المشاركات الشائعة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص مترجمة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 نوفمبر 2020

مسيرتي المالية - ستيفن ليكوك

                                                             




عندما أذهب إلى المصرف يصيبني الإرباك، إنَّ الموظفين والبوابات يسسببان لي القلق، فقد كان مشهد المال يهزني، لقد كان يهزني كلُّ شيء هناك. ففي اللحظة التي دخلت فيها عتبة المصرف وحاولت أن أبرم صفقات تجارية؛ أصبحت أحمقَ غير مسؤول. علمت بذلك سلفًا، ولكنَّ مُرتَّبي ارتفع ليصل إلى خمسين دولارًا شهرياً وأدركت حينها أنَّ المصرف هو المكان الوحيد لذلك، فدخلت متثاقلاً ونظرت بخجلٍ إلى الموظفين وراودتني فكرة بأن الشخص الذي يريد أن يفتح حساباً لا بد وأن يستشير المدير بذلك، فتوجهت إلى محاسبٍ بارزٍ وكان المحاسب ذو قامةٍ طويلةٍ؛ شيطان لطيفٌ. هزتني نظراته. وكان صوته كئيباً، فقلت له: "هل بإمكاني التحدث مع المدير؟" وأضفتُ بعدها بجديةٍ "على انفراد". 

لم أعلم لمَ أضفت على انفراد حينها.

أجابني المحاسب: "بكل تأكيد". ثم استدعاه. 

 لقد كان المدير رجلاً رزيناً وهادئاً، حينها أمسكت ستَّة وخمسين دولاراً على هيئة كرة مكومة من محفظتي وخاطبته قائلاً: "هل أنت المسؤول؟".

 فأجابني: "نعم".

فقلت له: "هل بإمكاني التكلم معك على انفراد".

 لم أشأ أن أقول على انفرادٍ مرة أخرى ولكن بدونها بدا الأمر بديهيًّا، نظر إليَّ المدير ببعض القلق وشعر بأنَّ لديّ سرًّا خِطرًا أودُّ الكشف عنه فقال لي: "تفضل من هنا".

 قادني إلى غرفة خاصة وأدار المفتاح في القفل وخاطبني قائلاً "نحن في أمان هنا من المقاطعة تفضل بالقعود".

 جلسنا معاً ونظر بعضنا إلى بعض، لم أملك القدرة على النطق، فقال لي: "أعتقد أنك واحد من رجال بينكرتون".

 لقد أدرك بأنني تحرِّي من طريقة غموضي وعلمتُ بمَ كان يفكر وهذا ما جعلني أشعر بالسوء.

 أجبته "لا أنا لستُ من رجال بينكرتون". 

لأوحي له بأنني جئت من جهة منافسة "أصدقك القول" شرعتُ وكأن كل شيء قد حثني لكي أكذب، "لست تحرِّيا على الإطلاق. جئت إلى هنا لأفتح حساباً، وعازمٌ على إبقاء جميع أموالي في هذا المصرف".

 بدا على المدير الشعور بالارتياح وقد استنتتج الآن بأنني ابن البارون روتشيلد أو غوولد الشاب، وخاطبني قائلاً: "أفترض أنه حساب كبير".

 فهمست له: "كبير إلى حدٍ ما، إذ إنه من المفترض أن أودع ست وخمسين دولاراً شهرياً دوريًا". 

نهض المدير وفتح الباب واستدعى المحاسب وقال بصوت مرتفع وغاضب: "سيد مونتغمري إنَّ هذا الرجل يريد أن يفتح حساباً وسوف يودع ستةً وخمسين دولاراً. طاب يومك".

 نهضت.

 فُتح بابٌ حديديٌّ كبيرٌ أمامي في الغرفة الجانبيّة.

 "طاب يومك" قلت، وخطوتُ داخل الخزينة. 

"اخرج من هنا" قالها لي المدير ببرود وأراني الطريق الآخر.

 فذهبت إلى موظف الحسابات والتقطت كرة المال وأعطيته إياها في لحظة سريعة ومتشنجة كما لو أنني كنت أقوم بخدعة سحرية وكان وجهي شاحباً بوضوح.

 قلت له: "ها قد أودعته". بدت نبرة الكلمات قاسية، "دعنا نفعل هذا الشيء المؤلم ونحن ننسجم متماشين معه". 

 أخذ المال وأعطاه لموظف آخر، وجعلني أكتب المجموع على قصاصة ودوّن إسمي في كتاب. لم أعلم ماذا كنت أفعل وقد تلاشى المصرف حينها أمام ناظري.

 سألت بصوت مرتجف أجوف: "هل أُدعت؟ إذًا أريد أن أحرر شيكاً". 

كانت تدور فكرتي حول سحب حوالي ستة دولارات منه للاستخدام الحالي. وقد أعطاني الموظف دفتر شيكات. وبدأ موظف آخر بالتوضيح لي عن كيفية تحرير الشيك وتكوّن لدى الأشخاص في المصرف انطباعاً عني بأنني مليونيرٌ فاسدٌ. 

كتبت على الشك وتوجهت به نحو الموظف فنظر إليه وسألني باستغراب: "ماذا! هل تحرره بأكمله مرة أخرى؟".

 وعندها أدركت بأنني كتبت ستة وخمسين دولاراً بدلاً من ستة وراودني شعور بأن مافعلته كان يصعب شرحه كثيراً وقد توقف جميع الموظفين عن الكتابة لينظروا إليّ؛ اندفعت بتهور وطيش. 

"نعم كل شيء".

"هل ستسحب أموالك من المصرف؟".

 أجبته: "كل سنتٍ منه".

 سألني الموظف مندهشاً: "لن تودع بعد الآن؟". 

 أجبته: "على الإطلاق" 

فاجأني أملٌ أحمقُ حينها بأنهم ربما اعتقدوا بأن شيئاً ما جعلني أشعر بالإهانة وأنا أحرر الشيك وغيرت رأيي حيال الأمر وقمت بمحاولة تعيسة لأبدو مثل رجل ذي مزاج حاد وعصبي. أخذ الموظف يستعد لتسديد المال وقال: "كيف تريد أن تأخذه؟". 

"ماذا؟".

 قال: "كيف تريد أن تسترد أموالك؟".

 "آه" فهمت مقصده وأجبته بدون تفكير "بفئة الخمسينات". 

 وأعطاني فاتورة قيمتها خمسين دولاراً وسألني بجفاف "والستّةُ المتبقية؟".

 أجبته: "بفئة الستات".

 فأعطاني إياها وأسرعت بالخروج كما لو أن الباب الكبير قد تأرجح أمامي وأصبت صدى الضحك الذي اخترق سقف المصرف. ومنذ ذلك الحين لم أودع شيئاً بعدها وأحتفظ بنقودي نقداً في جيبة بنطالي ومدّخراتي أيضاً على هيئة دولاراتٍ فضية بداخل جورب.


ترجمة : آلاء عبدالغني قبش.


                         

الاثنين، 20 يوليو 2020

في يوم الصلب



الكاتب: ليونيد أندرييف.

ترجمة: عبير بخش.


في الصباح الباكر لذلك اليوم السيئ حين أُرتكب الظلم الكبير وصُلب المسيح في جلجثة بين اللصوص. عانى بن توفيت تاجر القدس من ألمٍ شديد في أسنانه، إذ بدأ الألم في مساء اليوم السابق في فكه الأيمن بسبب ارتفاع أحد الأسنان الواقعة بجانب ضرس العقل، فكان يشعر بألم عندما يتحسس سنه بلسانه. ولكن سرعان ما انقضى ألمه بعد العشاء ونساه بسبب بهجته لإبرام صفقة مربحة اليوم وهي مقايضة حمارٍ عجوزٍ بحمارٍ شاب، وتجاهل أيَّ علامات تنذر بالسوء مستقبلاً. وخلدَ إلى نومٍ عميق، ولكن قبيل الفجر بدأ شيئا يزعجه وكأن شخصا ما ينادينه لمسألة بالغة الأهمية، وعندها استيقظ بن توفيت غاضبا من ألم اسنانه، كان الألم ألما واضحا خبيثا، كان ألما شديدا وكأن أحدهم يحفر داخل فمه. لم يعد بن بخيت قادرا على التحديد ما إذا كان مصدر الألم هو السن ذاته الذي كان يؤلمه في الأمس، أو أن الألم انتقل إلى أحد أسنانه الأخرى، فكان بن توفيت يعاني من ألم شديد في فمه ورأسه، ألما أشبه بالمضغ الإجباري لألاف المسامير الحادة والتي أضحت حمراء من شدة الحرارة. فأخذ بعضا من الماء الموجود في الإبريق الفخاري ووضعه بفمه مدة دقيقة حتى خف الألم، وصرَّ أسنانه وأخذ يتمايل كموجة، وبالمقابلة بين الإحساسين كان إحساسه في تلك اللحظة إحساسا ساحرا. استلقى بن توفيت للنوم مرة أخرى وتذكر حماره وفكر بمدى سعادته لولا ألم أسنانه، ولكن بدأ الماء يدفئ وبعد خمس دقائق بدأت تشتد حدة ألمه أكثر من أي وقت مضى وجلس بن توفيت في فراشة يتمايل ذهابا وإيابا كنواس، وأصبح وجهه متجعدا ووضحت معالم الألم عليه، وعلى أنفه الذي شحب من معاناته قطرةً من العرق البارد. وهكذا أخذ يتمايل مجددا ويئن من شدة الألم وحينها رأى شروق الشمس المُقدر لها أن ترى جلجثة والصلبان الثلاثة والتي خَبت من الرعب والأسى.

كان بن توفيت رجلا صالحا وطيبا ويكره الظلم ولكن عندما استيقظت زوجته أسمعها الكثير من الكلام السيئ وفتح فمه بصعوبة ولامها على تركه بمفردة كابن الآوى يئن ويتلوى ألما. قابلت زوجته لومه غير المستحق بالصبر لأنها تدرك أنه لامها بسبب غضبه وأحضرت له العديد من العلاجات الجيدة كفضلات الجرذان ليضعها على خده، وبعضا من السائل القوي الذي يُحفظ به العقرب، ورقائق من اللوحات الخشبية التي كسرها النبي موسى وعندها بدأ يشعر بتحسن مدة يسيرة بسبب فضلات الجرذان، وأيضا بسبب السائل والحجر ولكن سرعان ما كان يعود الألم بكل مرة وبقوة جديدة. واسى بن توفيت نفسه خلال لحظات راحته بتفكير بحماره الصغير حتى إنه قد حلم به. ولكن شعر بألم مره أخرى، فشتكى لزوجته ووبخها وهددها بقطع رأسه بالحجارة إذ لم يهدأ الألم. ظل يسير ذهابا وإيابا على سطح منزله ومن زاوية إلى أخرى، وشعر بالخجل من الاقتراب للجانب المواجه للشارع بسبب ربط رأسه بالمنديل، كالنساء. جاء الأطفال عدة مرات يركضون نحو بن نحيت ليخبروه على عجل عن يسوع الناصرة، توقف واستمع إليهم لفترة وكشر، ولكن بعد مدة ضرب الأرض برجله غاضبا وطردهم. كان بن نحيت رجلا طيبا ومحبا للأطفال ولكنه غصب منهم الأن بسبب إزعاجه بالتفاهات. وانزعج بن توفيت أيضا من تجمع الناس في الشارع والأسطح المجاورة دون فعل أي شيء سوى النظر إليه وهو رابط رأسه بمنديل كنساء بفضول، وهمَّ بنزول ولكن قال له زوجته: 

  • "انظر، إنهم يقيدون اللصوص هناك. ربما سيحولك ذلك".
  • أجاب بن توفيت غاضبا: "دعيني وحدي. ألا ترينني أعاني؟.

  احتوت كلمات زوجته على وعدٍ مبهمٍ بأن قد يكون هذا سببا لتخفيف ألم أسنانه، لذلك طاوعها بن توفيت وثني رأسه على جانب واحد وأسدل جفن عينه وسند خده بيده، وكانت تعابير وجهه تحكي الكثير وهو يبكي ناظراً إلى الشارع. 

كان هناك في الشارع الضيق المرتفع حشدٌ هائلٌ يهتفون متجهين إلى الأمام بخطوات تملأها الفوضوية متبوعة بالغبار. وفي وسط هذا الحشد يوجد المجرمون منحنيين من شدة ثقل صلبانهم، وتتلوى فوقهم سوط الجنود الرومان مثل الثعابين السوداء، وتعثر أحد الرجال بحجارة ألقيت تحت موطئ رجله وسقط، كان رجلا ذا شعرٍ طويل وخفيف ومرتديا عباءة ممزقة وملطخة بالدماء. ارتفعت الهتافات وأطبق الحشد عليه كمياه البحر. وفجأة ارتعش بن توفيت من الألم، شَعَرَ كما لو أن شخصاً ما قد غرز إبرة محمرة من شدة الحرارة في سنه وتركها هناك. أخذ بن توفيت يئن ويبتعد عن الحاجز بغصب وعدم مبالاة. 

قال بن توفيت بحسد: "كيف يصرخون!" مصورا لنفسه أفواههم الواسعة والمفتوحة بأسنان قوية وصحية، وكيف كان سيصرخ إذا كان بصحة جيدة مما أدى إلى زيادة ألم أسنانه وأخذ يهز رأسه المعصوب مرددا مرارا وتكرارا "ممم ممم...".

قالت زوجته وهي واقفه على الحاجز وترمي الحصاة بالقرب من المكان الذي رُفع به يسوع من السياط وهو يمشي ببطيء: "يقولون إنه أعاد بصر المكفوفين". 

أجابها بن توفيت بسخرية: "بالطبع، كان يجب أن يشفيني من ألم أسناني". 

وأضاف ببرود وسخرية: "ما كمية الغبار الذي خلفوه! وكأنهم قطيع من الماشية! يجب أن يطردوا جميعاً بالعصا! أنزليني يا سارة!".

أثبتت الزوجة صحة كلامها، فاستطاع المشهد تخفيف ألم أسنان بن توفيت قليلاًـ وربما كان هذا بفضل مساعدة فضلات الجرذان- واستطاع بن توفيت أن يخلد إلى النوم. 

وعندما استيقظ من النوم كان الألم تقريبا قد زال كليا باستثناء القليل من الالتهاب في فكة الأيمين. 

أخبرته زوجته بأنه فاته الكثير ولكن ابتسم بن توفيت بمكر، لأنه يعرف طبية قلب زوجته وكيف كانت مولعة في إخباره بأشياء الممتعة. وفي حينها جاء الدباغ صموئيل وهو جار بن توفيت، وأراه بن توفيت حماره الصغير الجديد وأخذ يمدح نفسه وحماره بفخر. ثم وبناء على طلب سارة الفضولية ذهبَ ثلاثتهم إلى الجلجثة لرؤية الأشخاص المصلوبين.

وفي الطريق أخبر بن توفيت صموئيل بالتفصيل عن ألم فكه الأيمن في يوم البارحة، وكيف استيقظ ليلا بسبب ألم فضيع في أسنانه، ولتوضيح ذلك قلد تعابير وجوه المساكين وأغلق عينيه وهز رأسه ويئن، في حين هز صموئيل ذو اللحية البيضاء رأسه برأفة وقال:"أوه، هذا مؤلم جدا". 

سعد بن توفيت برد صموئيل وأخذ يكرر له القصة، وعاد إلى الماضي عندما أُفسد أول سن له في الجانب الأيسر، وانغمسوا في الثرثرة إلى أن وصلا إلى جلجثة. كان منظر الشمس المُقرر لها أن تشرق على العالم في ذلك اليوم السيئ ساطع متجاوزة التلال البعيدة، وثمة غربًا خط نحيف متمازج بين اللونين الأحمر والأرجواني مشع وكأنه بقعةَ دم. 

كانت الصلبان معتمة لكنها غامضة مع هذا المنظر خلفها، كما شوهدت أشكال الركوع البيضاء غير الواضحة عند سفح التقاطع الأوسط.

تفرق الحشد وازداد الجو برودة. وبعدما شاهدوا الرجال المصلوبين، سحب بن توفيت صموئيل من ذراعه واستدار بعناية نحو منزله، شعر وكأنه أحد البلغاء في تلك اللحظات وكان يريد إنهاء قصة ألم أسنانه. سارا وبدأ بن توفيت بتقليد تعابير وجوه المساكين وهز رأسه ويئن بمهارة، في حين هز صموئيل رأسه برأفة وردَّ عليه بعبارات بين آن وآخر. حلَّ سواد الليل الدامس من السهول العميقة الضيقة ومن السهول البعيدة المُشتعلة، بدا الأمر كما لو أن الليل يرغب في إخفاء الجريمة التي عدتها السماء جريمة الأرض الكبرى. 



 


  





الخميس، 28 نوفمبر 2019

عربي – قصة قصيرة بقلم جيمس جويس.


من مجموعته القصصية "أهالي دبلن" الصادرة في لندن عام 1914

كان شارع ريتشموند نورث معتمًا، يلفه السكون فيما عدا تلك الساعة التي يتحرر فيها التلاميذ من مدرسة الأخوة المسيحيون[1] . في النهاية المظلمة من الشارع يقبع منزل غير مأهول، يتكون من طابقين منفصلًا عن جيرانه يشغل أرضية مربعة. فيما تحدق منازل الشارع الأخرى ببعضها بواجهات سمراء لا تشوبها شائبة وكأنها تعي الحياة الكريمة لساكنيها. 
كان مستأجر المنزل قبلنا قسيسًا، توفي في غرفة الاستقبال الخلفية. ملأت رائحة العفن الهواء في كل الغرف من طول انحباسه فيها. وفي غرفة النفايات الواقعة خلف المطبخ أوراق مبعثرة قديمة عديمة الفائدة. وجدتُ فيما بينها بعض الكتب المغلفة بالورق، صفحاتها مجعدة مشبعة بالرطوبة. رواية رئيس الدير لمؤلفها والتر سكوت [2]، والمبلِّغ الأمين[3] ومذكرات فيدوك[4]. وفضلتُ هذا الأخير بسبب صفرة أوراقه. 
تتوسط الحديقة الواسعة خلف المنزل شجرة تفاح وبعض الشجيرات المتفرقة حيث عثرت أسفل إحداها على مضخة هواء صدئة لدراجة المستأجر السابق.  كان قسيسًا مُحسنًا قد تبرع في وصيته بكل أمواله للمؤسسات الخيرية وترك أثاث منزله لأخته.
عندما تحل أيام الشتاء القصيرة، يقبل الغسق قبل أن ننهي تناول وجبة العشاء. عندما نلتقي في الشارع، تبدو المنازل مُسودة كئيبة. السماء فوقنا تكتسي لون البنفسج المتغير، وفي اتجاهها ترفع قناديل الشارع أضواءها الضعيفة. تلسعنا لفحات الهواء البارد، كنا نلعب حتى تتوهج أجسادنا وصدى صيحاتنا يرتد في الشارع الساكن.  تقتضي اللعبة أن نسلك الأزقة الموحلة المظلمة خلف المنازل حيث كنا نركض بين صفين من الصبية، من الدكة الصلبة للأكواخ إلى الأبواب الخلفية للحدائق المبتلة حيث تنبعث الروائح من بقايا الرماد المحترق، مرورًا بالإسطبل الذي ينشغل فيه الحوذي بتمشيط شعر حصان، أو بإصدارموسيقى من الألجمة الملتوية. 
عندما نعود إلى الشارع نرى الأضواء قد اخترقت نوافذ المطابخ لتعم المكان. وإذا ما رأينا عمي عائدًا، يعبر الزقاق نختبأ في الظل حتى يدخل المنزل بأمان. وإذا ما خرجت أخت مانغان إلى عتبة الباب لتدعو أخاها إلى الدخول لشرب الشاي، نراقبها من مخبأنا وهي تجول ببصرها في الشارع من أقصى يمينه إلى يساره. ننتظر لنرى إذا ما كانت ستبقى أو ستدخل؛ وإذا بقيت نغادر أماكننا ونتوجه تلقاءها بإذعان. كانت تقف في انتظارنا؛ يحدد الضوء المنبعث من الباب الموارب هيئتها. يشاكسها أخوها قبل أن يطيعها وأنا أقف إلى جانب سور السلم أتاملها. يتراقص فستانها كلما حرّكت جسدها، ويتهادى الشريط الرقيق حول شعرها من جانب إلى آخر.
أستلقي كل صباح على الأرض في الردهة الأمامية لمنزلنا أراقب بابها من بابنا ذي الستار المنسدل لأسفل فيما عدا مسافة بوصة بحيث لا يراني أحد. عندما تخرج من الباب يقفز قلبي. أركض إلى الصالة، أجمع كتبي وأتبعها. وأحرص ألا يغيب قوامها الأسمر عن مرمى بصري، وعندما نقترب من النقطة التي تفترق فيها طرقنا، أحث الخطى لأتجاوزها. يحدث هذا صباحًا بعد آخر. لم يسبق أن تحدثت إليها مطلقًا، باستثناء بضع كلمات عابرة، ومع ذلك كان اسمها كمذكرة استدعاء لكل دمي، وطيفها يصحبني حتى في أكثر الأماكن مناقضة للرومانسية. عندما تذهب عمتي للتسوق في أمسيات السبت أضطر لمرافقتها لحمل بعض الأكياس عنها.  نشق طريقنا في الشوارع المحتدمة التي يزاحمنا فيها الرجال الثملون والنساء المساومات، وسط لعنات الكادحين والصيحات الصاخبة لصبية المتاجر الذين يقفون متأهبين للحراسة بجوار براميل خدود الخنازير[5]، وهتافات مطربي الشوارع الخارجة من أنوفهم، وهم يغنون الأغنية الشعبية "تعالوا جميعكم"[6] عن "أو دونوفان روسا" أو يترنمون بقصيدة شعبية عن الصعاب في الوطن. كل هذا الضجيج التقى عندي بحس مفرد بالحياة؛ تخيلت أنني حملت نخب النصر منتشيًا وسط حشد من الأعداء.
 يقفز اسمها على شفتي في لحظات من الابتهالات والتسابيح الغريبة التي أعجز -أنا نفسي- عن فهمها. يترقرق الدمع في عيني- دون أن أعرف السبب- وأحيانًا يفيض من قلبي سيل ويصب في صدري. قليلا ما أفكر بالمستقبل. لا أعرف إن كنت سأتحدث إليها يومًا، وإذا فعلت كيف سأخبرها عن ولهي المحيّر. جسدي لها كقيثارة وكلماتها وإماءاتها بمثابة أنامل تعزف على أوتاري.
ذات ليلة مظلمة ماطرة ذهبت إلى غرفة الاستقبال الخلفية التي مات فيها القسيس. لم يكن في البيت صوت. سمعتُ عبر لوح الفسيفساء المكسور وقع المطر المرتطم بالأرض، كوقع متواصل لإبر رقيقة من الماء تداعب الأصص المخضلة. أضيء مصباح بعيد أسفل مني عبر نافذة مضاءة، كنت ممتنا للقليل الذي رأيته. بدا أن حواسي كلها تتوق لإخفاء نفسها، وشعرتُ بأن مشاعري على وشك التملص مني، قبضتُ يديَّ معًا بشدة حتى ارتعشتا وأنا أغمغم مرارًا وتكرارًا: يا للحب! يا للحب!

وأخيرًا تكلمت معي. عندما نطقت أولى كلماتها لي، ارتبكت ولم أعرف بماذا أجيب.
سألتني عما إذا كنتُ سأذهب إلى سوق عربي.
ونسيتُ ما إذا كنتُ قد أجبت إيجابًا أو نفيًا. قالت سيكون معرضا رائعًا وهي تتمنى أن تزوره.
سألتها: ما الذي يمنعكِ من الذهاب؟
أثناء حديثها كانت تدير سوارًا فضيًا حول معصمها باستمرار.
قالت إنها لا تستطيع الذهاب لأنه يتوجب عليها هذا الأسبوع أن تعتكف في الدير.
حين كان أخوها وصبيان آخران يتعاركون حول قبعاتهم، كنت أقف على السلم وحدي.
أمسكتْ بإحدى المقابض ومالت برأسها نحوي. سطع الضوء المنبثق من المصباح المقابل للباب على منحنى رقبتها وأضاء شعرها المستقر هناك، ثم انعكس مضيئًا يدها الممسكة بالسور.
سقط الضوء على جانب من فستانها وبالكاد أظهر طرفا من ثوبها الداخلي الأبيض، الذي ما كان ليُرى لو لم تكن في وضعية الاسترخاء تلك.
قالت: من حسن حظك أن تذهب.
قلتُ: إن ذهبت سأحضر لكِ شيئًا.
كم من الحماقات التي لا تعد ولا تحصى أهدرت أفكاري ويقظتي ومنامي بعد تلك الليلة.
تمنيتُ أن أطوي الأيام المقبلة والمملة طيّا حتى يوم المعرض. نفرت من الفروض المدرسية، كانت صورتها تحول بيني وبين الصفحة التي أحاول جاهدًا أن أقرأ ليلًا في غرفتي أو نهارًا في فصلي. كانت حروف لفظ عربي تستحوذ عليّ عبر أسوار الصمت الذي تسبح فيه روحي وتلقي علي تعويذة سحر شرقي.
طلبتُ إجازة للذهاب إلى السوق ليلة السبت. أصابت عمتي الدهشة وتمنت ألا يكون للأمر علاقة بالماسونية. في الفصل أجبت عن بعض الأسئلة وأنا أتأمل وجه المعلم يتحوّل من اللطف إلى الصرامة؛ كان يرجو ألا أكون قد بدأت في التكاسل. لم أستطع جمع أفكاري الهائمة معًا. نادرًا ما أتحلى بالصبر تجاه الأعمال الجادة في الحياة التي تحول بيني وبين رغباتي، والتي تبدو لي كلعبة أطفال… لعبة أطفال رتيبة وكريهة.
في صباح يوم السبت ذكّرتُ عمي برغبتي في الذهاب إلى السوق في المساء. كان مزاجه معكرًا يبحث في خزانة الممر عن فرشاة تنظيف القبعات، أجابني باقتضاب: نعم يا ولدي أعرف.
وبوجوده في الردهة لم أستطع الذهاب إلى الردهة الأمامية لاختلاس النظر من النافذة. غادرتُ المنزل في مزاج سيئ ومشيت بتؤدة إلى المدرسة. كان الهواء صلفًا بلا هوادة، وقلبي تتنازعه الظنون. عندما عدت إلى المنزل لتناول العشاء، لم يكن عمي قد عاد بعد. ولكن الوقت ما زال مبكرًا جلست أحدق في الساعة لبعض الوقت، وعندما بدأت تكتكة الساعة تزعجني، تركت الغرفة. رقيت السلالم متجها إلى الطابق العلوي حيث حررتني الغرف العلوية الخاوية والباردة والمعتمة من ضيقي ومشيتُ أغني من غرفة إلى أخرى.
من النافذة الأمامية رأيت رفاقي يلعبون في الشارع. كانت صرخاتهم تصلني واهية يصعب تمييزها، لامس جبيني الزجاج البارد وأنا أنظر إلى المنزل المظلم حيث تعيش. ربما وقفت في مكاني لمدة ساعة بدون أن أرى شيئًا يُذكر باستثناء صورة في خيالي لذاك الجسد المكسو بالسمرة، الذي لامسه النور بحذر عند منحنى عنقها، وانعكس على اليد القابضة على السور وذلك الثوب الأبيض دون فستانها.
عندما نزلتُ إلى الطابق السفلي، وجدت السيدة ميرسر تجلس إلى جوار المدفأة. وهي أرملة سمسار وعجوز ثرثار تقوم بجمع الطوابع المستعملة لأغراض دينية. وكان عليّ تحمّل ثرثرتها أثناء تناولنا الشاي. وامتدت الوجبة لما يزيد عن الساعة ولم يحضر عمي بعد. وقفت السيدة ميرسر تهم بالذهاب معتذرة لأنها لا تستطيع الانتظار أكثر، فالوقت تجاوز الثامنة وليس من عادتها أن تظل في الخارج حتى وقت متأخر إذ إنها لا تقوى على برد الليل. عندما ذهبتْ أخذتُ أذرع الغرفة جيئة وذهابا، بقبضتين مشدودتين.
قالت عمتي: لعل من الأفضل أن تؤجل ذهابك إلى المعرض هذه الليلة.
عند الساعة التاسعة سمعت جلبة مفتاح عمي يدار في قفل الباب في الردهة. سمعت همهماته وصوت ارتجاج الحامل تحت وطأة معطفه الثقيل. كان بإمكاني تأويل هذه العلامات. لقد نسي.
وعندما كان يتناول عشاءه، طلبت منه أن يعطيني المال لأذهب إلى السوق.
قال: قد استغرق الناس في النوم الآن.
لم أبتسم، ردت عمتي بحزم: لِم لا تعطه المال وتدعه يذهب؟ ألا يكفي أنك أخّرته حتى هذه الساعة. قال عمي إنه آسف جدًا لأنه نسي. وإنه يؤمن بالقول المأثور "العمل بلا راحة يورث البلادة"[7].
سألني أين أود الذهاب. أخبرته للمرة الثانية، فسألني إن كنتُ أعرف قصيدة "فراق العربي لجواده"[8] . عندما غادرت المطبخ كان قد شرع في إلقاء مطلع القصيدة لعمتي.
شددتُ قبضتي على قطعة الفلورين[9] في يدي وأنا أنزل شارع بكينغهام متوجهًا إلى المحطة.
ذكرني منظر الشوارع المتوهجة بفعل الغاز والمكتظة بالمشترين بالهدف من خروجي. تبوأت لي مقعدًا في عربة قطار من الدرجة الثالثة. بعد تأخير مضنٍ، تحرك القطار المعدم مغادرًا المحطة ببطء. كان يزحف للأمام بين المنازل المتصدعة وفوق النهر المتلألئ.
 في محطة ويستلاندرو تدافع حشد من الناس على أبواب العربات. لكن العاملين أرجعوهم للخلف قائلين أن القطار مخصص لزوار المعرض فقط. بقيت وحدي في العربة الخاوية. وبعد بضع دقائق توقف القطار بجانب منصة خشبية نُصبت حديثًا. مررت مجتازًا الطريق ورأيت الساعة المضاءة تشير إلى التاسعة وخمسين دقيقة. كان المبنى الضخم أمامي يحمل لافتة عرض مكتوب عليها ذلك الاسم السحري.
لم أجد مدخلًا لفئة الست بنسات، ولخشيتي أن يغلق المعرض أبوابه دخلت مسرعًا من خلال الباب الدوار وناولت شلنًا للرجل المنهك.
وجدتني في قاعة كبيرة مطوقة حتى منتصفها  بأكشاك المعرض. كان معظمها مغلقًا وساد الظلام الجزء الأكبر من القاعة. بدا لي هذا الصمت شبيهًا بالصمت الذي يعم الكنيسة بعد الصلاة. مشيت إلى وسط السوق مشية محرج إلى حيث تجمع عدد قليل من الزوار حول الأكشاك التي لا تزال مفتوحة. أمام ستارة مكتوب أعلاها بأحرف مضيئة "مقهى شانتان" وقف رجلان يحسبان القطع النقدية التي كانت تصدر رنة إثر ارتطامها بالطبق.
عندئذ تذكرت بصعوبة سبب مجيئي ومضيت إلى أحد الأكشاك متفحصًا المزهريات الخزفية وأطقم الشاي المزهرة. عند باب الكشك كانت تقف امرأة شابة تتحدث وتضحك مع اثنين من الرجال. ميزت لهجتهم الإنجليزية وأصختُ إلى كلامهم على نحو عابر.
-         آ…. لم أقل شيئًا كهذا مطلقٌا.
-         آه… بلى قد قلتِ.
-         أوه، لا لم أفعل.
-         ألم تقل هي ذلك؟
-         أجل لقد سمعتها.
-         أنت تكذب...
حالما لمحتني الشابة، تقدمت نحوي وسألتني عما أود شراءه. كانت نبرة صوتها غير مشجعة، وبدا لي إنها تتحدث معي بدافع من شعورها بالواجب المكلفة به. نظرتُ بتواضع إلى الجرّتين الضخمتين الموضوعتين على جانبي المدخل المظلم للكشك كما لو أنهما حارسان شرقيان، وغمغمت: لا شكرًا لكِ.
غيرت الشابة موضع إحدى المزهريات وعادت لحديثها مع الرجال حول الموضوع ذاته. ومن طرف خفي رمقتني بنظرة أو نظرتين. مشيت متمهلًا أمام كشكها مع إدراكي بأن لا طائل من مكوثي هناك، لكن أحببتُ أن أبدي اهتمامًا بمعروضاتها. ثم ابتعدت ببطء متجهًا إلى داخل السوق.
أفلتُّ البنسين فوق الست بنسات داخل جيبي وعندها سمعت صوتًا ينادي من أحد طرفي المعرض معلنًا إطفاء الأضواء. ثم غشى الظلام الجزء العلوي بالكامل.
حملقت في الظلام وأنا أرى نفسي كمخلوق مقاد ومهان بزهو زائف، واحمرت عيناي غيظًا وغضبًا.

تمت



[1] Christian Brothers’ School 
[2] Abbot, by Walter Scott
[3] The Devout Communicant
[4] Memoirs of Vidocq
[5] وجبة طعام
[6]  Come-all-you
[7] All work and no play makes Jack a dull boy.
[8] The Arab’s Farewell to his Steed, قصيدة للإنجليزية كارولين نورتون 
[9]  عملة معدنية تعادل شلنين

السبت، 31 أغسطس 2019

جولة على زلاجة الجليد – بقلم ليو تولستوي.


قصة قصيرة مقتطعة من رواية الحرب والسلم ترجمها إلى الإنجليزية لويس وأليمر.

-هل سبق أن حدث لك هذا؟
سألت ناتاشا أخاها عندما استقر بهما المقام في غرفة الجلوس.
-هل سبق أن شعرت كما لو أنه ليس ثمة شيء مُقبل... لا شيء؛ وأن كل ما هو جيد كان ماضيا وانقضى؟ أن تشعر بأنك لست ضجِرًا، ولكنك في الوقت نفسه حزين؟
أجاب: أعتقد ذلك! شعرت بذلك عندما كان كل شيء على ما يرام، وكان الجميع مبتهجين. لقد جالت بذهني فكرة أنني سئمت من كل هذا، وأنه يجب علينا أن نموت جميعًا. عندما انضممتُ للجيش، لم أكن ألهو حين تصدح الموسيقى. . . كان ينتابني فجأة شعور بالاكتئاب الشديد...
قاطعته ناتاشا: آهـ نعم، أعرف هذا، أعرف، أعرف! عندما كنت صغيرة، كان يحدث معي ذلك.
ثم قالت: هل تذكر عندما عوقبتُ مرة بسبب الخوخ، كنتم ترقصون جميعًا، وكنت في الفصل وحيدة أبكي؟ لن أنسى ذلك أبدًا؛ شعرتُ بالحزن والأسى على الجميع، كنت أرثيكم وأرثي نفسي. لم أكن مذنبة وكان هذا مربط الفرس، هل تذكر؟
أجاب نيقولا: أذكر، وأتذكر أنني أتيتُ إليكِ بعد ذلك وأردت أن أخفف عنكِ، كنت أشعر بالخجل. كنا سخيفين بشكل فظيع. كان لدي دمية مضحكة وأردت أن أقدمها لكِ. هل تذكرين؟
بابتسامة غارقة في التأمل سألت ناتاشا: هل تذكر مرة -منذ زمن بعيد- عندما كنا صغارًا، نادانا العم إلى مكتبه -في المنزل القديم وكان حالك الظلام- وعندما دخلنا، فجأة ظهر هناك...
-زنجي.
 رن صوت نيقولا وهو يبتسم بسرور: بالطبع أتذكر. ولا أعرف حتى الآن ما إذا كان زنجيًا حقًا، أو أننا كنا نحلم أو أن أحدهم حدّثنا عنه.
-كان أشهبَ، تذكر؟... أسنانه بيضاء، وقف ونظر إلينا...
سأل نيقولا: صونيا، هل تذكرين؟
أجابت صونيا بخجل: نعم، نعم أتذكر شيئًا من هذا...
قالت ناتاشا: أتعلم لقد سألت أبي وأمي عن ذلك الزنجي، وقالا إنه لم يكن هناك أي زنجي على الإطلاق. ولكن أنت تتذكر!
- بالطبع أذكر، أتذكر أسنانه كما لو أنني قد رأيتها للتو.
- يا للغرابة! كما لو أنه كان حلمًا! لكن يروقني ذلك.
-وهل تذكرين كيف دحرجنا البيض المسلوق في قاعة الرقص، وفجأة تعرقلت امرأتان كبيرتان وبدأتا الدوران على السجاد؟ أكان ذلك واقعًا؟ هل تذكرين كم كان ذلك مسليًا؟
-أجل ، وأنت أتتذكر كيف أطلق بابا النار وهو في معطفه الأزرق من بندقية في الشرفة؟
وهكذا كانوا يسترجعون ذكرياتهم، مبتسمين بسرور، ليست تلك الذكريات القديمة الحزينة، بل تلك الذكريات الشاعرية النضرة -انطباعاتهم عن الماضي البعيد الذي تختلط فيه الأحلام بالحقائق– كانوا يضحكون في جو من الألفة والسعادة.
أما صونيا -كما جرت العادة- لم تكن تجاريهما تمامًا مع أنها تشاركهما الذكريات نفسها. نسيت الكثير مما ذكراه، وما تذكره لم يثر في نفسها ذات الإحساس الشاعري الذي يشعران به. كانت تستمتع بحماسهما وابتهاجهما محاولةً الانسجام معهما.
 لم تشارك في الحديث إلا عندما ذكرا وصولها أول مرة إلى المنزل. أخبرتهما عن مدى خوفها من نيقولا حينئذ، لأنه كان يرتدي سترة مشدودة بخيوط الخرج، وقد روّعتها وصيفتها عندما قالت لها أنهم سيشدون وثاقها بالخيوط هكذا.
قالت ناتاشا: أتذكر أنهم أخبروني أنك قد ولدتِ تحت نبتة ملفوف، وأتذكر أنني لم أجرؤ على عدم تصديق ذلك، لكنني كنتُ أعرف أن هذا غير صحيح، شعرتُ بعدم الارتياح حياله.
بينما كانوا يتحدثون، دسّت الخادمة رأسها من الباب الآخر لغرفة الجلوس، وقالت في همس: لقد أَحْضَرُوا الديك، آنستي.
ردت ناتاشا: غير مرغوب فيه… بيتيا، أخبرهم أن يأخذوه بعيدًا.
أثناء حديثهم في غرفة الجلوس دخل ديملر واتجه إلى مكان الهارب [1] الموضوع في الزاوية. أزال عنه غطاءه القماشي فصدر عنه صوت نافر.
جاء صوت الكونتيسة من صالة الاستقبال: سيد ديملر. اعزف رجاء مقطوعتي الموسيقية المفضلة لجون فيلد[2].
ضرب ديملر على الوتر مستديرًا باتجاه ناتاشا ونيقولا وصونيا، وقال: ما أشد هدوءكم يا شباب.
- نعم، نحن نفكر على طريقة الفلاسفة.
علّقت ناتاشا بعد أن ألقت عليه نظرة عابرة للحظة، ثم تابعت الحوار الذي أصبح يدور عن الأحلام الآن.
بدأ ديملر العزف، ومشت ناتاشا على رؤوس أصابعها بلا ضجة إلى الطاولة لتأخذ شمعة. حملتها وعادت لتجلس بهدوء في مكان جلوسها السابق. كان الظلام سائدًا في الغرفة لاسيما حيث كانوا يجلسون على الأريكة، ولكن الضوء الفضي للبدر المكتمل في الخارج  كان يتسلل من خلال النوافذ الكبيرة ساقطًا على الأرض. انتهى ديملر من عزف المقطوعة لكنه ظل يداعب الأوتار بأصابعه بخفة، بدا مترددًا حول ما إذا كان يجب أن يتوقف أو يعزف شيئًا آخر.
اقتربت ناتاشا من نيقولا وصونيا وقالت في همس: هل تعلمان عندما يستمر المرء في استرجاع الذكريات بهذه الطريقة، يبدأ في نهاية المطاف بالتفكير فيما حدث قبل وجوده في العالم...
قالت صونيا التي تتعلم جيدًا وتتذكر ما تتعلمه: هذا ما يسمى بتناسخ الأرواح، اعتقد المصريون القدماء أن أرواحنا كانت تسكن الحيوانات، وسوف تعود إليها مرة أخرى.
-لا ، لا أعتقد أننا سكنّا أجساد الحيوانات في الماضي. قالت ناتاشا هامسة مع أن الموسيقى قد توقفت. وتابعت: لكنني على يقين بأننا كنا ملائكة في مكان ما، وكان لنا وجود هنا، ولهذا السبب نذكر...
استأذن ديملر الذي دنا منهم بهدوء، وجلس إلى جوارهم: هل لي أن أنضم إليكم؟
قال نيقولا: إذا كنا ملائكة ، فلماذا هبطنا لأسفل؟... لا ، هذا غير ممكن!
 استأنفت ناتاشا بقناعة: لأسفل؟ من قال أننا هبطنا لأسفل؟ الروح سرمدية، إذن إذا كنتُ أعيش دائمًا، ينبغي أن أكون موجودة من قبل، أي أنني عشتُ منذ الأزل.
-نعم ، ولكن من الصعب أن نتخيل الحياة السرمدية. هذا ما قاله ديملر الذي انضم إلى الشباب بابتسامة متعالية رقيقة ولكنه كان يتحدث مصطنعًا الهدوء والجد مثلهم.
سألت ناتاشا: لماذا يصعب تخيل الأبدية؟ آن أوان اليوم، وبعد اليوم هناك غد؛ وقبله هناك أمس وما قبل أمس وهكذا دواليك...
سمعوا صوت الكونتيسة:  ناتاشا! حان دوركِ الآن لتغنّي لنا شيئًا... لماذا تجلسون هناك كأنكم تتآمرون؟
أجابت ناتاشا: ماما، لا رغبة لدي للغناء.
 ومع ذلك وقفت. لم يرغب أي منهم -ولا حتى ديملر الرجل الكهل - في قطع حوارهم والابتعاد عن هذا الركن من غرفة الجلوس، ولكن ناتاشا نهضت، وجلس نيقولا في مقعده على البيانو.
وقفت ناتاشا كالمعتاد في وسط القاعة وقد اختارت أفضل بقعة للصدى، ثم بدأت تغني أغنية والدتها المفضلة. قالت إنها لا تريد الغناء، لكن مر وقت طويل مذ غنّت آخر مرة، ولم تكن لتغني أفضل من تلك الأمسيّة. كان الكونت في مكتبه يتحدث إلى ميتنكا عندما سمعها، ومثل تلميذ في عجلة من أمره يريد أن يفر للّعب، تخبط في حديثه أثناء إعطاء أوامره إلى المشرف على أعماله، وفي النهاية صمت منصتًا، في حين كان ميتنكا واقفًا أمامه يصغي ويبتسم.
لم يرفع نيقولا بصره عن أخته؛ كان يأخذ أنفاسه متماشيًا معها. كانت صونيا تفكر أثناء استماعها في الاختلاف الهائل الذي بينها وبين صديقتها، واستحالة أن تتمتع بشيء من سحر ابنة عمها. جلست الكونتيسة القديرة بابتسامة يخالطها الفرح والحزن والدموع في عينيها، وهي تهز رأسها بين الفينة والفينة. كانت تفكر في ناتاشا وشبابها، وذاك الشيء غير الطبيعي والمثير للتوجس في زواج ناتاشا الوشيك بالأمير أندرو.
كان ديملر الجالس بجانب الكونتيسة ، يستمع مغمض العينين.
وقال أخيرًا: آ... كونتيسة إنها موهبة أوربية، لا ينقصها ما تتعلمه – أي رقة وحنان وقوة هذه...
-آه كم أخشى عليها، كم أخشى عليها!
 رددت الكونتيسة ذلك دون أن تلقي بالًا مع من تتحدث. أنبأتها غريزة الأم أن لدى ناتاشا الكثير من كل شيء، ولهذا السبب بالذات لن تكون سعيدة. قبل أن تنهي ناتاشا الغناء، هرع بيتيا بحماس فتى يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا وقال مبتهجًا: وصل المتنكرون. 
توقفت ناتاشا عن الغناة على حين غرة، وصرخت في وجه أخيها: أبله.
ثم ألقت بنفسها على كرسي، تبكي ناشجة نشيجًا بلغ من قوته أنها لم تستطع التوقف إلا بعد مدة.
-لا شيء ماما، صدقًا لا شيء.  قالت وهي تحاول أن تبتسم: إنه بيتيا، لقد أخافني.
وما زالت دموعها  تتدفق والعبرات تخنقها.
كان المتنكرون (العاملون في المنزل) يرتدون ملابس الدببة والأتراك والمربيات والسيدات – بهيئة  مضحكة ومخيفة – قد جلبوا برد الخارج وإحساس البهجة معهم. اكتظت بهم الردهة وهم يقفون خجلين في بادئ الأمر، ثم حجب بعضهم بعضًا وهم يدخلون قاعة الرقص بشيء من الخجل، ثم شيئًا فشيئًا اعتراهم الحماس والمرح، بدأوا الغناء والرقص والشروع في ألعاب عيد الميلاد. عندما عرفتهم الكونتيسة،  ضحكت على هيئتهم ثم ذهبت إلى صالة الاستقبال. في حين جلس الكونت في القاعة، مبتسمًا يشع حماسًا وإشادة باللاعبين. أما الشباب فقد اختفوا.
بعد نصف ساعة، ظهر بين المتنكرين الآخرين في قاعة الرقص سيدة مسنة ترتدي تنورة، كان ذلك نيقولا. وفتاة تركية وكان ذلك بيتيا. أما المهرج فديملر. والفارس الخيّال ناتاشا، والشركسي صونيا بشارب وحواجب لاصقة مخصصة للتنكر.
بدهشة مصطنعة استقبلهم غير المتنكرين، وتظاهروا بأنهم لم يعرفوهم  وأثنوا عليهم، وقرر الشباب أن مثل هذه الملابس من الدقة بمكان بحيث تستحق أن يظهروا بها في مكان آخر.
أراد نيقولا أن يأخذهم جميعًا بمركبته (الترويكا)[3] بما أن الطرق في حالة سالكة رائعة، واقترح أن يأخذوا معهم نحو اثني عشر من المتنكرين إلى "بيت العم".
قالت الكونتيسة: لا، لماذا تزعجون الرجل المُسن؟ كما أنكم لن تجدوا مكانًا يسعكم جميعًا للاستدارة هناك. إذا كنتم ولا بد ذاهبون، فاذهبوا إلى آل ميليوكوف.
كانت السيدة ميليوكوف أرملة تعيش مع أبنائها ومعلميهم والمربيات على بعد ثلاثة أميال من آل روستوف.
-معكِ حق يا عزيزتي. تكلم الكونت ونهض: سألبس أيضًا وأذهب معهم. سأعرف كيف أنفس عن باشيت.
لكن الكونتيسة لم توافق على ذهابه؛ لإصابة سيئة في ساقه كان يعاني منها منذ أيام. وتقرر عدم ذهاب الكونت. وسُمح للسيدات الشابات أن يذهبن بشرط أن تذهب لويز إيفانوفنا (مدام شوس) معهم. وبذلك كانت صونيا تترجى لويز إيفانوفنا بشيء من التردد والخجل وبكثير من الإلحاح لئلا ترفض.
كان لباس صونيا أفضلهم على الإطلاق، ولشاربها وحاجبيها المستعارين جاذبية غير عادية. أخبرها الجميع بأنها تبدو في غاية الوسامة، لذا كانت مفعمة بالحيوية والنشاط، في مزاج رائق على غير العادة. ثمة صوت في داخلها يقول إما أن يتحدد مصيرها اليوم وإلا فلا، وقد بدت في ردائها الرجالي شخصية مختلفة تمامًا. وافقت لويزا إيفانوفنا على مرافقتهم. وخلال نصف ساعة انتظمت أربع زلاجات ترويكا ذات أجراس وجلاجل كبيرة وصغيرة أمام المدخل، يصدر عن مزالقها صرير وصفير فوق الجليد.
كانت ناتاشا أول من ترنّم بنغمة عيد الميلاد، التي أخذت تصدح من أحدهم إلى الآخر، ووصلت إلى ذروتها عندما خرجوا جميعًا إلى الصقيع وصعدوا إلى الزلاجات، وهم يتكلمون ينادي بعضهم بعضًا، يضحكون ويهتفون.
كانت اثنتان من زلاجات الترويكا مخصصتين لاستخدامات الأسرة المعتادة، والثالثة تخص الكونت يتوسط جواديها جواد من فصيلة الأورلوف الروسية، والرابعة لنيقولا بجواد قصير، أدهم، أسود اللون.
وقف نيقولا في منتصف الزلاجة بلباس السيدة العجوز الذي يرتديه فوق معطف الفارس المشدود من وسطه بحزام، قابضًا عنان الفرس بيديه.
كان القمر منيرًا جدًا، رأى نيقولا انعكاس ضوئه على صفائح عدة الفرس المعدنية وعيون الخيول، التي كانت تنظر في اتجاهه متأهبة إثر سماعها الحفلة الصاخبة تحت سقف المدخل.

صعدت ناتاشا وصونيا ومدام شوس وخادمتان على زلاجة نيقولا؛ أما ديملر وزوجته وبيتيا فاتخذوا لهم مقاعد في زلاجة الكونت، في حين جلس من تبقى من المتنكرين في الزلاجتين الأخريين.
-امضِ قدمًا يا زاخار. صاح نيقولا بسائس الزلاجة الخاصة بوالده، طامعًا بفرصة لسباقه وتجاوزه.
بدأت ترويكا الكونت التي تحمل ديملر وحزبه تتقدم، ومزالقها تصدر على الجليد صريرًا، وجرسها الجهير يجلجل.
شد الجوادان على الجانبين بدنهما تحت وطأة المقابض المعدن التي تربطهما بالجواد الأوسط، وأخذت الجياد تتوغل في الثلج الجاف البراق كسكر، تثير به نقعًا كالتراب.
انطلق نيقولا خلف الزلاجة الأولى؛ ومن خلفه تحركت الزلاجتان ببطء ، تصدر مزالقها الصخب والصرير. في أول الأمر ساروا بسرعة ثابتة على طول الطريق الضيق. حين كانوا يجتازون الحديقة، كانت ظلال الأشجار العارية تسقط على الطريق حاجبة ضوء القمر الساطع، ولكن بمجرد أن تجاوزوا السور، غمر ضوء القمر البساط الثلجي وانتشر بلا حراك في ألقِ كألماس يرشق الظلال المزرقة. أصدرت الزلاجة الأولى قرقعة إثر عبورها فوق حفرة جليدية في الطريق، وأحدثت الزلاجات الأخرى الجلبة ذاتها، لتكسر بفظاظة هذا السكون الذي أخرسه الصقيع، بدأت عربات الترويكا بالتسارع على طول الطريق، واحدة تلو الأخرى.
علا صوت ناتاشا عبر الهواء البارد: انظروا آثار أرانب...هناك الكثير منها!
جاء صوت صونيا: ما أبهى الضياء يا نيقولا.
ألقى نيقولا نظرة باتجاه صونيا، منحنيًا ليرى وجهها عن كثب. وجهها الفتّان في ضوء القمر بحلته الجديدة ذي الحاجبين الأسودين والشارب المنبثق من فراء السمور؛ على قربها منه كانت جد بعيدة.
’أهذه صونيا التي أعرف؟‘  فكر في نفسه وهو ينظر إليها عن قرب مبتسمًا.
سألته: ماذا هناك يا نيقولا؟
أجابها ملتفتًا إلى الخيل: لا شيء.
عندما خرجوا إلى الطريق العام الذي صقلته مزالق العربات؛ الموسوم بالحوافر الصلبة التي بدت آثارها جلية تحت ضوء القمر - أخذت الخيول تشد أعنّتها وتزيد من سرعتها من تلقاء نفسها. ثبّت الحصان الجانبي رأسه وشرع يخب خببًا يسيرًا. تلفت الحصان الأوسط من جانب إلى آخر محركًا أذنيه كما لو أنه يتساءل: ’ألم يحن الوقت للبدء الآن؟‘.
 في الصدارة أمامهم كان جرس الزلاجة المجلجل يرن مبتعدًا، ويمكن رؤية الخيول السوداء التي يقودها زاخار على الثلج الأبيض. من تلك الزلاجة كانت تعلو صيحات المتنكرين وضحكاتهم وأصواتهم.
هتف نيقولا وهو يشد أعنة الفرس إلى جانب بإحدى يديه ويرفع السوط بالأخرى: هيا انطلقوا يا أعزائي!
الناظر لصفعات الريح الهائلة التي انهالت عليهم، والهزات الصادرة عن الخيول -التي باتت تجر الزلاجة بسرعة أكبر، وتزيد من عدوها أكثر- سيظن أن تلك الزلاجة صارت تحلّق. نظر نيقولا إلى الوراء. بشيء من الصراخ  والصرير والتلويح بالسياط باتت الزلاجات الأخرى تتبعهم الآن. وما زال جواده يعدو بلا هوادة دون تراخٍ وكله استعداد لزيادة سرعته أكثر إن تطلب الأمر.
لحق نيقولا بالزلاجة الأولى؛ كانوا يهبطون على منحدر، سالكين مسارًا واسعًا عبر المروج بمحاذاة نهر.
تساءل نيقولا في صمت: ’أين نحن؟‘ أعتقد أنها مروج كوسوي. لكن لا، هذا مكان جديد لم أره من قبل. هذه ليست مروج كوسوي ولا هذا نهر داميان، الرب وحده يعلم! إنه مكان جديد واقع تحت تأثير سحر ما. حسنا، ليكن ما يكون. حث خيله على الإسراع أكثر، وبدأ في تجاوز الزلاجة الأولى.
كبح زاخار لجام خيله والتفت إلى الوراء، ليظهر وجهه المكسو بالصقيع حتى حاجبيه.
أطلق نيقولا العنان لخيله، ومد زاخار ذراعيه مقرقرًا بلسانه وأطلق خيله، ثم صاح: انتبه يا سيدي.
بسرعة ثابتة كانت الزلاجتان تنطلقان جنباً إلى جنب، وتسارع قرع حوافر الخيول التي تعفر الثلج تحتها. اندفع نيقولا إلى الأمام متقدمًا زاخار الذي ما زال يمد ذراعيه، وقد رفع عنان الفرس بإحدى يديه وهو يصيح: لا، لن تهزمني يا مولاي.
زاد نيقولا من سرعة خيله وتجاوز زاخار. عفرت الخيول الثلج الجاف الناعم على وجوه أولئك الموجودين في الزلاجة - وبجانبهم بدت الأجراس تصدر رنينًا سريعًا ولمحوا لمحات للأقدام المتحركة بسرعة وظلال الترويكا التي مروا بها. علا صوت صفير المزالق على الجليد وصرخات الفتيات الحادة تأتي من أنحاء مختلفة.
تأمل نيقولا خيله مرة أخرى، ونظر فيما حوله. ما زالوا محاطين بالأرض السحرية المغمورة بضوء القمر وتلألؤ النجوم.
تساءل نيقولا: كان زاخار يقول أنه ينبغي علي الانعطاف إلى اليسار، لكن لماذا إلى اليسار؟ هل يوصلنا ذلك الطريق إلى آل ميليوكوف؟ هل وصلنا؟ الرب وحده يعلم إلى أين نمضي، وحده يعلم ما حدث لنا – أيًّا يكن إنه لأمر غريب وممتع.
التفت إلى الوراء باتجاه الزلاجة. سمع صوت غريب، وجميل غير مألوف من ذي الحاجبين والشاربين الرفيعين: انظروا، لقد ابيضَّ شارباه ورموشه!
-أعتقد أن هذه ناتاشا.
هكذا حدث نيقولا نفسه: ولعل تلك مدام شوس، أو ربما ليست هي، أما هذا الشركسي ذو الشارب الأسود لم أعرفه، لكني أحبه.
سألهم: ألا تشعرون بالبرد؟
لم يجبن ولكنهن بدأن بالضحك. صاح ديملر من الزلاجة التي في الخلف – ربما قال شيئًا مضحكًا - لكنهم لم يستطيعوا تمييز ما قاله.
-أجل ، أجل! تعالت الأصوات الضاحكة.
هنا غابة مسحورة بها ظلال سوداء تتحرك، وبريق من الألماس وسلم من الدرجات الرخامية وأسقف فضية لمبانٍ خيالية وصيحات حادة تصدر عن بعض الحيوانات.
 حدث نيقولا نفسه: إذا صح أن هذا مكان الميليوكوف حقًا، فعجبًا كيف وصلنا إلى هنا بعد جولتنا تلك التي لم يكن يعلم وجهتها غير الرب!
كانوا قد وصلوا إلى الميليوكوف حقًا، حيث هرع الخدم والخادمات إلى الشرفة بوجوه مبتهجة حاملين الشموع المضاءة.
سأل أحدهم: من هناك؟
ردت أصوات أخرى: إنهم متنكري الكونت إيليا روستوف، عرفتهم من خيولهم.


[1]  القيثارة
[2]  مؤلف موسيقي ايرلندي (1782- 1837).
[3]  مركبة روسية تجرها ثلاثة أحصنة، عادةً ما تكون زلاجة ركوب.

  •  ترجمة: بلقيس الكثيري.
  • تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب