المشاركات الشائعة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفكرون جهابذة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفكرون جهابذة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 سبتمبر 2021

مفكرون جهابذة: أبيقور

أبيقور (341-270 ق.م)




ولد الفيلسوف الإغريقي أبيقور العظيم عام 341 قبل الميلاد، في جزيرة ساموس التي تبعد بضعة أميال عن ساحل تركيا الحديثة. كان ذو اللحية الطويلة أشهر فلاسفة عصره، وكتب ما يزيد عن ثلاثمئة كتاب. اشتهر أبيقور بتركيزه المحكم الشديد على موضوع محدد هو السعادة. فصب تركيزه على هذا الموضوع خلافًا للفلاسفة السابقين، الذين أرادوا معرفة الطريق إلى الصلاح.

لم يقدم غير بضعة فلاسفة على هكذا اعتراف صريح وعمليّ عن اهتماماتهم من قبل. صَدَم أبيقور الكثير حينها، خصوصًا حين علموا أنه أسس مدرسة للسعادة سماها الحديقة. كان ما يحدث داخلها كُلي الغموض وعظيم التشويق. أذاع بعض الناقمين على الأبيقورية إشاعات مخربة عمّا كان يحدث في داخل المدرسة، فقال تيمقراط مثلًا -المنشق عن هذه المدرسة والفاني لعمره في التقليل منها- إن أبيقور كان يتقيأ مرتين في اليوم لأنه يمضي جل وقته جالسًا على أريكة تطعمه عصبة من العبيد أفخم اللحوم والأسماك. أما ديوتيموس الرواقيّ فقد نشر خمسين رسالة فاحشة ادَّعى -كذبًا- أنها مكتوبة من أبيقور المخمور المهووس بالجنس إلى بعض الطلاب الشباب. لكن هكذا إشاعات كانت عارية عن الصحة، فالحقيقة عن أبيقور أقل حسيّة وأكثر إثارة بكثير. اهتمَّ الفيلسوف الإغريقي بالسعادة والمتعة فعلًا، لكن لم يكن له ذاك الاهتمام بالوجبات الفخمة وطقوس العربدة. فلم يكن له غير ثوبين وحسب، واقتات على الخبز والزيتون، وتحليته غير المعتادة كانت شريحة جبن! عوضًا عن ذلك، خلص أبيقور من دراسته الصبورة للسعادة على مر الأعوام إلى استنتاج ثوري عظيم عمّا نحتاج إليه حقًا لنكون سعداء، استنتاج غريب عن افتراضات عصره وعصرنا على حد سواء.

قال أبيقور إننا عادة ما نرتكب ثلاثة أخطاء عند التفكير في السعادة، هي: 

1- نعتقد باحتياجنا إلى علاقات عاطفية


سابقًا كما الآن، شغف الناس بالحب بإفراط. لكن لاحظ أبيقور أنَّ السعادة والحب (خلا الزواج) لا يكادان يلتقيان. فهناك الكثير من الغيرة والمرارة وسوء الفهم. والجنس معقد غالبًا ونادرًا ما ينسجم مع المشاعر. لذا اعتقد أبيقور أن من الأفضل عدم الإيمان بالعلاقات كثيرًا. وعلى النقيض من ذلك وضع الصداقة، ونوّه إلى فوائد الكثير من الصداقات: نحن فيها خلوقون، ونبحث عن الاتفاق، ولا نُعنِّف أو نُوبِّخ ونخلو من حس التملك. لكن المشكلة أننا لا نرى أصدقاءنا بما فيه الكفاية. فنقدم عليهم العمل والعائلة، أو لا نجد الوقت، أو إنهم يعيشون بعيدًا.


2- نعتقد باحتياجنا إلى مال كثير


سابقًا كما الآن، شغف الناس بالوظائف بإفراط، يدفعهم التوق إلى المال ونيل احترام الناس. لكن بيَّن أبيقور الصعوبات في الوظيفة: الغيرة والغيبة والطموحات المحبَطة. آمن أبيقور أن ما يجعل العمل مرضيًا هو عندما نعمل فرادى أو بمجاميع صغيرة، وعندما يكون العمل ذا غاية فنشعر أننا نساعد الآخرين بطريقة ما أو نصنع شيئًا يحسن العالم. نحن لا نطمح حقًا إلى المال والجاه عبر العمل، بل إلى حس بالإنجاز.


3- نبالغ في تقدير الرفاهية


نحن نحلم بالرفاهية، نتصورها منزلًا جميلًا بغرف فخمة وإطلالة أنيقة. ونتخيل رحلات إلى أماكن مثالية حيث نرتاح ويدللنا الآخرون… لكن أبيقور يختلف مع توقنا. إذ يعتقد أن بغيتنا الحقيقية من خيال الرفاهية هي السكينة. لكن السكينة لا تتحصل بامتلاك منزل جميل وتغيير الإطلالة بسهولة. إنَّ السكينة سمة داخلية تتحصل عبر التحليل، نتاج تمحيصنا لهمومنا وفهمها صحيحا. لذا نحن بحاجة إلى استقطاع كثير من الوقت للكتابة والقراءة، والأهم من كل هذا، إلى الاستفادة من دعم دوري يقدمه مستمع جيد. المستمع الجيد هو شخص متعاطف ولطيف وذكي قد يوصف في زمن أبيقور بالفيلسوف ويمكن أن نسميه اليوم بالمعالج النفسي.


وضع أبيقور ثلاثة مستحدثات من تحليله للسعادة:


أولًا، قرر أن يعيش مع أصدقائه في مكان واحد عوضًا عن رؤيتهم بين حين وآخر. ابتاع قطعة أرض متواضعة السعر خارج أثينا وبنى مكانًا يستطيع وأصدقاؤه العيش فيه دائما. كان لكل منهم غرفة فيه، بالإضافة إلى المناطق المشتركة بينهم في الأسفل. هكذا كان جميع المقيمين محاطون بجيران عطوفين مسلين يشتركون معهم في وجهات النظر. وكان هناك جدول للاعتناء بالأطفال. والجميع يأكل معًا. ويستطيع الشخص أن يحظى بمحادثة في الممر متأخرًا في الليل. كان ذلك أول مجتمع مصغر متسق في العالم.

ثانيًا، توقف جميع من في ذلك المجتمع عن العمل للغير. تقبلوا أن ينخفض دخلهم مقابل أن يستطيعوا التركيز على العمل المُرضي: مثلًا كرَّس بعض أصدقاء أبيقور نفسهم للزراعة، وآخرون للطبخ، وقلة منهم للفن وصنع الأثاث. باتوا يجنون أموالًا أقل بكثير لكن يشعرون برضا داخلي وفير. 

ثالثًا، كرس أبيقور وأصدقائه نفسهم لإيجاد السكينة عبر التحليل المنطقي والبصيرة، فأمضوا حصة من كل يوم يتأملون في أوجاعهم، ويحسنون فهمهم لأرواحهم، ويتثقفون بأسئلة الفلسفة المهمة.  


ذاع صيت تجربة أبيقور في العيش فتبعها الآلاف وانتشرت المجتمعات الأبيقورية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وازدهرت تلك المراكز لأجيال إلى أن قمعتها كنيسة مسيحية متعنِّتة حاقدة بوحشية في القرن الميلادي الخامس. مع هذا فإن مبادئها نجت رغم تحوّل العديد من المراكز إلى أديار. ما زال تأثير الأبيقورية مستمرًا في العصر الحالي، فقد كانت أطروحة كارل ماركس في الدكتوراة عن أبيقور، وعدَّه فيلسوفه المفضل. بل إن ما نسميه اليوم بالشيوعية ليس في جوهره إلا نسخة أكبر -أكثر تسلطًا وأقل متعة- من الأبيقورية.

حتى اليوم، ما تزال الأبيقورية دليلًا لا غنى عنه إلى الحياة في المجتمعات الرأسمالية الاستهلاكية المتقدمة، لأن الدعاية -التي تعتمد عليها هذه الأنظمة- توظف خلط مفاهيم الناس ببراعة بخصوص ما يعتقدون أنه ضروري لسعادتهم. ويركز عدد هائل من الدعايات على الثلاثة أشياء التي صنفها أبيقور مغريات سعادة كاذبة، وهي الحب الرومانسي والمكانة المهنية والرفاهية.

ما كانت الدعايات لتعمل إن لم تناغِ احتياجاتنا الحقيقية. لكنها تحفزنا عبر مداعبتها ولا تحققها فعلا. فإعلانات البيرة على سبيل المثال سترينا مجموعة أصدقاء متعانقين، لكنها لا تبيعنا غير الكحول (الذي قد ينتهي بنا الحال نحتسيها بمفردنا). وخذ إعلانات الساعات الفخمة أيضًا، فهي تظهر لنا أشخاصًا بمكانة مهنية عالية يتمشون قاصدين المكتب، لكنها لن تلبي فينا التوق إلى عمل مُرضٍ بحق. وقد تدغدغ إعلانات الشواطئ الاستوائية حواسنا براحتها النفسية لكنها أبدًا لن تستطيع -بمفردها- أن تهب لنا السكينة التي نشتهيها.

يحثنا أبيقور على تغيير فهمنا لنفسنا وتغيير المجتمع وفقًا لذلك. لا يجب أن نرهق نفسنا والكوكب معنا في سباق السعي إلى أشياءَ لن ترضينا بحق حتى إن نلناها. نحتاج إلى العودة إلى الفلسفة، وإلى جدية أكثر بكثير بخصوص مسألة أن نكون سعداء.


Great Thinkers

ترجمة: موسى جعفر


مفكرون جهابذة: الرواقية

 

ازدهرت الفلسفة الرواقية في اليونان القديمة وروما قرابة أربعة قرون، ودعمها الكثيرون من مختلف طبقات المجتمع. كان لها طموح كبير وواقعي جدًا هو تعليم الناس الهدوء والشجاعة في خضم الجزع وشديد الألم.

نحتفي بهذه المدرسة إلى اليوم عندما نصف شخصًا ما بأنه رواقيّ أو فلسفيّ محض حين يحاربه الزمن: كأن يضيع مفاتيحه أو يُذل في العمل، أو يُرفض عاطفيًا أو يُذم مجتمعيًا. ولعل الرواقية هي الأقرب إلينا من بين كل المناهج الفلسفية وأكثرها فائدة في أوقاتنا المخيفة المتقلبة. 

انتهج الرواقية كثير من الفلاسفة، لكن يلوح لنا اثنان هداةً أفضل من غيرهم: أولهما معلم الإمبراطور نيرون والكاتب والسياسي الروماني سينيكا (4 ق.م - 65). وثانيهما الإمبراطور الروماني العطوف الشهم، الذي كان يتفلسف في وقت فراغه من مقارعة الجحافل الجرمانية على حدود الإمبراطورية: ماركوس أوريليوس (121 - 180م). ما زالت مؤلفاتهم سهلة عند القراءة وعميقة في المواساة، إنها مثالية لليالي الأرق؛ وأرض خصبة تطرد الذعر والرعب.

تساعدنا الرواقية في أربع مشاكل بالتحديد هي:


1- الجزع


يمكن أن تلم بنا الصعاب في كلِّ حين. وطريقة الناس المعتادة لانتشالنا من الجزع الذي يغمرنا هي بإخبارنا أن كل شيء سيكون على ما يرام، بترجيح أن المبيعات مثلًا سترتفع، أو أن الرسالة الإلكترونية المحرجة لن تقرأ، أو أن الفضيحة لن تقع...

لكن الرواقية تعارض هكذا نهج وبشدة؛ إنها تؤمن أن الجزع يزدهر في الفجوة بين خشيتنا من وقوع شيء وأملنا بحدوث آخر. وكلما اتسعت الفجوة؛ زادَ تقلب المزاج واضطرابه.

ما نحتاج إلى فعله لنستعيد السكينة هو سحق الأمل حتى آخر ذراته بمنهجية وتعقل. يقترح الرواقيون أن الأفضل لنا تقبل أسوأ الاحتمالات بشجاعة والتعايش معها عوضًا عن تخدير أنفسنا بإشراقة شمس الفرج. حين نواجه مخاوفنا ونتخيل كيف ستبدو الحياة إن تحققت، فإننا نستخلص إدراكًا حقيقيًا فحواه: سنتأقلم. سنتأقلم إن حبسنا في سجن، وإن خسرنا جميع أموالنا، وإن فضحنا على الملأ، وهجرنا أحبابنا، وإن تبين أنّ نمو السرطان خبيثٌ. يجدر الإشارة إلى أن الرواقيين يؤمنون بالانتحار كثيرًا.

نحن لا نتجرأ عادة على النظر إلى الاحتمالات المؤسفة إلا لمحًا بأجفان شبه مطبقة، لذا يطول إحكام قبضتها السادية علينا. لكن سينيكا يقترح بدلًا من ذلك: «بغية تقليل قلقك، يجب أن تفترض أن ما تخشى وقوعه واقع لا محالة». وقال سينيكا بفجاجة لصديق مذعور من أنه سيسجن: «السجن يحتمل دائمًا، ممن فهم الوجود حقًا».

يقترح الرواقيون أن نأخذ وقتًا للتدرب على أسوأ الأحداث الممكنة الوقوع. يجدر بنا مثلًا أن نعيّن أسبوعًا من السنة لا نأكل فيه غير الخبز البائت ولا ننام إلا على أرضية المطبخ بغطاء واحد؛ هكذا سنكف عن كوننا شديدي الحساسية من فكرة أن نطرد أو نسجن. يقول ماركوس إننا سندرك حينها «إن الحياة السعيدة لا تتطلب غير اليسير». 

يمارس الرواقي الجيد بعدها التصوّرَ السلبي كلَّ صباح، فيتصور كل الفظائع ممكنة الحدوث في الساعات القادمة. وبكلمات سينيكا المحكمة: «ولدتَ فانيًا وإلى الفانين وهبتَ الحياة؛ لذا يجب افتراض حدوث كل شيء، وتوقع كل شيء». في الحقيقة، ليست الرواقية أكثر من بروفة فخمة وذكية للكارثة.


2- الغضب


نحن نغضب من أبوينا وأطفالنا وساستنا، ونحطم الأشياء ونؤذي غيرنا. ترى الرواقية الغضب على أنه انغماس خطر والأكثر من ذلك جزء من الغباء، لأن الغضب حسب تحليلهم لا ينتج إلا عن شيء واحد: التصور المغلوط للوجود. إنه فاكهة السذاجة المرة.

حسب تحليل الرواقية، الغضب هو نتيجة تصادم عنيف بين الأمل والواقع. فنحن لا نصرخ عندما يمسنا ضرٌّ، بل فقط عندما يكون الضر غير متوقع. لذا يجب علينا تقليل طمعنا بكرم الحياة لنكون أهدأ. فأحبائنا سيخيبون ظننا بالطبع، وزملاؤنا سيخذلوننا، وأصدقائنا سيكذبون علينا دومًا... ولا شيء من هذا يجب أن يكون صادمًا. نعم يمكن له أن يحزننا، لكن لا يجدر به -إن كنا رواقيين- أن يغضبنا البتة.

يجدر بالحكيم أن يطمح إلى الوصول إلى حالة لا يستطيع عندها شيء أن يعكر صفو مزاجه فجأة. يجب أن يحسب حساب كلِّ مُلمةٍ محزنة سلفًا. وفي هذا الباب يتساءل سينيكا: «ما الداعي للنحيب على أشواط من الحياة؟ إنِّ كل ما فيها يستوجب الدموع».


3- جنون الارتياب


من السهل أن نعتقد أننا اصطفينا للفظائع، فنتساءل لماذا حلت بنا، ونقض مضاجعنا بلوم العالم أو الحقد عليه. لكن الرواقية لا تريدنا أن نفعل أيًا من ذلك، إذ تقول إن ذلك قد لا يكون ذنبنا ولا ذنب أي أحد على الإطلاق! ومع أنها ليست دينًا فإن الرواقية كانت متيمة بإلهة النصيب الرومانية المعروفة بفورتونا، عادةً إياها أفضل تشبيه للقضاء والقدر. بُنيتْ لفورتونا معابد في كل أرجاء الإمبراطورية وكانت تُعد مزيجًا مرعبًا من الكرم والحقد والعَمد العشوائي. لم تكن فورتونا ميريتوقراطية (يعرف أيضًا بحكم الأكفأ وهو نظام سياسي تسند فيه الأشياء على أساس الجهد والكفاءة) فقد صُوّرت حاملةً رمزَ الوفرة المملوء بالخيرات (الحب والمال وما شابه) في يد، وغصن جذري لتغيير مسار الحياة في اليد الأخرى. وهكذا قد تعطيك حسب مزاجها عملًا مثاليًا وعلاقة رائعة، ثم في اللحظة التالية تنظر إليك تموت مختنقًا بعظمة سمكة لا لشيء غير رغبتها.

من أهم أولويات الرواقي أن يراعي ما مقدار الحياة الذي سيكون دائمًا بيد هذه الشخصية المختلة. وحذر سينيكا منها فقال: «لا يوجد شي لا تجرؤ فورتونا عليه». يجعلنا إدراك ذلك في وقت مبكر نهوّن على أنفسنا الفشل ولا نثق في النجاح. فنحن لا نستحق حقًا الكثير مما الذي يحدث معنا. لذا فإن مهمة الرجل الحكيم هي ألا يؤمن بهبات النصيب مثل الشهرة والمال والسلطة والحب والعافية أبدًا، فما هي ملكنا مطلقًا. يجب أن تكون قبضتنا عليها لينة وشديدة الحذر.


4- فقدان البصيرة


نميل1 فطريًا إلى المبالغة في أهميتنا، إذ نرى أحداث حياتنا تلوح كبيرة في نظرتنا إلى العالم. نلعن ونرمي الأشياء في أرجاء الغرفة عندما نتضايق ونضطرب. ولأجل استعادة رباطة جأشنا يجب أن نصغِّر نفسنا في نظرنا بين حين وآخر؛ يجب التخلص من وَهْمِ أنَّ ما نفعله وما نحن عليه ذو أهمية حقًا، فهو مرهق وإن كان طبيعيًا. كان الرواقيون علماء فلك نجباء، فأوصوا جميع طلاب الفلسفة بالتأمل في السماوات. ارفع بصرك مساءً وأنت تتمشى، سترى كواكب مثل الزهرة والمشتري يسطعان في السماء التي تعتم رويدًا رويدًا. وقد ترى نجومًا أخرى حين يشتد الظلام، مثل الدبران ونجوم برج الحمل ومجرة المرأة المسلسلة وغيرها. إنها تلميح عن اتساع الفضاء غير القابل للعد في أرجاء نظامنا الشمسي والمجرة والكون بأسره. للمنظر تأثير مهدئ وقَّره الرواقيون، فنحن ندرك أمام هكذا كواليس، ألا شيء من متاعبنا وخيباتنا وآمالنا له أي صلة. من وجهة نظر كونية ولحسن الحظ: لا أهمية لشيء يحدث معنا أو شيء سنفعله.


الخلاصة

نحتاج إلى الرواقيين اليوم أكثر من أي وقت مضى. فنحن نتعرض كل يوم إلى حالات فهموها وأرادوا تحضيرنا لها.

___ 

1 إن تعاليمهم سوداوية وواقعية لكنها في ذات الوقت مواسية بحق بل ومسلية أحيانًا. إنهم يحثوننا على الشعور بالبطولة والجموح في وجه متاعبنا العديدة. ولا ننسى تذكير سينيكا لنا: «انظر إلى معصميك، تكمن الحرية هناك في أي وقت». لا شيء أفضل من حلاوة تهدئة هؤلاء الحكماء القدماء المرة، لموازنة الابتهاج المستفز والتفاؤل الساذج لوقتنا الحالي. 


Great Thinkers

ترجمة: موسى جعفر


الثلاثاء، 17 أغسطس 2021

مفكرون جهابذة: أرسطو

 أرسطوطاليس (384- 322 ق.م)





ولد أرسطو في مملكة مقدونيا الإغريقية القديمة قرابة العام 384 قبل الميلاد، وكان والده الطبيب الملكي حينها. ومن الممكن القول إنه شبَّ ليصبح أكثر الفلاسفة تأثيرًا على الإطلاق، وحظيَ بعدة ألقاب متواضعة من قبيل المعلم أو الفيلسوف، وكان أحد أهم أعماله تأديب الإسكندر الأكبر الذي شد الرحال لاحقًا واحتل العالم المعروف.

درس أرسطو في أثينا، وعمل برفقة أفلاطون عدة سنوات. لكنه استقل بنفسه لاحقًا وأوجد مركز بحث وتعليم سماه ليقيون Lyceum، وسميت المدارس الثانوية الفرنسية «ليسيه lycée» تيمنًا بهذا المشروع. ولأنه أحب المشي في أثناء التعليم ومناقشة الأفكار فقد سمي أتباعه بالمشائين أو الهائمين، وفي الواقع فإن كتبه العديدة هي ملاحظات من تلك المحاضرات. شُغُفَ أرسطو بكيفية عمل الأشياء، مثلًا: كيف يتطوّر فرخ الدجاج في البيضة؟ وكيف يتكاثر الحبار؟ ولماذا تنمو نبتة في مكان ما بنحوٍ جيد ولا تكاد تنمو في مكان آخر؟ والأهم من كل هذا: ما الذي يحسن حياة الإنسان خصوصًا والمجتمع عمومًا؟

وتمحورت الفلسفة في نظر أرسطو حول الحكمة العملية. وإليك أربعة أسئلة فلسفية مهمة أجاب عنها: 



ما الذي يسعد الناس؟


تكفل أرسطو في كتابه الأخلاق النيقوماخية -سمي هكذا لأن ابنه نيقوماخس حرر هذا الكتاب- بمهمة تحديد العوامل التي تؤدي بالناس إلى حياة كريمة أو بائسة. فاقترح أن جميع الناجحين والصالحين يملكون فضائل مختلفة، وقال باستحباب تحسين قدرتنا على معرفة كنه هذه الفضائل لنستطيع غرسها في نفوسنا واحترامها عند رؤيتها في الآخرين.


التفريط (رذيلة)

الاعتدال (فضيلة)

الإفراط (رذيلة)

مجال التأثير أو الشعور

الجبن

الشجاعة

الطيش

الخوف والثقة

عدم الإحساس

التوسط

الانغماس

المتعة والمعاناة

البخل

السخاء

الجشع

الكسب والإنفاق (صغرى- مثل المال)

الضآلة

الفخامة

الابتذال

الكسب والإنفاق (كبرى- غير ذلك)

الخوف

الشهامة

الاختيال

الشرف والعار (صغرى)

غياب الطموح

الطموح المعقول

الطموح

الشرف والعار (كبرى)

البرود

الحلم

الرعونة

الغضب

التقليل من النفس

الصدق

الغرور

التعبير عن النفس

الفظاظة

الظرافة

التهريج

المحادثة

الخشونة

الرفق

التملق

السلوك الاجتماعي

الوقاحة

الأدب

الخجل

الحياء

التمتع

الاستياء

الحسد

السخط


جدول أرسطو للفضائل والرذائل



لاحظ أرسطو أن كل فضيلة تبدو هي الوسط بين رذيلتين؛ إنها تشغل ما سماه «الوسط الذهبي» بين صفتين متطرفتين {في الشحة أو الكثرة}. على سبيل المثال، ينظر أرسطو في المجلد الرابع -من مؤلفه عن الأخلاق- ذي العنوان الأخاذ «الفضائل والرذائل الحِوارية»، إلى السبل التي يكون فيها الناس أفضل أو أسوأ في الحديث بعضهم مع بعض مثل التهريج والظرافة والفظاظة. وأدرك أرسطو أن معرفة كيف تحظى بمحادثة جيدة هي إحدى مكونات الحياة الطيبة الرئيسة. يفشل بعض الناس في الحوار لافتقارهم حس الفكاهة، وهذا ثقيل الظل وهو «شخص عديم النفع في أي تواصل اجتماعي لعدم مشاركته بشيء وامتعاضه من كل شيء». وبعضهم يفشل لمبالغته في الفكاهة وهذا المهرج وهو «شخص لا يستطيع كبح جماح نكتة، فلا يُعتِق نفسه ولا أي شخص آخر، ويستطيع رفع قهقهته وقول أشياءَ لا يجرؤ الرجل المهذب على قولها أبدًا». وهكذا فإن الشخص الفاضل هو الوسط الذهبي بينهما؛ إنه الظريف المهذب.

حلل أرسطو في استقصاء رائع عن الشخصية والتصرف «القليل جدا» و«الكثير جدًا» و«الكم المناسب» من مدى فضائل واسع. ومع أننا لا نستطيع تغيير سلوكياتنا بكن فيكن فإننا نستطيع تغييرها بالتدريج. وزعمَ أن الصلاح الأخلاقي هو نتيجة العادة؛ وإنه يتطلب وقتًا وممارسةً وتشجيعًا. لذا اعتقد أننا يجب أن ننظر إلى الناس الذين يفتقرون إلى الفضيلة على أنهم غير محظوظين بدلا من كونهم غير صالحين، وأنَّ ما يحتاجون إليه ليس التعزير والرمي في السجن بل معلمين أفضل والمزيد من الإرشاد.


ما الغاية من الفن؟


كان الفن في أثينا تراجيديا (مأساويًا) حيث اعتاد سكانها على مشاهدة المسرحيات الدموية التي تعرض في مسارح ضخمة في العراء ضمن مهرجانات مجتمعية. وكانت أسماء إسخيلوس ويوربيديس وسوفوكليس مألوفة جدًا آنذاك. 

ألَّف أرسطو دليلًا إلى كتابة المسرحيات العظيمة اسماه فن الشعر، وهو متخم بنصائح رائعة من مثل: احرص على تضمين نقطة التحول، وهي تغير في الأحداث، يجرى حين تدور النوائب على البطل. وتضمين العرفان أيضًا، وهي لحظة الكشف الدراماتيكي، حين يدرك البطل فجأة أنَّ حياته تسوء كثيرا بل تصبح كارثية.

لكن ما هدف التراجيديا؟ ما العبرة من تجمع الجماهير لمشاهدة الفظائع تحل بالشخصية الرئيسة؟ كما في مسرحية سوفوكليس عن أوديب، الذي يقتل والده عن غير قصد ويتزوج والدته ثم حين يدرك أنه فعل ذلك يفقأ عينيه ندمًا وقنوطًا. 

يجيب أرسطو إن الهدف هو التطهير. وهو نوع من التنظيف، بمعنى التخلص من الأشياء السيئة. وفي هذه الحالة، تنظيف مشاعرنا، خصوصًا حيرتنا فيما يخص مشاعر الخوف والشفقة.

لدينا مشكلة فطرية في هذا الصدد، فنحن متحجرو القلوب ولا نشفق حين تجب الشفقة، نحن مجبولون على الهلع أو عدم الخوف على الإطلاق. التراجيديا تذكرنا أن الأشياء السيئة قد تطال الناس الصالحين بمن فيهم نحن. فخطأ صغير قد يؤدي إلى تفكك حياة كاملة. لذا حري بنا أن نكون أكثر تعاطفًا وشفقة مع أولئك الذين تخيب مساعيهم. يجب أن نُعلَّم جماعيًا هذه الحقائق المهمة من جديد ودوريًا. ومهمة الفن بنظر أرسطو هي ترسيخ الأفكار الجوهرية عن الحياة في عقولنا. 


ما فائدة الأصدقاء؟


يشرح أرسطو في المجلد الثامن والتاسع من مؤلفه الأخلاق النيقوماخية، ثلاثة أنواع مختلفة من الصداقة. فهناك صداقة تتكون حين ينشد كل فرد المتعة فيكون اهتمامهم الأساسي بلذتهم وجمال اللحظة التي يوفرها الشخص الآخر. وثمة صداقات هي في الواقع معارف استراتيجية، حين يستمتع الناس برفقة آخرين لأن لديهم أمل في تحصيل فائدة من تلك المرافقة. أما النوع الأخير فهو الصديق الحقيقي. وهو ليس شخصًا يشبهك تمامًا، بل شخص ليس أنت لكنه يهمك بدرجة اهتمامك بنفسك. تكون دمثًا إن حدث شيء للصديق الحق، فأحزانه أحزانك وأفراحه أفراحك. لكنه أيضًا يجعلك قويًا فترتاح من المدار الضيق لأفكارك وهمومك. وتتمدد إلى حياة آخر، وتصبحان معًا أكبر وأذكى وأكثر مرونة وعدلًا فتتشاركان فضائلكما وتمحيان عيوبكما. تعلمنا الصداقة ما يجب أن نكون عليه؛ إنها حقًا أفضل ما في الحياة.


كيف للأفكار أن تنفذ في هكذا عالم مزدحم؟


ذهل أرسطو مثل كثير من الناس بحقيقة أن الحجة المثلى لا تربح الجدال أو تحظى بالشعبية دائمًا. وأراد معرفة سبب ذلك وماذا يمكننا أن نفعل بخصوصه. أتاحت له أثينا الكثير من الفرص ليراقب لأن العديد من القرارات كانت تتخذ في جلسات عامة تعقد في أغورا أثينا في مركز المدينة، حيث يتناظر الخطباء فيما بينهم لكسب الرأي العام.

دلَّ أرسطو إلى السبل التي يتأثر عبرها الأفراد والجماهير بالعوامل العديدة وإن كانت غير منطقية أو متعلقة بالقضية. وهو أمرٌ مثير للسخط لا يتحمله الكثير من الحكماء فيتجنبون الأسواق والمناظرات الشعبية. لكن همة أرسطو كانت أعلى فوضع ما نسميه اليوم فن الخطابة، وهو فن تحصيل موافقة الناس. ونحن نريد أن يتعلم المفكرون والحكماء وطيبو النية كيف يغدون مقنعين ليطالوا أولئك الذين لا يتفقون أصالةً. 

لقد وضع بعض النقاط الخالدة منها: يجب أن تهدئ روع الناس، فترى الجانب العاطفي من الموضوع -هل كرامة أحدهم على المحك؟ هل يشعرون بحرج؟- وتعمل عليه. يجب أن تكون مرحًا كذلك لأن عمر التركيز قصير وربما يلزمك استخدام إيضاحات وأمثلة لتجميل طرحك لرأيك.

نعتقد نحن، تلاميذ أرسطو، المتحمسون له أن إهمالنا الحديث عن أفكاره ربما يكون السبب في جعل الفلسفة تبدو أقل عملية حاليًا.


المصدر: Great Thinkers

ترجمة: موسى جعفر 


الأحد، 15 أغسطس 2021

مفكرون جهابذة: أفلاطون

أفلاطون (428-348 ق.م)

تمحورت سمات مدينة أثينا قبل 2400 عامٍ حول الفن والعلم المزدهر والحمامات الفخمة والمسارح والمعابد ومحلات التسوق وقاعات الرياضة. امتازت تلك المدينة، المكتظة بنحو 250 ألف شخص والدافئة في أكثر من نصف العام، إضافة إلى إمكانية انتقاء أفضل الأسماك من ميناء بيرايوس بأنها موطن أفلاطون: أول فيلسوف حقيقي في العالم، وربما الأعظم بينهم.

ولد أفلاطون لعائلة ميسورة مشهورة في المدينة، وكرس حياته لهدف واحد هو مساعدة الناس في الوصول إلى حالة أسماها يودايمونيا. من الصعب بمكان ترجمة هذه الكلمة اليونانية الساحرة، فهي تقريبًا تعني السعادة لكنها أقرب إلى الرفاه، لأن السعادة تشير إلى حالة رخاء مستمرة لكن الرفاه يتسق أكثر مع مُدد من المعاناة والألم المبرح، تبدو جزءًا حتميًا حتى من الحياة الرغيدة.


إن تسأل: كيف اقترح أفلاطون جعل الناس أكثر رفاهية؟ فإن هناك أربع أفكار رئيسة في عمله.


1- فكر بجد أكثر.

 

افترض أفلاطون إن المسبب الأكبر لسوء معيشتنا هو عدم إعطاء أنفسنا الوقت الكافي للتفكير مليًا ومنطقيًا في خططنا. لذا ينتهي بنا الحال بقيّم خاطئة ووظائف رديئة وعلاقات سيئة. أراد أفلاطون أن يجعل عقولنا منظمة صافية. 

رصد أفلاطون كمية أفكارنا المستمدة من اعتقاد الجمهور، مما يسميه اليونانيون دوكسا وما نسميه نحن بالذوق العام. وأثبت مرارًا في كتبه الستة والثلاثين أن هذا الذوق العام مليء بالأخطاء والتحيّز والخرافات. إذ لا تصمد الأفكار الشائعة عن الحب والشهرة والمال أو الجودة أمام المنطق. ولاحظ أفلاطون أيضًا أنَّ الناس معجبون بكونهم يساقون بغرائزهم أو عواطفهم (يتخذون قرارات بناء على لا شيء غير «كيف كانوا يشعرون») وشبّه ذلك بكون الشخص يُقاد بخطورة من مجموعة أحصنة معصوبة العينين. كان أفلاطون مخترع علم النفس باعتراف فرويد؛ وذلك عبر إصراره على وجوب إخضاع جميع أفكارنا وعواطفنا للمنطق. وكما كتب أفلاطون مرارًا فإن جوهر الفلسفة يتلخص في «اِعْرِفْ نفسك».



2- أحب بحكمة أكبر.


أفلاطون هو أحد أعظم منظري العلاقات. ويمثل كتابه «الندوة» محاولة لشرح كنه الحب. يُخبر أفلاطون فيه عن قصة مأدبة عشاء يستضيفها الشاعر الوسيم أغاثون، الذي يدعو جماعة من أصدقائه للأكل والشرب والحديث عن الحب. 

للضيوف وجهات نظر مختلفة عن الحب. ويهب أفلاطون صديقه القديم سقراط -أحد الشخصيات الرئيسة في ذلك الكتاب وبقية كتب أفلاطون- أنجع النظريات وأكثرها إثارة. وتفصيلها التالي: حين تقع في الحب فإن ما يحدث حقًا هو رؤيتك صفة جيدة في المقابل تفتقر إليها أنت. كأن يكون هادئًا وأنت تثور، أو منضبطًا وأنت مرتبك، أو فصيحًا حين ينعقد لسانك. 

إن الفانتازيا التي ينطوي عليها الحب تتمثل في استطاعتك أن تصبح أكثر شبهًا بالشخص عبر التقرب منه؛ إنه يساعدك في تحقيق إمكاناتك الكاملة. وجوهر الحب في عين أفلاطون هو نوع من التعليم! لا يمكنك أن تحب شخصًا بصدق ما لم تكن ترغب في أن يحسن منك. يجدر بالحب أن يكون شخصين يحاولان صقل نفسهما ويساعد أحدهما الآخر في فعل ذلك. ما يعني أن عليك الارتباط بالشخص الذي يملك قطعة أساسية تنقصك للتطور: الفضيلة التي لا تملكها.

يبدو هذا غريبًا في الوقت الحاضر لأننا نميل إلى تفسير الحب بأنه إيجاد شخص مثالي كما هو عليه. يقول بعض العشاق أحيانًا عند اشتداد الجدل: «ما كنت لتحاول تغييري إن أحببتني».

يرى أفلاطون العكس تمامًا، فهو يريد منا أن ندخل العلاقات بعنجهية وشراسة أقل بكثير. يجب علينا تقبل عدم كمالنا والسماح لأحبتنا بتعليمنا أشياءَ. فالعلاقة الجيدة لا تعني أننا لن نحب المقابل كما هو بل هي الالتزام بمساعدته في الغدو شخصًا أفضل -وتجشّم الممرات الوعرة المحتم مصادفتها- وعدم صد محاولاته لتغييرنا في ذات الوقت.


3- أهمية الجمال.


تُعجِب الأشياء الجميلة الجميع تقريبًا. لكننا نميل إلى التفكير في أن تأثيرها فينا غامض قليلًا وليس مهمًا جدًا عمومًا. لكن أفلاطون يرى أنَّ نوع المنازل والمعابد والقدور والمنحوتات المحيطة بك مهم جدًا. لم يسبق أحد أفلاطون إلى طرح السؤال المهم: لماذا نعجب بالأشياء الجميلة؟ وقد وجد سببًا آسِرًا: لأننا نرى فيهم جزءًا من «الصلاح».

ثمة الكثير من الأشياء الصالحة التي نطمح أن نتصف بها مثل الطيبة والاحترام والانسجام والاتزان والاطمئنان والقوة والوقار. هذه صفات للبشر لكنها أيضًا صفات للجمادات. ونحن نثار ونتأثر حين نجد في الأشياء الصفات التي نفتقر إليها في حيواتنا. وهكذا فإن للجمادات الجميلة وظيفة مهمة بحق، ألا وهي استدراجنا للتطور في اتجاهها، وجعلنا مثلها؛ يمكن للجمال أن يثقف أرواحنا! وبالمثل فإن في الجمادات البشعة خطب جلل، فهي تؤدي أمامنا استعراضًا للصفات الطالحة والخبيثة. إنها تستدرجنا لنكون قساة ومضطربين وطائشين مثلها فتُصعِّب علينا أن نكون حكماء ولطفاء وهادئين.

يرى أفلاطون أنَّ الفن شيء علاجي فمن واجب الشعراء والرسامين (والروائيين ومنتجي التلفاز والمصممين في هذه الأيام) مساعدتنا في نيل الحياة الحسنة.

ويؤمن أيضًا بوجوب مراقبة الفنون. وليس في الأمر مفارقة أبدًا، فإن كان الفنانون يستطيعون مساعدتنا في نيل حياة رغيدة فإنهم يستطيعون بالمثل إضفاء سؤدد وبريق على الأفكار والسلوكيات غير المفيدة. فلا يضمن كون الشخص فنانًا استخدام سطوة الفن بحكمة. لهذا اعتقد أفلاطون بلزوم عمل الفنانين تحت إمرة الفلاسفة، الذين سيهبونهم على الأفكار الصائبة ويطلبون منهم جعلها مقنعة وشائعة. إذ يفترض بالفن أن يكون تطبيلًا -أو دعاية- للخير.



4- تغيير المجتمع.


كان أفلاطون أول مفكر طوباوي في العالم، فقد أمضى الكثير من الوقت مفكرًا في كيف يجب أن يكون المجتمع والحكومة في أفضل الأحوال. ألهمه في تفكيره ندُّ أثينا اللدود: أسبرطة. التي كانت آلة بحجم مدينة وظيفتها إنتاج جنود أشاوس. فلقد نذر أهلها لهذا الهدف الوحيد كل فعل يفعلون، ابتداءً من كيفية تربية أطفالهم وكيف ينظمون اقتصادهم وبمن يعجبون وكيف يمارسون الجنس وحتى ما يأكلون. كانت أسبرطة نجاحًا عظيمًا، من وجهة نظر عسكرية.

لكن ذلك لم يكن مراد أفلاطون. لقد أراد معرفة كيفية تحسين إنتاج المجتمع لا للقوة العسكرية بل لليودايمونيا، وكيف يساعد ذلك في رفاه الناس. وأقر عددًا من التغييرات اللازم عملها وأوردها في كتابه الجمهورية، وهي:


أ. نحتاج إلى أبطال جدد.


انصبَّ تركيز مجتمع أثينا على الأثرياء كمثل النبيل المشبوه ألكيبيادس، ومشاهير الرياضة من أمثال الملاكم ميلو من كروتونه. لكن أفلاطون لم يكن منبهرًا بهم، كان يعتقد أن من نعجب بهم مهمون جدًا؛ فالمشاهير يؤثرون في نظرتنا وأفكارنا وسلوكنا. والأبطال السيئون يضفون رونقًا للعيوب. لذا أراد أفلاطون أن يهب أثينا مشاهيرَ جددًا، مستبدلًا المجموعة الحالية بأشخاص مثاليي الصلاح والحكمة أسماهم «الأوصياء»، وهم قدوات لتعمير صلاح الجميع.

يتميّز هؤلاء الأشخاص بسجل خدمتهم العامة وتواضعهم وعاداتهم اليسيرة، وخبرتهم الشديدة الواسعة ونفورهم من أضواء الشهرة. ويكونون أكثر الناس كرامةً وإثارة للإعجاب في المجتمع.


ب. نحتاج إلى رقابة.


مع ما للرقابة من أثر يجثم على صدورنا مضيِّقًا عليها اليوم فإن افلاطون كان قلقًا من نوع مغلوط من الحرية: كانت أثينا ساحة مفتوحة لمروجي أسوأ الأفكار. ولقد قوبلت مفاهيم دينية مجنونة، وأفكار خطرة عذبة الوَقْعِ بتحمس كبير قاد أثينا إلى حكومة كارثية وحروب ضالة (مثل هجوم حتمي على أسبرطة). اعتقد أفلاطون أن التعرض المستمر لعاصفة أصوات مضطربة في منتهى السوء علينا. لذا أراد أن يحجم أنشطة خطباء العامة والمبشرين الخطرين. ولو عاش معنا اليوم لارتاب كثيرًا من نفوذ وسائل الإعلام.


ج. تعليم أفضل.


آمن أفلاطون بالتعليم بشدة، لكنه أراد أن يعيد النظر في المناهج. إن الهدف الرئيس الواجب تعلمه ليس الرياضيات أو التهجئة، بل كيف نكون صالحين: نحتاج إلى التعلم عن الشجاعة وضبط النفس، والاستقلال والرصانة، والعدل والإنصاف. ولتحقيق ذلك أوجد أفلاطون مدرسة في أثينا سميت بالأكاديمية، وقد ازدهرت قرابة 400 عام. وارتادها المرء ليتعلم في الأقل كيف يعيش ويموت على نحوٍ حسن. ومن المحزن والساحر كيف سلبت المعاهد الأكاديمية العصرية شرعية هذا الطموح. فإن قصد طالب جامعة هارفارد أو أوكسفورد اليوم طالبًا تعليمه كيف يعيش، لاتصل الأساتذة بالشرطة أو مستشفى المجانين.


د. طفولة أفضل.


تبذل العائلات جهدها في التربية، فيقوَّم الأطفال أحيانًا. لكن على الرغم من رزانة الوالدين وكونهم معلمين جيدين وراشدين حكماء يعتمد عليهم فكثيرًا ما يُورثون اضطراباتهم ومشاكلهم إلى أطفالهم. اعتقد أفلاطون أن تربية الأطفال جيدًا هي من أصعب المهارات وأكثرها ضرورة. وكان متعاطفًا بشدة مع الأطفال المقيدين ببيئة منزلية فاسدة. لذا اقترح أن كثيرًا من الأطفال سيكونون أفضل حالًا لو استمدوا رؤيتهم عن الحياة لا من الآباء بل من أوصياء حكماء تدفع لهم الدولة. وقال إن جزءًا ملموسًا من الجيل القادم يجب أن يؤدب على يد أناس أكثر كفاءة من والديهم. 


الخلاصة


ما زالت أفكار أفلاطون شديدة الجدلية والروعة، وتشترك فيما بينها في الطموح والمثالية. لقد أراد أفلاطون أن تكون الفلسفة أداة تساعدنا في تغيير العالم؛ ويجدر بنا الاستمرار في الاستلهام من عظاته.


فسيفساء رومانية تظهر أفلاطون جالسًا (الثاني من اليسار) بين طلابه وفلاسفة آخرين في مدرسته: الأكاديمية.



المصدر: Great Thinkers

ترجمة: موسى جعفر




افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب