المشاركات الشائعة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفلام. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 نوفمبر 2019

فيلم "جوكر".

مؤمن الوزان.

(دولة الجريمة في مواجهة فوضى الجريمة) 

يُحكى أن فلاحا خرج إلى حقله يوما، وبعد عودته إلى داره وجد أهله قد قُتلوا، فحزن، ثم عاد وتزوج وأنجب. وخرج إلى حقله يوما، وبعد عودته إلى داره وجد أهله قد قُتلوا، فحزن، ثم عاد وتزوج وأنجب. وخرج إلى حقله يوما، وبعد عودته إلى داره وجد أهله قد قلتوا، لم يتمالك نفسه هذه المرة وذهب إلى جاره، فطرق الباب فلما خرج الجار هوى على رأسه بالمعول وقتله. 

هذا بالضبط ما حدث مع شخصية آرثر فليك "جوكر"، الفيلم الذي حاز من الدعاية والإعلان ما لا يُضاهيه في السنوات الأخيرة إلا تلك الموجة الترويجية التي رافقت فيلم "The Revenant" بطولة ليوناردو دي كابريو، والحملة الإعلامية الجماهيرية التي ساندته لينال الأوسكار، في حادثة لم تشهد هوليوود مثيلتها، إذ كان للجمهور دوره في ترشيح ليو لهذه الجائزة وينالها بعد أن حُرم منها في سنوات عديدة، والأمر مشابه مع فيلم Joker، لكن هذه المرة يبدو الوضع مخيفا ولا تُؤمن غوائله. 
آرثر فليك، شخص لطيف، ووديع، وودود، يعمل في وظيفة مهرج بسيطة  ليكسب قوته ويعين "أمه" بيني فليك، ويعاني من مرض يسبب له بنوبات ضحك لا إرادية، إضافة إلى مشاكل نفسية تعود أسبابها إلى طفولته العصيبة من زوج "أمه" والاعتداء عليه جسديا بالضرب والتجويع -يعرف هذه الأمور لاحقا بعد أن تُكسر قيود الوحش بداخله-، هذا على المستوى الشخصي، أما المستوى الخارجي فكان عبر معاناته داخل مجتمع تنخره الطبقية والعنصرية بنظرته إلى الآخر المُعدم والفقير والضعيف، ومن هم ذوي مكانة وضيعة ودونية. كان آرثر فليك أحد ضحايا هذا المجتمع، وما يُعرَّض له من تنمر، يهوي به إلى حالة من الانكسار والهوان، ولا يجد له نصيرا ولا معينا، ليستمر في هويه حتى يصل القاع الذي تتفجر فيه كوامن النفس البشرية الشريرة، التي لا تميّز بين الصحيح والخطأ، بين البريء والمذنب، بين الجاني والمجني عليه، بل من لم يكُ معي فهو ضدي، قد لا تُظهر أحداث الفلم هذه الأعراض بشكل جلي لكنها نتيجة مستشفَّة من ردة فعله الإجرامية تجاه أي من يُسيء إليه وإن كانت تلك الإساءة لا تستوجب القتل، ولمَ القتل؟ وهنا تواجهنا عقبتان الأولى: عدم التمييز بين الجُناة، ودرجاتهم، وهل هم فعلا جُناة يستحقون القتل جميعا أو أنهم ضحايا في منظومة أكبر نشأوا فيها، منظومة المجتمع فالدولة، وهذا يأخذنا إلى العقبة الثانية: نُجيب بها السؤال لمَ القتل، تبرز بوضوح هنا جملة (دولة الجريمة في مواجهة فوضى الجريمة). كل شيء في هذا الفيلم يُوحي أن النظام الحاكم في الدولة هو الراعي الأول والمسبب الرئيس في نشأة الطبقية العنصرية، والتنمر، وإيذاء الآخر، وقتله نفسيا قبل قتله جسديا، هذه الدولة القائمة على المادية البحتة، حيث لا قيم أخلاقية ولا شرعة إنسانية، ولا تكاتف اجتماعي، وبث روح الإخاء والتعاون بين أبناء المجتمع الواحد، ولا أتحدث هنا عن مدينة فاضلة بل عن مفاهيم وقيم الإنسانية، من حُسن معاملة، ونبذ الطبقية، ومساعدة الآخر، ومنع الإيذاء، إلى كل شميلة من الشمائل التي تُراعي بناء مجتمع سليم وقويم. والأمر الآخر الذي يوحي به الفيلم، وهي وجهة سوداوية قاتمة السواد متشائمة لا يُرجى منها خيرا، تتمثل بالفوضوية واللا دولة واللا نظام وشريعة الغاب، وفوضى الجريمة في بيئة حل المشاكل فيها هو سفك الدماء والقتل حتى لأناس لا يستحقون القتل كما حدث مع زوجة بريت كولين في نهاية الفيلم فما السبب لقتل هذه المرأة هل لأنها زوجها رمز من رموز خراب وتدهور وانحدار العدالة في مدينة غوثام بالتأكيد ليست التهمة كافية لسلب روح إنسان، ليضعوا قُبالتنا بعدها خيارين لا ثالث لهما: 
- دولة الجريمة، حيث القتل فيها يأخذ أنماطا كثيرة لم تغب من الفيلم، بل وسلطت الضوء على الأساليب المختلفة والمتعددة التي تُمارس من قبل رأس الهرم والطبقات العُليا على من يُسحقون في قاعدته. 
- فوضى الجريمة، حيث المجتمع يكون الصوت الأعلى والمسموع فيه هو القتل والفوضى والسرقة واللا نظام والشغب وقتل كل من يخالف أو يُظن أنه يُخالف، ومع المؤثرات السينمائية ومشهد الناس بأقنعتهم حول الجوكر، الذي يقوم من موتته الصغرى، ليرتفع كأنه المسيح ينهض من صليبه، لكنه مسيح الجريمة لا مسيح الحق، مسيح الغوغاء والأوباش لا مسيح المؤمنين. 

ارتكب آرثر فليك "جوكر" ستَّ جرائم قتل، ثلاث منها يمكن تبريرها تحت سقف الدفاع عن النفس، ولا أراه مذنبا فيها، بل ردة فعلة طبيعية قد يقوم بها أي إنسان عندما يُهاجم من قبل أكثر من شخص، وهو في حالة انهيار نفسي وتعب وشدة، لكن الجرائم الثلاث الأخرى هي المشكلة والتي لا يمكن تبريرها تحت أي عذر، ابتدأها بخنق المرأة التي ادَّعت أنها أمه وتبين لاحقا أنها تبنته، هذه المرأة لم يراعِ فيها كبر سنها ومرضها النفسي كما أشارت الأوراق التي حصل عليها بل ونومها على سرير العناية في المستشفى، فجاء قتلها ردة فعل لماضيها معه، ولكذبها عليه، ولكونها سببا غير مباشر بعلله النفسية. والجريمة الثانية  قتله رادنال، وهي كذلك ردة فعل تجاه زميل عمل كان يتنمر عليه ويسخر منه ويستهزئ به، وهنا القتل له دلالتين الأولى ملموسة بقتله شخص كان في يوم من الأيام يؤذيه والثانية رمزية بقتله آلة التنمر المجتمعي الضخمة، لكنه قتل عبثي، فهذا الفيلم مُثِّل وصوِّر وأُنتجَ وروِّج له وعُرِضَ داخل هذا المجتمع المادي المعدوم للقيم الأخلاقية فكل شيء فيه ماديته الصارخة والفجة، المادية التي تضع الإنسانوية والروابط القيمية في أدنى هرم الأواصر بين أفراده، فتبدو عملية القتل كمن يُلقي النكتة ويضحك، لن يوجد لها أثر ملموس سوى أنها رجع صرخة أول سأبينها في الختام. والجريمة الثالثة فهي في قتله موري فرانكلين، وهذا القتل بدلالتيه الملموسة والرمزية هو قتل للآلة الإعلامية التي تعد الذراع الطولى، لتزييف الحقائق، ومحاباة الظالمين، ووسيلة لشيوع الطبقية العنصرية، وقتل الآخر نفسيا ومعنويا، ولا سيما في بلد كأمريكا، حيث المؤسسات الإعلامية بأصنافها المختلفة والمتعددة ما بين المرئية والمسموعة والمقروءة، مُسيطر عليها من قبل الدولة المادية، دولة الجريمة المنظمة. 

إن هذا الفيلم هو صرخة برجْعين، الأول إلى داخل المجتمع وأفراده، عن مدى فداحة التهميش، والإقصاء للضعيف، والإيذاء النفسي، والتنمر، والطبقية، والعنصرية، التي يجب التخلص منها قبل أن ندخل في نتائج الرجع الثاني لهذه الصرخة المتمثلة في عالم فوضى الجريمة والثورة اللا منضبطة، بل ثورة التطهير والقتل، وكانت النهاية تصوير للثورة داخل المجتمع الرأسمالي التي تكلم عن هربرت ماركوز في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، حين لم يعول على طبقة العمال (البروليتاريا) لأنها أضحت -كما يشير ويحلل- إلى أنها أصبحت جزءا من هذا النظام الرأسمالي الذي أذابها في منظومته الكبيرة، لكنه أبقى أمل الثورة قائما إلى أولئك المهمشين الذين لم يندمجوا مع المجتمع، وبقوا على الهامش منتظرين الفرصة المناسبة للثورة، هذه الثورة التي عرض أحد أشكالها فيلم "Joker".    

الأحد، 21 يوليو 2019

فيلم The Borderما بين البشر والثعالب - لنا جعفر.

حين لمحتُ بطلة فيلم border 2018 الحائز على جوائز عدة، تينا لأول مرة، أعلن إحساسي وبصورة مريبة، أن الفيلم لا يتحدث عن البشر ولكن عن النظرة البشرية تجاه الثعالب. 
وبعدما أنهيت الفيلم، عاد الإحساس نفسه، ليس في ما يخص النظرة البشرية هذه المرة، بل في ما يخص تاريخ وجود الثعالب، والأساطير والحكايات الشعبية على مر الأزمان والعصور، التي جعلت من الثعلب رمزًا يمثل قوى الخير والشر معًا.


في البداية أود أن أذكر، في عام 1780، تحدث الكونت بوفون في كتابه "التاريخ الطبيعي بعمومياته وحيثياته" ولأول مرة بأن  الثعلب كائن مفكر، وإنه لا يصطاد فقط بدافع الجوع، كما تفعل الذئاب، بل أيضاً للمتعة؛ كما لو كان الصيد رياضة من الرياضات. وفي عام 2003 وبدافع الحرص على الثعالب ولتخليص البشر من معتقداتهم القديمة، عمدت قناة سويدية على تصوير برنامج عن الثعلب القطبي. وهو برنامج يمتد على مدى خمسة سنوات، ويهدف إلى المحافظة على الثعلب القطبي وعلى مسكنه من غزو الإنسان.


 تناول المخرج الإيراني "علي عباسي" في الفيلم، قصة امرأة ذات مظهر قبيح وغريب، تعمل موظفة في الجمارك السويدية، وتملك القدرة على اكتشاف ما بداخل الإنسان من شرور. تتصاعد الأحداث عندما تقبض على أحد المسافرين- بمساعدة ما تملكه من قدرة على معرفة ما بداخل الشخص- وبحوزته شريحة ذاكرة "رام"، تحتوي على صور لاعتداءات جنسية على أطفال. ومن هناك تستعين بها الشرطة السويدية في تعقب العصابة التي يشك أنها تختطف الأطفال وتعتدي عليهم، التي تقوم بتسجيلها وحفظها على شكل صور حية.


تلتقي تينا بشبيها -فوري- في أحد الأيام عند مروره عبر حاجز الجمارك، فتشعر بوجود ارتباط قوي في ما بينهما، يقودها إلى أن تتعرف عليه وتدعوه إلى السكن معها. لتعيش معه أوقات سعيدة، تكتشف خلالها نفسها وأصولها البيولوجية، متناسية مظهرها القبيح وهيئتها الغريبة.


ينقلنا المخرج بعد ذلك، إلى لقطات عن شعور تينا الكبير بوجود "شر كبير" يلف حول حبيبها فوري، الأمر الذي جعلها تقتفي  أثره لتجد أنه من ضمن العصابة التي تخطف الأطفال، بالإضافة إلى أنه يلد أطفال من نفس السلالة ويستبدلهم بأطفال البشر المخطوفين، وبذلك يضمن لسلالتهم البقاء من جهة، وينتقم من البشر من جهة أخرى. ينتهي الفيلم، بتسليم تينا لفوري إلى أجهزة الشرطة السويدية.


ولو شئنا أن ندرس الفيلم دراسة عينية، لكان علينا أن ندرسه في علاقته بالواقع. وما يجيء عادة في المحل الأول إنما هو الانطباع الذي يغمرنا كما قد يحدث احيانًا حينما تأخذ قلوبنا على حين فجأة منظر مرعب، أو حينما يستولي علينا شعور عجيب. ولكنها تتحول جميعها في الخاتمة إلى الوعي أو النتيجة. وهنا يحق لنا أن نتساءل: ماذا عسى أن يكون المعنى المخبَّأ وراء هذه الشخصيات الغريبة؟.


يبرز الثعلب، بفضل طبعه المبهم، من بين جميع الحيوانات، مخلوقا ناقصا وغامضا أو مخلوق سيئا. ويرجع هذا التصنيف إلى الأساطير والحكايات القديمة. حيث ظهر الثعلب في اليونان الإغريقية على هيئة ثعلبة (تيوميسان) التي اضطهدت سكان طيبة، كما روت كتابات وروايات العديدين. واعتادت هذه الثعلبة العملاقة، ابنة تايفوس (الوحش ذو مائة رأس) وإكيدنا ( أم الوحوش)، على ترصّد الطريق الرئيسي المؤدي إلى طيبة لتلتهم صغارهم. وبينما لا تتشابه هذه الأسطورة أيًا من الأساطير التي جاءت لاحقًا، تعتبر هذه الأسطورة المدخل الرئيسي إلى فيلم عباسي، لأنها ساهمت في شيوع نظرتها إلى الثعلب كقوة مخيفة يجب ردعها والتخلص منها كي يتمكن المجتمع الإنساني من البقاء والاستمرار.


وصلت هذه الإدانة الأخلاقية للثعلب إلى أرسطو. ووفقًا لمبدأه، صنَّف الثعلب ضمن المراتب السفلى، ليصف الثعلب كحيوان خبيث ودنيء، وذلك ينبع من عادته في الاختباء حيث لا يمكن للبحث الميداني الوصول إليه، فهو يتكون من الأرض، ويعيش في الأرض مختفيًا في ثنايا ظلمتها. 
وقد تردد صدى طبيعة الثعلب الدنيئة وانتمائه إلى الخبث والشيطان في جميع القصص والأوصاف وفي جميع الأزمان والحضارات. وانعكست هذه النظرة على الفكر المسيحي- اليهودي. حيث حصل الثعلب على نظرة خاصة خلال العصر المسيحي بسبب سكناه في الأرض، وذكاء غير المشروع، ولصوصيته. وأدت هذه النظرة إلى ربطه بقوى الشر والظلام كما ورد في النصوص القديمة التي تعود إلى العهد القديم.


أصبح الثعلب رمزًا للدمار التنوع الطبيعي، على عكس الحيوانات الأخرى. ظهرت آثار هذه الأفكار في محاولات البشر المتكرر للقضاء على الثعالب في العالم. ويعتبر الثعلب الوحيد من بين الثديات التي سمحت الحكومة البريطانية ليس فقط في قتله، بل ساعدت وكافأت من يقوم بذلك. 


تطور تراث الثعلب في الأعمال الفنية والمعمارية لأن ظهور الثعلب هو تجسيد بديهي للشر الشيطاني. أحد أشهر الحكايات عن الثعلب، هي تلك التي تروي جدله مع الفهد، أو صراعه مع الذئب والغراب، والقصة المشهور بها بإسم رينارد.


مؤخرًا، كرس بعض علماء الطبيعة جزءًا من عملهما لتبديد النظرة المذمة التي انصبت على الثعالب. وسبقهما غوته حين رأى نفسه في شخصية الثعلب رينارد. وعمد إلى تخليص ذكاء الثعلب من اللصوصية، وأبرز انعزال الثعلب وابتعاده، وعدم انتمائه إلى أي مجتمع.


قد لا يهتم المشاهد بمعرفة تاريخ الثعالب وأخلاقياتها، ولكنها بقيت ضمن الحدود والهوامش. ولو نظرنا إلى قصة البشر والثعلب، لوجدنا أن ما فيها من ضعف يرجع إلى عيوب في الميل تجاه السمات الفردية. والواقع أن الفيلم مجرد انعكاس للحالة الفعلية التي كانت عليها انطباعاتنا خلال فترة طويلة من الزمن، نظرًا لأنها كانت تبحث دائمًا عن المجتمع، كما كانت تحرص على تجنب كل ما قد يعد فرديًا. الفيلم، يعرض حالة الاستنكار العام التي نلقيها على جزء أو شيء لا يناسبنا.

السبت، 13 أبريل 2019

فلم الصمت



"سيظهر هذا الفيلم العذاب بين الجسم والروح حين يكون الله غائبا". بيرجمان.  



دائما نجد بعضا يميز بين الفنون ويفاضل بينها أو بعبارة أخرى يفترضون أن بعض الفنون ليست ذات منفعة أكيدة،كثيرون يسألونني باستخفاف مستفز ما الفائدة من مشاهدة الأفلام أو قراءة الكتب أو الإستماع للموسيقى أو توصيفمركز للوحة فنية،  أحيانا أجيبهم إجابة الشخص المولود بالدهشة أجيب بصدق وأثمن كل ما تمنحه هذه الفنون منإفادة وقد أستطرد موضحة ما قد تضمنه من حياة توازي حيواتنا وأحيانا أكتم السؤال الحقيقي والذي  من المفترض أنيطرح بالمقابل، ما الفائدة من إجابة سؤال كهذا؟

نحن نخشى أن نخرج من ذواتنا بل نخشى أن نفهم هذه الذات واحتياجاتها الفعلية، نربكها في رغبات سطحية لنتجاوزرغباتها الصادق، نعيش في ازدواجية ذاتية تحرمنا من النظر بعمق لأقصى زوايا شخصياتنا فنفضل بالتالي العتمة والكذب، نحن كاذبون جدا فيما يخص رؤيتنا لأنفسنا وهذا ينعكس على رؤيتنا للآخر ورغبتنا في معرفة الآخر، كاذبونجدا في الحدود التي تفصلنا عنه والتي ندعي بصفاقة أننا نعمل بجهد وبشكل يومي على تجاوزها والاقتراب منه، كلمحاولاتنا الكلامية في فهم الآخر ليست سوى مواجهة مع الذات وصدامات داخلية، الآخر هو نحن الآخر هو أنا الآخرليس سوى مرآة متى دققنا فيها أكثر نكتشف ذواتنا أكثر وأكثر لهذا نتفادى المرايا واللغة ضمن هذه المتاهة ليست سوىوسيلة مبتذلة لوصف هذه المعركة حين تلتقي الذوات محاولة تجاهل الفردانية.

إن الفنون ليست إذن سوى إنعكاس لمرآة من تلك المرايا الكاشفة للذات، لكن بشكل أكثر خصوصية أو بمعنى آخر أكثرسرية وأكثر إنكفاء على الذات فالآخر هنا قد يكون جمادا منتهيا لا سلطة يملكها عليك إلا بالإشباع وقد يكون متحرك لكنهذو بعد كوني يهتم بك لكنه يجهلك، محاورة أبيقورية ناجحة نخوض بها التجربة متأكدون أن أقصى ارتجاجاتنا ستعودإلينا ولن نفرط بها لغيرنا.

تبدو مقدمة طويلة لفيلم سينمائي وقد يتساءل بعضكم ما علاقة كل هذا بالفيلم، لا أستطيع أن أجزم بالعلاقة بين فيلممعنون بالصمت وبين الضجيج الذي خلفه في ذهني بعد الإنتهاء منه، عموما فلنرجع  لفيلم الصمت إحدى روائعبرجمان  والسينما العالمية أنتج سنة 1963،  ويدخل ضمن ثلاثية صمت الله  (من خلال زجاج معتم -  ضوء الشتاء - الصمتتعتبر أفلام بيرجمان قمة في العمق والأكثر غورا في نفسية الإنسان يتبنى ثيمات أساسية تتمحور حولالوجود، الموت، الإنسان، الخوف، الوحدة.. ولا يخرج فيلم الصمت عن هذه التيمات، فيلم وجودي عدمي أبوكاليبسي، الصمت هو السيد في هذا الفيلم وحين نقول الصمت نقصد به عجز اللغة وتعثر الحوار وانتفاء التواصل بينالشخصيتين الأساسيتين أستير، المثقفة والمريضة التي تمثل الوعي والعقل  الصارم، وآنا، الأم المتحررة الأصل والحقيقة،تشعر كل شخصية أنها انطوائية تعيش في محاكمة ذاتية وجلسة مغلقة تحاسب ذاتها لكنها تخشى أن يخرج صدىالحكم ليصل إلى للآخر هذا الصراع الذاتي والمحاولة المستميتة والعاجزة لتجاوز الذات بما فيها من عيوب والإرتقاءلمصاف الشخصية السوية الفخورة المتبرجة بهدف الوصول إلى الآخر تنتهي دائما بالسقوط والفشل، هذا الفشل الذييعود مجددا للحليف الدائم الصمت المكون الأساسي للعزلة.

الصراع بين الأختين يبدو صراعا عاطفيا بين مد وجزر، والطفل الباحث عن المعرفة الفضولي ليس سوى الشرارة الناتجةعن هذا الصراع والباقية عليه متأججا، الطفل التائه بين ممرات القطار وبعدها الفندق يرمز للبحث عن العمق عن ماتخفيه كل الممرات والأبواب هو المفتاح بشكل من الأشكال الذي يساعدنا على فهم ماهية الصراعيعمل بيرجمانسينمائيا وكأنه يعزف نوتة موسيقية ترتفع إيقاعاتها وتنخفض مع المضي في الأحداث الصمت الذي يرافق الشخصياتفي الفندق يناقضه الصخب خارج الفندق صخب يعزل الذات ويمنعها من الإصغاء و التأمل، ركز بيرجمان في تفاصيلهذا الضجيج الذي لا يكاد تخلو منه حيواتنا العادية لكننا لم نره بهذه الشدة التي صورها بيرجمان بحكم الاعتياد أوبحكم النفي المتعمد كطريقة حياتية، يعتمد الفيلم كذلك على الرمزية التجريدية  في التصوير والصوت الدبابات، دقاتالساعة ، صور الجنازة، الأقزام والمسرح، باخ، الرسالة ولقطة الاغتسال كلها صور تحدث بلبلة بذهن المشاهد الذي يحاولجاهدا فهم المغزى وتفسيرها ضمن سياق الفيلم وهي تبقى بالتأكيد إيحاءات وجودية عن اليقين والشك ولعل لقطةالاغنسال مريحة كنهاية لهذا الصراع بين المشاهد و المخرج.



يبدأ الفيلم بقطار لا نعلم من أي محطة انطلقت رحلته وبأي محطة المفترض أن تنتهي الرحلة، في المقطورة نتعرف علىالشخصيات الأساسية الثلاث ويطغى الصمت ويبدو المشهد متوترا وعلى صفيح ساخن توحي بذلك آنا بالتذمر منالحرارة المفرطة (وهنا سنلاحظ أن النهاية ستكون مختلفة ومناقضة لهذا المشهدويطغى الصمت، تبدو أستير شاردةبعينيها المغمضتين في حين تتأملها آنا ثم تتجاهلها تشعر أستير بالمرض فيضطرون للتوقف بمحطة لا نعلم هويتهاويستأجرون غرفتين بفندق نجهل معالم الفندق ونتعرف بالفندق على عجوز يقوم بخدمة الأختين وأستير بالخصوصوأقزام مهرجين بمسرح، العزلة التامة تقهر الأختين ليكون الفندق جحيما حقيقيا مع اللغة المجهولة للمدينة التي نعرففقط اسمها Timoka عزلة مركبة، انقطاع السفر وعزلة اللغة والفندق كانت الشرارة التي فجرت الوضع بين الأختين لتتمالمواجهة المكشوفة بينهما وتزيل كل أخت قناعها تبدي آنا رغبتها الجلية بالانفصال عن أختها والعيش بطريقتها دونقيود بل تجاوزت رغباتها إلى تمني الموت لأختها تغادر تاركة أستير وحيدة بالفندق وتمضي في رحلتها بدون وداع، وتبقى أستير وحيدة مع اختناقاتها المستمرة وعزلة الفندق وخادم لا يفقه لغتها ولم تعد أستير راغبة في شرح نفسهابالإشارات وكأنها استسلمت لهذه العزلة التي قد تنتهي بالموت بعيدة عن وطنها وهويتها والجذور التي سببت هذهالأزمة.



برجمان في حديث مع الصنداي تايمز فسر فيلمه هذا (وأجد الأمر قاتلا لمتعة الفيلمأكد ان الفيلم يتحدث عن الحبالديكتاتوري وحب التملك وهذا النوع من الحب يقود إلى الموت، بالنسبة لي لم تكن أستير وآنا إلا وجهين لشخصيةواحدة الوعي واللاوعي صراع بين القيم والرغبة بين العقل والفطرة، والصراع أيا كان المنتصر فيه سيكون انتصارامهزوما لإخفاقه في وصف الذات الكامل.. يبقى وصفا أعرجا، والاغتسال في آخر لقطة لآنا محاولة أخرى لإيجاد سبيللتطهير الروح، الروح Hadjek كانت آخر كلمات أستير للطفل للمستقبل في رسالة كتبتها له قبل مغادرته بعد أن  قرأتهاآنا اغتسلت بالمطر وهنا تبدو نهاية مناقضة للبداية التي بدت فيها آنا مختنقة بالحرارة وبخطاياها.


إيمان العزوزي.


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب