرى حول كيف أن الوجود قُبالة الكاميرا يغير علاقتنا بالهوية، وكيف يتغير سلوكنا عندما نعرف أنه جارٍ تسجيلنا، وعندما نعلم أننا نشاهَد من قبل الحضور؟ ما الحقائق التي يمكن للكاميرا كشفها، ما القصص الخيالية التي تخلقها؟ ما الأثر الذي يحدثه قدوم الغرباء لتصوير مدينة على تلك المدينة مع مرور الوقت؟ كيف نفرض رواياتنا الخاصة عندما نكتب عن الأماكن التي نسافر إليها؟ ما الذي اعتُبر مهما؟ وما الذي استُبعدَ بالكامل ولماذا؟ لم أكن أطمح أن تكون هذه الرواية مرآة تعكس عودة كلير إلى نفسها، بل أردتها أن تكون مرآة ونافذة والعديد من الانكسارات.


____

* ماكس وينتر كاتب ومحرر ومصور يعيش في نيويورك، وهو مؤلف The Pictures (Tarpaulin Sky Press) Walking Among Them (Subpress).


ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.  


يوليسيس - جيمس جويس. (المقال الثاني)


مؤمن الوزان.


يتقفَّى جويس في عمله هذا خطى الملحمة الشعرية "الأوديسة" لهوميروس، فبعد أن قضى أدويسيوس عشر سنوات في حرب طروادة يعود مع بحّارته إلى إيثاكا لكن رحلة العودة تستمر عشر سنوات أخرى من التيهان في البحر بلعنة إله البحر بوسيدون، ومن مغامرة إلى أخرى، ينتهي به المطاف أخيرًا بالعودة إلى إيثاكا ليلتقي بابنه تليماك ويجتمع مع زوجته بينلوبي مجددًا بعد طول فراق. تتقابل الحلقات والشخصيات والأحداث بين العملين محاكية متطابقة أو ساخرة، ليدور القارئ في العمل في دالة موجية ما بين المحاكاة والتعارض والتقفي والسخرية في دبلن حيث جرت أحداث الراوية. 


التطابق:  


(الشخصيات)


- بلوم = أوديسيوس. 

- مولي (زوجة بلوم) = بينلوبي. 

ستيفن (رفيق بلوم) = تليماك (ابن أوديسيوس).


 

التشابه: 


- المواطن الشوفيني المتعصب لأيرلندا في الحانة، الحلقة 12  = وحش السيكلوب ذو العين الواحدة. 

- ماخور بيلا كوهين الحلقة 15 والهلوسات التي يعانيها بلوم وستيفن بسبب السكر = الإلهة والساحرة سيرسي ومسخها لرفاق أوديسيوس. 

- حيرة الفنان ستيفن وبحثه عن الأب الروحي، واضطراب عقيدته، وصراعه مع الكنسية = بحث تليماك عن والده أوديسيوس الذي لم يعرف شكله. 

- جنازة ودفن بادي دغنام في الحلقة السادسة = رحلة أوديسوس إلى هادس في عالم الأموات.


التعارض: 


- تجري أحداث يوليسيس في يوم واحد 16-6-1904 = تجري أحداث الأوديسة في عشر سنوات.

- يعتمد السرد في الحلقة الحادية عشرة على السمع بشكل كبير = تطلب سيرسي من أوديسيوس أن يحشو أذنيه بالشمع وآذان رفاقه حتى لا يغويهم غناء عرائس البحر. 


(الحلقات)  


يتكون العمل من ثماني عشرة حلقة أما الأوديسة فمكونة من أربعة وعشرين نشيدًا (حلقة) موزعة كالتالي: الحلقات الثلاث الأولى عن الفنان ستيفن ديدالوس (أربع حلقات عن تليماك)، وخمس عشرة حلقة عن بلوم ومولي وستيفن وأحداث اليوم في دبلن (عشرون حلقة في رحلة عودة أوديسيوس إلى إيثاكا ثم الأحداث التي وقعت بعد وصوله). كل حلقة في يوليسيس تطابق حلقة من حلقات الأوديسة وتختلف معها أو تتشابه وفقا لما يتطلبه العمل من لزوميات وإكراهات مفروضة من جويس. 


- على الرغم من حب موللي لزوجها بلوم فإن هذا لا يمنعها من إقامة علاقات مع غيره ولا سيما بويلان الذي كانت متواعدة معه في يوم أحداث يوليسيس 16-6-1904 = بقيت بينلوبي وفية لزوجها رغم مرور السنوات، ورفضت الزواج من غيره على أمل عودته حتى حصول حادثة الخطّاب وتجمعهم، وتتخلص منهم أخيرا بعودة أوديسيوس ملك إيثاكا الذي قتلهم رفقة ابنه تليماك. 


* لفتة

- يعيش بلوم في شارع Eccles بيت رقم 7 = تحتجز الإلهة كاليبسو أوديسيوس لديها في جزيرتها مدة 7 سنوات. 


هذه بعض التطابقات والتشابهات والتعارضات التي يزخر بها العملان لكن الأسئلة المهمة التي تُطرح لماذا اختار جويس الأوديسة دون غيرها؟ وما الذي أراده من هذا العمل؟  

إنَّ الجواب عن هذين السؤالين كما أراه يكمن في رسالة وإعلانٍ ضمنيين في يوليسيس. سعى جويس في عمله هذا على اختيار عملٍ من بواكير الأعمال الإنسانية، وكان العمل الذي وجد فيه ما يترجم غايته إلى حقيقة ملموسة هو الأوديسة في تنوع أحداثها وإمكانية نقل الملحمة من عالم الأمس البعيد إلى عالم اليوم المعاصر، هذا النقل تمثل في رسالة مفادها أن الأوديسة افتتحت الأدب الإنساني التخيلي ويوليسيس من أنهته، لكنها بذات الوقت أعلنت افتتاح أدبٍ إنساني جديدٍ هو كما أراه: أدب خاص بجويس وحده إذ يتجاوز هذا العمل مفهوم الرواية سابقًا ولاحقًا ولا يمكن إمساكه في حدود نوع روائي معين أو تعريفه تعريفًا يشترك فيه مع عمل غيره، وهو بذات الوقت عصر أدبي واحد ابتدأ بيوليسيس وانتهى به، لا ينتمي لما سلف ولا لما لحق، قائم ومتفرد بكيانه الخاص، بسماته، وتقنياته، فهو أقرب لكونه كائنًا يتميز بذاتيته المتفردة والمنفردة، ومخلوقًا له عالمه وقوانينه وكينونته الخاصة به ولا يُشارك بها أحدًا. 


جويس لم يكتب يوليسيس بل خلقه فهو يأكل ويشرب ويتبرَّز ويتبول وينام ويستيقظ ويعاشر ويصاحب ويصادق ويستمني وينكح ويفكر ويشعر ويحب ويكره ويتنفس ويقوم جسده بكل نشاطات الأيض الحيوي، ويملك فوق كل هذا روحًا ووعيًا يتدفقان من أول العمل إلى آخره، هذا ما أراده جويس، غالقًا دفة "كتاب الأدب" بعد أن دخله، ورفع شعارًا متحديًا به من جاء خلفه أن يكتبوا أدبًا خاصًا بهم، أو يفتحوا "كتاب الأدب" لكن كيف سيُفتح هذا الكتاب مجددا؟ وبأي عمل؟ هذا هو التحدي المفتوح الذي خلَّفه جويس، وبعد مرور مئة عام من نشر الرواية في Little Review أثبتت جدارتها وتمايزها وأنها مستعصية ومغلقة، ويحتاج القارئ إلى أن يصبح تابعًا لهذا المخلوق "يوليسيس" حتى يرى ويشاهد بعضًا مما يدور في ذات هذا المخلوق، المخلوق الذي لم يراعِ خالقُه أي اعتبارات أو يرغب بإنشاء أي علاقات ودية مع الآخرين، فهو منفِّر للدخيل وغير ودي مع المريد. فالعمل لا يقرأ بل يُشعر ويُحس به، يتسرب إلى ذات المرء وكيانه، ويتحد معه في كل تسهيلاته وعقباته، في استقامته وتعرجاته، من يقرأ عليه أن يخلي ذاته ليوليسيس.   

إضافة إلى ما سبق فإن العلاقة ما بين الأوديسة ويوليسيس هي علاقة صراع ما بين مفهومي الإله الخالد والإنسان الفاني في الأدب، فالنقلة التي قام بها جويس من الإلوهية إلى أقصى درجات الذاتية (الوعي الشخصي) تمثل جوهر المذهب الإنساني بل وتعداها إلى ما بعد الإنسانية. 

يخوض أوديسيوس صراعًا لأجل أن يعود إلى إيثاكا مع الآلهة والمخلوقات الغريبة هذا الصراع يصور لنا مكانة الأسطورة والإله في المفهوم البشري له وقتئذ، إذ أكسبه الصبغة الإنسانية إذ تراه يفرح ويحزن ويغضب ويرضى كأي فانٍ آخر، وتعدد الآلهة بدلا من الإله الواحد. عُكست العقيدة الفكرية في الأدب، الذي هو مرآة الإنسان، فأدويسيوس هو البشري الذي يصارع القوى العُليا والقدر الذي لا يقوى عليهما في النهاية لولا تدخل العناية الإلهية الإغريقية وعاد إلى إيثاكا، بقي الأدب مرآة للعقيدة الدينية البشرية يتزامن معها يعكسها تارة ويعارضها في أخرى لكنه في آخر المطاف يبقى بوابة لفهم الإنسان وفكره. 


كلما تطورت المذاهب الإنسانية الفكرية والعقائدية نرى انعكاسها في الأدب لينتقل من مرحلة إلى مرحلة، مرورًا بالملوك والنبلاء والطبقة الراقية انتهاءً بالفرد الإنسان. ونرى هذه الإرهاصات الأولى والتباشير في صراع الكلاسيكية الجديدة مع الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر حتى أطاحت الرومانسية بعقلانية عصر التنوير وتمحورت حول الذات والمشاعر البشرية والطبيعة الإنسانية دون الخوض في تعقيدات العقل والقديم بحثًا عن جديد لتفتح بذات الوقت بوابة جديد نحو مذهب الإنسانية وعبادة الإنسان والوجودية حيث الإنسان هو الكل والفرد ولا شيء يمكن أن يكون أهم منه حتى الإله عند معتنقي هذا الفكر، ولا غريب أن نقرأ لأحد أهم شعراء وروائي القرن التاسع عشر فيكتور هوغو يقول: ستموت الحرب في القرن العشرين… وستموت الملكية، وستموت العقائد؛ وسيحيا الإنسان. 

سيحيا الإنسان كانت هذه الغاية المنشودة ولا سيما في أوروبا وأمريكا بعد العقود القرمزية التي خلَّفت تصدعات وتمزقات في المسلَّمات الحياتية والفكرية والفلسفية وتقوقعَ الإنسان حول ذاته أكثر، وحتى لا نشطَّ كثيرًا فإن جويس قد صدح بروايته هذه بمذهب الإنسانوية والواقعية العادية في يوليسيس ليشير إلى نهاية عصر الأدب الذي ابتدأ بالآلهة والأبطال الخارقين عبر الإنسان الفرد العادي الذي لا يتميز بأي ميزة من خلال شخصيات عادية إلى درجة الذوبان في محيطها وعالمها بين ملايين البشر، مجرد رقم من بين سكّان المعمورة، لكنه سلّط عليهم الضوء، ووجه الكاميرا، ولم يكتفِ بهذا التقريب من العادية والإنسانوية بل وسبق زمانه عبر تصويره عصر ما بعد الإنسانوية والذكاء الاصطناعي ومحاولة تعريف الوعي البشري وكيف تجري العمليات الذهنية في الدماغ وما العقل والروح وكيف يمكن أن نجعل للذكاء الاصطناعي وعيًا خاصًا به، ويطور نفسه ويعالجه ذاتيا في معادلات رياضية معقدة وعالم خوارزميات تنقلنا إلى مرحلة الإنسان الإله في قادم السنوات الحبلى بالكثير في عالم القرن الحادي والعشرين. 

اعتمد جويس في تجاوز عصره في يوليسيس بشكل معتبر وركيزة رئيسة عبر تصوير الوعي البشري، ومحاولة تشخيصه ونقله من الأثيرية إلى المادية الملموسة عبر النص المكتوب. النقل الذي يتم للوعي من اللا شيئية المطلقة التي هي ماهيته 

إلى الشيئية المحسوسة تمنح العمل زخمًا قويًا من الكثافة الفكرية وإدراكًا لماهية الوعي المتشكل من استقبالات للمعلومات من الخارجية عبر السمع والبصر كما في الحلقتين الثالثة والحادية عشرة، أو عبر تداعي الذاكرة الداخلي كونه رافدًا مهما لتشكل الوعي، أو التفكير من خلال سلسلة من العمليات الذهنية التي تشترك في آليتها المعطيات السابقة وأخرى غيْبية. 

بهذا التجسيد للوعي فإن جويس يتغلب على نفسه ويهزم عصره ويسافر بالزمن إلى المستقبل، فسرد الوعي ليس مجرد نقل لأفكار الشخصيات وعوالمها الداخلية وحالتها النفسية أو المونولوج بل هو إقحام للقارئ في ذهن الشخصية فتتحول القراءة إلى نظارة ثلاثية الأبعاد يسمع القارئ كلام الناس المحيطين به، ويرى ما تراه الشخصية، ويزيد عليها أن يقتحم وعي الشخصية يراقب تدفق الوعي ومضيه في كل الاتجاهات حيث لا زمان ولا مكان ولا حدود لا شيء سوى الوعي غير معروف الماهية الذي ألبسه جويس قالب كلماتٍ محسوس ناقلًا قوامه غير المرئي أو المعروف إلى قوام من حروف تُقرأ وتُشعر وتُدرك، ولم يكتفِ بهذا بل سعى جهد إمكانه بالإضافة إلى النظارات الثلاثية الأبعاد التي يرتديها القارئ إلى إدخاله في غرفة خاصة بكل المؤثرات البصرية ونقل الأحاسيس بشكل قريب جدا حتى يكاد يشعر به بل ويشعر به في بعض الأحيان ولا سيما في الحلقة السادسة، لا يمكن للقارئ أن يتجنب الشعور والإحساس بضيق المكان في العربة واهتزازها في الطريق إلى الجنازة والمقبرة، هذا الإحساس في التماهي الذي تملكني وأنا أقرأ العمل وشعوري بمخلوق جويس وصل إلى رؤية حركات الشخصيات وهي تنفض فتات الخبز وتزيله من تحت أفخاذها ومحاولة التأكد أن فتات الخبز في العربة فقط لا تحتي أنا الآخر أيضا. 

لهذا فهو لا يتوج الأدب ويحدد نهاياته ويفتح مساراته الخاصة فحسب بل ويعكس فهم الإنسان لذاته وعالمه، هذا الفهم الذي قد يرد فيما مضى كثيرا أو قليلا عبر ذكر لواعج النفس وهمومها أو بث مشاعرها أحاسيسها نثرًا وشعرًا 

لكن التصوير الواعي والمدرك لعالم الإنسان الداخلي هو ما يميز هذا العمل "يوليسيس".


الثلاثاء، 2 يونيو 2020

يوليسيس - جيمس جويس. (المقال الأول)

سنتحدث عن رواية يوليسيس لجيمس جويس في سلسلة مقالات مسافرين في رحلة مع هذا العمل الكبير.


مؤمن الوزان.


 

لم يكن تيار الوعي مجرد علامة بارزة لتيار أدب الحداثة بل وفاتحته الرسمية أيضًا الذي تُوجته رواية يوليسيس للروائي الأيرلندي جيمس جويس. تعود أولى سمات تيار الوعي إلى الرواية الرسائلية "باميلا (1740)" لريتشاردصون إلا أن هذه التسمية لم تكن متعارفة حتى سنوات متأخرة من القرن التاسع عشر رغم ظهور أهم سماته المولونوج الداخلي لاحقا في روايات متعددة منها الرواية القصيرة "اقتطاع إكليل الغار (1887)" لإدوارد دوجاردن، التي قال عنها جويس وقال جويس إنه اكتشف هذه التقنية في أول رحلة له إلى باريس في عام 1903 عندما كان يقرأها.


ظهرت أول تسمية رسمية له "تيار الوعي The Stream of Consciousness" في كتاب "مبادى علم النفس (1890)" للفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمس، الأخ الأكبر للروائي الأمريكي هنري جيمس (يعد الكثيرون أن أدب الحداثة ابتدأ مع هنري جيمس). عمل هنري جيمس على تصوير عوالم شخصياته وتدوين أفكارها وعرضها للقارئ دون تدخل منه. لينتقل بعدها تيار الوعي نقلة كبيرة مع مارسيل بروست وروايته الأولى البحث عن منازل سوان 1913 "البحث عن الزمن المفقود" التي اعتمد فيها على تداعي الذاكرة الحر المتقافز والتعامل الجديد مع الزمن الروائي واللغة السردية، لتتشكل سمات واضحة لتيار الوعي. 


إن تيار الوعي هو تقنية تتمحور في تصوير العوالم الداخلية للشخصيات وأفكارها وحالتها الذهنية وذاكرتها وخيالاتها وإدراكها العقلي لمكانها وزمانها، ونقل كل هذا إلى الرواية لتكون الشخصية عارية تمامًا أمام القارئ ولا يتبقى لديها أيَّ شيء تخفيه عنه. وتتلخص أهم تقنيات تيار الوعي في: 


- المونولوج (الحوار) الداخلي المباشر للشخصية وهو سرد لحديث الشخصية مع نفسها وعرض أفكارها وذكرياتها ووعيها بذاتها بشكل مباشر دون تدخل، قد يتدخل فيه الكاتب أحيانا ليتحول إلى غير المباشر. 


- استخدام الحواس (الرؤية، والسمع) والذاكرة والخيال في خلق الحدث عبر التصوير الحر لتدفق الوعي والأفكار والمعلومات والأحداث المتسردَّة. 


- تداعي الذاكرة. إن التداعي الحر غير المنضبط بحدود أو شروط للذاكرة ينقل العالم الداخلي للإنسان إلى الرواية، وعملية تصوير ماضي الشخصية تُدخل القارئ في متاهات وتماس مباشر مع فكر وذات الشخصية لا يفصل بينهما شيء. 


- السرد السمعي والبصري. يرتكز السرد في تيار الوعي إضافة لتدفق الأفكار وتداعي الذاكرة على مدارك الحواس البصرية والسمعية حيث تعد الأذن والعين مدخلا مباشرًا للتواصل ما بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، ويعمل الكاتب على تدوين كل ما تسمعه أو تراه الشخصية وربطها مع وعيه وأفكاره من أجل نسج مادة نص تيار الوعي. 


- وجود اللغة المفككة وغير القواعدية، وعدم ترابط الأفكار والتنقل غير المنطقي، والتداخل بين الأحداث، والنص المتصل، والكلام غير المفهوم، ليوحي بماهية لغة الوعي.


- المونتاج الزماني والمكاني (ثبوت الزمن وتغيّر المكان. ثبوت المكان وتغيّر الزمن).


- الاستخدام الدقيق لعلامات الترقيم في كتابة  نص "تيار الوعي" إذ يكون للفارزة والنقطة الدور المؤثر في تغير معنى النص سلبيًا أو المحافظة عليه مثلما أراد الكاتب. 


نجد كل هذه التقنيات في "يوليسيس" ممثلة الذروة التي وصلت لها رواية تيار الوعي عبر تنوعها الثري والغني سواء بالمونولوج الداخلي المباشر أو تدخلات السارد الضمني في المونولوج أو الاعتماد على السمع في السرد أو تداعي الذاكرة أو اللغة المستخدمة التي قد تكون أقوى وأبرز سمة في هذا العمل الذي يعده الكثيرون ملحمة القرن العشرين، وكما يصفها أحد مترجمي العمل إلى العربية الدكتور طه محمود بأنها فصلت الرواية ما بين عوليس وما بعد عوليس، وقال أيضا إن جويس ظلم الرواة الذين أتوا من بعده لأنه لم يترك لهم شيئا. استمر استخدام تيار الوعي في أعمال روائيين حداثيين لاحقا مثل فرجينيا وولف في رواية "إلى الفنار" ووليم فوكنر في رواية "الصخب والعنف".

جدير بالذكر أن هذا النوع الروائي واحد من أصعب الأنواع إن لم يكن أصعبها وبذا يزيل اللبس الذي قد يتولد حول الجدل الدائر حول أهمية يوليسيس والاحتفاء الصاخب أو الهجوم اللاذع عليها ما بين محبيها وكارهيها.  


(غلاف الطبعة الأولى من دار وشركة شيكسبير الفرنسية في عام 1922، حيث كتب العنوان فقط دون ذكر رواية).



"إن رواية يوليسيس لجيمس جويس، وقصيدة الأرض اليباب لـ ت. س. إليوت طويتا صفحة عصر أدبي، وأعلنتا عن بداية عصر جديد "أدب الحداثة"، إنها السنة (1922) التي غّيرت كل شيء" إزرا باوند. 


لم يكن النشر المُعدَّل والمحرَّر (بسبب فحشه) والمتسلسل ليوليسيس ما بين 1918-1920 في مجلة Little Review مانعًا للناشرة الفرنسية سليفيا بيتش والمديرة لمتجر كتب وشركة شيكسبير من قبول نشرها في عام 1922 في طبعة أولى من ألف نسخة تمثل ثروة كل طبعة منها ثروة معنوية لمقتنيها ومادية لبائعها التي قد تصل لأكثر من ربع مليون دولار أمريكي، مشرعةً الباب لأهم أعمال القرن العشرين في أدب الرواية، الرواية التي أشاد بها أدباء متعددون ولا سيما إليوت وإزرا وهيمنغواي لابتكاراتها وإبداعها وأساليبها السردية المتنوعة ولغتها الفريدة، لكنها لم تظهر في أمريكا إلا عام 1934، وبعدها بسنتين ظهرت الطبعة البريطانية من الرواية.


**



جيمس جويس (1882-1941)*


يعد جُويْس واحدا من أهم الروائيين المؤثرين في حقبته، ورائد تقنية "تيار الوعي" في إيصال أفكار شخصياته، وطوّرها باستخدام أساليب متعددة من أجل ضبط مادة موضوعه المتنوعة. 

ولد جيمس جويس في دبلن عام 1882. كانت عائلته من الطبقة الوسطى لكنها فقيرة بسبب والده السكِّير وسوء إدارته المالية. درس جويس في المدارس اليسوعية، التجربة التي كانت الجزء المفتاح في علاقته المتصارعة مع الإيمان الكاثوليكي، ثم لاحقا في جامعة دبلن (التي كانت وقتها تُدار من قبل المؤسسة اليسوعية). قرأ جويس بنهم وأتقن عدة لغات، وبحلول عام 1901 تعلّم بنفسه ما يكفي من اللغة النرويجية ليكتب رسالة تقديرية للمسرحي هنريك إبسن. ولرفضه للتعصب الديني والأفق العقلي الضيق الذي خبره في أيرلندا؛ انتقل إلى باريس في السنة اللاحقة، وشرع في دراسة الطب. 

تُوفيت والدته في عام 1903، وعاد إلى دبلن حيث قابل في عام 1904 نورا برانكل، شابة كانت تعمل خادمة غرف، وغادر الاثنان معًا إلى أوروبا. استقرّا في بادئ الأمر في تريستي - إيطاليا، وأنجبا جورجيو ولوسيا. بدأ بعدها جويس تدريس الإنجليزية وكتابة الكتب التي ستجعله مشهورًا. كتب المجموعة القصصية "أهل دبلن"، ورواية السيرة الذاتية "صورة الفنان في شبابه" التي لاقى صعوبة في نشرها حتى ظهرت متسلسلة في مجلة The Egoist ما بين سني 1914-1915. انتقل جويس ونورا إلى زيورخ في عام 1915، وقضيا سنوات الحرب العالمية الأولى يستمتعان بأجواء المدينة العصرية. واجه جويس صعوبات مالية خلال هذه الأوقات، واستلم مساعدات مادية من هاريت شاو ويفر -مؤسس مجلة The Egoist- تحت اسم مجهول. وحظي بمساعدة الشاعرين ييتس (وهو صديق قديم لجويس) وإزرا باوند، اللذين كتبا مراجعات مادحة لأعماله مع دعمهم المادي.  عادا بعد نهاية الحرب إلى تريستي وزارا بعدها باريس في عام 1920 حيث قررا الاستقرار في العاصمة الفرنسية. وضع جويس بعد وصوله إلى باريس اللمسات الأخيرة على تحفته الأدبية "يوليسيس" التي نشرها على دفعات في مجلة The Little Review الأمريكية ما بين سني 1918-1920، وطُبعت لأول مرة كاملة في فرنسا عام 1922 من قبل سليفيا بيتش التي كانت تدير شركة ومحل كتب شيكسبير. وعلى الرغم من الاعتراف بجويس من قبل أقرانه بأنه كاتب عظيم فإنه لم يجنِ إلا مردودًا ماديًا ضئيلًا خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. إضافة إلى ذلك فقد حُوصرَ بمشاكل صحية وعائلية فقد أصيب بالزرق في عينه الأمر الذي أدّى إلى تدهور بصره، وخضع لتسع عمليات في عقد العشرينات ليعالج عينه، وشُخصت ابنته لوسيا بالفصام (سكيزوفرينيا) في منتصف الثلاثينات وقضت الكثير من حياتها في المصح. استمر جويس في هذه المرحلة العصيبة من حياته منشغلًا في عمله الأخير "يقظة آل فينيغان" التي نُشرت في طبعة واحدة عام 1939. خضع بعدها بعامين لعملية جراحية بسبب القرحة، لتوافيه المنيّة بُعيدها، ودُفن في زيورخ، التي عاد إليها بعد بداية الحرب العالمية الثانية، إذ رفضت السلطات الأيرلندية السماح لنورا بنقل رفاته إلى دبلن لدفنها. 


*Writers their lives and works.




**

الراوية التي كانت كفيلة بتثبيت عرش جيمس جويس واحدًا من أعظم الروائيين في العصر الحديث ومن أهم أدباء النثر في التاريخ الإنساني. هذه المكانة التي حازتها يوليسيس لم تأتِ من فراغ إذ العمل قائم على تقنيات سابقة لعصرها، وذو بُنيوية معقدة التشييد، وتشكل حلقاته الثمانية عشرة تحديًا كبيرًا لأي قارئ وبأي لغة يتحدث سواء الإنجليزية، لغة الرواية الأصلية، أو اللغات المترجمة، والقارئ العربي محظوظ في كون العمل تُرجم من قبل أكثر من مترجم لكن الترجمة الأخيرة لصلاح نيازي هي الترجمة الأفضل للعمل والمتوزعة في أربعة كتب (النسخة الأصلية من 764 صفحة من القطع الطويل بقرابة ربع مليون كلمة) والمزودة بالهوامش الكثيرة التي تجاوزت الآلاف ساعدت على شرح وتيسير فهم العمل.


سر التسوق في المكتبات المستعملة


سر التسوق في المكتبات المستعملة

الخطوة الأولى: التسليم لكل التوقعات.

كيلسي ريكسراوت*

يعدُّ الصيف موسما جيدا للمكتبات، فمع ارتفاع درجة حرارة الطقس، تزداد حركة الناس في الشارع، وتُترك أبواب المكتبات الأمامية مفتوحة لإغراء المتجولين كون التدفق المريح للقراءة الصيفية يفسح المجال تجاه المرء لاكتشافات عفوية يجتذبها من الرف مقارنةً بأماكن القراءة الهادئة في الشتاء، ويميل الزوار إلى البقاء لوقت أطول نظرًا لطول ساعات النهار.

في الأقل يفعل البعض ذلك، إذ هناك نوع آخر من العملاء الذين يفدون إلى المكتبة، يتجهون إلى حيث مكتب الاستقبال، ويسأل السؤال نفسه بصيغ مختلفة: "هل لديك هذا الكتاب (ذاكرين اسمه)؟"، وهذا يحدث لي في الأقل مرة واحدة في كل نوبة عمل في متجر الكتب المستعملة حيث أعمل، وأحيانًا يحدث ذلك عشرات المرات.

لقد عملت في السجل لمكتبتين لبيع الكتب المستعملة -مكتبة الإسكان للأعمال غير الربحية في مدينة سوهو بمدينة نيويورك والمكتب التعاوني Adobe Bookstore في منطقة ميشن في سان فرانسيسكو- لذا فقد كتبت هذا السؤال مئات المرات، عادة ما تكون الإجابة سهلة، وغالبًا ما أعرف على الفور أنه ليس لدينا الكتاب المعني لكونه إصدارًا جديدًا، فالكتب المستعملة تُتداول بين الناس أولًا، تُناقش، تُمرر عبر الأسر وبين الأصدقاء مثل الشائعات المستمرة قبل أن تصل إلينا، أما بالنسبة للعناوين القديمة، فلا تُصنَّف أو تتغير يوميًا، إلا أنه يسعدني جدًا البحث في مخزوننا في القسم ذي الصلة، وأنجح أحيانًا!

لذا فإن السؤال نفسه هو موضع ترحيب، لكن ما يأتي خيبة أمل عندما يكون عليّ الرد بـ "لا، آسفة" ففي كثير من الأحيان يدور العميل باتجاه المخرج ويغادر دون أن يلقي حتى نظرة حول المتجر. في نظري، يشبه ذلك الأمر أن يدخل المرء إلى معرض فني يسأل "هل لديك أية لوحة لدي كونينج؟" ثم يغادر فورًا إذا ما كان الجواب (كما هو متوقع عادةً) "لا".

بالنسبة لنوع آخر من العملاء، فإن "لا" ليست سوى الجزء الأول من تجربتهم في المتجر، والفرق بين أولئك الذين يغادرون بخيبة أمل وأولئك الذين يغادرون سعداء واضح: المجموعة الأخيرة لا تأتي للبحث عن عنوان محدد، وعندما يفعلون ذلك، فإن هذا البحث المحدد سلفًا هو ما يجلبهم إلى باب المتجر ولا يغضون أبصارهم عن الأشياء الأخرى التي يقدمها المتجر.

مكتبات الكتب المستعملة المفضلة لدي لا تملأ أرففها بأجهزة الكمبيوتر القديمة التي جُمعت من صناديق البيع الحر في المرائب، بل تمتلئ أرفف كل واحدة بمجموعات مختارة من الأدبيات التي صمدت على مر الزمن، وهي مؤلفات تعد بمثابة بداية جيدة لي حين أشعر بالقلق حيال استحالة التأثير في العروض الأدبية في العالم.

يعتمد العديد من الباحثين عن الكتب المستعملة على نصيحة Thoreau: "اقرأ أفضل الكتب أولًا، فقد لا تكون لديك الفرصة لقراءتها على الإطلاق"، كما إن التحمل الشديد والثبات للكتاب المستعمل يُسكن في قلب الباحث صوتًا مطمئنًا وثقة يصعب العثور عليهما في متاجر بيع الكتب الجديدة، حيث لا تقدم العناوين الجديدة إلا القليل من التأثير وينبني الأمر برمته على الضجيج العالمي الأدبي والإعلان التسويقي للناشر.

بطبيعة الحال، يستحق هذا الثبات الشديد بعضًا من التدقيق، فإحدى المناقشات التي تنبثق بانتظام بين الموظفين هي ما إذا كانت اختياراتنا حديثة بما يكفي أو ما إذا كانت رفوفنا في خطر أن تصبح متحفًا لذوق لا يتغير، فنغدو كقائمة التشغيل الخاصة بزوجي والتي تضم أغاني السبعينيات فقط! كما إننا نعلم أن تقديس المؤلفين الذكور البيض في المقام الأول لم يكن حدثا تاريخيًا عَرَضيا بل جاء على حساب إسكات أصوات أخرى. لذا يكمن التحدي الذي نواجهه في أن ننظم رفوفنا بحيث تعرض أفضل المؤلفات والعقول في التاريخ دون نشر أسوأ مواقفها، وهو تحدٍ نتعامل معه من خلال تسليط الضوء على مؤلفات  النساء وأصحاب البشرة السمراء، وفي بعض الحالات نكمل بعض المساحات من خلال كتب التبرعات أو التي نشتريها من أصحابها حين ينظمون أيام بيع في المرآب ومشتريات بيع العقارات من خلال مشترياتنا من السوق الثانوية. (كانت مكتبة كتب لوغانبيري في كليفلاند قد رفعت من واجهات رفوفها جميع كتبها التي كتبها مؤلفين ذكور خلال شهر تاريخ المرأة (آذار/ مارس).

وبغض النظر عن هذه الجهود، فإنني لا أعتقد أنه يجب إبعاد كتاب ما لمجرد أنه لم يعد حديثًا للصحافة أو مضى على زمن طباعته وقت طويل، فالمذاق ليس بأمرٍ يخضع للحدود فبقليل من الجهد فقط اكتشفت أصواتًا مختلفة ووجهات نظر لافتة للكثير من المؤلفين عبر عقود من الزمن، وغالبًا ما أستكشف ذلك من خلال إيلاء اهتمام خاص لاختيارات الموظفين وميولهم القرائية، والتي أعلم أنها خطوة لا تهدف فقط لملء وقت استراحة ما بعد الظهر لهم أو ملء خانة في قوائمهم القرائية بل أرى أنها تصيغ جزءًا من الإطار العقلي للأشخاص في الوقت الذي لم يكونوا مدركين أنهم أضحوا قاحلين معرفيا أو بدأوا بالتراجع شيئًا فشيئًا.

لقد تعلمت أن أنظر إلى البحث عن كتاب لأحد زوار متجر الكتب المستعملة لا كأنني باحث عن كنز بل شخصٌ يتمشّى في الطبيعة ويعطي نفسه الكثير من فرص الاستمتاع على طول الطريق، على الرغم من أن البحث عن عناوين أو مؤلفين محددين يؤدي إلى خيبة الأمل مرارًا فإن تنظيم قائمة ذهنية بالموضوعات كـ: نيويورك في الأربعينيات، وجيل بيت، ومذكرات نجمات الروك، يمنحني مكانًا لأبدأ البحث منه وغالبًا ما أجد ضالتي خاصة عندما أبحث خلال الفئات.

عندما تبدأ أرفف الكتب بالامتلاء أتسوق لأصدقائي وأهديهم بعض الكتب، فالكتب المستعملة هدية مثالية كونها لا تشعر المهدى إليه أنه مدينًا لك، في العام الماضي كانت صديقي تمر بمرحلة "تجميد بويضات"  صعبة، وقد كنا نشير مازحين إلى تلك العملية باسم "الحصاد" محاولين محاكاة صوت ساحرة الهالوين، ولأسرّي عن مزاجها، قدمت لها كتابًا مستعملًا بمثابة هدية تمني التوفيق، وقد كان نسخة من كتاب الشعر إيريكا جونغ بعنوان "الفواكه والخضروات"، وأما لأصدقائي الآخرين، أعطيتهم الهدايا التي تتحدث إلى شغفهم مثل هتشكوك وكلاب البودل، وكلها مؤلفات أجدها في رحلة بحثي دون أن أكون وضعت في اعتباري البحث عنها تحديدًا.

هناك استثناءات لكل قاعدة، فأحيانًا يأتي الناس يطلبون كتابًا محددًا وفي لمح البصر أتذكر مكانه وأحضره لهم، وفي أحد المرات قدم إلينا صبي في سن المراهقة يبحث عن نسخة من كتاب فيكتور هوغو البؤساء، وقد وجدت أن لدينا نسختين كل منها لمترجم مختلف -وهو أمر لا تصادفه في مكتبات بيع الكتب الجديدة- وما أكثر ما كان إجلالي مهيبًا حينما شرح أحد المتطوعين لدينا -وهو استشاري تقني باليوم- الفروق الدقيقة بين الترجمتين لمساعدة الصبي على اتخاذ قراره حول النسخة التي يبتاع.

في نهاية الأسبوع الماضي كنت أتسوق في سانتا روزا وفُتِنتُ بمتجر كتب تريهورن Treehorn Books الواقع هناك، فالأرفف الخشبية الممتدة من الجدار إلى الجدار مزدحمة بشكل رائع- أي مساحة فوق صفوف الكتب المستقيمة تجدها مكتظة بمزيد من الكتب على الرفوف أفقيًا، في تحدٍ للأبجدية (يجب أن تتخذ كل مكتبة موقفها الخاص بشأن ما إذا كانت هذه المساحة مغلقة حدود أو لعبة رفوف عادلة)، لقد بحثت في فئة R's عن كتاب معين لمارلين روبنسون ولكنني لم أرَ أيَّ شيء من مؤلفاتها، وبدلاً من ذلك، تجولت في الأرفف السابقة المصنفة باسم Pirates و Sabotage و Disasters، والتي وضعت في قسم Rodeos & Boardwalks، وبطريقة ما توقفت أمام قسم الكتب الخيالية حيث اقتنيت نسخة أصلية من كتاب Homegoing للروائية يا جياسي.

هذا هو نوع الرحلة غير المتوقعة والمرضية التي أريد أن يمر بها الجميع عندما يدخلون إلى مكتبة كتب مستعملة لاستكمال قائمة القراءة الصيفية، سأستمر في مساعدة الأشخاص في البحث عن عناوينهم المحددة، ولكنني سأشجعهم أيضًا على البقاء والتصفح قليلاً، فإذا كنت لا تعرف ما تبحث عنه، فأنت لن تعرف ما ستواجهه في رحلة البحث والتنقيب!

 

 

 

*كيلسي ريكسراوت محررة وكاتبة مقيمة في سان فرانسيسكو، كتبت عددًا من القصص والمقالات في: The Cortland Review, Litro, Jellyfish Review, The Hairpin, و McSweeney's Internet Tendency

 

ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب