المشاركات الشائعة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 أغسطس 2021

كاتبة من المستقبل: من كانت إيزومي سوزوكي المتمردة على أعراف الخيال العلمي؟



يحدثنا آندرو ريدكر عن الحياة القصيرة والمبهرة لفنانة متميزة بحق.

إليكم ما نعرفه عنها:

وُلدت في اليابان في عام 1949. انتقلت إلى طوكيو بعد تخرجها من الجامعة حيث عملت مضيفة في حانة. ظهرت في بضعة «أفلام وردية» -نوع فرعي دخيل على الفن من أنواع السينما المستغلة للجنس- أخرجها من بين عدة مخرجين كوجي واكاماتسو. عملت عارضة لمصور الفن الإيروتيكي نوبويوشي أراكي قبل أن تكرس نفسها للكتابة بدوام كامل. تزوجت عازف الجاز الحر كاورو آبي في عام 1973، أنجبت منه بنتًا، توفي آبي من جرعة مخدرات زائدة في عام 1978 بعد سنة من طلاقهما. أنتجت بغزارة في السنوات التي تلت وفاته، إذ كتبت قصصًا قصيرة، روايات، مقالات. انتحرت في عام 1986 وبعمر السادسة والثلاثين.

هذا في المجمل هو مجموع المعلومات المتاحة بيسر للقراء باللغة الإنجليزية حول سيرة إيزومي سوزوكي الذاتية، الكاتبة الرائدة في مجال الخيال العلمي، وتتوفر على موقع Verso أول مجموعة قصصية لها تصدر باللغة الإنجليزية بعنوان «ملل شديد Terminal Boredom». لعله ليس من المفاجئ وجود معلومات أكثر بكثير متاحة باللغة الإنجليزية عن الفنانين الذكور الذين عاشت وعملت معهم، فغالبًا ما تُذكر حياتها في معرض الحديث عن حيواتهم، هذا إن ذُكرت أصلًا. نشر «ملل شديد» سيمكِّن القراء باللغة الإنجليزية من التعرف على إيزومي سوزوكي من خلال كتاباتها مباشرة. إذًا من كانت على أي حال؟ وماذا بشأن الأعمال التي خلَّفتها؟

تنوِّه الباحثة ماري كوتاني في مقالة من المقالات الأكاديمية الإنجليزية القليلة التي ذكرت سوزوكي إلى أنها لم تعد نفسها كاتبة خيال علمي دائمًا، بل صدف أن قَبِلَت «مجلة خيال علمي» قصتها الناجحة «متدربة الساحرة» مما دفعها لمواصلة الكتابة لهم. سبب انتقالها في ذلك الوقت إلى الكتابة في هذا النوع (في الأقل جزئيًّا) هو الصدفة والحاجة، فإن كانت «مجلة خيال علمي» ستدفع لها مقابل أعمالها، فستعمل لِـ«مجلة خيال علمي». بشَّر كونها حاملًا في الوقت الذي باعت فيه القصة بمسيرة مهنية يتحد فيها النوع والجنوسة (أدوار النوعين في المجتمع) معًا. طبقًا لكلام أحد مترجمي أعمالها، وهو دانييل جوزيف، فإنَّ الخيال العلمي «حرَّر كتاباتها، ووفَّر لها ملعبًا يخوِّلها لتحليل المجتمع الياباني الذكوري وعلاقتها به» وكان «عالَمُ الخيال العلمي الياباني، مثل المؤسسة الأدبية عمومًا، ناديًا للصِّبية حَرفيًّا» في ذلك الوقت، ويذكر طرفة مفادها أن سوزوكي «سألت شبه مازحة عميد الخيال العلمي تاكو مايامورا إن كان يُسمَح لها بالانضمام لنادي كتَّاب الخيال العلمي» الذي يشتمل على ثلاثين عضوًا كلهم رجال. بماذا أجابها مايامورا؟

ضَحِك من سؤالها.

لكن سياسات سوزوكي الجندرية معقدة، بل حتى مترددة، وعصيَّة عل التأويلات الواضحة، ويتجلى ذلك في أول وربما أفضل قصة في «ملل شديد» بعنوان «نساء ونساء» التي تدور أحداثها في عالم مأهول بالنساء على نحو شبه كامل، حيث يوضع من بقي من الرجال في منطقة الشَّغْل النهائية للمستبعَدين جندريًّا (أو GETO في ترجمة جوزيف البارعة). في هذه القصة التي تتجلى فيها اليوتوبيا، استُبدلت المواد القابلة للتجدد بالمواد الملوثة، وتذهب الطفلات الصغيرات، مثل ساردة القصة يوكو، في رحلات ميدانية لمشاهدة مسرحيات عن صافو. لكن يوجد خطبٌ ما، فالثقافة الشعبية تحرِّم التطرق للرجال، واحتجزت الدولة أم يوكو، وما تزال أدوار النوعين قائمة بيد أنها أشد ضررًا مما سبق: حين يتعلق الأمر بالزوجين، فإن المرأة الأكثر «رجولية» تذهب إلى العمل، أمَّا المرأة الأكثر «أنثوية» فتدبِّر شؤون المنزل. تتساءل يوكو في لحظةٍ معينة ما إذا كان العالم «يتراجع خطوة للوراء» بغض النظر عن التقدم الواضح.

تعتمد القصة على لقاء بين يوكو وفتى اسمه هيرو يعيش متواريًا عن الأنظار. بعدما أفضيا بمكنون قلبيهما لبعضهما وتشاركا وجبة، أمسك هيرو بيوكو. «ثبَّتني على الأرض كأننا نتصارع، ظننتُه يعبث فحسب في البداية، لكنه لم يكن يعبث، ولا حتى قليلًا، لم يكن هيرو يعبث إطلاقًا». ثم «أمضيتُ بقية ذلك اليوم في اكتشاف حقيقة الحياة البشرية المفزعة وغير المتوقعة، في اكتشافها بجسدي».

ليس تصوير سوزوكي المتردد لمجتمعها الأمومي غريبًا في حد ذاته، فقد ذكرت كوتاني فيما كتبته أنه بخلاف الخيال العلمي الأمريكي فإن «الخيال العلمي الذي تكتبه النساء اليابانيات لا تحكمه أجندة سياسية صارمة، بل في الواقع إنه لمن الصعب أو المستحيل العثور على خيال علمي ياباني يروِّج للنسوية». الجذاب في كتابات سوزوكي هو أن ترددها يشمل كل الاتجاهات، فقد يكون مجتمعها الأمومي مستبدًّا، لكن بالكاد يُسمح للرجال بالإفلات بفعلتهم، فهم أشخاصٌ «صعبو المراس جدًّا» وكائنات «من أيسر ما يكون» بل وحتى «خَطِرة»، وتصرف هيرو يؤكد على ذلك، ومع هذا تظل يوكو غير متيقنة، إذ تنتهي القصة وهي تفكر بِـ«هيرو المسكين» بغض النظر عن الفعل «المفزع» الذي فعلاه. ربما ستنضم لحركة مقاومة سرية، أو ربما لن تنضم، فهي لم تحسم أمرها بعد.

تسخر سوزوكي من أدوار النوعين في «نزهة ليلية» بترجمة سام بيت، وهي قصة تحاول فيها عائلة فضائية التظاهر بأنهم بشر من خلال دراسة تفتتهم الثقافي: كتاب عن علم النفس، نسخة من رواية ذهب مع الريح. قال فضائي بعد تحوله من ذكر لأنثى: «قرأتُ المجلات النسائية، حتى إني أعرف أكثر من أمي عن الفطور المتأخر في يوم الأحد، إذ يُفترض بالفتيات فيه أكل الزبادي والفاكهة، أوه، وكعك الجبن أيضًا». تتكرر في «ملل شديد» الرغبات المتخيَّلة في تبديل هوية نوعيّة بهوية نوعيّة أخرى أو التخلص من النوع بأكمله. تصرِّح شخصية قائلة في «بوسعك أن تحلم» بترجمة ديفيد بويد: «أنا لستُ برَجل أو امرأة، أنا أريد أن أخرج من هذا المكان فحسب».

الهروب ثيمة أخرى متكررة؛ في قصة «ذلك النادي الساحلي القديم» بترجمة هيلين أوهوران، تشبه شبهًا شديدًا حلقة مسلسل Black Mirror بعنوان «سان جونيبيرو»، تجد امرأة نفسها في كوكب يشبه منتجعًا بجوار شاطئ. إنه موقعٌ ساحر، ذو جو مثالي، يعيش فيه السكان حيوات «رغد مطلق». تقع المرأة بحب شاب وسيم نصف بشري ونصف فضائي يُدعى ناوشي في أثناء مكوثها هناك، لكن حين تُجبِر سلسلةٌ من الحوادث المرأةَ على مغادرة الكوكب؛ تصحو لتكتشف بأن الكوكب المنتجع ليس إلا محاكاة حاسوب، برنامج علاجي نوعًا ما لمدمني المخدرات ومدمني الشراب، أمَّا في الواقع فهي ما تزال «زوجة محزونة»، «عجولة ومنزعجة، لكنها أضعف وأشد خمولًا من أن تحسِّن من وضعها»، زوجها ناوشي «قبيح ورث الهيئة، عفريتٌ مقارنة بما كان عليه قبلًا». حين يكون الهروب في قصص سوزوكي ممكنًا، فإن الخيبة تعقبه حتمًا.

تخطت الشخصيات الأخرى مرحلة الشعور بالخيبة فقط، فبطلة «بوسعك أن تحلم» تَصِف نفسها بأنها «لا تعتقد بمعتقدات ثابتة، ولا تعاني من عقد نفسية، بل من نقص في الثقة بالنفس يصاحبه استسلامٌ متشائم» وتكرر ساردة قصة «ملل شديد» بترجمة جوزيف أيضًا، هذه الانطباعات قائلة: «متى ما حدث أمرٌ خطر؛ أقنع نفسي أن ذلك ليس بالخطب الجلل... لا شيء يؤثر علي» وانتهى بها المطاف بقتل شخص لتشعر بشعور ما فقط.

التردد، الخيبة، الاستسلام: تعبِّر قصص سوزوكي ببلاغة عن لحظات إنهاكنا حتى إنه ليسهل عليها إغفال أهمية سياقها الثقافي. (قُوبلت بمارج بيرسي وأليس شيلدون، المعروفة باسم جيمس تيبتري جونيور، غير أن قراءتنا لها تذكرنا أكثر بقراءتنا لآتوسا مشفق، إن كانت آتوسا مشفق تكتب عن مواعدة الفضائيين). 

وُلدت سوزوكي في ذات العام الذي وُلد فيه هاروكي موراكامي، وتحتوي أعمالها على بعض من السمات الثقافية الشعبية (نوادي الجاز، أسطوانات روك آند رول الموسيقية) التي يتكرر ظهورها في أعماله الخيالية، لكن سوزوكي تقدِّم على نحو أكيد منظورًا أشد واقعية عن الستينيات، حتى حين تجري أحداث القصص في أزمنة وكواكب أخرى. تتمحور «يدخل الدخان في عينيك» بترجمة آيكو ماسابوتشي و«منسي» بترجمة بولي بارتون و«ملل شديد» حول مدمنات مخدرات احترقن بشدة بالنيران القديمة. في رأي سوزوكي، أينما وُجد الجنس؛ وُجد الاستغلال، أينما وُجدت المخدرات؛ وُجد الإدمان. تظل موسيقى الروك آند رول وحدها سليمة.

*

بوسع القارئ المتفاني الذي لا يخشى خرق حقوق النشر أن يجد في زاوية بعيدة من زوايا الإنترنت ملف MKV لِـ"Endless Waltz" (1995) فيلمٌ أنيق ومؤثر بترجمة إنجليزية عن قصة عشق سوزوكي وكاورو آبي. يقدِّم "Endless Waltz" لمحة نادرة عن حياتها الخاصة- أو على نحو أدق، حياتها وفقًا لتصور واكاماتسو ومايومي إينابا كاتبة الرواية المقتبس منها الفيلم (في عام 1992، قاضت ابنة آبي وسوزوكي، التي كانت حينها في السادسة عشر من عمرها، إينابا بتهمة انتهاك الخصوصية).

صوَّر واكاماتسو آبي (أدى دوره مغني البانك، الذي أصبح مؤلفًا، كو ماتشيدا) الفنان بكونه شابًا مهووسًا بنفسه. آبي موهوب، عنيد، يتلاعب بالناس، يقلل من شأن سوزوكي ثم يتوسل لها لتسامحه، ثم يرمي إحدى مخطوطاتها، ثم يحدثها بغضب قائلًا: «أنتِ تكتبين لمجلات متدنية الجودة، تحسبين نفسكِ مؤلفة!» لكن سوزوكي (ليونا هيروتا) لا تقيم وزنًا لكلامه، وتخبره أن على أحد أن يجني المال ليتسنى له «عزف الساكسفون في الأندية متدنية الجودة» يصطدم هنا النوع بأدواره المجتمعية مجددًا، فعمله فنٌّ، أمَّا عملها فهو لدفع الفواتير، وتقول له: «إنْ كان سيشتري مخطوطتي، إذًا ليحيا المجتمع الاستهلاكي!» ليضربها، فتضربه.

اعتمادًا على المكان الذي يحدث فيه مشهد معيَّن - ينطلق الفيلم بسرعة ويُسْر ذهابًا وإيابًا عبر الزمن- تُصَوَّر سوزوكي بأنها إمَّا فنانة متفانية، إمَّا مدمنة مخدرات بوهيمية، إمَّا حبيبة مهووسة، إمَّا أم مخلصة، إمَّا زوجة محزونة، فهي ضحية للعنف الجسدي واللفظي ومقترفة له في ذات الآن. باختصار، هي شخصية معقدة بشدة، أكثر تعقيدًا من آبي الذي يمتثل بسهولة لنموذج العبقري المعذَّب.

في أواخر الفيلم لحظةٌ كاشفةٌ يصادف فيها آبي، الذي أضحى الآن طليق سوزوكي، إحدى كتبها في محل، يحمِّله ذلك على التفكر في أيام زواجهما، في ما بعد ظهيرة أحد الأيام تحديدًا، حين رأى من غرفة النوم سوزوكي وهي تكتب (في الفيلم لقطاتٌ عديدة لآبي وهو يعزف على الساكسفون؛ هذه لمحة نادرة لسوزوكي أثناء عملها) مرتديةً النظارات، منحنية فوق مذكراتها، تتدلى السيجارة من شفتيها، غير مدركة لكونها مشاهَدة إطلاقًا. يوحي الحزن بعيني آبي بأنه بدأ يدرك، ربما للمرة الأولى، وجود جزء منها -أي مخيلتها- لن يتسنى له معرفته أبدًا، ذلك الجزء منها تحديدًا هو الذي يبقى على قيد الحياة.

 

ترجمة: رزان بنت إلياس.

 




الأحد، 18 يوليو 2021

ملك رواية الجريمة اليابانية في العصر الذهبي


(سيشي يوكوميزو) 

باول فرينتش. 


شهدت السنوات الأخيرة تحركات للأكاديميين حول العالم للنظر في الحركة الأدبية للقرن العشرين، خاصّةً للحداثة من نطاق عالمي. مما أدى إلى توسع الإنتاج الأدبي الحداثي أكثر من كونه منحصرًا في جويس، وولف، إليوت، باوند أو هيمنغوَي، وللتفكير أكثر حول الأدب الذي يتدفق ذهابًا وإيابًا عبر الكرة الأرضية فمن الواضح أن هذا مرحب به. مع ذلك، حين نتحدث عن العصر الذهبي لكتابات الجريمة، فإن تلك الحقبة تتركز إلى حد كبير في حقبة العشرينات والثلاثينات، وتتكون من القصص البوليسية التي تركز التحقيق عن هوية القاتل والألغاز  البوليسية التي تُقام غالبًا في البيوت الريفية المنعزلة، وما زالت تُرى غالبا في الأسلوب البريطاني وشمال أمريكا. مارجيري ألينغهام، جلبرت شيسترتون، أجاثا كريستي، جوزيف جيفرسون فارجون، دوروثي سايرز وجوزفين تي، بالإضافة إلى الأمريكيين الذين يكتبون بطرق مشابهة مثل إيرل دير بيغرز، إليري كوين، إرل ستانلي غاردنر وآخرون ممن سبقوا ظهور هذا الأسلوب القاسي، هناك القليل من الطابع الدولي إذا أضفت أمثال جورج سيمنون في فرنسا والنيوزيلنديّ نجيو مارش. لكن القليل من الاهتمام في أي مكان آخر.

على الرغم من ذلك، الآن يمكن لمحبي العصر الذهبي أن يقرأوا للممثل الياباني الرئيس لهذا النوع من الكتب باللغة الإنجليزية، سيشي يوكوميزو، الذي كان معاصرًا لجميع الكتاب أعلاه كونه وُلد في كوبي عام 1902.

قال دانيال سيتون، من دار بوشكين فيرتيجو برس في لندن والذي نشر للتو اثنين من كلاسيكيات يوكوميزو المترجمة حديثًا، لموقع كرايم ريد: "القراء في بريطانيا والولايات المتحدة يحبون كلاسيكيات العصر الذهبي لمؤلفين مثل أجاثا كريستي وجون ديكسون كار، لذلك اعتقدنا أن فرصة استمتاعهم بأعمال يوكوميزو المبتكرة سيكون متأخر قليلًا ". لدى القراء الآن جرائم هونجين The Honjin Murders (ترجمة لويز هيل كاواي) و لعنة إينوماجي The Inugami Curse (تُرجم عبر Yumiko Yamazaki)، وكلاهما يضم المحقق الهاوي القذر كوسوكي كيندايتشي.

بمعنى ما السبب في أن كتب يوكوميزو لم تُترجم إلى اللغة الإنجليزية من قبل هو لغز بحد ذاته، الإجابة الوحيدة من الممكن أن تكون بسبب أن العصر الذهبي لجرائم القتل في الغرف المقفلة، الحبكة المبتكرة والمحققين المحترفين كانت من الأشياء التي انتشرت في بريطانيا غالبًا وفي أمريكا احيانًا. مع ذلك فالعناوين المذكورة سابقًا هي فقط اثنتين من بين ٧٨ رواية تُظهر المحقق كوسوكي كيندايتشي. كتب يوكوميزو أيضًا الكثير من الروايات الأخرى بين عام 1935 ووفاته في عام 1981، باع خلالها أكثر من 55 مليون كتاب.

نُشرت رواية جرائم هونجين أول مرة عام 1946 (على الرغم من أن أحداثها تدور في مدة ما قبل الحرب عام 1930) وفازت بأول جائزة في اليابان لكتّاب الغموض في عام 1948. هي رواية كُتبت في العصر الذهبي عن عمد، كتبها كاتب استشهد بتأثره بكريستي ومؤلفي العصر الذهبي الأوروبيين. مع هذا فإن هذا الكتاب قطعًا ياباني في عالمه، تدور أحداثه في نُزل هونجين المثلجة والمنعزلة (نوع تقليدي من النُزل حيث كان يُقيم فيه النبلاء في حقبة إيدو التي امتدت من عام 1603 إلى 1868 (آخر حقب اليابان القديمة). هذه الرواية تُعد من ألغاز الغرف المقفلة البوليسية، تتكون من محقق بوليسيّ، مفتش إيسوكاوا بالإضافة إلى المحقق السري كوسوكي كيندايتشي المجرد من السلاح. حدثت جرائم القتل قبل مراسم زواج تقليدي مع آلة الكوتو، آلة وترية تقليدية في اليابان، ستكون أساسية لهذه الحبكة. تشمل الأدلة الأخرى سيوف الكاتانا (سيوف الساموراي) وما إذا كان أحدهم قد قام بطقس السيبوكو الانتحاري (انتحار الساموراي عن طريق قطع الأحشاء). علّق يوكوميزو حين نُشر الكتاب متسلسلًا وشبهه المراجعون بروايات العصر الذهبي البريطاني وبعدها تُرجم وقرأه اليابانيين، "خلف الحكاية، دائمًا توجد صلة بالتاريخ الياباني".

لم يكن يوكوميزو كاتب الجرائم الياباني الوحيد في منتصف القرن العشرين الذي تأثر بالعصر الذهبي، وبالتأكيد ألهمت شهرته ونجاحه الأجيال اللاحقة. فهناك الكاتب سوجي شيمادا الذي وُلِد في عام 1940 في فوكوياما، كتب بأسلوب العصر الذهبي بإسهاب في كلٍ من أكثر روايتيْه مبيعًا المحقق ميتاراي والمحقق يوشيكي، ومثل سلفه يوكوميزو فقد كان حريصًا على ذكر الكتّاب الذين ألهموه، لا سيما إدجار آلان بو، كريستي وآرثر كونان دويل.

ولكن من المهم أيضًا أن نرى يوكوميزو كاتبًا ضمن التقاليد الأدبية اليابانية وكونه أكثر الكتَّاب انتشارًا في أوائل القرن العشرين أيضًا، وليس فقط من ضمن أولئك الذين سعوا لتقليد الكتابة الغربية. عندما كان شابًا، كان يوكوميزو قادرًا على الاستفادة من رواج الروايات الغربية في اليابان والكم الهائل من الكتابة، وليس فقط قصص الجريمة المترجمة إلى اليابانية كما هو واضح. كان يوكوميزو أيضًا معاصرًا قريبًا للكتّاب اليابانيين الحداثيين، أو كما كان يُطلق عليها غالبًا مدرسة الإثارة الجديدة للكتابة اليابانية. بحث هؤلاء الكتاب، مثل ريونوسكي أكوتاجاوا، وريتشي يوكوميزو، وياسوناري كاواباتا وجونيتشيرو تونيزاكي، بجد للحصول على ترجمات للكتابة الأوروبية والأمريكية وسعوا بوعي إلى مزج كل من أساليب الكتابة اليابانية التقليدية والأساليب الغربية في أعمالهم، وكذلك إعادة تفسير الأحداث التاريخية والقصص الكلاسيكية. قاموا بخلط الثقافات والحقب الزمنية والأساليب الشرقية والغربية عن عمد وجلب المشاعر المرهفة الحديثة حتى حين تكون الأحداث كُتبت عن الماضي.

يتضح أن يوكوميزو قد تأثر قليلًا بهؤلاء الكتّاب الأوائل، خاصةً أكوتاجاوا، يظهر هذا في استخدامه المتكرر لوجهات النظر المتضاربة والمتناقضة للحدث نفسه- في حالة يوكوميزو كان هذا الحدث هو جريمة على الدوام. باستخدام هذا الأسلوب الأدبي مرارًا وتكرارًا، يتابع يوكوميزو القصة القصيرة المؤثرة جدا لأكوتاجاوا عام 1922 In a Grove (المستوحاة من قراءة أكوتاجاوا للكاتب الأمريكي Ambrose Bierce)، وتقدم ثلاث روايات مختلفة عن مقتل ساموراي. أصبحت القصة أشهرَ في كل من اليابان بعد الحرب والغرب مع نجاح فيلم أكيرا كوروساوا عام 1950 في راشومون.

كان يوكوميزو على وعي تام حينما اتخذ قرار الكتابة بأسلوب العصر الذهبي الإجرامي. في السابق، جرب في البداية حين كان لا يزال يعمل في صيدلية عائلته (كان صيدليًا مؤهلًا) الكتابةَ التاريخيةَ (مرة أخرى مستلهمة من أمثال أكوتاجاوا) وبعدها قصصَ خيالية تاريخية تُبرز قاضٍ متدرب يحل الجرائم (هذا الصنف كان شعبيًا وبالأخص في الصين ثم انتشر في اليابان أيضًا). انقطعت مهنته إجباريًا خلال الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الأوراق وقيود النشر (بالإضافة إلى مرض السل الشديد الذي أصاب يوكوميزو). خليط من المرض والرقابة يعني أنه دبَّر بصعوبة الحصول على بعض القصص الرومانسية المنشورة حتى نهاية الحرب في 1945.

استمر هذا الوضع على حاله بعد الحرب فحسب، خلال الاحتلال الأمريكي لليابان، ليقرر يوكوميزو أن يكتب عمدًا بأسلوب العصر الذهبي، من أجل نشرها متسلسلةً في مجلات أدبية قبل نشرها في كتاب، وأن تجري وقائع رواياته في اليابان المعاصرة (أو الحديثة). أدخل سيشي يوكوميزو من أجل قرَّائه اليابانيين كتَّاب العصر الذهبي لأدب الجريمة الذين أمتعوا وقُرءوا إجباريًا في سنوات ما بعد الحرب العصيبة. على أي حال لولا المترجمين إلى الإنجليزية لبقي الكاتب مجهولا خارج اليابان تقريبًا. وحتى يومنا هذا. يسعى الناشر بوشكين فيرجيتو لترجمة عناوين أخرى ليوكوميزو. ما زالت تُقرأ روايات يوكوميزو في اليابان على نطاق واسع ويُحتفى بذكره سنويًا بجائزة أدبية هي جائزة سيشي يوكوميزو لرواية الغموض غير المنشورة، التي تأسست في عام عام 1980. ويحظى الفائزون بمبلغٍ ماليّ مُجزٍ ودُمية لكوسوكي كيندايتشي، أشهر إبداعات يوكوميزو وأمضاها ذكرًا. 

 


ترجمة: زينب محمد.


الأربعاء، 14 يوليو 2021

الشخصيات النسائية في رواية سولا للكاتبة الأمريكية توني موريسون



استعراض النماذج التي قدَّمت فيها الروائية توني موريسون التمثيل السلبي لشخصياتها النسائية "الخيالية"، وكيف مضت متحديةً هذا التمثيل وعلاقتها بالأفكار النسوية السوداء 1.


توني موريسون واحدة من بين أشهر وأهم المؤلفين في القرن العشرين خصوصا بأن معظم أدبها تحدى الأفكار النمطية التي فُرِضَت طوال التاريخ على النساء الأمريكيات ذوات الأصول الإفريقية.

إنَّ الشخصيات في رواياتها مُبدعةٌ بجمالية لكي يتمكن القارئ من استكشاف رحلات وعوالم هذه الشخصيات والأساليب التي قُدِمنَّ بها، ثم التشكيك في المنظور التاريخي الذي أُنشئ جرَّاء هذا. ومع ذلك، فإنَّ العديد من الصور النمطية بقيت عالقة من دون شك في وعي الأمريكيين من الأصل الإفريقي، ولذا فمن الضروري بدايةً إبقاء النساء في تلك الصور قبل دراسة كيفية طرد تلك الصور والأفكار النمطية إلى الأبد. كما تشير لسلوى غالي "وفقًا لإعادة التفكير في وجهات النظر التقليدية حول الهوية وعلاقتها بالثقافة، فإن موريسون تتجنب المنطق الثنائي لاستكشاف الأشكال المتعددة والأسباب الجذرية للتهميش الاجتماعي". وعلى هذا النحو، مع وضع هذا في الاعتبار، ستدرس هذه المقالة الذات الأمريكية الإفريقية في شكلها النمطي داخل عمل موريسون وكيف تُبنى بما يتعلق بالفكر النسوي من ذوات الأصول السوداء. مما لا شك فيه فإننا نستنج أنَّ موريسون تذهب إلى حد ما لتبديد مثل هذه الانطباعات السلبية وتعزز إنجازات الفكر النسوي الأمريكي-الإفريقي في هذه العملية.


الفكر النسوي الأسمر في مواجهة الصور النمطية السلبية


كانت باتريشيا هيل كولنز واحدة من اوائل المثقفين منذ القرن التاسع عشر الذين تخصصوا بالطريقة التي صوِّرت بها النساء الأمريكيات-الإفريقيات، وقد قدمت تحليلا حول كيفية وسبب تحدي الكتاب والمثقفين والشخصيات البارزة من ذوي الأصول الإفريقية للأفكار والصور النمطية على مدى سنين. تقول كولينز: "إن المثقفات الأمريكيات السمراوات قد وضعن أساسا تحليليا حيويا لوجهة نظر مميزة حول الذات والجماعة والمجتمع وبذلك خلقنّ تقليدا فكريا متعدد الأوجه للمرأة الأمريكية-الإفريقية". إنَّ حجة كولينز هنا صائبة واقعيًا لأن العديد من المؤلفين قدموا تحليلا محكما للذات الأنثوية والعرق من خلال البصيرة التي يمتلكها الفرد بدلا من الانطباع السائد لذوي البشرة البيضاء عن النساء السمراوات أو السود. وفي تسليط الضوء على هذا الجانب حددت كولينز العديد من الثيمات، تحديدا ست سمات تميّز الفكر النسوي الأسمر، وانطلاقا من هذه الثيمات التي قد توفر أرضية جماعية مشتركة تشتد الحاجة إليها بين الأمريكيات ذات الأصل الإفريقي أولًا، والأمريكيات ذات الأصل الإفريقي في علاقتهن بمجتمع يملك إدراكًا جمعيا أو فكرا ذا هدف محدد. إنَّ هذه المجالات أو الثيمات الست التي توفر أرضية مشتركة ستوفر تجربة أنثوية مشتركة وهي العمل والأسرة، والسلوك الأمومي والسيطرة، والتعريف بالذات، والسياسة الجنسية، وعلاقات الحب، والأمومة والنشاط. ومع كون هذه السمات توفر مشتركات مهمة قد ينتج عنها هوية جماعية للأنوثة الأمريكية من الأصل الإفريقي فقد ينتج عنها تمثيلات سلبية أخرى.

في ذات السياق، تقول الكاتبة المتخصصة في الدراسات الإفريقية والنسوية مادو دوبي "على الكاتب استبدال الصور النمطية السلبية بالإيجابية" ولكن مصطلح "استبدال" يعطي انطباعا بوجوب تجاهل النمط السلبي بدلا من فحص وتطوير هذه الصور من أجل إقصائها، مما يسبب في تطور الشخصيات الأنثوية بالنحو الإيجابي المطلوب. وعلى العكس من دوبي، فإن كولينز تدعو إلى عامل الخبرة والتمكين والوعي لطرد هذه التمثيلات السلبية من خلال استكشافها بدقة لإضفاء الصبغة الإنسانية حول شخصية الأنثى السوداء. تؤيد موريسون وجهة النظر هذه بالذات، وتُثبت ذلك شخصياتها الروائية. ومع ذلك فإنه من الضروري قراءة الشخصيات في رواية سولا لموريسون 2 لمعرفة فيما إذا كانت ستتحدى هذه التمثيلات السلبية بما يتعلَّق بالفكر النسوي أم لا.


العاهرة والزوجة المطيعة


تقدم موريسون توصيفيْن لتمثيلاتِ الصور السلبية في المجتمع الأمريكي تجاه النساء الأمريكيات-الإفريقيات، وتحددهما بالعاهرة أولا وتمثُّلها بطلة الرواية "سولا"، والزوجة الصالحة، وهو التمثيل الإيجابي العكسي لشخصية سولا في الرواية، واسمها "نيل". تعمل العلاقة بين الاثنتين كونها واحدة من الصداقات بين النساء السود في المجتمع وقد وصفت كولينز هذا التمثيل بـ"الحيوي". ولكن قبل فحص العلاقة بينهما، يجب فحص ما تقدمه هذه الشخصيات من تمثيلات على نحوٍ فردي. تمثِّل سولا فساد المرأة السوداء، فهي ومن الوهلة الأولى تخطو على نحو دقيق إلى دور العاهرة نتيجةً لموقفها من الجنس وكذلك من الأنوثة، فهي تعتقد أن الجنس منفصل عن العاطفة، فهو فعل جسدي غير متجسد يسمح لها أن تشعر بحزن لا يمكن بلوغه بأي وسيلة. مع أن هذا السرد يسلط الضوء على جانب سلبي من العلاقة مع الأنماط والصور الموجهة للنساء السوداوات التي تصفهن بأنهن ذوات "طبيعة منحلة" ولكنه يلمح بعمق إلى أهمية أخرى وهي "الفعل" الذي تتبناه سولا، مما يعد تحديا للتمثيل التقليدي. هذا الادعاء يعززه وصف الأم لتربية سولا، والتي تقدمه موريسون في هذه الجملة "علمت سولا أنَّ الجنس ممتعٌ ومتكررٌ لكنه أيضا غير ملحوظ" على هذا النحو أُنشئت التمثيلات النمطية داخل الرواية التي تقدمها الشخصية بفاعلية من خلال موقف الأم الليبرالي تجاه الجنس بدلا من كونه طبيعة غريزية مدمرة ولدت بها "كما يشير العرف السائد". يتحدى هذا البناء الروائي الثوابت والأنماط من خلال إضفاء الطابع الإنساني على شخصية العاهرة ويدحض الانطباعات السلبية الموجهة ضدها بغض النظر عن مدى المحرمات التي يترتب عليها موضوع ممارسة الجنس غير الشرعي بعده "دعارة واختلاط".

بالرغم من المعهود النمطي للعاهرة التي صُممت سولا لتجسيده وتحديه أيضا في الرواية، فإنَّ التحدي لا يكون فقط باستخدام خلفيتها السابقة وقصتها بل ومن خلال موقفها من الجنس كذلك حيث تعتقد سولا أنَّ الجنسَ وسيلةٌ لإثبات الوجود ورفض أعراف المجتمع. تغوي سولا زوج أعزِّ صديقاتها لتتهم بأسوأ تهمة مذلة على الإطلاق وهي "النوم مع رجال بيض". تصف كولينز ذلك بأن النساء الأمريكيات-الإفريقيات عادةً ما يُستخدمن من قبل الرجال البيض وهكذا جُسِّدن بناءً على هذا الانطباع. ولكن في حالة سولا فإن الأدوار معكوسة فهي من تستخدم الرجال لتشعر بالنشاط والحياة، وهي محاولة لاستكشاف ماهيتها  ولإثبات هويتها الذاتية التي لا تعتمد على التوافق مع الانطباعات المأخوذة عن النساء الأمريكيات-الإفريقيات في تلك المرحلة. لهذا فأن سولا ليست عاهرة بل امرأة تبحث عن مكانها وسط هذا العالم، ويقف عِرقُها عارضا في وجهها، وقد وجدت أن الجنس "وضعها في موضع الاستسلام، والشعور بثبات قوتها ولا محدودية طاقتها" فتكتشف سولا نفسها الحقيقية من خلال رفض الحدود المسلم بها للجنس وتشكيل رؤيتها الخاصة للحياة: "فهي ترفض منفردة القيمَ الهامشية التي تنتمي إليها، وهو هامش يعكس المركز من ناحية كونه يكبت أي إثارة للسخط والاستياء". إنَّ سخط سولا ملموس ويصف الصورة النمطية للعاهرة بأنه بناء اجتماعي صُمِّم للكبت بدلا من إطار حيوي يمكنها من خلاله التميُّز. لذلك تستخدم موريسون الموضوعات التي أسستها كولينز لفحص التمثيل السلبي لشخصية العاهرة ودرء الأحكام السالفة التي فُرضت على النساء التي تُطلق عليهن هذه التسمية بسوء فهم. أدان المجتمع سولا بما في ذلك صديقتها المقربة "نيل"، ولكن وقفت موريسون بمهارة في حكمها مع سولا بدلًا من الجميع لعدم استيعابهم للوعي الجمعي المناط بالعاهرة.


ليست العاهرة هي التمثيل السلبي الوحيد للمرأة الأمريكية-الإفريقية التي حاول الفكر النسوي الأسمر تبديدها، فهنالك أيضا صورة الزوجة المطيعة الخجولة التي تغفر لزوجها كل أشكال الذنوب. كان هذا الدور من حصة نيل لأنها تربت مذ كانت طفلة لتصبح ذلك النموذج للزوجة الصالحة والمطيعة التي تتشكل على صورة الأم غير الأنانية وتتوافق من دون شك مع القوالب الجاهزة والسائدة للأنوثة. إنها كل الاشياء التي كانت على سولا أن تكونها، ولكنها لم ولن تفعلها. هي مطيعة جدا لزوجها جود، تلزم المنزل وتحافظ عليه ولا تعارض زوجها بأي طريقة. وتفترض هوية زوجها في جوهرها، وهذا يعني أنها لا تمتلك هوية ولا يمكن القول إنها تعيش حياتها وفقا لشروطها الخاصة مثل سولا. إن الفتاتين تتناقضان بنحوٍ كبير ولكن موريسون تؤكد أنهما يشتركان في عنصر واحد وهو أن حياتهما وشخصيتهما وتمثيلهما ليست قيمًا حتمية بل قيم مغروسة. ففي سولا شُجِّعت ممارسة الدعارة، وفي نيل شُجِّعت قيم الزوجة المطيعة والصالحة. لقد أُجبرت بالتخلي عن هويتها، كانت تظهر ملامحها عندما تكون مع سولا فالأخيرة تشاركها أخوّة وهذه قيمة وصفتها كولينز بأنها أساسية في دحض الصور النمطية. مع ذلك فإن ضمير الزوجة المطيعة ينفي هذه الأخوة: "أبدعت نيل في الرواية كبشَ فداء لإعفاء "جود" من الشر والأفعال المشينة أخلاقيا مثل الخيانة الزوجية والهجر، تلك الاشياء التي كانت لتدمر زواجها، وكانت نيل تنكر قدرة جود على فعل الشر". تفوق مفهوم الزوجة المطيعة على مفهوم "الأخوة" لتقلب بذلك مفهوم الجماعة والاتصال مرة أخرى. في حين التزمت بصورة الزوجة المطيعة في البداية فقد قلبت موريسون الموازين وتحدتها لاحقا من خلال عملية تقرير المصير وتحقيق الذات وتكوين هوية أكثر استقرارا، ويأتي هذا الادراك عندما تقرر نيل رفض الصورة النمطية الملصوقة بها.

تنظر موريسون الى الزواج على أنه دمار مستمر، وهي توضح في اقتباس لها في الرواية مدى مخاطر هذا التأسيس الاجتماعي على شخصية مثل نيل "الزوجة المطيعة": لقد طوى الذين يملكون أزواجا أنفسهم في توابيت منذ النشأة، عظمهم ناتئ وأضلعهم منفجرة". ووصفت هذا الشيء لتسليط الضوء على أهمية عناصر الحياة الأخرى من خلال رؤية نيل وسولا مع تركيزها على مفهوم الصداقة والأخوة.

الحق أن سولا في البداية هي من أدركت قيمة الصداقة للنساء من ذوات البشرة الداكنة "كانت تبحث طوال الوقت عن صديق، وقد استغرقت وقتا لاكتشاف أن الحبيب لن يكون رفيقا مناسبا للمرأة ولا يمكن أن يكون". ولكنه أمر مثير للسخرية نظرا إلى حقيقة أن سولا فرطت بصداقتها مع نيل بعد النوم مع زوج الأخيرة. تموت سولا في النهاية من دون الحصول على صك الغفران من نيل. لم تدرك نيل الطبيعة الحقيقية للصداقة بين النساء الأمريكيات-الإفريقيات إلا بعد وفاة صديقتها،  وبحسب ما توصلت إليه كولينز من دراسة الفكر النسوي الأسود وما فعلته موريسون من جهد هو لدفع النساء أبعد من ذلك للتخلص من التمثيلات والصور النمطية قالت: "بعد وفاة سولا ودفنها تتوصل نيل إلى أنها كانت تفتقر على مر السنين  لشخص سولا في حياتها وليس زوجها جود".

ملخص لهذا الحديث أنَّ موريسون تبث فكرة أن حب الإخوة أمر ضروري للبقاء وتنشئة الهوية بدلا من مؤسسة الزواج، وتجيئُ هذه الفكرة رداً على صورة العاهرة والزوجة الصالحة لأنها تنفي دور الرجل عموما ويؤدي هذا الى تمكين المرأة من تحديد مصيرها وهو في النهاية تطورٌ للفكر النسوي الأسود.

ختاماً، تستخدم الروائية شخصيات سولا ونيل من أجل إجراء فحصٍ شامل لجدوى القوالب النمطية للمرأة الأمريكية-الإفريقية وتقدم أسبابا لتحديها ودحضها. إنهم لا يخفون الطبيعة  الحقيقية لما معنى أن تكون امرأة فحسب، بل يجعلونها بمفردها في حين أن الوعي الجماعي يرفض مثل هذا الشيء. كانت نظرية كولينز حول النسوية الأمريكية ذات الأصل الإفريقي أساسا ممتازا لفهم عمل موريسون الروائي ولكنها في الوقت ذاته تتجاوز القيم والعوامل التي قدمتها كولينز لكي تكون الرواية في صدد معالجة هذه الانطباعات السلبية وتعزز إنجازات الفكر النسوي. في شخصيات هذه الرواية رُفِض مفهوم الزوجة المطيعة ومفهوم العاهرة لصالح مفاهيم الصداقة والإخوة والهوية والأنوثة السمراء الحقيقية.


____

هوامش:


1-"Black feminist"

ارتأيت ترجمة هذا المصطلح على شاكلتين (النسوية السوداء) و(النسوية السمراء)، وهما يعنيان في النهاية الفكر النسوي في المجتمع الأمريكي من ذوي الأصل الإفريقي أو البشرة الداكنة.

Sula - novel by Toni Morrison -2 

رواية سولا لتوني موريسون الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 1973.


Ukessays.

ترجمة: مصطفى حمزة.

الثلاثاء، 15 يونيو 2021

السيرة الذاتية لإيملي ديكنسون (1830-1886).



إيملي ديكنسون (Emily Dickinson) واحدة من أعظم شعراء أمريكا على الإطلاق، وقد نالت هذه المكانة عن جدارة واستحقاق، فقصائدها السهلة في بُنيتها، الحادة الذكاء في أفكارها، الشديدة العمق في أحاسيسها، تستمد مادتها وصورها من قضايا الإنسان الأساسية: من آلام الحب وأفراحه، من طبيعة الموت التي لا يسبر غورها، الجنس، ويلات الحروب، الدين، الدعوة الى المرح، التأمل في أهمية الموسيقى والأدب والفن.

صاغت ديكنسون نوعا جديدا من الشخصية في شعرها، والمتحدثون في شعرها يشبهون المتحدث في قصائد برونتي وبراونينغ، فهم يتميزون بأنهم مراقبون حصيفون يرون أوجه القصور في مجتمعاتهم، وحالات الهروب التي يمكن تصورها ولجعل التجريد ملموسا ولتحديد المعنى بدون حصر فقد ابتكرت ديكنسون لغة بيضاوية مميزة للتعبير عما كان ممكنا لكنه لم يتحقق. وهذه الطريقة تشبه طريقة أصحاب الفلسفة المتعالية [اتحاد الفلسفة المتعالية حركة فلسفية تطورت في نهاية عشرينيات القرن الثامن عشر شرق الولايات المتحدة، ويركز أصحابها على الحس أكثر من التجربة] وقد قرأت ديكنسون معظم أعمال اتحاد الفلسفة المتعالية. 

لم تغادر ديكنسون منزلها كثيراً، فقد عاشت حياة انطوائية إلى حد بعيد. كتبت، في مساحتها الخاصة في منزل أبيها، ما يزيد عن 1700 قصيدة لم ينشر منها خلال حياتها إلا 11 قصيدة في بعض الصحف المحلية بأسماء مستعارة. هكذا لم يعلم أحد عن موهبتها سوى حلقة ضيقة من أفراد أسرتها والمقربين من الأصدقاء. 

نُشر المجلد الأول من شعرها عام 1890 وذلك بعد أربع سنوات من وفاتها، وقد لاقى نجاحا مذهلا. ولم يخطر ببال أحد –ولا حتى ديكنسون نفسها– أن قصائدها سوف تحدث ثورة أدبية في القرن العشرين. وبعد وفاتها بسبعين سنة نُشر أول كتاب جامع لقصائدها دون تعديل.


الميلاد والتعليم في أكاديمية أمهرست


ولدت إيملي ديكنسون في أمهرست ولاية ماساتشوستس، في كانون الثاني/ ديسمبر 1830، لعائلة محافظة وغنية، وفي وقت ولادتها كان أبوها إدوارد ديكنسون محاميا شابا وطموحا، عمل في السياسة وفاز بمقعد في الكونغرس ممثلا عن ولايته. وكان جدها من المساهمين في إنشاء كلية أمهرست. عاشت في طفولتها المبكرة رفقة اثنين من أخوتها وهما، أخوها وليام الذي يكبرها بعام ونصف، وأختها لافينيا، وقد ارتادوا المدرسة الابتدائية في أمهرست معا، والتي تكونت من غرفة واحدة. ثم درسوا في أكاديمية أمهرست، لكن ما لبث الأخ أن افترق عن أختيه، فقد أُرسِلَ وليام إلى مدرسة اخرى، 

لقد ذكرت ديكنسون أنها كانت مسرورة بكل كادر المدرسة، ومنهجها وطلابها. تفخر أكاديمية أمهرست بارتباطها المباشر بكلية أمهرست، وتنظّم حضورا منتظما للطلاب في قاعات كلية أمهرست لمحاضرات في مختلف التخصصات (الفلك، الكيمياء، الجيولوجيا، الرياضيات، التاريخ الطبيعي، الفلسفة الطبيعية وعلم الحيوان). تعكسُ لنا هذه القائمة التركيزَ على العلوم في القرن التاسع عشر، ويظهر هذا التركيز مرة أخرى في قصائد ديكنسون ورسائلها، من خلال الافتتان بالتسمية ونظرتها الثاقبة، وهواية غرس الزهور وعنايتها بوصف النباتات واهتماماتها بالقوة الكيميائية. وعلى الرغم من هذه الاهتمامات فلم تهتم بالعلوم بذات الطريقة التي دعا إليها أساتذتها. وفي قصيدة مبكرة لها وبخت العلم لاهتماماته المتطفلة، كما أن دراسته تسلب الحياة من الأشياء على حد قولها. ومع هذا فقد كانت دراسة علم النبات مصدر بهجة لديكنسون وكانت تحرص على زراعة النباتات والعناية بها، وتدعو أصدقائها لحضور دروس النبات. 

استندت في دراستها لعلم النبات إلى الدروس التي حضرتها في الكلية، وفيما بعد على كتاب كان معتمدا في المعاهد الدينية للبنات، وهو من تأليف الأستاذ الميرا لينكون الأستاذ في علم النبات. تميز الكتاب بنوع معين من التاريخ الطبيعي، مع التركيز على الطبيعة الدينية لدراسة العلم. واعتمد أسلوبه على الحجة مع التعميم. وأكَّد لطلابه أن دراسة العالم الطبيعي تقودنا لمعرفة الله، فملاحظة الأنظمة الدقيقة في الكون تظهر يد الخالق. يتوافق تقييم لينكون للفلسفة الطبيعية جيدًا مع سياسة أمهرست المحلية. وكرس إدوارد هيتشوك، رئيس أكاديمية أمهرست حياته للحفاظ على الاتصال المستمر بين العالم الطبيعي وخالقه، وكان محاضرا متكررا في الأكاديمية، ونالت ديكنسون الكثير من الفرص لسماعه وهو يتحدث، ومن خلال عناوين كتبه يمكننا معرفة المواضيع وجدت ديكنسون أنَّ الحكمة الدينية التقليدية هي الجزء الأقل قدرة على الصمود بين هذه الحجج، فمن خلال ما قرأته وسمعته في أكاديمية أمهرست للعلوم أثبتت الملاحظة العلميه تميزها في الوصف القوي. 

تكمن قوة أكاديمية أمهرست في تركيزها على العلم، إلا إنها ساهمت في تطور ديكنسون الشعري، وتعرفت خلال السنوات التسع التي قضتها في الأكاديمية على أستاذها الأول، ليونارد همفري Leonard Humphrey. وتشير ردة فعلها على وفاته غير المتوقعة على نموها الشعري المتزايد. يتوازى تعيين همفري أستاذًا في الأكاديمية مع العلاقات التي أقامتها ديكنسون في الأكاديمية، فقد أنشأت صداقات قوية مع مجموعة من الطلاب، ومن بينهم أبياه روت (Abiah Root) إيملي فاولر، جين همفري التي كانت رفيقة ديكنسون في سكن الأكاديمية. وكما كان شائعا للشابات من الطبقة فإن التعليم الرسمي الذي تلقينه وفر لهن استقلالا ذاتيا مؤقتا، واحترام وجهات نظرهن. 

تطلَّبت العديد من المدارس مثل أكاديمية أمهرست الحضور يوما كاملا، لذا فإن الواجبات المنزلية خاضعة للواجبات المدرسية، وكان المنهج الدراسي في كثير من الأحيان هو ذات المنهج الدراسي الذي يتعلمه الشباب. مثَّلت الدراسة في أكاديمية أمهرست وقتا للتحدي الفكري والحريّة النسبية للبنات، ونظر الطلاب لأنفسهم باحثينَ وتركت الكلية انطباعا كبيرا في تفكيرهم. لم تترك ديكنسون بعد أن أنهت الأكاديمية مواصلةَ دراستها كما كان شائعا عند الفتيات في وقتها.


التجربة الدينية 


تركت ديكنسون في سن الخامسة عشر الأكاديمية لمواصلة تعليمها العالي، والتحقت في خريف 1847 بمدرسة (ماونت هايلوك) الدينية للبنات، التي أشرفت عليها الأستاذة ماري ليون. كانت ماري تجري جلسات أسبوعية مع طلابها لتقييم حالة الإيمان عندهم، واختبارهم بالمسائل الدينية. وقسِّمت الشابات إلى ثلاث فئات:

1- من نشأنَ نشأة دينية مسيحية. 

2- من أعربن عن رغبتهن بالمسيحية. 

3- من ليس لهم رغبة باعتناق المسيحية. 

اختارت ديكنسون أن تكون في الفئة الثالثة، والعضو الوحيد في تلك الفئة، تذكر زميلة ديكنسون، كلارا تيرنر: عندما طلبت ماري ليون من الطلاب الذين يرغبون في أن يكونوا مسيحيين، قام الجميع إلا إيملي بقيت في مكانها [تعبيرا عن عدم رغبتها]. وتضيف كلارا، لقد أخبرتني إيملي قائلة «لقد ظنوا أنه أمر غريب أنني لم أنهض» وأضافت مع لمعة في عينيها «لكنني أعتقد أنَّ الكذب أكثر غرابة». 

لقد كانت إيملي المتمردة الوحيدة في ذلك الاجتماع، لكن سجلات المدرسة أشارت فيما بعد الى أنّ إيملي لم تكن الوحيدة التي لم تكن راغبة بالانضمام لصفوف المسيحيين، ففي نهاية الدراسة تبين أنّ ثلاثين طالبة لديهن ذات موقف إيملي. 

أدى قصر إقامة ديكنسون في مدرسة ماونت هوليوك [سنة واحدة] إلى الكثير من التكهنات حول طبيعة رحيلها، وقال بعض النقاد إنه يمكن رؤية بداية ما يسمى بالانعزالية، من خلال إشاراتها المتكررة للوطن والحنين إليه، ولكن الرسائل لا تشير بأي حال من الأحوال أن أنشطتها قد تعطلت، لم يكن لها نوع الأصدقاء المقربين نفسه كالذين كانوا في أكاديمية أمهرست، ولكن تقارير عملها عن النشاط اليومي تشير إلى أنها كانت جزءا من أنشطة المدرسة. وبسبب عدم التيقن من الجهة التي قررت عدم عودتها للمدرسة، نسبت ديكنسون القرار إلى والدها، تشير سمعة والدها بأنه فردٌ متدين في الشؤون الخاصة والعامة إلى أن قراره قد يكون نابعا من رغبته في إبقاء ابنته في المنزل، والواقع إن تعليقات ديكنسون تؤكد هذه التكهنات، ودائما ما رضخت لرغبات والدها، ولكنها تصفه في مواضع أخرى بوصف لطيف فتقول: "إنه مشغول جدًا بممارسة المحاماة، حتى إنه لا يستطيع أن يلاحظ ما يجري في المنزل". 

وقد قدَّم أحد النقاد وهو ريتشارد سيوال تفسيرا مثيرا، فبالنظر إلى منهج مدرسة ماونت هوليوك، ومعرفة عدد النصوص الدينية الكثيرة التي درستها في أكاديمية أمهرست، خَلُصَ إلى أن مدرسة ماونت هوليوك ليس لديها الكثير لتضيفه إلى ديكنسون. 

يختم ترك ديكنسون لماونت هوليوك على نهاية تعليمها الرسمي، ومن الاطلاع على رسائل ديكنسون في تلك المدة «1850» يتبين لنا أنها كرهت العمل المنزلي وتشعر بالإحباط مع قيود الوقت التي أوجدها العمل.


حياة المنزل والشعر والرسائل

 

كان منزل عائلة ديكنسون ملتقى الكثير من أصدقاء والدها من السياسيين ورجال الدولة، وقد أتعبها الوضع. إذ كانت ديكنسون تهتم بالمنزل وإرشاد إخوتها، وقدَّمت نفسها ناصحًا حريصًا في رسائلها إلى أخيها أوستين حينما كان يدرس القانون في جامعة هارفارد، واستخدمت المديح الزائد بحقه، وشجَّعته لكي تدعوه للتساؤل حول قيمة تصوراته، وساندته لكي يحقق طموحه. تتميز رسائل ديكنسون لأوستين بكثافتها، لكنها انقطعت بعد مدة عندما انشغل أوستين بشق طريقه في الحياة، وقرر الإقامة في أمهرست وتولى دور والده في عمله القانوني. ثم تزوج سوزان جليبرت الزواج الذي رحَّبت بها ديكنسون بشدة، فقد وفر لها حضور سوزان الشعور بوجود أخت جديدة في العائلة. وفي الوقت الذي تضاءلت فيه علاقتها مع أوستين؛ نمت علاقتها بسوزان التي مثلت لها الرفيق المحبوب والناقد والأنا. 

نشأت سوزان نشأة مختلفة عن إيملي فهي تنتمي للطبقة العاملة. 

كتبت ديكنسون في 1875 قصيدة، جاء فيها: "الهروب مِثْلُ كلمة شاكرة". وكلمة الهروب هنا إشارة للروح في المقام الأول، ويعتمد الفداء والخلاص وفقًا لها على الحرية. تنتهي القصيدة بالثناء على "الكلمة الوثيقة" للهروب، في تناقص بين رؤية "المُخلِّص" مع هالة كونه "إنسانًا مُنقذًا"، وتقول بأنَّه من الجليّ ثمة خيارٌ واحد: "لهذا ألقي برأسي فوق الكلمة الوثيقة" فهي تدعو القارئ ليقابل ما بين تجسيد "المسيح" وتجسيد آخر. تقلب ديكنسون اللغةَ المسيحية المرتبطة بـمقاصد "الكلمة" وتضع نفسها بديلًا لتجسيد المخلِّص. وكانت قد اختارت كلمة "هروب" قبل عقدٍ من الزمن، الاختيار الذي بدا واضحًا ومقصودًا. ففي قصائد تعود إلى عام 1862 تصف ديكنسون التجارب الروحيّة مُشخِّصة هذه "الأحداث" بعبارات اللحظات، فتمرُّ من "لحظات الروح المعصوبة" مشيرة للفكرة المتشككة إلى الحرية الروحية. ولن تُحبس الروح في "لحظات هروب" ولا تحتوي قوَّتها الانفجاريّة: "للروح لحظاتُ هروب/ حين تُنفجرُ كل الأبواب/ ترقصُ مثل دويّة، في الخارج،/ وتتمايل طوال الاوقت". 

من خلال الاطلاع على قصائد ديكنسون نعرف أنها رفضت أن تكون مقيدة بالواجبات المطلوبة منها. ودائما ما تدفعها طلبات أبويها أو أصدقائها المقربين إلى "الهرب". 

خلال مرحلة الانتعاش في 1850 في أمهرست، كتبت ديكنسون تقييمها للظروف، بعيدا عن استخدام لغة التجديد المرتبطة بالمفردات الإحيائية، فقد وصفت مشهد خراب مظلم بفعل ابتلاء الروح. وفي رسالتها الموسومة بالتمرد إلى همفري، كتبت "كيف تزداد وحدة هذا العالم، شيء مقفر جدا يزحف فوق الروح، ونحن لا نعرف اسمه، ولن يزول، إما السماء تبدو أكبر، وإما الارض أصغر بكثير، وإما أن الله أعظم. نشعر بأن حاجاتنا زادت، المسيح يدعو الجميع، وكلهم أجابوا، أما أنا أقف وحيدة متمردة، كلهم يعتقدون أنهم وجدوا، لا أستطيع أن اخبرك ما الذي وجدوه، لكنهم يظنون أنه شيء ثمين، أتساءل إن كان كذلك؟". 

لقد وضع سؤال ديكنسون الإطار على عقد من الزمان، وخلال تلك العشر سنوات حددت ما كان ثمينا بنحوٍ لا جدال فيه، ليس الدين بل الشعر، ليس الآلة التي اختزلت جوهرها بل عملية صنع الاستعارات ومشاهدة المعنى وهو يتكشَّف. 

تشير رسائلها عام 1850 إلى أنّ عقلها كان يحول دون إمكانية الانشغال بعملها الفني، وازدادت الفجوة بينها وبين اصدقائها، وصفت هدف حياتها لكنها لم تحدد بوضوح وتقول "لقد تجرأت على فعل أشياء غريبة" كما أنها أكدت استقلالها: "لم أطلب النصيحة من أحد"

وأمضت شتاء ذلك العام بقراءة قصائد شاعرها المفضل رالف إيمرسون. ووصفت الشتاء بأنه حلم طويل لم تستيقظ منه بعد. 

كانت رسائلها في هذه المدة طويلة ومتكررة، وزودتها لغتها الرفعية بمساحة تدريب لنفسها لتطوير نفسها كاتبةً. وجربت في رسائلها الشغوفة لصديقاتها أصواتا مختلفة، في بعض الأحيان كانت تبدو بطلةَ إحدى الروايات المعاصرة، وساردةً توبخ الشخصيات على فشلها ولعبت دورًا سماويًا لاستكشاف احتمالية التحوَّل الإيماني الاعتقادي الجديد لتقترب فحسب من منطقة اللا واقعية المميزة في تجربتها الخاصة. وبسبب عدم توفر الرسائل المرسلة إلى إيملي، لا يستطيع النقاد معرفة ما إذا كان لغة أصدقائها تشبه لغتها. 

لكن الحرية التي كتبت بها إلى همفري وفاولر تشير إلى أنّ ردودهم شجعت أفكارها، قد يكون هذا التشجيع صدر من سوزان جليبرت أيضا مع أننا لا نعرف الكثير حول العلاقة المبكرة بينهما فإنّ الرسائل المرسلة إلى جليبرت أثناء دراستها في جامعة بالتيمور، تتحدث بنوع من الأمل من منظور مشترك إن لم يكن مهنة مشتركة. 

وقد تكهن النقاد المتأخرين، بأن جليبرت قد حسبت نفسها شاعرة أيضا، وتقف العديد من رسائل ديكنسون وراء هذا التكهن، فمن الرسائل القليلة التي وصلت إلينا الرسالة التي أرسلتها ديكنسون إلى جليبرت عام 1861 وفيها نقاشات وخلافات حول الشعر، تشير إلى أنها شاعرة. ومهما كانت طموحات جليبرت الشعرية، فقد نظرت إليها ديكسنون واحدة من أهم قرّائها وأقربهم، فأرسلت إلى جليبرت أكثر من 270 قصيدة. لكن هذه العلاقة تخللها جدل يسير ثم حدث كسر أكثر خطورة في العلاقة، قد يكون الخلاف بسبب اختلافهما حول الدين. 

وفيما يخص رأي ديكنسون بالزواج، فهو رأي يتميز بالتناقض إذ يرتكز رأيها بوضوح على مفهومها لما يتطلبه دور الزوجة، والطبيعة الاجتماعية للزواج. ومن خلال وجودها وعملها في بيت عائلتها، كانت مطيعة وتؤدي واجباتها. ورأت كيف أن عملها أصبح ثانويا. 

في ملاحظتها للنساء المتزوجات ومن ضمنهن أمها، خلصت إلى أن الزوجة تتعرض لتدهور الصحة النفسية والجسدية، والمطالب غير الملباة وغياب الذات التي كانت جزءا من العلاقة بين الزوج والزوجة، وتعكس قصيدة لها بعنوان «الذهب» هذا المعنى. 

القيمة والهيبة غائبان عن المرأة، التي تؤدي واجباتها الزوجية، وتظل الخسارة غير معلنة. 

تقول: 

نذرت نفسها تلبي حاجاته 

ضحت بمتعتها 

لتقوم بواجبها المشرف 

امرأةً وزوجة 


وتربط في قصيدة أخرى حياةَ المرأة بيوم زفافها. هذه الافكار لا تنتمي للقصائد فقط، بل نجدها في الرسائل أيضا. فقد كتبت رسالة لصديقتها جليبرت أثناء علاقتها مع أوستين، وذلك قبل أربعة أعوام من زواجهما، تكشف الرسائل وجهة نظرها بالزواج، ورأت أن هناك فرقا بين الأفكار المتخيلة حول الحياة الزوجية، وكيف أننا نتخيلها حياة رومانسية، 

وبين واقع الزواج والحياة الجافة التي تعيشها المرأة المتزوجة. فهي ترى أن الزواج يستنزف المرأة. وحاولت عبر الرسائل أن تستميل جليبرت الى رأيها هذا، لكن سوزان جليبرت حسمت أمرها وأعدَّت نفسها لتكون زوجة تقليدية تربي أطفالها وتهتم بزوجها المحامي الشاب. 

مع تذبذب العلاقة بين ديكنسون وجليبرت، كان هناك جوانب أخرى في حياة ديكنسون، فقدت شهدت خمسينيات القرن التاسع عشر تحولا في صداقاتها، وبدأ اصدقاؤها بالزواج وتأسيس أسرهم الخاصة، مما جعلها وحيدة، لذلك سعت للحصول على أصدقاء جدد. فوجدت ضالتها في الكتب، ألهمتها الكتب أفكارا كثيرة، ومادة مهمة ساهمت في تكوينها كاتبةً. قرأت ديكنسون، إضافة للكتب المنهجية في دراستها والكتب التي فرضها عليها والدها، أعمالَ الكتاب المعاصرين على جانبي الأطلسي [أوروبا وأمريكا الشمالية]. 

فمن بين البريطانيين قرأت للشعراء الرومانسيين، والأخوات برونتي، وبراونينغ، وجورج إليوت. وعلى الجانب الأمريكي قرأت لونجفيلو، وثورو، وإيمرسون. وادَّعت أنها لم تقرأ لوالت ويتمان. وقرأت لتوماس كاريل، وتشارلز داروين، وماثيو أرنولد. منح معاصرو ديكنسون نوعا من التداول لكتاباتها، فقد كانت ديكنسون تراسل الكثير من الشخصيات، وفي رسائلها العديد من الإشارات التي تعبَّر عن مدى الوضوح في عباراتها مع الاخرين. ومن ضمن هذه الشخصيات التي راسلتها ثمة شخصيتان أدبيتان هما صموئيل بولز ( Samuel bowles) وجوديا هولاند. عمل صموئيل بولز محررا أدبيا، وديكنسون ترسل إليه قصائدها لنشرها، من خلال الاطلاع على الرسائل، يظهر أن اللغة العاطفية تشبه اللغة الموجودة في رسائلها الى سوزان. واعترفت في إحدى الرسائل بحبها لصموئيل، إلا إنه، عبر عن حبه وتمسكه بزوجته ماري.  

انتقلت ديكنسون مع عائلتها الى واشنطن في 1853، لأنَّ أباها كان عضوا في الكونغرس، وفي 1855 لم يُعد انتخاب والدها إدوارد ديكنسون، لذلك تحول اهتمامه إلى مقر إقامته في أمهرست، وأقفل راجعًا إلى عمله في المجال القانوني، عادت العائلة كلها إلى المنزل الذي ولدت فيه ديكنسون، وقضت فيه أول عشر سنوات من حياتها. أصبح البيت عالمها، وتتواصل مع الخارج بواسطة مئات الرسائل والقصائد. لم تتوقف عن الكتابة، تحديدا أثناء عزلتها إذ إنها بعد سنّ الثلاثين قرّرت عدم الخروج من البيت، وظلّت تطلّ على العالم من خلال شرفة غرفتها؛ العالم الذي يتمثّل في الجيران، وقافلة السيرك التي تمرّ مرّة واحدة في السنة، وبعض الفلاحين الذين يحملون المحصول، والنحل، والحديقة، وتفاصيل بسيطة أخرى. لم تتزوج ديكنسون قط، غير أنها كانت مغرمةً دائما بأساتذتها، كما أغرمت بكاهن البلدة وأقامت علاقة سرية معه.


سنوات صعبة


تزوج أوستين وسوزان جيلبرت عام 1856، وكانت السنوات التي تلت زواج سوزان شديدة الصعوبة على ديكنسون وتعكس رسائلها مركزية الصداقة في حياتها، فكتبت في إحدى رسائلها لصمويل بولز في 1858: "أصدقائي هم ثروتي، إذًا، اُعذرني على جشع اكتنازها". وشهدت هذه المرحلة من حياتها خسائر كبيرة في هذه "الثروة" فقد اختطف الموت أول أستاذ لها وهو ليونارد همفري. وثمة خسائر أخرى نتيجة لزواج بعض صديقاتها وابتعادهن عن أمهرست. وتوفيت والدة أبناء عمها، فكانت تواسيهم وتخفف عنهم فقدهم، فقد سعت كلماتها الى تحقيق المستحيل، وعلقت قائلة "الأرواح المنفصلة لا يمكن شفائها". وكتبت في رسائلها عن الانفصال وعرضت صورا للحفاظ على الأرواح معا. تحول أسلوبها في الكتابة على نحوٍ متزايدٍ الى الأسلوب الغامض، فامتازت كتاباتها  بكثرة الأقوال المأثورة والتلميحات، فهي تطلب من القارئ أن يربط بين العبارات لتلخيص السياق الذي تمت الاشارة إليه، ومعرفة المعنى الكلي من خلال الأجزاء الصغيرة. 

تُذكِّر ديكنسون عبر رسائلها مَن تُراسلهم إلى أن عوالمهم المكسورة ليست سوى فوضى من الشظايا، وخلف الأجزاء الظاهرية من تصريحاتها القصيرة تكمن الدعوة لتذكير العالم الذي يشترك فيه كل مراسل بمعرفة معينة. وفي الوقت الذي كانت ديكنسون تهتم بالصداقة، حدَّتْ من الوقت اليومي الذي تقضيه مع الآخرين، وبحلول 1858 أصبحت ديكنسون قليلة الخروج، ولا تلتقي سوى القليل من الناس، ولقبت بالمعتزلة والناسكة. 

شرعت ديكنسون في عام 1858 بتنظيم قصائدها في ملفات خاصة. وفي عام 1860 كتبت ديكنسون أكثر من 150 قصيدة، وفي الوقت ذاته راسلت الكثير من الشخصيات، وساعدتها الرسائل مطورةً من أسلوبها في الكتابة، أي أنها تمرينٌ مهمٌ لها. 

تحمل القصائد التي يعود تاريخها إلى عام 1858 النمطَ القياسي للترنيمة (النشيد)، واستخدمت ديكنسون العديد من الأوزان الشعرية السائدة في التراتيل وخصوصا البحر الرباعي (أربعة أزواج من المقاطع في البيت الواحد يكون المقطع الثاني في كل منها مشدَّدا أو منبورا) كما استخدمت بكثرة ما يعرف بالقافية الشاذة (off-rhymes) ومثال على ذلك تقفية كلمة (ocean) مع كلمة (noon) أو كلمة (seam) مع كلمة (swim). وكان لديكنسون طريقة مدهشة في استخدام اللغة اليومية العادية وهي طريقة تدعى التأليف -أي جعل الشيء مألوفا، من شأنها حسب قولها أن "تستخلص إحساسا عجيبا من معانٍ عادية". شهدت أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر بداية أعظم حقبة شعرية لديكنسون، وكتبت بحلول عام 1865 ما يقارب (1100) قصيدة. 

رافق كتابة هذه القصائد الضغوطات التي تعرضت لها نتيجة لابتعاد سوزان وزواجها. ومن ناحية أخرى فقد عانت من بصرها (اعتقد الباحثون المعاصرون أن ديكنسون عانت من الحمى الروماتيزمية- التهاب مؤلم في القزحية، مما أجبرها على تجنب أي نوع من الضوء) وهذا كان أحد أسباب عزلتها. شهدت السنوات بين هاتين الصعوبتين، انفجارا في التعبير في كل من القصائد والرسائل، وتميزت كتاباتها بالتحرر من القيود. 

نشرت خلال حياتها القليل جدا من قصائدها، رغم ذلك، انتشرت قصائدها على نطاق واسع بين أصدقائها، وكانت تقرأ القصائد للضيوف. وأرسلت قصائد لجميع مراسليها الصحفيين. 

راسلت ديكنسون توماس هيغسون (1823-1911)، الذي كان واحدا من المناضلين لإلغاء العبودية في أمريكا ومساندا لحقوق المرأة، وفي الحرب الأهلية الأمريكية كان عقيدا في كارولاينا الجنوبية، في أوّل كتيبة مكوّنة من جنود من أصول إفريقية، كما تمتّع بسلطة كبيرة في الأوساط الثقافية آنذاك. بعد سنوات من المراسلات الطويلة مع إيميلي ديكنسون التي كانت تختم رسائلها بعبارة: تلميذتكَ، قرّر هيغنسون -بدافع الفضول- السفر للقائها؛ اللقاء الذي قال بعده: إنها امرأة قبيحة غير أن كلامها عن الشِّعر يفرِّغ الإنسان من طاقته العصبية.

كتبت ديكنسون لهيغنسون عام 1862 "عملي هو المحيط" العبارة التي أشارت إلى نهايتين عزز كلاهما التوسع الذي تصورته لعملها. وكتبت إلى هولاند أيضا "عملي هو أن أحب، عملي هو أن أغنِّي" فهي تستحضر في جميع تلك العبارات الصيغَ الموجهة بلا حدود، في الترنيمة يمتد الصوت عبر الفضاء، ولا تستطيع الأذن أن تقيس أنغامه المشتتة، فالحب مثالي شرط لا نهاية له وكذلك المحيط. الصورة التي عادت إليها ديكنسون عدة مرات في شعرها، وتشير إلى عدم وجود حدود، فحين يذهب الأفراد وفقا لشروط ديكنسون إلى المحيط فإنهم يقفون على حافة مساحة غير محدودة. ويكمن المفتاح في قصائدها في الكلمة الصغيرة، من خلال تلك الكلمة يُفهم المعنى. فشعرها مشحون بالإيماءات والدلالات المختلفة، ولكتابتها خاصيتان تميزها عن الكُتّاب الآخرين، وهي الكتابة بحروف استهلالية، واستخدام الشرطات في جميع قصائدها، كما تتَّسمُ بالغموض وشدة الحساسية، وغالبا ما تكون قصائدها تعاريف، مثلا استخدام كلمة الأمل في قولها: "الأمل هو الشيء المكسو بالريش". تستهلُّ إيميلي ديكنسون قصيدتها بصورة مجازية عن الأمل، إذ تشبهه بالطائر، واصفة إيَّاه بـ “الشيء”، كأنَّما تعرّفه تعريفاً معجمياً، لتحدثنا فيما بعدُ عمَّا يميز هذا الشيء، وهو الريش الذي يمنحه القدرة على الطيران، فيحلّق عالياً ثم يأوي إلى أرواحنا، حيث الروح مَجثَمُ الأمل، كما العشُّ مَجثَمُ الطائر. "التخلي هو فضيلة ثاقبة" لا ينفصل التعريف الديكنسونيّ عن الاستعارة، ودائما ما تعبر الجملة التي تقولها عن المقابلة بين المكتوب والمقصود. 

توفيت ديكنسون ديكنسون في الخامس عشر من أيار/ مايو 1886 إثر أصابتها بالفشل الكلوي، عثر أفراد عائلتها بعد وفاتها على الرزم التي تضم 1700 قصيدة لها. 


المصدر: Poetry Foundation

ترجمة: عباس الحساني. 


الأربعاء، 5 مايو 2021

تصوير ألبير كامو وكورت فونيجت للفلسفة الوجودية


مقدمة


يهدف هذا المقال إلى المقابلة وتمييز أوجه التشابه والاختلاف في تصوير الأزمة الوجودية بين روايتي الغريب لألبير كامو والمسلخ رقم 5 لكورت فونيجت، عن طريق تحليل هذا السؤال: كيف يتشابه ويختلف تصوير الأزمة الوجودية لدى البير كامو وكورت فونيجت في روايتيهما. ثم يشمل مجال البحث في هذا المقال العملين المذكورين في الأدب الممتد للفلسفة الوجودية. ويستكشف هذا المقال أبطال الوجودية في كل رواية ويساعد القرّاء على الفهم التحليلي والنقدي لحقيقة المجتمع البشعة.


خلفية


في اليونان القديمة، كان أعظم رجلين في الفلسفة الغربية، أفلاطون وأرسطو يؤمنان بفكرة أن كل شيء، بما في ذلك الإنسان، له جوهر، كل الأشياء تمتلك مجموعة محددة من الخصائص الأساسية الضرورية لهوياتهم ووظائفهم، بما معناه أنه إذا غابت هذه السمات، سيكون الشيء مختلفًا عما كان عليه. بما أن جوهرنا موجود قبل وجودنا في نظر أفلاطون وأرسطو، فإن الجوهر يعطي البشر غاية لأننا مولودون بطبيعتنا لنكون شيئًا معينًا. وحدَّ الناسُ معاييرَ هذه النظرة للكون حتى تحدّاها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في القرن التاسع عشر. شكك سارتر في إمكانية أن نوجد قبل جوهرنا؛ إذ كان من الممكن للناس أن يولدوا بلا غاية ويفهموا مغزى الجوهر خلال وجودهم في الحياة بدلًا من أن تكون الغاية محددة مسبقًا.


هذا هو المبدأ الأساسي الذي شكّل هيكل علومنا الحالية عن الفلسفة الوجودية "الوجود يسبق الجوهر". نتيجة لذلك تُشير الفلسفة الوجودية لثلاثة مواضيع رئيسة: لا عقلانية الكون، عبثية الوجود، أهمية العالم المادي. ويظهر أنه بالرغم من الوجود في كون لا عقلاني، فإن البشر متحررين من الحتمية ومستقلين عن التأثيرات الخارجية لأجل تحديد أهميتهم في الحياة، وهذا عن طريق امتلاك مسؤولية اتخاذ قرارات عقلانية توجههم في النهاية وتطور مسارهم من خلاله.


رواية الغريب لألبير كامو


في رواية الغريب (1942) لكامو، يوضح البطل مورسو الأشياء من خلال نظرته لوجودها وعدم ملاءمتها لشروط روح المجتمع. مع أن مورسو حر نفسيًا، فإن ضوابط المجتمع تعيقه عن الحرية المطلقة كما هو متضمن في محاكمته التي تتناقض على نحوٍ أكبر مع الجوهر الاجتماعي ضد حرية الفرد في الوجودية. وبسبب عدم امتثاله للمعايير والقواعد الاجتماعية، أعدمه النظام القضائي مع الوهم بحكمه على براءة الشخصية، وفي الواقع يكشف هذا توافقه مع المجتمع.

لذلك، فإن الجوهر الاجتماعي كما قدمه كامو، يعيق قبول الانسجام لأنه يتفق فقط مع الفكرة الموحدة للتضحية بحرية الفرد، نظرًا لحقيقة أن مورسو هو شخصية وجودية، فإن السلطة الاجتماعية والاقتصادية لديها أدنى حد من التأثير عليه حين مضى للإعدام. بالرغم من ذلك، فهم يميلون لتفاهته التي تجبره على مواجهة الاغتراب حين عانى من فقدان إيمانه تجاه جوهر المجتمع أو بعبارة أخرى، السلطة الخارجية.


يستكشف كورت فونيجت بالمثل النظرة الوجودية للحياة في رواية المسلخ رقم 5 (1969). ومع ذلك تنقل الرواية القارئ إلى مجموعة من خيالات الفضاء والسفر عبر الزمن مع أحداث تاريخية من حياة الراوي. في سلسلة من الأحداث الخطية، توجد معارضة لنظرة المجتمع الشائعة للحياة، تكملها البنية والأوصاف المفككة وغير المترابطة في الرواية كليًا. هذه الموضوعة الموحّدة للتجزئة تغيّر من النص الرئيس.


لا معنى الوجود


ينص جزء من فلسفة كامو أن الحياة البشرية لا تمتلك في جوهرها معنى أو غاية متأصلة وأن الحقيقة الوحيدة التي لدينا هي أننا سنموت جميعًا. ينعكس هذا خلال الرواية 'الغريب'، حيث لا يُقدم البطل تفسيرًا لأيٍ من مشاعره، أفكاره أو أفعاله. لفهم ذلك، من المفيد معاينة الحوار. حين بادل مورسو الحديث، عرضه الكاتب كما لو كان خطابًا معلنا وغيرَ مباشر. إدخال الحوار في الرواية لا يعطي احساس حقيقي بوجود صوت متحدث آخر، والذي يحدد علاقاته مع كل شخصية في الرواية: حتمًا غير طبيعية وتفتقر بوضوح إلى التعلق العاطفي والجسدي. 

"استمر البواب في الحديث إلا أنني لم أُعره أي اهتمام. أخيرًا قال: 'الآن، أفترض أنك تود أن ترى والدتك؟' نهضت دون أن أرد، وقادني في طريقي للخروج" (كامو، 5). 

ونحن نواصل القراءة، نحصل على فهم أعمق لطبيعة مورسو اللا مبالية ومعاناته في الحفاظ على ترابط اجتماعي. على سبيل المثال، حين تُعرض عليه ترقية، يرفضها بسهولها قائلًا: لم أجد أي سبب لتغيير حياتي'. يطابق هذا العقلية القائلة أنه إذا كان الموت حتميًا ولم يكن هنالك معنى للحياة، فإن أي جهود مبذولة لتغييرها ستكون عبثية.


تشمل الوفيات الثلاث التي واجهها مورسو وفاةَ والدته، وقتلَ العربي وأخيرًا إعدامه. فلنأخذ محاكمته مثالًا في نهاية الرواية، فهو يرفض الامتثال لشروط المحكمة للدفاع عن نفسه لقتل العربي. أغضبَ رفْضُ مورسو المستمر لإثبات براءته كلَّا من المحكمة والقس، مما نقل موضِع التركيز الأساسي من الجريمة إلى معاداته وإلحاده. هذا يُظهر أنه في النهاية لا أحد يرغب في قبول حقيقة أن مورسو لا يعرض أيَّ تبرير كامن لنفسه. النتيجة لردة فعل المجتمع هذه تجبر رجلا متواضعا ويسيرَ الحال ليكون ضحية فانية للموت، مع ذلك، هذا لم يكن بسبب رفضه قول الحقيقة، لكن لأنه رفض الكذب. بالرُغم من ذلك، موت مورسو لم يكن أمرًا مؤسفًا له لأنه أصبح مُكتفيًا على نحوٍ غريب بإدراك أن الفناء هو كل ما يوجد. يعلمنا هذا أنه نظرًا لأن مجمل الوجود البشري غير قابل للتغيير، يجب علينا قبول حتمية الموت واحتضان اللا معنى.


في رواية المسلخ رقم 5 لكورت فونيجت، يصبح سكان الكوكب الوهمي المُسمى بترالفامادور هم المحفز الذي يدفع بيلي بيلجريم إلى فلسفته الوجودية. واجهته العبثية هناك ثم دفعته أخيرًا للتمسك بالمأساة القائلة أنه لا مفر من الموت والحرب: 

"كيف ينتهي الكون؟" تساءل بيلي. 

"نحن السبب في تفجيره حين نجرب أنواعًا جديدة من الوقود لأطباقنا الطائرة. يضغط طيار من كوكب ترالفامادور على زر التشغيل، ويختفي الكون كله".

قال بيلي: "إذا كنت تعرف أنّ هذا ما سيحدث، ألا توجد طريقة ما يمكنك من خلالها منعه؟ ألا يمكنك منع الطيار من الضغط على الزر؟".

لقد كان دائمًا يضغط عليه، وسيفعل ذلك دائمًا. كنا دائما نسمح له، وسوف نسمح له دائما. إنَّ هذه اللحظة صُنعت لتكون على هذا النحو".

لذلك، قال بيلي وهو يلتمس طريقه، "أفترض أن فكرة منع الحرب على الأرض هي فكرة غبية أيضًا". (فونيجت، 55). 

هذه المحادثة أعادت تشكيل مفهوم بيلي بيلجريم عن الهدف من الحياة والحتمية وذلك حين أُجبر على مواجهة حالة من العبث. بالرغم من أن في كلٍ من روايتيّ الغريب والمسلخ يقبل البطل الحقيقة المؤلمة للحياة، فإن مورسو يصل إلى إدراك أنها سلسلة من اللحظات الأبدية. الاختلاف هنا في أنه يُعطي تفسيرًا للا معنى الوجود البشري، الذي لم يُستكشف في رواية الغريب. تأثير هذا هو لا عقلانية الكون.


لا عقلانية الكون


من المهم فهم أن اعتقاد كامو ومنظوره في لا عقلانية الكون تكمن في أن الحياة لها قيمة تافهة. تحتوي روايته على ذات الموضوع الفلسفي حيث فكرة أن حياة الفرد بلا نظام أو غاية. ومع ذلك بما أنه مفهوم يصعب على المجتمع التصالح معه نفسيًا وعقليًا فإنهم يحاولون باستمرار تشكيل نوع من الغايات المنطقية لحياتهم. لا عقلانية الكون تُشير لعملية محاولة خلق معنى للحياة في حين عدم وجوده. هذا الموضوع يخترق الرواية من بدايتها وحتى النهاية.


عُرض السرد ووجهة النظر في رواية الغريب من خلال مونولوج داخلي لمورسو، البطل والراوي. هذا الأسلوب المختار لتيار الوعي يُستخدم وسيلةً لإدخال القراء إلى عقل مورسو كي يستجيبوا بتعاطف أكبر لنظرته تجاه الحياة. بالرغم من أنه يحد من المنظور الذي تُعرض من خلاله الشخصيات والأحداث، فإن أسلوب الكتابة هذا لديه تأثير قوي، إذ إنه يضفي طابعًا شخصيًا على التجربة والرسالة المنقولة عن الفلسفة الوجودية. 


من الواضح أن ظروف مورسو متغيرة مع أن شخصيته ثابتة. يُفسّرهذا عن طريق انطباعه المبسط عن مقدمته المبدئية للقارئ التي لا تمتلك أي صفات أو آراء أو مهن أو مساكن غير اعتيادية أو منافية للعقل، من بين أشياء أخرى.

من الممكن القول إن حياة مورسو المملة لدرجة لا نهائية وافتقاره لأي سمة لافتة أو تفاعل اجتماعي تجعل صفاته مذهلة  على نحو متناقض. ربما تكون هذه الفرضية للرواية وُضعت لاحقًا على أنها تقرير وصفي لأنها تفتقر لأي عناصر تكميلية أو عاطفية، على غرار شخصية مورسو ونمط حياته. يبرز هذا للقارئ أن التفاصيل المنمقة غير ضرورية تمامًا مثل وضع سبب للحياة؛ ليس له معنى في النهاية.


يعرض كامو هذه الفكرة خلال هذا النوع من النصوص؛ على سبيل المثال، الجمل هنا مختصرة ومباشرة. يتعرّض القراء لهذا الأسلوب اللغوي المختصر منذ بداية الرواية: "توفيت والدتي اليوم. أو ربما أمسِ. لا يمكنني التأكد." (الغريب، 1). ينجح هذا الأسلوب في جعل القارئ يُدرك طريقة تفكير البطل إذ يوضح ابتعاده عن التفصيل في شرح مشاعره وتصوراته. مما يدل على الموقف العقلاني وغير الأخلاقي الذي يتبناه تجاه الموت بعدِّه شعورًا وجزءًا من الحياة، خاصةً وأنها كانت وفاة والدته.


في رواية المسلخ رقم 5، يبدأ فونيجت الحكاية من منظور العالِم بكل شيء وينصب الراوي ليكون حاضرًا داخل سير الحبكة وفوقها. من أجل إعطاء القارئ معلومات حول الأحداث على كل من الأرض وكوكب ترالفامادور في أي لحظة معينة، موضع الراوي يمكّنه من الوصول نظريًا إلى أذهان جميع الشخصيات، متجاوزًا وعيهم المحدود. على عكس رواية الغريب تسمح هذه التقنية في المسلخ بمجال رؤية أوسع للمكان والزمان. في الفصل الثاني يعلن الراوي أن "بيلي بليجريم انفصل عن الزمن" (المسلخ رقم 5، 1). يشير هذا المفهوم إلى عدم قدرة الشخصية على عيش الحياة يومًا بيوم، ولكن بالأحرى من لحظة إلى أخرى بدون نظام معين. قُدّمت الشخصية بسرعة من خلال سلسلة زمنية فيها مشاهد سيرة ذاتية من حياته، والتي تتناقض بشدة مع قفزه ذهابًا وإيابًا خلال عام 1944 في غابة ألمانية، ليصبح "غير عالق بالزمن". تؤدي قفزاته النشطة من إطار زمني إلى إطار زمني آخر إلى عدم استقرار عاطفي ومنطقي في القصة مما يزيد من المتاعب التي يمر بها بيلي لفهم حياته. هذا عامل أساسي في الرواية يميزه عن رواية الغريب في موضوع الشخصيات. هذا بسبب أن دورة الحياة عند مورسو هي منظور ثابت قد يستمر معك أو بدونك، إلا إذا كنت جزءًا من نطاق اجتماعي عظيم. بالرغم من ذلك، وللحظة خاطفة من الحزن والأسى، ستستمر الحياة. دور الموت غير مهم لواقع هذا العالم كله لذلك فمن الضروري إلى الاعتراف به، لأنه سيبقى إلى الأبد على هذا النحو.

من ناحية أخرى يتأمل بيلي بيلجريم دوره في الحياة والغاية من كل ما يحدث حوله. على سبيل المثال، حين اختطفه سكان ترالفامادور من كوكب الأرض، بدأ يتساءل لمَ اختاروه هو بالتحديد من بين جميع الناس، مما يُثير المزيد من التساؤلات حول أسباب ونتائج هذا الموقف. على عكس مورسو، بيلي بيلجريم يعد مسائل حياته جزءًا من منظمة أوسع على أساس قرارات تؤثر في ما سيحدث لاحقًا، معطية كل الأحداث سببًا للحدوث. هذه العقلية تلمح إلى أن البطل مقتنع بالكامل بالأفكار التالية: الإرادة الحرة، القدر ومبررات الحياة، ومع ذلك، تحدت مبادئ خاطفيه هذه الأفكار. حين تعرّف بيلي بيليجريم على سكان ترالفامادور، تعلّم أنه في كوكب الأرض، يسير الوقت بنظام معين، أما في كوكب ترالفامادور، توجد كل أحداث الزمن في ذات الوقت وتُرى كيانا واحدا. تفرض فلسفة الترالفامادوريين أن الأشياء توجد وتحدث، وستبقى دائمًا بهذه الطريقة ما دام لا يستطيع شيء تغييرها أو تغيير مصيرها. المثال الذي يوضح هذا هو حين يتساءل بيلي عن سبب اختياره من قِبل الترالفامادوريين:" لمَ أنا؟" هذا السؤال أرضّي جدًا، سيد بيلجريم. لمَ أنت؟ لمَ نحن على كل حال؟ لماذا أي شيء؟ لأن اللحظة موجودة بوضوحٍ" (فونيجت، 37)

في هذه المرحلة من الرواية، يمثل بيلجريم المجتمع كما في اعتقاد كامو عن لا عقلانية الكون. هذا لأنه يوضح ميل الإنسان للبحث عن معنى للحياة من خلال فضوله ليحصل على فهم القيمة الجوهرية للأشياء. في حين يلعب بيلجريم دوره، يمثل سكان ترالفامادور الإلهام الذي يكشف له الحقيقة: "أهم شيء تعلمته في ترالفامادور هو أنه حين يموت شخص فإنه يظهر فقط أنه مات. في حين أنه يبقى حي جدًا في الماضي، لذلك من السخف أن يبكي الأشخاص في جنازته. كل اللحظات، الماضي والحاضر والمستقبل، كانت موجودة دائمًا، وستظل موجودة إلى الأبد". (فونيجت، 16)

بالابتعاد إلى منظور أوسع، لا يعرض فونيجت موضوع لا عقلانية الكون فحسب، بل يُشدد على موضوع جنون الحرب. ويمكن تفسير جنون الحرب عن طريق لا عقلانية الكون.


أهمية العالم المادي


إنَّ العالمَ المادي سمةٌ أخرى مهمة برزت في الفلسفة الوجودية. يشير أنه إذا كان المعنى السامي وراء حياتنا الحالية وهمًا، فكل ما تبقى هو المادة وجوهر العالم المادي الذي يشغله البشر.

قُدِّم السرد في رواية الغريب بأنه تقريرٌ وصفي يفتقر إلى أي عامل عاطفي تجاه الشخصيات الأخرى. على الرغم من أن هناك ميزة مثيرة للاهتمام يُدخل فيها كامو التفاصيل الكثيرة حول العناصر غير المهمة للعالم المادي. فعلى سبيل المثال، أخذ بنية ونظام العلاقة بين مورسو وحبيبته ماري كوردانا في عين الاعتبار، فقد أُنشئت العلاقة على نوع من الانجذاب غير المتبادل من جميع النواحي. هذا لأن مورسو ينظر إلى ماري على أنه شخص ذو رغبة جسدية أكثر من كونها شخصًا لديه مشاعر. "كانت ترتدي فستانًا جميلًا جدًا، مع خطوط حمراء وبيضاء، وصندل جلدي، لم أستطع أن أرفع عيني عنها. يمكن للمرء أن يرى معالم ثدييها الصغيرين الثابتين، وكان وجهها المسمّر بسبب الشمس مثل زهرة بنية مخملية " (الغريب، 24) هذا معتاد لمورسو، إذ يبدو أنَّ حافزه اليومي يأتي من إشباع الجوانب المادية للعالم بدلاً من التطور الذاتي.


في المسلخ رقم 5، فإن أسلوب فونيجت في الكتابة اختزالي من وصف العالم المادي لأنه يفتقر إلى الأوصاف، والنص في معظمه مكون من حوارات وأفعال: "رشتهم الطائرات بطلقات نارية، لكن الطلقات النارية لم تصب الهدف. ثم رأوا بعض الأشخاص يتحركون في الأسفل على ضفة النهر فأطلقوا عليهم، وأصابوا بعضهم. وهكذا استمر الأمر. الفكرة كانت لتعجيل نهاية الحرب". مع ذلك، الاختزال في الوصف هو ما يخلق مبالغة عامة للمشهد. 


على مدى الدمار والارتباك الناتج عن الحرب، أصبح فونيجت قادرًا على إظهار مشاعر متعددة مثل الغضب والحزن والإحباط. على الرغم من حقيقة أنه يلتقط مشاهد فوضوية وكثيفة عاطفيًا، فمن الصعب تحديد عناصر العالم المادي بدقة. ربما يحاول فونيجت إيصال هذه المأساة بأن البشر يدمرون العالم ولا يوجد شيء يمكن القيام به.


UKessays.

ترجمة: زينب محمد.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب