المشاركات الشائعة

الأحد، 18 يوليو 2021

ملك رواية الجريمة اليابانية في العصر الذهبي


(سيشي يوكوميزو) 

باول فرينتش. 


شهدت السنوات الأخيرة تحركات للأكاديميين حول العالم للنظر في الحركة الأدبية للقرن العشرين، خاصّةً للحداثة من نطاق عالمي. مما أدى إلى توسع الإنتاج الأدبي الحداثي أكثر من كونه منحصرًا في جويس، وولف، إليوت، باوند أو هيمنغوَي، وللتفكير أكثر حول الأدب الذي يتدفق ذهابًا وإيابًا عبر الكرة الأرضية فمن الواضح أن هذا مرحب به. مع ذلك، حين نتحدث عن العصر الذهبي لكتابات الجريمة، فإن تلك الحقبة تتركز إلى حد كبير في حقبة العشرينات والثلاثينات، وتتكون من القصص البوليسية التي تركز التحقيق عن هوية القاتل والألغاز  البوليسية التي تُقام غالبًا في البيوت الريفية المنعزلة، وما زالت تُرى غالبا في الأسلوب البريطاني وشمال أمريكا. مارجيري ألينغهام، جلبرت شيسترتون، أجاثا كريستي، جوزيف جيفرسون فارجون، دوروثي سايرز وجوزفين تي، بالإضافة إلى الأمريكيين الذين يكتبون بطرق مشابهة مثل إيرل دير بيغرز، إليري كوين، إرل ستانلي غاردنر وآخرون ممن سبقوا ظهور هذا الأسلوب القاسي، هناك القليل من الطابع الدولي إذا أضفت أمثال جورج سيمنون في فرنسا والنيوزيلنديّ نجيو مارش. لكن القليل من الاهتمام في أي مكان آخر.

على الرغم من ذلك، الآن يمكن لمحبي العصر الذهبي أن يقرأوا للممثل الياباني الرئيس لهذا النوع من الكتب باللغة الإنجليزية، سيشي يوكوميزو، الذي كان معاصرًا لجميع الكتاب أعلاه كونه وُلد في كوبي عام 1902.

قال دانيال سيتون، من دار بوشكين فيرتيجو برس في لندن والذي نشر للتو اثنين من كلاسيكيات يوكوميزو المترجمة حديثًا، لموقع كرايم ريد: "القراء في بريطانيا والولايات المتحدة يحبون كلاسيكيات العصر الذهبي لمؤلفين مثل أجاثا كريستي وجون ديكسون كار، لذلك اعتقدنا أن فرصة استمتاعهم بأعمال يوكوميزو المبتكرة سيكون متأخر قليلًا ". لدى القراء الآن جرائم هونجين The Honjin Murders (ترجمة لويز هيل كاواي) و لعنة إينوماجي The Inugami Curse (تُرجم عبر Yumiko Yamazaki)، وكلاهما يضم المحقق الهاوي القذر كوسوكي كيندايتشي.

بمعنى ما السبب في أن كتب يوكوميزو لم تُترجم إلى اللغة الإنجليزية من قبل هو لغز بحد ذاته، الإجابة الوحيدة من الممكن أن تكون بسبب أن العصر الذهبي لجرائم القتل في الغرف المقفلة، الحبكة المبتكرة والمحققين المحترفين كانت من الأشياء التي انتشرت في بريطانيا غالبًا وفي أمريكا احيانًا. مع ذلك فالعناوين المذكورة سابقًا هي فقط اثنتين من بين ٧٨ رواية تُظهر المحقق كوسوكي كيندايتشي. كتب يوكوميزو أيضًا الكثير من الروايات الأخرى بين عام 1935 ووفاته في عام 1981، باع خلالها أكثر من 55 مليون كتاب.

نُشرت رواية جرائم هونجين أول مرة عام 1946 (على الرغم من أن أحداثها تدور في مدة ما قبل الحرب عام 1930) وفازت بأول جائزة في اليابان لكتّاب الغموض في عام 1948. هي رواية كُتبت في العصر الذهبي عن عمد، كتبها كاتب استشهد بتأثره بكريستي ومؤلفي العصر الذهبي الأوروبيين. مع هذا فإن هذا الكتاب قطعًا ياباني في عالمه، تدور أحداثه في نُزل هونجين المثلجة والمنعزلة (نوع تقليدي من النُزل حيث كان يُقيم فيه النبلاء في حقبة إيدو التي امتدت من عام 1603 إلى 1868 (آخر حقب اليابان القديمة). هذه الرواية تُعد من ألغاز الغرف المقفلة البوليسية، تتكون من محقق بوليسيّ، مفتش إيسوكاوا بالإضافة إلى المحقق السري كوسوكي كيندايتشي المجرد من السلاح. حدثت جرائم القتل قبل مراسم زواج تقليدي مع آلة الكوتو، آلة وترية تقليدية في اليابان، ستكون أساسية لهذه الحبكة. تشمل الأدلة الأخرى سيوف الكاتانا (سيوف الساموراي) وما إذا كان أحدهم قد قام بطقس السيبوكو الانتحاري (انتحار الساموراي عن طريق قطع الأحشاء). علّق يوكوميزو حين نُشر الكتاب متسلسلًا وشبهه المراجعون بروايات العصر الذهبي البريطاني وبعدها تُرجم وقرأه اليابانيين، "خلف الحكاية، دائمًا توجد صلة بالتاريخ الياباني".

لم يكن يوكوميزو كاتب الجرائم الياباني الوحيد في منتصف القرن العشرين الذي تأثر بالعصر الذهبي، وبالتأكيد ألهمت شهرته ونجاحه الأجيال اللاحقة. فهناك الكاتب سوجي شيمادا الذي وُلِد في عام 1940 في فوكوياما، كتب بأسلوب العصر الذهبي بإسهاب في كلٍ من أكثر روايتيْه مبيعًا المحقق ميتاراي والمحقق يوشيكي، ومثل سلفه يوكوميزو فقد كان حريصًا على ذكر الكتّاب الذين ألهموه، لا سيما إدجار آلان بو، كريستي وآرثر كونان دويل.

ولكن من المهم أيضًا أن نرى يوكوميزو كاتبًا ضمن التقاليد الأدبية اليابانية وكونه أكثر الكتَّاب انتشارًا في أوائل القرن العشرين أيضًا، وليس فقط من ضمن أولئك الذين سعوا لتقليد الكتابة الغربية. عندما كان شابًا، كان يوكوميزو قادرًا على الاستفادة من رواج الروايات الغربية في اليابان والكم الهائل من الكتابة، وليس فقط قصص الجريمة المترجمة إلى اليابانية كما هو واضح. كان يوكوميزو أيضًا معاصرًا قريبًا للكتّاب اليابانيين الحداثيين، أو كما كان يُطلق عليها غالبًا مدرسة الإثارة الجديدة للكتابة اليابانية. بحث هؤلاء الكتاب، مثل ريونوسكي أكوتاجاوا، وريتشي يوكوميزو، وياسوناري كاواباتا وجونيتشيرو تونيزاكي، بجد للحصول على ترجمات للكتابة الأوروبية والأمريكية وسعوا بوعي إلى مزج كل من أساليب الكتابة اليابانية التقليدية والأساليب الغربية في أعمالهم، وكذلك إعادة تفسير الأحداث التاريخية والقصص الكلاسيكية. قاموا بخلط الثقافات والحقب الزمنية والأساليب الشرقية والغربية عن عمد وجلب المشاعر المرهفة الحديثة حتى حين تكون الأحداث كُتبت عن الماضي.

يتضح أن يوكوميزو قد تأثر قليلًا بهؤلاء الكتّاب الأوائل، خاصةً أكوتاجاوا، يظهر هذا في استخدامه المتكرر لوجهات النظر المتضاربة والمتناقضة للحدث نفسه- في حالة يوكوميزو كان هذا الحدث هو جريمة على الدوام. باستخدام هذا الأسلوب الأدبي مرارًا وتكرارًا، يتابع يوكوميزو القصة القصيرة المؤثرة جدا لأكوتاجاوا عام 1922 In a Grove (المستوحاة من قراءة أكوتاجاوا للكاتب الأمريكي Ambrose Bierce)، وتقدم ثلاث روايات مختلفة عن مقتل ساموراي. أصبحت القصة أشهرَ في كل من اليابان بعد الحرب والغرب مع نجاح فيلم أكيرا كوروساوا عام 1950 في راشومون.

كان يوكوميزو على وعي تام حينما اتخذ قرار الكتابة بأسلوب العصر الذهبي الإجرامي. في السابق، جرب في البداية حين كان لا يزال يعمل في صيدلية عائلته (كان صيدليًا مؤهلًا) الكتابةَ التاريخيةَ (مرة أخرى مستلهمة من أمثال أكوتاجاوا) وبعدها قصصَ خيالية تاريخية تُبرز قاضٍ متدرب يحل الجرائم (هذا الصنف كان شعبيًا وبالأخص في الصين ثم انتشر في اليابان أيضًا). انقطعت مهنته إجباريًا خلال الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الأوراق وقيود النشر (بالإضافة إلى مرض السل الشديد الذي أصاب يوكوميزو). خليط من المرض والرقابة يعني أنه دبَّر بصعوبة الحصول على بعض القصص الرومانسية المنشورة حتى نهاية الحرب في 1945.

استمر هذا الوضع على حاله بعد الحرب فحسب، خلال الاحتلال الأمريكي لليابان، ليقرر يوكوميزو أن يكتب عمدًا بأسلوب العصر الذهبي، من أجل نشرها متسلسلةً في مجلات أدبية قبل نشرها في كتاب، وأن تجري وقائع رواياته في اليابان المعاصرة (أو الحديثة). أدخل سيشي يوكوميزو من أجل قرَّائه اليابانيين كتَّاب العصر الذهبي لأدب الجريمة الذين أمتعوا وقُرءوا إجباريًا في سنوات ما بعد الحرب العصيبة. على أي حال لولا المترجمين إلى الإنجليزية لبقي الكاتب مجهولا خارج اليابان تقريبًا. وحتى يومنا هذا. يسعى الناشر بوشكين فيرجيتو لترجمة عناوين أخرى ليوكوميزو. ما زالت تُقرأ روايات يوكوميزو في اليابان على نطاق واسع ويُحتفى بذكره سنويًا بجائزة أدبية هي جائزة سيشي يوكوميزو لرواية الغموض غير المنشورة، التي تأسست في عام عام 1980. ويحظى الفائزون بمبلغٍ ماليّ مُجزٍ ودُمية لكوسوكي كيندايتشي، أشهر إبداعات يوكوميزو وأمضاها ذكرًا. 

 


ترجمة: زينب محمد.


الأربعاء، 14 يوليو 2021

الشخصيات النسائية في رواية سولا للكاتبة الأمريكية توني موريسون



استعراض النماذج التي قدَّمت فيها الروائية توني موريسون التمثيل السلبي لشخصياتها النسائية "الخيالية"، وكيف مضت متحديةً هذا التمثيل وعلاقتها بالأفكار النسوية السوداء 1.


توني موريسون واحدة من بين أشهر وأهم المؤلفين في القرن العشرين خصوصا بأن معظم أدبها تحدى الأفكار النمطية التي فُرِضَت طوال التاريخ على النساء الأمريكيات ذوات الأصول الإفريقية.

إنَّ الشخصيات في رواياتها مُبدعةٌ بجمالية لكي يتمكن القارئ من استكشاف رحلات وعوالم هذه الشخصيات والأساليب التي قُدِمنَّ بها، ثم التشكيك في المنظور التاريخي الذي أُنشئ جرَّاء هذا. ومع ذلك، فإنَّ العديد من الصور النمطية بقيت عالقة من دون شك في وعي الأمريكيين من الأصل الإفريقي، ولذا فمن الضروري بدايةً إبقاء النساء في تلك الصور قبل دراسة كيفية طرد تلك الصور والأفكار النمطية إلى الأبد. كما تشير لسلوى غالي "وفقًا لإعادة التفكير في وجهات النظر التقليدية حول الهوية وعلاقتها بالثقافة، فإن موريسون تتجنب المنطق الثنائي لاستكشاف الأشكال المتعددة والأسباب الجذرية للتهميش الاجتماعي". وعلى هذا النحو، مع وضع هذا في الاعتبار، ستدرس هذه المقالة الذات الأمريكية الإفريقية في شكلها النمطي داخل عمل موريسون وكيف تُبنى بما يتعلق بالفكر النسوي من ذوات الأصول السوداء. مما لا شك فيه فإننا نستنج أنَّ موريسون تذهب إلى حد ما لتبديد مثل هذه الانطباعات السلبية وتعزز إنجازات الفكر النسوي الأمريكي-الإفريقي في هذه العملية.


الفكر النسوي الأسمر في مواجهة الصور النمطية السلبية


كانت باتريشيا هيل كولنز واحدة من اوائل المثقفين منذ القرن التاسع عشر الذين تخصصوا بالطريقة التي صوِّرت بها النساء الأمريكيات-الإفريقيات، وقد قدمت تحليلا حول كيفية وسبب تحدي الكتاب والمثقفين والشخصيات البارزة من ذوي الأصول الإفريقية للأفكار والصور النمطية على مدى سنين. تقول كولينز: "إن المثقفات الأمريكيات السمراوات قد وضعن أساسا تحليليا حيويا لوجهة نظر مميزة حول الذات والجماعة والمجتمع وبذلك خلقنّ تقليدا فكريا متعدد الأوجه للمرأة الأمريكية-الإفريقية". إنَّ حجة كولينز هنا صائبة واقعيًا لأن العديد من المؤلفين قدموا تحليلا محكما للذات الأنثوية والعرق من خلال البصيرة التي يمتلكها الفرد بدلا من الانطباع السائد لذوي البشرة البيضاء عن النساء السمراوات أو السود. وفي تسليط الضوء على هذا الجانب حددت كولينز العديد من الثيمات، تحديدا ست سمات تميّز الفكر النسوي الأسمر، وانطلاقا من هذه الثيمات التي قد توفر أرضية جماعية مشتركة تشتد الحاجة إليها بين الأمريكيات ذات الأصل الإفريقي أولًا، والأمريكيات ذات الأصل الإفريقي في علاقتهن بمجتمع يملك إدراكًا جمعيا أو فكرا ذا هدف محدد. إنَّ هذه المجالات أو الثيمات الست التي توفر أرضية مشتركة ستوفر تجربة أنثوية مشتركة وهي العمل والأسرة، والسلوك الأمومي والسيطرة، والتعريف بالذات، والسياسة الجنسية، وعلاقات الحب، والأمومة والنشاط. ومع كون هذه السمات توفر مشتركات مهمة قد ينتج عنها هوية جماعية للأنوثة الأمريكية من الأصل الإفريقي فقد ينتج عنها تمثيلات سلبية أخرى.

في ذات السياق، تقول الكاتبة المتخصصة في الدراسات الإفريقية والنسوية مادو دوبي "على الكاتب استبدال الصور النمطية السلبية بالإيجابية" ولكن مصطلح "استبدال" يعطي انطباعا بوجوب تجاهل النمط السلبي بدلا من فحص وتطوير هذه الصور من أجل إقصائها، مما يسبب في تطور الشخصيات الأنثوية بالنحو الإيجابي المطلوب. وعلى العكس من دوبي، فإن كولينز تدعو إلى عامل الخبرة والتمكين والوعي لطرد هذه التمثيلات السلبية من خلال استكشافها بدقة لإضفاء الصبغة الإنسانية حول شخصية الأنثى السوداء. تؤيد موريسون وجهة النظر هذه بالذات، وتُثبت ذلك شخصياتها الروائية. ومع ذلك فإنه من الضروري قراءة الشخصيات في رواية سولا لموريسون 2 لمعرفة فيما إذا كانت ستتحدى هذه التمثيلات السلبية بما يتعلَّق بالفكر النسوي أم لا.


العاهرة والزوجة المطيعة


تقدم موريسون توصيفيْن لتمثيلاتِ الصور السلبية في المجتمع الأمريكي تجاه النساء الأمريكيات-الإفريقيات، وتحددهما بالعاهرة أولا وتمثُّلها بطلة الرواية "سولا"، والزوجة الصالحة، وهو التمثيل الإيجابي العكسي لشخصية سولا في الرواية، واسمها "نيل". تعمل العلاقة بين الاثنتين كونها واحدة من الصداقات بين النساء السود في المجتمع وقد وصفت كولينز هذا التمثيل بـ"الحيوي". ولكن قبل فحص العلاقة بينهما، يجب فحص ما تقدمه هذه الشخصيات من تمثيلات على نحوٍ فردي. تمثِّل سولا فساد المرأة السوداء، فهي ومن الوهلة الأولى تخطو على نحو دقيق إلى دور العاهرة نتيجةً لموقفها من الجنس وكذلك من الأنوثة، فهي تعتقد أن الجنس منفصل عن العاطفة، فهو فعل جسدي غير متجسد يسمح لها أن تشعر بحزن لا يمكن بلوغه بأي وسيلة. مع أن هذا السرد يسلط الضوء على جانب سلبي من العلاقة مع الأنماط والصور الموجهة للنساء السوداوات التي تصفهن بأنهن ذوات "طبيعة منحلة" ولكنه يلمح بعمق إلى أهمية أخرى وهي "الفعل" الذي تتبناه سولا، مما يعد تحديا للتمثيل التقليدي. هذا الادعاء يعززه وصف الأم لتربية سولا، والتي تقدمه موريسون في هذه الجملة "علمت سولا أنَّ الجنس ممتعٌ ومتكررٌ لكنه أيضا غير ملحوظ" على هذا النحو أُنشئت التمثيلات النمطية داخل الرواية التي تقدمها الشخصية بفاعلية من خلال موقف الأم الليبرالي تجاه الجنس بدلا من كونه طبيعة غريزية مدمرة ولدت بها "كما يشير العرف السائد". يتحدى هذا البناء الروائي الثوابت والأنماط من خلال إضفاء الطابع الإنساني على شخصية العاهرة ويدحض الانطباعات السلبية الموجهة ضدها بغض النظر عن مدى المحرمات التي يترتب عليها موضوع ممارسة الجنس غير الشرعي بعده "دعارة واختلاط".

بالرغم من المعهود النمطي للعاهرة التي صُممت سولا لتجسيده وتحديه أيضا في الرواية، فإنَّ التحدي لا يكون فقط باستخدام خلفيتها السابقة وقصتها بل ومن خلال موقفها من الجنس كذلك حيث تعتقد سولا أنَّ الجنسَ وسيلةٌ لإثبات الوجود ورفض أعراف المجتمع. تغوي سولا زوج أعزِّ صديقاتها لتتهم بأسوأ تهمة مذلة على الإطلاق وهي "النوم مع رجال بيض". تصف كولينز ذلك بأن النساء الأمريكيات-الإفريقيات عادةً ما يُستخدمن من قبل الرجال البيض وهكذا جُسِّدن بناءً على هذا الانطباع. ولكن في حالة سولا فإن الأدوار معكوسة فهي من تستخدم الرجال لتشعر بالنشاط والحياة، وهي محاولة لاستكشاف ماهيتها  ولإثبات هويتها الذاتية التي لا تعتمد على التوافق مع الانطباعات المأخوذة عن النساء الأمريكيات-الإفريقيات في تلك المرحلة. لهذا فأن سولا ليست عاهرة بل امرأة تبحث عن مكانها وسط هذا العالم، ويقف عِرقُها عارضا في وجهها، وقد وجدت أن الجنس "وضعها في موضع الاستسلام، والشعور بثبات قوتها ولا محدودية طاقتها" فتكتشف سولا نفسها الحقيقية من خلال رفض الحدود المسلم بها للجنس وتشكيل رؤيتها الخاصة للحياة: "فهي ترفض منفردة القيمَ الهامشية التي تنتمي إليها، وهو هامش يعكس المركز من ناحية كونه يكبت أي إثارة للسخط والاستياء". إنَّ سخط سولا ملموس ويصف الصورة النمطية للعاهرة بأنه بناء اجتماعي صُمِّم للكبت بدلا من إطار حيوي يمكنها من خلاله التميُّز. لذلك تستخدم موريسون الموضوعات التي أسستها كولينز لفحص التمثيل السلبي لشخصية العاهرة ودرء الأحكام السالفة التي فُرضت على النساء التي تُطلق عليهن هذه التسمية بسوء فهم. أدان المجتمع سولا بما في ذلك صديقتها المقربة "نيل"، ولكن وقفت موريسون بمهارة في حكمها مع سولا بدلًا من الجميع لعدم استيعابهم للوعي الجمعي المناط بالعاهرة.


ليست العاهرة هي التمثيل السلبي الوحيد للمرأة الأمريكية-الإفريقية التي حاول الفكر النسوي الأسمر تبديدها، فهنالك أيضا صورة الزوجة المطيعة الخجولة التي تغفر لزوجها كل أشكال الذنوب. كان هذا الدور من حصة نيل لأنها تربت مذ كانت طفلة لتصبح ذلك النموذج للزوجة الصالحة والمطيعة التي تتشكل على صورة الأم غير الأنانية وتتوافق من دون شك مع القوالب الجاهزة والسائدة للأنوثة. إنها كل الاشياء التي كانت على سولا أن تكونها، ولكنها لم ولن تفعلها. هي مطيعة جدا لزوجها جود، تلزم المنزل وتحافظ عليه ولا تعارض زوجها بأي طريقة. وتفترض هوية زوجها في جوهرها، وهذا يعني أنها لا تمتلك هوية ولا يمكن القول إنها تعيش حياتها وفقا لشروطها الخاصة مثل سولا. إن الفتاتين تتناقضان بنحوٍ كبير ولكن موريسون تؤكد أنهما يشتركان في عنصر واحد وهو أن حياتهما وشخصيتهما وتمثيلهما ليست قيمًا حتمية بل قيم مغروسة. ففي سولا شُجِّعت ممارسة الدعارة، وفي نيل شُجِّعت قيم الزوجة المطيعة والصالحة. لقد أُجبرت بالتخلي عن هويتها، كانت تظهر ملامحها عندما تكون مع سولا فالأخيرة تشاركها أخوّة وهذه قيمة وصفتها كولينز بأنها أساسية في دحض الصور النمطية. مع ذلك فإن ضمير الزوجة المطيعة ينفي هذه الأخوة: "أبدعت نيل في الرواية كبشَ فداء لإعفاء "جود" من الشر والأفعال المشينة أخلاقيا مثل الخيانة الزوجية والهجر، تلك الاشياء التي كانت لتدمر زواجها، وكانت نيل تنكر قدرة جود على فعل الشر". تفوق مفهوم الزوجة المطيعة على مفهوم "الأخوة" لتقلب بذلك مفهوم الجماعة والاتصال مرة أخرى. في حين التزمت بصورة الزوجة المطيعة في البداية فقد قلبت موريسون الموازين وتحدتها لاحقا من خلال عملية تقرير المصير وتحقيق الذات وتكوين هوية أكثر استقرارا، ويأتي هذا الادراك عندما تقرر نيل رفض الصورة النمطية الملصوقة بها.

تنظر موريسون الى الزواج على أنه دمار مستمر، وهي توضح في اقتباس لها في الرواية مدى مخاطر هذا التأسيس الاجتماعي على شخصية مثل نيل "الزوجة المطيعة": لقد طوى الذين يملكون أزواجا أنفسهم في توابيت منذ النشأة، عظمهم ناتئ وأضلعهم منفجرة". ووصفت هذا الشيء لتسليط الضوء على أهمية عناصر الحياة الأخرى من خلال رؤية نيل وسولا مع تركيزها على مفهوم الصداقة والأخوة.

الحق أن سولا في البداية هي من أدركت قيمة الصداقة للنساء من ذوات البشرة الداكنة "كانت تبحث طوال الوقت عن صديق، وقد استغرقت وقتا لاكتشاف أن الحبيب لن يكون رفيقا مناسبا للمرأة ولا يمكن أن يكون". ولكنه أمر مثير للسخرية نظرا إلى حقيقة أن سولا فرطت بصداقتها مع نيل بعد النوم مع زوج الأخيرة. تموت سولا في النهاية من دون الحصول على صك الغفران من نيل. لم تدرك نيل الطبيعة الحقيقية للصداقة بين النساء الأمريكيات-الإفريقيات إلا بعد وفاة صديقتها،  وبحسب ما توصلت إليه كولينز من دراسة الفكر النسوي الأسود وما فعلته موريسون من جهد هو لدفع النساء أبعد من ذلك للتخلص من التمثيلات والصور النمطية قالت: "بعد وفاة سولا ودفنها تتوصل نيل إلى أنها كانت تفتقر على مر السنين  لشخص سولا في حياتها وليس زوجها جود".

ملخص لهذا الحديث أنَّ موريسون تبث فكرة أن حب الإخوة أمر ضروري للبقاء وتنشئة الهوية بدلا من مؤسسة الزواج، وتجيئُ هذه الفكرة رداً على صورة العاهرة والزوجة الصالحة لأنها تنفي دور الرجل عموما ويؤدي هذا الى تمكين المرأة من تحديد مصيرها وهو في النهاية تطورٌ للفكر النسوي الأسود.

ختاماً، تستخدم الروائية شخصيات سولا ونيل من أجل إجراء فحصٍ شامل لجدوى القوالب النمطية للمرأة الأمريكية-الإفريقية وتقدم أسبابا لتحديها ودحضها. إنهم لا يخفون الطبيعة  الحقيقية لما معنى أن تكون امرأة فحسب، بل يجعلونها بمفردها في حين أن الوعي الجماعي يرفض مثل هذا الشيء. كانت نظرية كولينز حول النسوية الأمريكية ذات الأصل الإفريقي أساسا ممتازا لفهم عمل موريسون الروائي ولكنها في الوقت ذاته تتجاوز القيم والعوامل التي قدمتها كولينز لكي تكون الرواية في صدد معالجة هذه الانطباعات السلبية وتعزز إنجازات الفكر النسوي. في شخصيات هذه الرواية رُفِض مفهوم الزوجة المطيعة ومفهوم العاهرة لصالح مفاهيم الصداقة والإخوة والهوية والأنوثة السمراء الحقيقية.


____

هوامش:


1-"Black feminist"

ارتأيت ترجمة هذا المصطلح على شاكلتين (النسوية السوداء) و(النسوية السمراء)، وهما يعنيان في النهاية الفكر النسوي في المجتمع الأمريكي من ذوي الأصل الإفريقي أو البشرة الداكنة.

Sula - novel by Toni Morrison -2 

رواية سولا لتوني موريسون الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 1973.


Ukessays.

ترجمة: مصطفى حمزة.

الخميس، 8 يوليو 2021

أولاد حارتنا - نجيب محفوظ

 

مؤمن الوزان.


أثارت هذه الرواية منذ أن كانت تنشر مُسلسلةً في الأهرام سنة 1959، حفيظة شريحة كبيرة من المسلمين، فيقول الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) في كتابه "كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا": "وقد ثارت ثورة الأزهر على هذه القصة وبين وجه الافتراء فيها على الإسلام وأبدى الرأي في ذلك صريحا واضحا فما كان من رئيس تحرير الأهرام وقتئذ محمد حسنين هيكل إلا أن انبرى لثورة علماء الأزهر على هذا الكتاب وأبدى احتجاجه الشديد اللهجة على رد علماء الأزهر وشجع الأستاذ نجيب محفوظ على مواصلة نشر هذه القصة ولم يعبأ بما أبداه علماء الأزهر من غضبة لله تعالى ودفاع عن شرع رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) فاستمر نشر هذه القصة في تلك الظروف القاتمة السواد". 


لم تنشر هذه الرواية في كتاب في مصر إلا أنها نشرت عن دار الآداب في بيروت عام 1967، وفي هذا السياق يذكر الدكتور أحمد كمال أبو المجد في مقالته عن رواية أولاد حارتنا المنشورة في الأهرام في التاسع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر سنة 1994 بعد لقائه نجيب محفوظ بعد محاولة اغتيال فاشلة بسبب الرواية، قول نجيب: 

"إني حريص دائما على أن تقع كتاباتي في الموقع الصحيح لدى الناس، حتى وإن اختلف بعضهم معي في الرأي، ولذلك لما تبينت أن الخلط بين "الرواية" و"الكتاب" قد وقع فعلا عند بعض الناس، وأنه أحدث ما أحدث من سوء فهم، اشترطت ألا يعاد نشرها إلا بعد أن يوافق الأزهر على هذا النشر (ولا يزال هذا موقفي إلى الآن). وقد أعيد نشر هذا المقال من قبل الدكتور أحمد كمال أبو المجد عام 2006. 


ومما يذكره المقال على لسان محفوظ أيضا: "إن كتاباتي كلها، القديم منها والجديد، تتمسك بهذين المحورين: "الإسلام وهو منبع قيم الخير في أمتنا، والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا"" ويضيف محفوظ أيضا: "إن مشكلة "أولاد حارتنا" منذ البداية أنني كتبتها "رواية"، وقرأها بعض الناس "كتابا"، والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال، ولا بأس بهذا أبدا، ولا يجوز أن تحاكم "الرواية" إلى حقائق التاريخ التي يؤمن الكاتب بها، لأن كاتبها باختيار هذه الصيغة الأدبية لم يلزم نفسه بهذا أصلا وهو يعبر عن رأيه في رواية. 


ومما يذكر موقع النوبل عن محفوظ في التعريف به بعد أن نال جائزة النوبل للآداب لسنة 1988: 

"... بدأ الكتابة مجددا برواية أولاد حارتنا -العنوان الإنجليزي أبناء جبلاوي- في سياق جديد أخفى فيه آراءه السياسية كثيرا خلف الاستعارة والرمز. 

وفي محاضرة النوبل يذكر الموقع أيضا عن رواية أولاد حارتنا: 

إن الثيمة لهذه الراوية غير الاعتيادية هي بحث الإنسان الأبدي عن القيم الروحانية. ظهر آدم وحواء، موسى وعيسى ومحمد وآخرون، إضافة إلى العالِم المعاصر- نسبة إلى العلوم-، بتخفٍ مكشوف. والعالِم هو المسؤول عن موت الأب الأول جبلاوي (الله). وتواجه النُظم المعيارية المختلفة تأزما في وصف صراع الخير والشر. ونظرًا للطريقة التي تعامل فيها الكتاب مع المقدسات فلم يستطع المؤلف طبع كتابه في بلده ونُشر في مكان آخر". 

إذًا، فنحن أمام تفسيرات مختلفة لثلاثة من المصادر التي تمثل معيارية مرجعية في الحكم على العمل بعيدا عن نطاق الأدب والرواية ما بين الأزهر (الرافض) ولجنة النوبل (المؤيدة) وفي الوسط يقف نجيب محفوظ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. بعد قراءة هذا العمل الذي اختلطت فيه الحقيقة بالخيال والواقع بالمحال، والمقدّس بالمدنّس، والإيمان بالكفر، في جو ميتافيزيقي وأحيانا فانتازي، إذ يستمد نجيب محفوظ من التاريخ والأديان والصراع بين العلم والدين، والصراع بين الأديان، والفلسفة الوجودية رؤيا تخوض الرواية في أعماقها، لتبدو في مواضع أنها تأخذ قصص الأنبياء بأسلوب بارودي ساخر ثم ترفعهم عبر مدحهم ومدح مشروعهم الإصلاحي الذي تمثّل في محاربة الفتوات والمديرين المسؤولين عن الوقف، وتحقيق رغبة جبلاوي، في حين تتبنى في موضع آخر رؤية وجودية إلحادية للخلق والخالق حين يعيد قول نيتشه الذي صرح بموت الإله بـ 

-لله الأمر، من بعد العمر الطويل مات الجبلاوي! 

لا يمكن أخذ هذه الجملة باعتباط أو أن نمر منها مرور الكرام، ففيها من البارودية والرؤية الفكرية التي تبشر بها الرواية التي تمثلت بعد صراع طويل بين المصلحين (جبل ورفاعة وقاسم) والفتوات والنظّام لأجل وصية (شريعة) جبلاوي  بموت جبلاوي (الله أو الدين) على يد عرفة (المعرفة أو العلم). 

فماذا أراد محفوظ من هذه الرواية وبهذا الطرح المثير، فهذا ما لم يسبقه به أحد من قبله، فهل يمكن أن نأخذ بقوله حين قال بأنه لا يجب أن نخلط بين الكتاب والرواية أو أنه مقتنع فعلا بأن الإسلام والعلم هما الحل لنهضة أمتنا؟ نحن بعد قوله لا يجب أن نتقول عليه ونزيد في تأويل ما لم يقله وإن لم نصدقه، ويبقى السؤال لماذا اختار محفوظ هذه الطريق الوعر للتعبير عن هذه الرؤية والمنهاج في روايته، لماذا اقتحم عالم المقدس بهذا الشكل؟ استعارته ورمزيته لم تكن كثيفة وهذا مقصود منه فهو يريد الاقتحام والمواجهة، يقينا منه أن المجتمع المحيط به يحتاج إلى صدمة قوية تزلزل أركانه وتبعثه من جديد لينهض بواقعه ويطوره، ولم يجد مناصا إلا باجتياح عالم المقدسات في رواية ينزلها إلى واقع مصري، حيث الحارات والمقاهي والفَتْوَنَة والنبوت. لا أخفي إعجابي بالأفكار الشيطانية التي لا تتنزل إلى أي كان، سواء أأخطأ محفوظ أم لم يخطئ، وفكرة العمل وهذا الطرح، واقتباس قصص الأنبياء (موسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام)) بل وجلبهم في هيئة مصرية تبدو مثيرة للاهتمام ومخيفة وخطرة وشرسة لكن من قال إنه يقصد الأنبياء بذواتهم المعروفة المقدسة؟ ليغامرنا سؤال لماذا لم يختر أحداثا أخرى إذا لم يكن يقصدهم أنفسهم؟ نعم، هنا بالضبط نقف أمام العبقرية الأدبية التي تستغل الواقع والتاريخ والدين والمقدس وتصهره في بوتقة الرواية، كلنا أصحاب رسالة علينا تعمير الأرض ومحاربة الظلم والشر. لا يمكن وصم الرواية بأنها تنتسب أو تصور دين من الأديان الإبراهيمية دون سواه، فهي تستمد من الثلاثة رغم أنها تبنت فكرة النصارى حول أن البشر أبناء الله -تعالى عما يقولون- عبر قول جميع ناس الحارة بأنهم أحفاد جبلاوي، الأب المؤسس. ولا يمكن لأي كان أن يخرج الرواية من الرمز الديني لأن هذا محال فالرمز يدل على مقصوده، ونتساءل هل هو رمز أو مجرد تغيير أسماء كأن يحاول فيل أن يخفي جسده الكبير أمام نبتة صغيرة، هي كذلك لم يقصد الرمز رغم استخدامه بل أراد تصوير الحقيقة التي يؤمن بها الناس عبر تقريب الصورة لهم بواقع يعيشونه ويفهمونه بسرعة، ليروه بأعينهم المعاصرة لا أعين القدماء. ما أراده محفوظ من هذه الرواية هو تسليط الضوء على عدم جواز تبني الدين وحده دون العلم وعدم تبني العلم وحده دون الدين، فمن تكلموا باسم جبلاوي سواء من مديري الوقف أو فتوات مثلوا الاستغلال الديني أو عرفة الذي مثّلا العلم المجرد من أي اعتبارات أخلاقية، وكان مصير الطرفين الموت! فلا بد من وحدة ما بين الاثنين وهذا ما يؤكده محفوظ في مقالة أبو المجد. 


بالعودة إلى الرواية فتبدأ الرواية من اختيار جبلاوي الأب لابنه الأصغر أدهم (آدم) ليكون مديرا للوقف؛ لمعرفته القراءة والكتابة والحساب، وهنا يثور الابن الأكبر إدريس (إبليس) رافضا هذا القرار، لينتهي به الحال مطرودا من البيت الكبير (الجنة) إلى الخلاء (الدنيا)، لكن إدريس لم يتوانَ عن محاولة إغواء أدهم الذي تزوج من أميمة (حواء) لأجل أن يطرده من البيت الكبير ويخرب علاقته مع أبيهما، وكان له ما كان بعد أن حاول أدهم بطلب من إدريس وتشجيع من أميمة معرفة أسرار الوصية والشروط العشرة (الوصايا العشر) التي تحوي ما كتبه جبلاوي عن مصير ثروته وورثته، ليطرد بعدها أدم وأميمة من البيت الكبير، وتبدأ مرحلة جديدة من حياة الاثنين مثلت الفصل الأول من الكتاب انتهى بعفو جبلاوي عن ابنه أدهم (كما حدث مع آدم (عليه السلام)). الفصل الثاني والذي مثل الجيل الأول من أحفاد أدهم وصراعهم مع فتوة الحارة والناظم مدير الوقف، وهي القصة التي مثلت قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل، واختار محفوظ اسم جبل ليمثل موسى (عليه السلام)، والجبل في قصة موسى له شواهد كثيرة منها: 

"ورفعنا فوقهم الطور" والطور هو الجبل. 

"فكان كل فرق كالطود العظيم" والطود هو الجبل. 

"ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل…" 

من هذه الشواهد القرآنية نعرف لماذا اختار محفوظ اسم جبل ليمثل القوة التي تنقذ أبناء الحارة من شر الفتوات والناظم مدير الوقف، وتحقيق العدل للجميع وتوزيع واردات الوقف عليهم بالتساوي. 

ويتكرر الأمر مع رفاعة (عيسى (عليه السلام)) وقومه، الذي عمل على مداواة الناس وإخراج العفاريت منهم، لأجل أن ينالوا الراحة والسعادة التي عمل على تعليم الناس أن السعادة لا تكمن في المال ولا القوة، وانتهى قتيلا بعد أن وشت به زوجته ياسمينة (يهوذا)، لكن تلاميذه (الحواريون) نهجوا نهجه وانتهى الأمر بانتصار من تبنى فكر رفاعة. 

لكن الحارة وأبناءها دائما ما يعودون إلى سيرتهم القديمة من الظلم والفتونة والاعتداء على الآخرين فدأبهم النسيان، ليسود جو من الخوف والرعب وتسلط ثلة قليلة على البقية، ليكون قاسم (محمد (صلى الله عليه وسلم) وكنتيه أبو القاسم) آخر من واجه الفتوات ومديري الوقف لأجل إحلال العدالة والمساواة بين أبناء الحارة وتوزيع خيرات الوقف بالتساوي بين الجميع. 

لتنتهي الرواية في فصلها الأخير متمثلا في عرفة الساحر (المعرفة والعلم) الذي تعلم فنون السحر (العلم)، وهنا تظهر نقطة مهمة جدا لا بد من تسليط الضوء عليها، فعرفة كشف سره بعد مقتل جبلاوي الجد الأول (العلم يقتل الله أو الدين. العلم يقتل القوة البشرية ويخلق نوعا جديدا من القوة، قوة العلم)، استغله الناظم (الحكومة) في صنع مادة قابلة للانفجار توضع في قارورة (القنبلة والسلاح) تنوب عن الفتوات والقوة، مكنته من السيطرة على الحارة وأحيائها الثلاثة (حي جبل وحي رفاعة وحي قاسم)، وحبسه الناظم عنده، وحينما قرر الهرب من الناظم، قُتل. 


هذه إذن الرواية المثيرة للجدل التي ما زالت محط نقاش بعد أكثر من ستة عقود على نشرها. 


الأربعاء، 30 يونيو 2021

هبوط إنانا إلى العالم السفلي (كتاب مترجم)

هبوط إنانا إلى العالم السفلي 

(أول قصيدة ملحمية في التاريخ) 

ترجمة: مؤمن الوزان

تقديم وشرح: كلكامش نبيل


 إنَّ هبوط إنانا إلى العالم السفلي أول قصيدة ملحميّة في تاريخ البشرية تسبق حتى ملحمة غلغامش الشعرية، التي تعدُّ أقدم ملحمة في التاريخ الإنساني. تأخذنا القصيدة في رحلة مع الإلهة إنانا التي تقرر التخلي عن السموات وكل معابدها وتنطلق في رحلة نحو المجهول في العالم السفلي من أجل السيطرة عليه، لكن هل توفَّق في مسعاها الطامع للاستيلاء على ما لا تملك؟



قصيدة فولوسبا (كتاب مترجم)

قصيدة فولوسبا 

نبوءة العرافة

(قصيدة من التراث الآيسلندي)

شرح وتعليق: هنري أدامز بيلوز

ترجمة وتقديم: مؤمن الوزان




 يعود تاريخ تدوين قصيدة فولوسبا، مع القصائد الأخرى التي شكَّلت كتاب إيدا الشعريّ، إلى القرن الرابع عشر ميلادي إلا نظمها يسبق هذا التاريخ بقرون. تشكِّل هذه القصائد أهم المصادر الميثولوجيا النورديّة وأخبار القبائل في شمال أوروبا، اعتمد عليها الكاتب الآيسلندي سنوري ستورلوسون في كتابه نثر إيدا المكتوب سنة 1220م. تقدِّم هذه القصيدة موضوعًا تعرَّضت له جميع الأديان ألا وهو نهاية العالم وعودة الحياة من جديد. قليلا ما نجد أمة من الأمم لم تتطرق إلى هذا الموضوع الذي يحمل في تلافيفه تحذيرًا للبشرية لإيقاف شرورها قبل أن تحلَّ النهاية المُدمِّرة.



للتحميل: https://drive.google.com/file/d/1kFAXKiob8rdNRCdY0Qchia-1ct2a4u9M/view?usp=sharing

رزنامة بنجامين فرانكلين (كتاب مترجم)


ترجمة: مؤمن الوزان.




 رزنامة بنجامين فرانكلين واحدة من أوائل الرزنامات التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية (في إقليم نيو إنغلاند في الشمال الأمريكي والذي يضم ستَّ ولايات)، ونالت الحظوة والشهرة رفقةأول رزنامة أمريكية "The Astronomical Diary and Almanac" على مدى سنوات من تاريخ صدروها ما بين سني 1733 و1758. 

نشر فرانكلين هذه الرزنامة باسم مستعار تحت عنوان رزنامة ريتشارد المسكين أو رزنامة ريتشارد ساندريس حتى عام 1748، إذ غير اسمها إلى رزنامة ريتشارد المسكين المجوَّدة. تضم الرزنامة السنوية مواضيع متعددة ما بين أقوال وأمثال وحِكم وأخبار ومعلومات عامة، وتُستهل كل طبعة بكلمة افتتاحية. وما يغلب على محتوى الرزنامة في أعدادها كاملةً الأقوالُ والأمثالُ والحِكمُ التي منها ما هو خاص بفرانكلين نفسه وبعضها تعود أصولها إلى ثقافات وشعوب وكتب أخرى. تعددت مواضيع هذه الأقوال والأمثال والحكم ما بين مدح الأخلاق -وكثيرًا ما شددت النصوص عليها وربطتها بفلاح المرء في الحياة- والتجارة وكسب المرء بيده ونصائح للربح وآلياته، وآداب الضيافة والكياسة والصداقة والتعامل مع الآخر، وكذلك الأماليح والأضاحيك ذات المقاصد اللاذعة التي أضفت نكهة الهزلية على بعض النصوص وجو الرزنامة عموما. وقد نظم فرانكلين العديد منها شعرًا أو كتبها باستخدام الجناس لإعطائها طابعًا موسيقيًا ونغمًا يسهل على القارئ حفظها وتذكرها والاستمتاع بقرائتها.

اشتهرت هذه الرزنامة كثيرًا حتى وصل عدد نسخ بعض طبعاتها السنوية إلى مئة ألف نسخة نُشرت في ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية في أمريكا وقتها، وأكسبت مؤلفها بنجامين فرانكلين المكانة والشهرة والمال. 

أما مؤلفها بنجامين فرانكلين، فهو أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، وكان كاتبًا ناشرًا وسياسيًّا ومفكرًا تنويريًّا وعالمًا وفيلسوفًا وناشطًا مدنيًّا وغير ذلك، وهو واحد من أهم الشخصيات الأمريكية في التاريخ وله مسيرة حياتيّة ومهنيّة حافلة، وتزيّن صورته ورقة عملة المئة الدولار الأمريكي. 

في هذا الكتاب، اخترت من الأمثال والحكم والأقوال والنصائح الواردة في الرزنامات المنشورة، والتي وجدت فيها الحكمة الأصيلة والبصيرة النافذة والنصيحة الرشيدة والتوجيه القويم والفكر السليم والنص البليغ أو الأفاكيه المستظرفة والطرف المستملحة التي لا غنى عنها في الترويح عن القارئ بين جديّة النصوص الأخرى. وتجنبت الأقوال والمعلومات الواردة التي هي اليوم من البديهيات وأصبحت من المعلومات العامة مثل استخدامات المِجهر ومزاياه أو تواريخ ولادة بعض الشخصيات التي يُمكن للباحث عنها أن يعرفها بسهولة.      


للتحميل: 

https://drive.google.com/file/d/1u0_YRFDSd6pwWdp8y-Jxqv1NCsOQlEWp/view?usp=sharing

حكم وأمثال أوسكار وايلد (كتاب مترجم)

 


ترجمة: مؤمن الوزان


 

يضم هذا الكتاب المنشور في عام 1905 من قبل دار John W. Luce and Company, Boston مقولاتٍ لأوسكار وايلد (1854-1900) مختارةً من مؤلفاته، وسعت الدار الناشرة حينئذ -كما تُشير- أن تقتفي أثر بعض الأعمال الناجحة والمشهورة في هذا المجال مثل كتاب " The moral Maxims and Reflections" لـ Rochefoucauld، وكتاب "Poor Richards Almanack" لبنيامين فرانكلين، ووجدت مرادها في كاتب روائي ومسرحي أثارت أعماله لغطًا لا يقل عن حياته الشخصية أودت به إلى الحبس سنتين بسبب كتاباته، وأُطلِقَ سراحه قبل وفاته بثلاث سنوات بسن السادسة والأربعين. ذاع صيت أوسكار وايلد ذي المظهر الجميل والأنيق، وحاز على شهرة في وطنه أيرلندا بمقولاته وأمثاله الساخرة والحاذقة. انتقل وايلد إلى لندن حيث نمت موهبته الأدبية والكتابية ببروز فكتب في الرواية والمسرحية والقصة والشعر والنقد ولقيَ في لندن أجواء الحياة التي عازها ففتنته وطاب له المُقام فيها قبل أن يسافر في جولة إلى الولايات المتحدة وباريس ثم العودة إلى لندن حيث تزوج كونستانس لويد وأنجب منها، مواصلًا الكتابة في كل هذه الأوقات. إضافة إلى مسيرته العامرة بأعمالٍ من أشهرها "صورة دوريان غراي، وأهمية أن تكون جادًا، وزوج مثالي"، فقد عُرفَ وايلد بنزعته الجمالية وانتمائه للحركة الجمالية (الأستطيقا) التي رفضت التراث الفيكتوري المحافظ رافعةً القيمة الجمالية على أي قيمة أخرى ونادت بمفهوم "الفن من أجل الفن" ويتضح هذا الأمر في كتابات أوسكار ولا سيما في "الناقد فنان، ونهضة الفن الإنجليزية". 


للتحميل: https://drive.google.com/file/d/1TNY8bnrUAb8MSpDS3npHAsp9rDiQEQFy/view?usp=sharing

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب