المشاركات الشائعة

السبت، 13 يونيو 2020

حوار مع لاورا فان دين بيرج



حاورها: ماكس وينتر*


هناك لحظة واحدة، في رواية لورا فان دين بيرغ  "الفندق الثالث" The Third Hotel عن تجارب المرأة في مهرجان سينمائي في كوبا، والتي تحول كل اللحظات التالية لها وتغير فهم الشخص للكتاب بشكل دائم، إنه ليس مجرد تطور للحبكة، حيث لا شيء يتغير في قصة الكتاب بعد ذلك، كما أنه أيضًا ليس "كشفًا" لأنه لا يمثل أية معرفة سرية، إنه أكثر من عرض للمعلومات التي لم تكن لدى القارئ في السابق، ثُمَّ يغير الطريقة التي ينظر بها إلى شخصية الكتاب، ويغير مقدار ثقته بها ويزيد من رمزية العديد من أفعالها وملاحظاتها وتغييراتها. قد يشعر بعض الكُتَّاب أنَّ الكشفَ عن تلك اللحظة هنا أمرٌ جيدٌ، بل من الضروري الكتابة عنها حينما نكون بصدد الكتابة عن الكتاب، وفي الواقع، لن تتمكن من معرفة اللحظة إذا لم تقرأ الكتاب، ومع ذلك، أجد أنني أميل إلى التفكير بأنه في هذه الحالة ليس من العدل بالنسبة لي أن أكشف عنها، كون الكشف عن المعلومات وعدم الكشف عنها يُعدُّ أمرًا حاسمًا ومهمًا في رواية "الفندق الثالث"، فعندما تتجول كلير -الشخصية الرئيسة للكتاب- في أرجاء المهرجان، يبدو انزلاق المعلومات جزءًا كبيرًا ومتسارعًا، فهي تسمح بأن يُظن أنها شخص آخر، وتتابع مجريات هذا الأمر قدر استطاعتها، فالمعلومات التي تكشفها لنا نحن القراء خلال هذا الأمر تتناثر بشكل تدريجي، فنعرف عن زواجها، وسلوك زوجها الغريب، وطفولتها غير التقليدية، وسلوكها المتغير، في لمحات بسيطة ومختصرة، يؤثر هذا النوع من السرد حول ما يروى وما لا يروى على سيرنا القرائي مع الكتاب، إذ نتعلم أشياء في صفحات قليلة تؤثر على طريقة عرض ما حدث من قبل وما يأتي بعد ذلك حتى نصل للجملة الأخيرة من الكتاب، وماذا عن السؤال المطروح أعلاه، عن الثقة؟ هل الانزلاق -في هذه الحالة- يجعل كلير متزعزعة أم بشرية؟ هل يمكن أن يكون هذان المصطلحان مترادفين؟ إنني أطرح هذه الأسئلة لأن الكتاب نفسه يثير أسئلة دون الحاجة إلى إجابات لها بالضرورة، في حين تقودنا فان دين بيرج عبر عالم المهرجان، مع منتقديه، وممثليه، ومديريه، ومشاهديه، فإنها تحتفظ بمزاج من عدم يقين يكتسب -ليس ببطء شديد- نزاهة عميقة، كما لو أن عدم اليقين كان وجهة جديرة وصعبة المنال، لقد استمتعت بطرح بعض الأسئلة لفان دي بيرج حول كتابها عبر البريد الإلكتروني، وقد استمتعت بقراءة الإجابات.


ماكس وينتر: ما جودة الفيلم التي تدفعك لجعله جزءًا مركزيًا في هذه الرواية؟


لاورا فان دين بيرج: الفيلم قصة تروى بطريقة مختلفة تمامًا عن السرد الكتابي، يعتمد الفيلم على تكوين لغة بصرية للقصة يساندها فورية وحيوية تكسب اللغة المرئية جاذبية، وهذا يتجلى بشكل خاص في أفلام الرعب، حيث على اللغة المرئية أن تنقل كابوسًا متحولًا من نوع ما، مشهدًا متغيرًا للواقع، ومفاتيحَ للمنطق المغمور للقصة، وبما أننا بصدد الحديث عن أفلام الرعب، لطالما اهتممت بالطريقة التي تستخدم أفلام الرعب فيها الاضطرابات الشديدة للواقع لكشف الحقائق البشرية التي دائما ما كانت موجودة.

أيضا، الكثير من أحداث رواية The Third Hotel جرت خلال مهرجان سينمائي في هافانا، لقد قرأت الكثير عن السياحة ونظريات الأفلام أثناء العمل على هذا الكتاب، وفي مرحلة معينة أدركت أن بعض الكتابات النظرية حول السياحة استخدمت لغة مماثلة للغة السينمائية، وهو اكتشاف سمح بزيادة التآزر بين الفيلم والكتب وأكسبها عناصر أخرى مثل مساحات العبور، السياحة، وغيرها.


ماكس وينتر: هل يمكنك توضيح التداخل بين نظرية الأفلام وكتابات السياحة؟


لاورا فان دين بيرج: أولا، لقد لاحظت ذلك التداخل على مستوى المفردات، فعلى سبيل المثال، يشير كلا النوعين من الكتابة إلى العدسات والنظرات، أي جودة المظهر وما الذي ينظر إليه، وهذا الأمر يظهر بوضوح أكثر في الفيلم، مع عدسات الكاميرا، ولكن أعتقد أن هذه اللغة هي أيضا جزء لا يتجزأ من ثقافة السياحة، من الذي يقوم بالمظهر؟ ما جودة تلك النظرة؟ ما التاريخ الذي تحدثه هذه النظرة أو تزيلها بالكامل؟ كيف يُروى ويحكى هذا المكان؟ وما أنواع الروايات التي يفرضها الغرباء على الأماكن وأسبابها؟


ماكس وينتر: الفنادق والمساكن المؤقتة الأخرى متخيلة بشكل جيد جدا في الكتاب، ما البحوث والأعمال المفاهيمية الأخرى التي قمتِ بها لتصلي إلى هذه النتيجة؟


لاورا فان دين بيرج: كنت أسافر كثيرًا عندما كتبت أجزاء من هذه الرواية، لذلك كان هذا مجالًا يتطلب بحثًا أقل! العديد من تفاصيل النقل العام مستمدة من الحياة، وأنا مهتمة جدًا بالتوتر بين الحميمية والغموض في مساحات الانتقال في النص، من ناحية ما، هناك الحراسة؛ الذات العامة المواجهة للخارج، ومن ناحية أخرى، يمكن أن تكون هذه المساحات بيئات غنية لأسرار النفس التي تطفو على السطح، فنحن نكشف عن أنفسنا للغرباء بطرق لا ندركها حتى، وذلك يتجسد في عدة تصرفات مثل عاداتنا اللا واعية، ما نتركه وراءنا في غرف الفنادق أو في جيوب ظهر المقعد، كما أنني متلهفة جدًا للنوم على متن طائرة، حتى ألاحظ عادات النوم لدى الغرباء، فإن كان لديهم حلم، أكون موجودة لشيء في منتهى العاطفية، إلا أن هناك ميثاق صمت حول هذه اللحظة، يكمن في أن الكشف عن الهُوية يكون لكسرًا للبروتوكول الاجتماعي.


ماكس وينتر: يذكرني الموقف من الموت في هذه الرواية بعدة أعمال بدءًا ببعض قصص ماركيز، أفلام بيرغمان (فاني وألكسندر على الأخص، Wild Strawberries و The Seventh Seal) وانتهاء بفيلم Black Orpheus، ما موقفك تجاه الموت، وهل يمكنك الحديث عن فكرة الحياة الآخرة، بصفته شيئًا يُشكِّل الكثير من التفاصيل في الأعمال الأدبية؟


لاورا فان دين بيرج: من المؤكد أن الأدب يتناول السر الغامض للموت، وقد أثَّرت الكثير من الأعمال التي تطرقت لفلسفة الموت بشكل كبير فيَّ، وقد بدأت الرواية بنوع من "التذكر والاستجابة" لرواية جان إيشنوز التي كانت بعنوان "بيانو Piano" التي تدور حول عازف بيانو قتل في الصفحات الأولى من الكتاب ثم توجَّبَ عليه اجتياز الحياة الآخرة، لذا كان التعامل مع الموت وما يأتي بعده أمرًا محوريًا في تطلعاتي لهذا المشروع.

بالنسبة لآرائي الخاصة، أجد أنني لا أملك أية فكرة حول الأمر، وأحيانًا كثيرة أشعر بالاضطراب لعدم تكويني أية فكرة، أنا مناهضة ولا أجد الاستقرار أو الراحة في السرد الديني، كما أنني أخشى أن يكون الموت الهاوية التي لا تنتهي من العدم،  لكنني لا أعرف، إلا أنني أشعر أحيانًا أن القراءة والكتابة هي طريقة لإعداد الذات، بقدر ما يمكن أن يكون الشخص مستعدًا.


ماكس وينتر: في كثير من الأحيان ، تكون أفعال "كلير" منطقية من الناحية الشعرية ولا تمت للواقعية بصلة، إذا كنتِ ستتجاوزين ترسيم الحدود، كيف وصلتِ إلى طريقة هذه الشخصية في التحرك عبر العالم؟


لاورا فان دين بيرج: الخسارة المفاجئة والحزن الشديد يشعرانك أن حياتك قد فُكِّكت، وقواعدك السابقة لم تعد منطقية، وأن كل شيء قد قلب إلى الداخل، وهكذا، كُلّفت كلير بإيجاد نوع جديد من المنطق للعمل بموجبه، فقد وصلت إلى مهرجان الفيلم في نوع من الكابوس الواعي وهي حالة تصيبها في وقت قصير.

لو تأملنا الرعب الذي يملأ الشخصيات في أفلام الرعب لوجدنا أنه يمكن أن ينتج نوع مشابه من تأثير تحطيم القواعد، حيث يجب على الشخصيات أن تجد طريقة جديدة للعيش، وهذا ما سعيت له في الأساس، إذ أردت أن تكون حياة كلير الداخلية في حوار دائم مع هذه الحالة السينمائية الكامنة في الوجود.


ماكس وينتر: يمكنك القول إن الجثث المتحركة (الزومبي) يجب أن تجد طريقة جديدة للعيش أيضًا، إلى أي مدى أثَّر وجود فيلم زومبي في الكتاب على الطريقة التي شُكِّلت بها كلير؟ أيهما جاء أولاً، كلير أم الزومبي؟


لاورا فان دين بيرج: بدأت The Third Hotel بنوع من الرد والاستجابة لرواية بيانو للمؤلف جان إشنوز، إذ يموت شخص في بداية الرواية ثم عليه أن يجتاز الحياة الآخرة، لقد عاد في النهاية إلى باريس، المكان الذي عاش فيه وقت وفاته، ولكن كان مظهره قد تغير ولم يتمكن أحد من أولئك الذين عرفوه عندما كان على قيد الحياة من تمييزه، إلا أن شخصًا واحدًا تمكن من التعرف عليه وتكشفت المشاكل بدءًا من ذلك، لن أسمي تلك الشخصية بالزومبي، لكنه شخص "يعيش" حياة عادية كشخص ميت، لذلك كان هذا الكتاب حجر الزاوية المهم، وفي أثناء العمل على هذا المشروع، شاهدت فيلم أليخاندرو بروجيس خوان دي لوس مويرتوس Juan de los Muertos، أول فيلم زومبي في كوبا، وقد قدم الكثير من الإلهام للفيلم داخل الرواية، خاصة بالإشارة إلى تصنيف نوع الرعب المرجعي الذاتي، وقد أردت أن أشير بذلك إلى التاريخ السينمائي الواقعي.


ماكس وينتر: كيف وصلت كلير إلى مهنتها في ضوء نظرتك الخاصة لماضيها؟ ما المعرفة، الرمزية أو غير ذلك، التي ستدفعها للتقدم في الكتاب حتى تصل؟ (وظائفنا تبلى علينا بطريقة أو بأخرى).


لاورا فان دين بيرج: أنا أعاني من رهاب الأماكن المغلقة قليلا. لذلك أخطو إلى المصاعد مع وميض طفيف من الفزع، وقد أردت أن تحصل كلير على وظيفة تفرض عليها أن تسافر كثيرًا، فهي مندوبة مبيعات، جعلتني أنجذب إلى عملها وقفزات انتقالاته، نظرًا لأن المصاعد مناطق مؤقتة مصممة لنقلنا من طابق واحد إلى التالي، أيضًا، أردت أن يكون لدى كلير علاقة محددة وطبقية لتسافر، بالإضافة إلى كونها زائرة لمهرجان الفيلم ومندوبة مبيعات تتنقل بالمصاعد، فقد نشأتْ في نزل صغير على شاطئ البحر في جاكسونفيل بيتش (كان والداها أصحاب نزل)، لذا فإن علاقتها بالسفر والسياحة تتبلور في هذه السياقات الثلاثة المختلفة جدا.


ماكس وينتر: إلى حد كبير، تتناول الرواية سؤال "من أنا" أو ما الذي أبدو عليه، كيف شكلت فكرة الهوية الشخصية والثقافية هذا الكتاب؟


لاورا فان دين بيرج: نوعًا من حب السفر، كنت أرغب في إلقاء نظرة على سؤال "من أنا" من خلال طبقات متعددة قدر الإمكان، حيث دخل زواج كلير وريتشارد في مدة محيرة قبل وفاته، وفي أعقاب ذلك، أُعيدَ تشكيل حس كلير لذاتها وواقعها، ومع تقدم الرواية، تضطر إلى مواجهة جوانب من تاريخها الحديثة والبعيدة على حد سواء والتي كانت تتجنبها بقوة، ثم تظهر هناك أسئلة كبرى حول كيف أن الوجود قُبالة الكاميرا يغير علاقتنا بالهوية، وكيف يتغير سلوكنا عندما نعرف أنه جارٍ تسجيلنا، وعندما نعلم أننا نشاهَد من قبل الحضور؟ ما الحقائق التي يمكن للكاميرا كشفها، ما القصص الخيالية التي تخلقها؟ ما الأثر الذي يحدثه قدوم الغرباء لتصوير مدينة على تلك المدينة مع مرور الوقت؟ كيف نفرض رواياتنا الخاصة عندما نكتب عن الأماكن التي نسافر إليها؟ ما الذي اعتُبر مهما؟ وما الذي استُبعدَ بالكامل ولماذا؟ لم أكن أطمح أن تكون هذه الرواية مرآة تعكس عودة كلير إلى نفسها، بل أردتها أن تكون مرآة ونافذة والعديد من الانكسارات.


____

* ماكس وينتر كاتب ومحرر ومصور يعيش في نيويورك، وهو مؤلف The Pictures (Tarpaulin Sky Press) Walking Among Them (Subpress).


ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.  


يوليسيس - جيمس جويس. (المقال الثاني)


مؤمن الوزان.


يتقفَّى جويس في عمله هذا خطى الملحمة الشعرية "الأوديسة" لهوميروس، فبعد أن قضى أدويسيوس عشر سنوات في حرب طروادة يعود مع بحّارته إلى إيثاكا لكن رحلة العودة تستمر عشر سنوات أخرى من التيهان في البحر بلعنة إله البحر بوسيدون، ومن مغامرة إلى أخرى، ينتهي به المطاف أخيرًا بالعودة إلى إيثاكا ليلتقي بابنه تليماك ويجتمع مع زوجته بينلوبي مجددًا بعد طول فراق. تتقابل الحلقات والشخصيات والأحداث بين العملين محاكية متطابقة أو ساخرة، ليدور القارئ في العمل في دالة موجية ما بين المحاكاة والتعارض والتقفي والسخرية في دبلن حيث جرت أحداث الراوية. 


التطابق:  


(الشخصيات)


- بلوم = أوديسيوس. 

- مولي (زوجة بلوم) = بينلوبي. 

ستيفن (رفيق بلوم) = تليماك (ابن أوديسيوس).


 

التشابه: 


- المواطن الشوفيني المتعصب لأيرلندا في الحانة، الحلقة 12  = وحش السيكلوب ذو العين الواحدة. 

- ماخور بيلا كوهين الحلقة 15 والهلوسات التي يعانيها بلوم وستيفن بسبب السكر = الإلهة والساحرة سيرسي ومسخها لرفاق أوديسيوس. 

- حيرة الفنان ستيفن وبحثه عن الأب الروحي، واضطراب عقيدته، وصراعه مع الكنسية = بحث تليماك عن والده أوديسيوس الذي لم يعرف شكله. 

- جنازة ودفن بادي دغنام في الحلقة السادسة = رحلة أوديسوس إلى هادس في عالم الأموات.


التعارض: 


- تجري أحداث يوليسيس في يوم واحد 16-6-1904 = تجري أحداث الأوديسة في عشر سنوات.

- يعتمد السرد في الحلقة الحادية عشرة على السمع بشكل كبير = تطلب سيرسي من أوديسيوس أن يحشو أذنيه بالشمع وآذان رفاقه حتى لا يغويهم غناء عرائس البحر. 


(الحلقات)  


يتكون العمل من ثماني عشرة حلقة أما الأوديسة فمكونة من أربعة وعشرين نشيدًا (حلقة) موزعة كالتالي: الحلقات الثلاث الأولى عن الفنان ستيفن ديدالوس (أربع حلقات عن تليماك)، وخمس عشرة حلقة عن بلوم ومولي وستيفن وأحداث اليوم في دبلن (عشرون حلقة في رحلة عودة أوديسيوس إلى إيثاكا ثم الأحداث التي وقعت بعد وصوله). كل حلقة في يوليسيس تطابق حلقة من حلقات الأوديسة وتختلف معها أو تتشابه وفقا لما يتطلبه العمل من لزوميات وإكراهات مفروضة من جويس. 


- على الرغم من حب موللي لزوجها بلوم فإن هذا لا يمنعها من إقامة علاقات مع غيره ولا سيما بويلان الذي كانت متواعدة معه في يوم أحداث يوليسيس 16-6-1904 = بقيت بينلوبي وفية لزوجها رغم مرور السنوات، ورفضت الزواج من غيره على أمل عودته حتى حصول حادثة الخطّاب وتجمعهم، وتتخلص منهم أخيرا بعودة أوديسيوس ملك إيثاكا الذي قتلهم رفقة ابنه تليماك. 


* لفتة

- يعيش بلوم في شارع Eccles بيت رقم 7 = تحتجز الإلهة كاليبسو أوديسيوس لديها في جزيرتها مدة 7 سنوات. 


هذه بعض التطابقات والتشابهات والتعارضات التي يزخر بها العملان لكن الأسئلة المهمة التي تُطرح لماذا اختار جويس الأوديسة دون غيرها؟ وما الذي أراده من هذا العمل؟  

إنَّ الجواب عن هذين السؤالين كما أراه يكمن في رسالة وإعلانٍ ضمنيين في يوليسيس. سعى جويس في عمله هذا على اختيار عملٍ من بواكير الأعمال الإنسانية، وكان العمل الذي وجد فيه ما يترجم غايته إلى حقيقة ملموسة هو الأوديسة في تنوع أحداثها وإمكانية نقل الملحمة من عالم الأمس البعيد إلى عالم اليوم المعاصر، هذا النقل تمثل في رسالة مفادها أن الأوديسة افتتحت الأدب الإنساني التخيلي ويوليسيس من أنهته، لكنها بذات الوقت أعلنت افتتاح أدبٍ إنساني جديدٍ هو كما أراه: أدب خاص بجويس وحده إذ يتجاوز هذا العمل مفهوم الرواية سابقًا ولاحقًا ولا يمكن إمساكه في حدود نوع روائي معين أو تعريفه تعريفًا يشترك فيه مع عمل غيره، وهو بذات الوقت عصر أدبي واحد ابتدأ بيوليسيس وانتهى به، لا ينتمي لما سلف ولا لما لحق، قائم ومتفرد بكيانه الخاص، بسماته، وتقنياته، فهو أقرب لكونه كائنًا يتميز بذاتيته المتفردة والمنفردة، ومخلوقًا له عالمه وقوانينه وكينونته الخاصة به ولا يُشارك بها أحدًا. 


جويس لم يكتب يوليسيس بل خلقه فهو يأكل ويشرب ويتبرَّز ويتبول وينام ويستيقظ ويعاشر ويصاحب ويصادق ويستمني وينكح ويفكر ويشعر ويحب ويكره ويتنفس ويقوم جسده بكل نشاطات الأيض الحيوي، ويملك فوق كل هذا روحًا ووعيًا يتدفقان من أول العمل إلى آخره، هذا ما أراده جويس، غالقًا دفة "كتاب الأدب" بعد أن دخله، ورفع شعارًا متحديًا به من جاء خلفه أن يكتبوا أدبًا خاصًا بهم، أو يفتحوا "كتاب الأدب" لكن كيف سيُفتح هذا الكتاب مجددا؟ وبأي عمل؟ هذا هو التحدي المفتوح الذي خلَّفه جويس، وبعد مرور مئة عام من نشر الرواية في Little Review أثبتت جدارتها وتمايزها وأنها مستعصية ومغلقة، ويحتاج القارئ إلى أن يصبح تابعًا لهذا المخلوق "يوليسيس" حتى يرى ويشاهد بعضًا مما يدور في ذات هذا المخلوق، المخلوق الذي لم يراعِ خالقُه أي اعتبارات أو يرغب بإنشاء أي علاقات ودية مع الآخرين، فهو منفِّر للدخيل وغير ودي مع المريد. فالعمل لا يقرأ بل يُشعر ويُحس به، يتسرب إلى ذات المرء وكيانه، ويتحد معه في كل تسهيلاته وعقباته، في استقامته وتعرجاته، من يقرأ عليه أن يخلي ذاته ليوليسيس.   

إضافة إلى ما سبق فإن العلاقة ما بين الأوديسة ويوليسيس هي علاقة صراع ما بين مفهومي الإله الخالد والإنسان الفاني في الأدب، فالنقلة التي قام بها جويس من الإلوهية إلى أقصى درجات الذاتية (الوعي الشخصي) تمثل جوهر المذهب الإنساني بل وتعداها إلى ما بعد الإنسانية. 

يخوض أوديسيوس صراعًا لأجل أن يعود إلى إيثاكا مع الآلهة والمخلوقات الغريبة هذا الصراع يصور لنا مكانة الأسطورة والإله في المفهوم البشري له وقتئذ، إذ أكسبه الصبغة الإنسانية إذ تراه يفرح ويحزن ويغضب ويرضى كأي فانٍ آخر، وتعدد الآلهة بدلا من الإله الواحد. عُكست العقيدة الفكرية في الأدب، الذي هو مرآة الإنسان، فأدويسيوس هو البشري الذي يصارع القوى العُليا والقدر الذي لا يقوى عليهما في النهاية لولا تدخل العناية الإلهية الإغريقية وعاد إلى إيثاكا، بقي الأدب مرآة للعقيدة الدينية البشرية يتزامن معها يعكسها تارة ويعارضها في أخرى لكنه في آخر المطاف يبقى بوابة لفهم الإنسان وفكره. 


كلما تطورت المذاهب الإنسانية الفكرية والعقائدية نرى انعكاسها في الأدب لينتقل من مرحلة إلى مرحلة، مرورًا بالملوك والنبلاء والطبقة الراقية انتهاءً بالفرد الإنسان. ونرى هذه الإرهاصات الأولى والتباشير في صراع الكلاسيكية الجديدة مع الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر حتى أطاحت الرومانسية بعقلانية عصر التنوير وتمحورت حول الذات والمشاعر البشرية والطبيعة الإنسانية دون الخوض في تعقيدات العقل والقديم بحثًا عن جديد لتفتح بذات الوقت بوابة جديد نحو مذهب الإنسانية وعبادة الإنسان والوجودية حيث الإنسان هو الكل والفرد ولا شيء يمكن أن يكون أهم منه حتى الإله عند معتنقي هذا الفكر، ولا غريب أن نقرأ لأحد أهم شعراء وروائي القرن التاسع عشر فيكتور هوغو يقول: ستموت الحرب في القرن العشرين… وستموت الملكية، وستموت العقائد؛ وسيحيا الإنسان. 

سيحيا الإنسان كانت هذه الغاية المنشودة ولا سيما في أوروبا وأمريكا بعد العقود القرمزية التي خلَّفت تصدعات وتمزقات في المسلَّمات الحياتية والفكرية والفلسفية وتقوقعَ الإنسان حول ذاته أكثر، وحتى لا نشطَّ كثيرًا فإن جويس قد صدح بروايته هذه بمذهب الإنسانوية والواقعية العادية في يوليسيس ليشير إلى نهاية عصر الأدب الذي ابتدأ بالآلهة والأبطال الخارقين عبر الإنسان الفرد العادي الذي لا يتميز بأي ميزة من خلال شخصيات عادية إلى درجة الذوبان في محيطها وعالمها بين ملايين البشر، مجرد رقم من بين سكّان المعمورة، لكنه سلّط عليهم الضوء، ووجه الكاميرا، ولم يكتفِ بهذا التقريب من العادية والإنسانوية بل وسبق زمانه عبر تصويره عصر ما بعد الإنسانوية والذكاء الاصطناعي ومحاولة تعريف الوعي البشري وكيف تجري العمليات الذهنية في الدماغ وما العقل والروح وكيف يمكن أن نجعل للذكاء الاصطناعي وعيًا خاصًا به، ويطور نفسه ويعالجه ذاتيا في معادلات رياضية معقدة وعالم خوارزميات تنقلنا إلى مرحلة الإنسان الإله في قادم السنوات الحبلى بالكثير في عالم القرن الحادي والعشرين. 

اعتمد جويس في تجاوز عصره في يوليسيس بشكل معتبر وركيزة رئيسة عبر تصوير الوعي البشري، ومحاولة تشخيصه ونقله من الأثيرية إلى المادية الملموسة عبر النص المكتوب. النقل الذي يتم للوعي من اللا شيئية المطلقة التي هي ماهيته 

إلى الشيئية المحسوسة تمنح العمل زخمًا قويًا من الكثافة الفكرية وإدراكًا لماهية الوعي المتشكل من استقبالات للمعلومات من الخارجية عبر السمع والبصر كما في الحلقتين الثالثة والحادية عشرة، أو عبر تداعي الذاكرة الداخلي كونه رافدًا مهما لتشكل الوعي، أو التفكير من خلال سلسلة من العمليات الذهنية التي تشترك في آليتها المعطيات السابقة وأخرى غيْبية. 

بهذا التجسيد للوعي فإن جويس يتغلب على نفسه ويهزم عصره ويسافر بالزمن إلى المستقبل، فسرد الوعي ليس مجرد نقل لأفكار الشخصيات وعوالمها الداخلية وحالتها النفسية أو المونولوج بل هو إقحام للقارئ في ذهن الشخصية فتتحول القراءة إلى نظارة ثلاثية الأبعاد يسمع القارئ كلام الناس المحيطين به، ويرى ما تراه الشخصية، ويزيد عليها أن يقتحم وعي الشخصية يراقب تدفق الوعي ومضيه في كل الاتجاهات حيث لا زمان ولا مكان ولا حدود لا شيء سوى الوعي غير معروف الماهية الذي ألبسه جويس قالب كلماتٍ محسوس ناقلًا قوامه غير المرئي أو المعروف إلى قوام من حروف تُقرأ وتُشعر وتُدرك، ولم يكتفِ بهذا بل سعى جهد إمكانه بالإضافة إلى النظارات الثلاثية الأبعاد التي يرتديها القارئ إلى إدخاله في غرفة خاصة بكل المؤثرات البصرية ونقل الأحاسيس بشكل قريب جدا حتى يكاد يشعر به بل ويشعر به في بعض الأحيان ولا سيما في الحلقة السادسة، لا يمكن للقارئ أن يتجنب الشعور والإحساس بضيق المكان في العربة واهتزازها في الطريق إلى الجنازة والمقبرة، هذا الإحساس في التماهي الذي تملكني وأنا أقرأ العمل وشعوري بمخلوق جويس وصل إلى رؤية حركات الشخصيات وهي تنفض فتات الخبز وتزيله من تحت أفخاذها ومحاولة التأكد أن فتات الخبز في العربة فقط لا تحتي أنا الآخر أيضا. 

لهذا فهو لا يتوج الأدب ويحدد نهاياته ويفتح مساراته الخاصة فحسب بل ويعكس فهم الإنسان لذاته وعالمه، هذا الفهم الذي قد يرد فيما مضى كثيرا أو قليلا عبر ذكر لواعج النفس وهمومها أو بث مشاعرها أحاسيسها نثرًا وشعرًا 

لكن التصوير الواعي والمدرك لعالم الإنسان الداخلي هو ما يميز هذا العمل "يوليسيس".


الثلاثاء، 2 يونيو 2020

يوليسيس - جيمس جويس. (المقال الأول)

سنتحدث عن رواية يوليسيس لجيمس جويس في سلسلة مقالات مسافرين في رحلة مع هذا العمل الكبير.


مؤمن الوزان.


 

لم يكن تيار الوعي مجرد علامة بارزة لتيار أدب الحداثة بل وفاتحته الرسمية أيضًا الذي تُوجته رواية يوليسيس للروائي الأيرلندي جيمس جويس. تعود أولى سمات تيار الوعي إلى الرواية الرسائلية "باميلا (1740)" لريتشاردصون إلا أن هذه التسمية لم تكن متعارفة حتى سنوات متأخرة من القرن التاسع عشر رغم ظهور أهم سماته المولونوج الداخلي لاحقا في روايات متعددة منها الرواية القصيرة "اقتطاع إكليل الغار (1887)" لإدوارد دوجاردن، التي قال عنها جويس وقال جويس إنه اكتشف هذه التقنية في أول رحلة له إلى باريس في عام 1903 عندما كان يقرأها.


ظهرت أول تسمية رسمية له "تيار الوعي The Stream of Consciousness" في كتاب "مبادى علم النفس (1890)" للفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمس، الأخ الأكبر للروائي الأمريكي هنري جيمس (يعد الكثيرون أن أدب الحداثة ابتدأ مع هنري جيمس). عمل هنري جيمس على تصوير عوالم شخصياته وتدوين أفكارها وعرضها للقارئ دون تدخل منه. لينتقل بعدها تيار الوعي نقلة كبيرة مع مارسيل بروست وروايته الأولى البحث عن منازل سوان 1913 "البحث عن الزمن المفقود" التي اعتمد فيها على تداعي الذاكرة الحر المتقافز والتعامل الجديد مع الزمن الروائي واللغة السردية، لتتشكل سمات واضحة لتيار الوعي. 


إن تيار الوعي هو تقنية تتمحور في تصوير العوالم الداخلية للشخصيات وأفكارها وحالتها الذهنية وذاكرتها وخيالاتها وإدراكها العقلي لمكانها وزمانها، ونقل كل هذا إلى الرواية لتكون الشخصية عارية تمامًا أمام القارئ ولا يتبقى لديها أيَّ شيء تخفيه عنه. وتتلخص أهم تقنيات تيار الوعي في: 


- المونولوج (الحوار) الداخلي المباشر للشخصية وهو سرد لحديث الشخصية مع نفسها وعرض أفكارها وذكرياتها ووعيها بذاتها بشكل مباشر دون تدخل، قد يتدخل فيه الكاتب أحيانا ليتحول إلى غير المباشر. 


- استخدام الحواس (الرؤية، والسمع) والذاكرة والخيال في خلق الحدث عبر التصوير الحر لتدفق الوعي والأفكار والمعلومات والأحداث المتسردَّة. 


- تداعي الذاكرة. إن التداعي الحر غير المنضبط بحدود أو شروط للذاكرة ينقل العالم الداخلي للإنسان إلى الرواية، وعملية تصوير ماضي الشخصية تُدخل القارئ في متاهات وتماس مباشر مع فكر وذات الشخصية لا يفصل بينهما شيء. 


- السرد السمعي والبصري. يرتكز السرد في تيار الوعي إضافة لتدفق الأفكار وتداعي الذاكرة على مدارك الحواس البصرية والسمعية حيث تعد الأذن والعين مدخلا مباشرًا للتواصل ما بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، ويعمل الكاتب على تدوين كل ما تسمعه أو تراه الشخصية وربطها مع وعيه وأفكاره من أجل نسج مادة نص تيار الوعي. 


- وجود اللغة المفككة وغير القواعدية، وعدم ترابط الأفكار والتنقل غير المنطقي، والتداخل بين الأحداث، والنص المتصل، والكلام غير المفهوم، ليوحي بماهية لغة الوعي.


- المونتاج الزماني والمكاني (ثبوت الزمن وتغيّر المكان. ثبوت المكان وتغيّر الزمن).


- الاستخدام الدقيق لعلامات الترقيم في كتابة  نص "تيار الوعي" إذ يكون للفارزة والنقطة الدور المؤثر في تغير معنى النص سلبيًا أو المحافظة عليه مثلما أراد الكاتب. 


نجد كل هذه التقنيات في "يوليسيس" ممثلة الذروة التي وصلت لها رواية تيار الوعي عبر تنوعها الثري والغني سواء بالمونولوج الداخلي المباشر أو تدخلات السارد الضمني في المونولوج أو الاعتماد على السمع في السرد أو تداعي الذاكرة أو اللغة المستخدمة التي قد تكون أقوى وأبرز سمة في هذا العمل الذي يعده الكثيرون ملحمة القرن العشرين، وكما يصفها أحد مترجمي العمل إلى العربية الدكتور طه محمود بأنها فصلت الرواية ما بين عوليس وما بعد عوليس، وقال أيضا إن جويس ظلم الرواة الذين أتوا من بعده لأنه لم يترك لهم شيئا. استمر استخدام تيار الوعي في أعمال روائيين حداثيين لاحقا مثل فرجينيا وولف في رواية "إلى الفنار" ووليم فوكنر في رواية "الصخب والعنف".

جدير بالذكر أن هذا النوع الروائي واحد من أصعب الأنواع إن لم يكن أصعبها وبذا يزيل اللبس الذي قد يتولد حول الجدل الدائر حول أهمية يوليسيس والاحتفاء الصاخب أو الهجوم اللاذع عليها ما بين محبيها وكارهيها.  


(غلاف الطبعة الأولى من دار وشركة شيكسبير الفرنسية في عام 1922، حيث كتب العنوان فقط دون ذكر رواية).



"إن رواية يوليسيس لجيمس جويس، وقصيدة الأرض اليباب لـ ت. س. إليوت طويتا صفحة عصر أدبي، وأعلنتا عن بداية عصر جديد "أدب الحداثة"، إنها السنة (1922) التي غّيرت كل شيء" إزرا باوند. 


لم يكن النشر المُعدَّل والمحرَّر (بسبب فحشه) والمتسلسل ليوليسيس ما بين 1918-1920 في مجلة Little Review مانعًا للناشرة الفرنسية سليفيا بيتش والمديرة لمتجر كتب وشركة شيكسبير من قبول نشرها في عام 1922 في طبعة أولى من ألف نسخة تمثل ثروة كل طبعة منها ثروة معنوية لمقتنيها ومادية لبائعها التي قد تصل لأكثر من ربع مليون دولار أمريكي، مشرعةً الباب لأهم أعمال القرن العشرين في أدب الرواية، الرواية التي أشاد بها أدباء متعددون ولا سيما إليوت وإزرا وهيمنغواي لابتكاراتها وإبداعها وأساليبها السردية المتنوعة ولغتها الفريدة، لكنها لم تظهر في أمريكا إلا عام 1934، وبعدها بسنتين ظهرت الطبعة البريطانية من الرواية.


**



جيمس جويس (1882-1941)*


يعد جُويْس واحدا من أهم الروائيين المؤثرين في حقبته، ورائد تقنية "تيار الوعي" في إيصال أفكار شخصياته، وطوّرها باستخدام أساليب متعددة من أجل ضبط مادة موضوعه المتنوعة. 

ولد جيمس جويس في دبلن عام 1882. كانت عائلته من الطبقة الوسطى لكنها فقيرة بسبب والده السكِّير وسوء إدارته المالية. درس جويس في المدارس اليسوعية، التجربة التي كانت الجزء المفتاح في علاقته المتصارعة مع الإيمان الكاثوليكي، ثم لاحقا في جامعة دبلن (التي كانت وقتها تُدار من قبل المؤسسة اليسوعية). قرأ جويس بنهم وأتقن عدة لغات، وبحلول عام 1901 تعلّم بنفسه ما يكفي من اللغة النرويجية ليكتب رسالة تقديرية للمسرحي هنريك إبسن. ولرفضه للتعصب الديني والأفق العقلي الضيق الذي خبره في أيرلندا؛ انتقل إلى باريس في السنة اللاحقة، وشرع في دراسة الطب. 

تُوفيت والدته في عام 1903، وعاد إلى دبلن حيث قابل في عام 1904 نورا برانكل، شابة كانت تعمل خادمة غرف، وغادر الاثنان معًا إلى أوروبا. استقرّا في بادئ الأمر في تريستي - إيطاليا، وأنجبا جورجيو ولوسيا. بدأ بعدها جويس تدريس الإنجليزية وكتابة الكتب التي ستجعله مشهورًا. كتب المجموعة القصصية "أهل دبلن"، ورواية السيرة الذاتية "صورة الفنان في شبابه" التي لاقى صعوبة في نشرها حتى ظهرت متسلسلة في مجلة The Egoist ما بين سني 1914-1915. انتقل جويس ونورا إلى زيورخ في عام 1915، وقضيا سنوات الحرب العالمية الأولى يستمتعان بأجواء المدينة العصرية. واجه جويس صعوبات مالية خلال هذه الأوقات، واستلم مساعدات مادية من هاريت شاو ويفر -مؤسس مجلة The Egoist- تحت اسم مجهول. وحظي بمساعدة الشاعرين ييتس (وهو صديق قديم لجويس) وإزرا باوند، اللذين كتبا مراجعات مادحة لأعماله مع دعمهم المادي.  عادا بعد نهاية الحرب إلى تريستي وزارا بعدها باريس في عام 1920 حيث قررا الاستقرار في العاصمة الفرنسية. وضع جويس بعد وصوله إلى باريس اللمسات الأخيرة على تحفته الأدبية "يوليسيس" التي نشرها على دفعات في مجلة The Little Review الأمريكية ما بين سني 1918-1920، وطُبعت لأول مرة كاملة في فرنسا عام 1922 من قبل سليفيا بيتش التي كانت تدير شركة ومحل كتب شيكسبير. وعلى الرغم من الاعتراف بجويس من قبل أقرانه بأنه كاتب عظيم فإنه لم يجنِ إلا مردودًا ماديًا ضئيلًا خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. إضافة إلى ذلك فقد حُوصرَ بمشاكل صحية وعائلية فقد أصيب بالزرق في عينه الأمر الذي أدّى إلى تدهور بصره، وخضع لتسع عمليات في عقد العشرينات ليعالج عينه، وشُخصت ابنته لوسيا بالفصام (سكيزوفرينيا) في منتصف الثلاثينات وقضت الكثير من حياتها في المصح. استمر جويس في هذه المرحلة العصيبة من حياته منشغلًا في عمله الأخير "يقظة آل فينيغان" التي نُشرت في طبعة واحدة عام 1939. خضع بعدها بعامين لعملية جراحية بسبب القرحة، لتوافيه المنيّة بُعيدها، ودُفن في زيورخ، التي عاد إليها بعد بداية الحرب العالمية الثانية، إذ رفضت السلطات الأيرلندية السماح لنورا بنقل رفاته إلى دبلن لدفنها. 


*Writers their lives and works.




**

الراوية التي كانت كفيلة بتثبيت عرش جيمس جويس واحدًا من أعظم الروائيين في العصر الحديث ومن أهم أدباء النثر في التاريخ الإنساني. هذه المكانة التي حازتها يوليسيس لم تأتِ من فراغ إذ العمل قائم على تقنيات سابقة لعصرها، وذو بُنيوية معقدة التشييد، وتشكل حلقاته الثمانية عشرة تحديًا كبيرًا لأي قارئ وبأي لغة يتحدث سواء الإنجليزية، لغة الرواية الأصلية، أو اللغات المترجمة، والقارئ العربي محظوظ في كون العمل تُرجم من قبل أكثر من مترجم لكن الترجمة الأخيرة لصلاح نيازي هي الترجمة الأفضل للعمل والمتوزعة في أربعة كتب (النسخة الأصلية من 764 صفحة من القطع الطويل بقرابة ربع مليون كلمة) والمزودة بالهوامش الكثيرة التي تجاوزت الآلاف ساعدت على شرح وتيسير فهم العمل.


سر التسوق في المكتبات المستعملة


سر التسوق في المكتبات المستعملة

الخطوة الأولى: التسليم لكل التوقعات.

كيلسي ريكسراوت*

يعدُّ الصيف موسما جيدا للمكتبات، فمع ارتفاع درجة حرارة الطقس، تزداد حركة الناس في الشارع، وتُترك أبواب المكتبات الأمامية مفتوحة لإغراء المتجولين كون التدفق المريح للقراءة الصيفية يفسح المجال تجاه المرء لاكتشافات عفوية يجتذبها من الرف مقارنةً بأماكن القراءة الهادئة في الشتاء، ويميل الزوار إلى البقاء لوقت أطول نظرًا لطول ساعات النهار.

في الأقل يفعل البعض ذلك، إذ هناك نوع آخر من العملاء الذين يفدون إلى المكتبة، يتجهون إلى حيث مكتب الاستقبال، ويسأل السؤال نفسه بصيغ مختلفة: "هل لديك هذا الكتاب (ذاكرين اسمه)؟"، وهذا يحدث لي في الأقل مرة واحدة في كل نوبة عمل في متجر الكتب المستعملة حيث أعمل، وأحيانًا يحدث ذلك عشرات المرات.

لقد عملت في السجل لمكتبتين لبيع الكتب المستعملة -مكتبة الإسكان للأعمال غير الربحية في مدينة سوهو بمدينة نيويورك والمكتب التعاوني Adobe Bookstore في منطقة ميشن في سان فرانسيسكو- لذا فقد كتبت هذا السؤال مئات المرات، عادة ما تكون الإجابة سهلة، وغالبًا ما أعرف على الفور أنه ليس لدينا الكتاب المعني لكونه إصدارًا جديدًا، فالكتب المستعملة تُتداول بين الناس أولًا، تُناقش، تُمرر عبر الأسر وبين الأصدقاء مثل الشائعات المستمرة قبل أن تصل إلينا، أما بالنسبة للعناوين القديمة، فلا تُصنَّف أو تتغير يوميًا، إلا أنه يسعدني جدًا البحث في مخزوننا في القسم ذي الصلة، وأنجح أحيانًا!

لذا فإن السؤال نفسه هو موضع ترحيب، لكن ما يأتي خيبة أمل عندما يكون عليّ الرد بـ "لا، آسفة" ففي كثير من الأحيان يدور العميل باتجاه المخرج ويغادر دون أن يلقي حتى نظرة حول المتجر. في نظري، يشبه ذلك الأمر أن يدخل المرء إلى معرض فني يسأل "هل لديك أية لوحة لدي كونينج؟" ثم يغادر فورًا إذا ما كان الجواب (كما هو متوقع عادةً) "لا".

بالنسبة لنوع آخر من العملاء، فإن "لا" ليست سوى الجزء الأول من تجربتهم في المتجر، والفرق بين أولئك الذين يغادرون بخيبة أمل وأولئك الذين يغادرون سعداء واضح: المجموعة الأخيرة لا تأتي للبحث عن عنوان محدد، وعندما يفعلون ذلك، فإن هذا البحث المحدد سلفًا هو ما يجلبهم إلى باب المتجر ولا يغضون أبصارهم عن الأشياء الأخرى التي يقدمها المتجر.

مكتبات الكتب المستعملة المفضلة لدي لا تملأ أرففها بأجهزة الكمبيوتر القديمة التي جُمعت من صناديق البيع الحر في المرائب، بل تمتلئ أرفف كل واحدة بمجموعات مختارة من الأدبيات التي صمدت على مر الزمن، وهي مؤلفات تعد بمثابة بداية جيدة لي حين أشعر بالقلق حيال استحالة التأثير في العروض الأدبية في العالم.

يعتمد العديد من الباحثين عن الكتب المستعملة على نصيحة Thoreau: "اقرأ أفضل الكتب أولًا، فقد لا تكون لديك الفرصة لقراءتها على الإطلاق"، كما إن التحمل الشديد والثبات للكتاب المستعمل يُسكن في قلب الباحث صوتًا مطمئنًا وثقة يصعب العثور عليهما في متاجر بيع الكتب الجديدة، حيث لا تقدم العناوين الجديدة إلا القليل من التأثير وينبني الأمر برمته على الضجيج العالمي الأدبي والإعلان التسويقي للناشر.

بطبيعة الحال، يستحق هذا الثبات الشديد بعضًا من التدقيق، فإحدى المناقشات التي تنبثق بانتظام بين الموظفين هي ما إذا كانت اختياراتنا حديثة بما يكفي أو ما إذا كانت رفوفنا في خطر أن تصبح متحفًا لذوق لا يتغير، فنغدو كقائمة التشغيل الخاصة بزوجي والتي تضم أغاني السبعينيات فقط! كما إننا نعلم أن تقديس المؤلفين الذكور البيض في المقام الأول لم يكن حدثا تاريخيًا عَرَضيا بل جاء على حساب إسكات أصوات أخرى. لذا يكمن التحدي الذي نواجهه في أن ننظم رفوفنا بحيث تعرض أفضل المؤلفات والعقول في التاريخ دون نشر أسوأ مواقفها، وهو تحدٍ نتعامل معه من خلال تسليط الضوء على مؤلفات  النساء وأصحاب البشرة السمراء، وفي بعض الحالات نكمل بعض المساحات من خلال كتب التبرعات أو التي نشتريها من أصحابها حين ينظمون أيام بيع في المرآب ومشتريات بيع العقارات من خلال مشترياتنا من السوق الثانوية. (كانت مكتبة كتب لوغانبيري في كليفلاند قد رفعت من واجهات رفوفها جميع كتبها التي كتبها مؤلفين ذكور خلال شهر تاريخ المرأة (آذار/ مارس).

وبغض النظر عن هذه الجهود، فإنني لا أعتقد أنه يجب إبعاد كتاب ما لمجرد أنه لم يعد حديثًا للصحافة أو مضى على زمن طباعته وقت طويل، فالمذاق ليس بأمرٍ يخضع للحدود فبقليل من الجهد فقط اكتشفت أصواتًا مختلفة ووجهات نظر لافتة للكثير من المؤلفين عبر عقود من الزمن، وغالبًا ما أستكشف ذلك من خلال إيلاء اهتمام خاص لاختيارات الموظفين وميولهم القرائية، والتي أعلم أنها خطوة لا تهدف فقط لملء وقت استراحة ما بعد الظهر لهم أو ملء خانة في قوائمهم القرائية بل أرى أنها تصيغ جزءًا من الإطار العقلي للأشخاص في الوقت الذي لم يكونوا مدركين أنهم أضحوا قاحلين معرفيا أو بدأوا بالتراجع شيئًا فشيئًا.

لقد تعلمت أن أنظر إلى البحث عن كتاب لأحد زوار متجر الكتب المستعملة لا كأنني باحث عن كنز بل شخصٌ يتمشّى في الطبيعة ويعطي نفسه الكثير من فرص الاستمتاع على طول الطريق، على الرغم من أن البحث عن عناوين أو مؤلفين محددين يؤدي إلى خيبة الأمل مرارًا فإن تنظيم قائمة ذهنية بالموضوعات كـ: نيويورك في الأربعينيات، وجيل بيت، ومذكرات نجمات الروك، يمنحني مكانًا لأبدأ البحث منه وغالبًا ما أجد ضالتي خاصة عندما أبحث خلال الفئات.

عندما تبدأ أرفف الكتب بالامتلاء أتسوق لأصدقائي وأهديهم بعض الكتب، فالكتب المستعملة هدية مثالية كونها لا تشعر المهدى إليه أنه مدينًا لك، في العام الماضي كانت صديقي تمر بمرحلة "تجميد بويضات"  صعبة، وقد كنا نشير مازحين إلى تلك العملية باسم "الحصاد" محاولين محاكاة صوت ساحرة الهالوين، ولأسرّي عن مزاجها، قدمت لها كتابًا مستعملًا بمثابة هدية تمني التوفيق، وقد كان نسخة من كتاب الشعر إيريكا جونغ بعنوان "الفواكه والخضروات"، وأما لأصدقائي الآخرين، أعطيتهم الهدايا التي تتحدث إلى شغفهم مثل هتشكوك وكلاب البودل، وكلها مؤلفات أجدها في رحلة بحثي دون أن أكون وضعت في اعتباري البحث عنها تحديدًا.

هناك استثناءات لكل قاعدة، فأحيانًا يأتي الناس يطلبون كتابًا محددًا وفي لمح البصر أتذكر مكانه وأحضره لهم، وفي أحد المرات قدم إلينا صبي في سن المراهقة يبحث عن نسخة من كتاب فيكتور هوغو البؤساء، وقد وجدت أن لدينا نسختين كل منها لمترجم مختلف -وهو أمر لا تصادفه في مكتبات بيع الكتب الجديدة- وما أكثر ما كان إجلالي مهيبًا حينما شرح أحد المتطوعين لدينا -وهو استشاري تقني باليوم- الفروق الدقيقة بين الترجمتين لمساعدة الصبي على اتخاذ قراره حول النسخة التي يبتاع.

في نهاية الأسبوع الماضي كنت أتسوق في سانتا روزا وفُتِنتُ بمتجر كتب تريهورن Treehorn Books الواقع هناك، فالأرفف الخشبية الممتدة من الجدار إلى الجدار مزدحمة بشكل رائع- أي مساحة فوق صفوف الكتب المستقيمة تجدها مكتظة بمزيد من الكتب على الرفوف أفقيًا، في تحدٍ للأبجدية (يجب أن تتخذ كل مكتبة موقفها الخاص بشأن ما إذا كانت هذه المساحة مغلقة حدود أو لعبة رفوف عادلة)، لقد بحثت في فئة R's عن كتاب معين لمارلين روبنسون ولكنني لم أرَ أيَّ شيء من مؤلفاتها، وبدلاً من ذلك، تجولت في الأرفف السابقة المصنفة باسم Pirates و Sabotage و Disasters، والتي وضعت في قسم Rodeos & Boardwalks، وبطريقة ما توقفت أمام قسم الكتب الخيالية حيث اقتنيت نسخة أصلية من كتاب Homegoing للروائية يا جياسي.

هذا هو نوع الرحلة غير المتوقعة والمرضية التي أريد أن يمر بها الجميع عندما يدخلون إلى مكتبة كتب مستعملة لاستكمال قائمة القراءة الصيفية، سأستمر في مساعدة الأشخاص في البحث عن عناوينهم المحددة، ولكنني سأشجعهم أيضًا على البقاء والتصفح قليلاً، فإذا كنت لا تعرف ما تبحث عنه، فأنت لن تعرف ما ستواجهه في رحلة البحث والتنقيب!

 

 

 

*كيلسي ريكسراوت محررة وكاتبة مقيمة في سان فرانسيسكو، كتبت عددًا من القصص والمقالات في: The Cortland Review, Litro, Jellyfish Review, The Hairpin, و McSweeney's Internet Tendency

 

ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.


الأحد، 17 مايو 2020

مقابلة مع عائشة دوزكان.


حاورتها: ريبيكا جولد*.

عائشة دوزكان كاتبة وناشطة ومترجمة تركية أُطلقَ سراحها من السجن بعد أن حُبست بسبب نشاطها السياسي، من بين كتبها Çalar Saat (المنبه ، 1994)، Erkekliğin Kitabında Yazmaz Bu (لا يمكنك العثور على هذه الأشياء في كتب الذكور، 2006)، Behiç Aşçı Kitabı (كتابُ Behiç Aşçı (المضرب عن الطعام ضد الزنزانات الانفرادية، 2006)، و 0517 (في إشارة إلى تاريخ أول مظاهرة نسوية في عام 1987 وثورتي 1905 و 1917 ، 2018)، وتشمل ترجماتها بيان SCUM** (بقلم فاليري سولاناس) وليلى خالد: أيقونة التحرير الفلسطيني (بقلم سارة إيرفينغ) والحرية صراع مستمر (بقلم أنجيلا ديفيس)، ولديها حاليا أعمدة في الصحف التركية Yeni Yaşam وموقع Artı Gerçek.

تعرفت على دوزكان حينما انضمَّتْ مساهمةً في فصل السيرة الذاتية عن الترجمة وحينما تحدثت عن نشاط حياتها لكتيب Routledge Handbook of Translation and Activism، الذي حررته مع كيفان تاهماسيبيان. أعجبت بالقصة التي روتها، وقررت أن أستكشف وجهة نظرها حول الترجمة والنشاط بمزيد من التعمق في هذه المقابلة.

 

ريبيكا روث جولد: أود منك أن تتحدثي عن الكتب المؤثرة في حياتك؟ ولماذا وكيف أثرت فيك؟

عائشة دوزكان: فيما يتعلق بالكتب غير الخيالية، يمكنني أن أقول أن بيان الحزب الشيوعي لماركس وإنجلز وكتاب رأس المال لكارل ماركس كان لهما أثرًا فيَّ في مراهقتي، وكتاب كريستين دلفي "العدو الرئيس" أثر في العشرينات من عمري، فقد قدم لي هذان العملان القواعد الأساسية للرأسمالية،  ومن خلال دلفي والنسوية المادية*** تعرفت على كيفية عمل النظام الأبوي، أما بالنسبة للخيال، فقد تأثرت بروزاموند، بطلة فيلم The Millstone المقتبس من رواية مارجريت درابل "امرأة شابة"، كما كانت أعمال الكاتب التركي سيفجي سويزال مهمة جدًا لي، كما كانت كتب مارلين فرينتش Women’s Room و The Bleeding Heart مهمة في توجيه دفتي نحو النسوية، ولقد فتحت بعض الأعمال عيني على التفكير العميق وأرتني كيف أكون مبدعة كـ: Jitterbug Perfume لتوم روبينز، وتعاليم دون خوان The Teachings of Don Juan لكارلوس كاستانيدا، وبعض أعمال ويليام بوروز (وقد ترجمتُ كتابه Junkie إلى التركية)، إضافة إلى كتاب أنجا هنريوت مولينبلت  Shame is Over  الذي كان ملهمًا لي، وأخيرًا وليس آخرًا، بيان SCUM من إعداد فاليري سولاناس.

 

ريبيكا روث جولد: برأيك ما دور الترجمة في النشاط السياسي التركي بشكل عام؟ وما الأعمال الأكثر أهمية هذه الأيام؟

عائشة دوزكان: أعتقد أن الترجمة مهمة جدًا في النشاط السياسي الثوري والنسوي والمعارض، فنحن نعيش ونقاتل في تركيا، ولكن علينا أيضًا معرفة ما يجري في أجزاء أخرى من العالم، إنها ليست مثل فرنسا على سبيل المثال، فخلال الستينات، كان هناك مثقفون يساريون لم يكلفوا أنفسهم عناء معرفة ما يحدث، حتى في الجزائر حدث ذات الأمر، ومع ذلك، ظل الناس في العالم يقرؤون أي شيء يكتبونه! ليس لدينا مثل هذا الامتياز هنا، ومن جهةٍ أخرى، غالبًا ما تكون ميزة أن تكون من بلد مثل تركيا، إذ أن عليك أن تقرأ بشكل موسع عن بقية العالم، وهو أمر جيد بالنسبة لك، وقد أجد صعوبة كبيرة في الإجابة عن سؤال ما المهم حقا لكن يمكنني القول أن معظم أعمال ما بعد فوكو تحظى بشعبية كبيرة.

 

ريبيكا روث جولد: ما الذي جعلك تقررين أن تصبحي مترجمة؟ هل تعتقدين أن الترجمة جعلتك كاتبة أفضل؟

عائشة دوزكان: في الواقع، لم أقرر أن أصبح مترجمة، بل شعرت أن عليّ ترجمة الأعمال التي أردت أن يقرأها الآخرون، وأعتقد أن الترجمة جعلتني كاتبة أفضل لأنها عرفتني على أنماط مختلفة من التفكير والكتابة.

 

ريبيكا روث جولد: في مساهمتك في Routledge Handbook of Translation and Activism عبرتي عن قلقك بشأن تأثير اللغة الإنجليزية في العالم، هل هناك صفات محددة تجديها مفقودة في النشاط غير الموجه إلى الترجمة؟ هل هيمنة  اللغة الإنجليزية على ذلك النشاط تحد من تأثيره؟

عائشة دوزكان: أعتقد أن هيمنة اللغة الإنجليزية على مختلف النشاطات والسياسة والنظريات الممتدة عبر العالم لها تأثير كبير، والأهم من ذلك يعدُّ هذا الأمر عجزًا عالميًّا، فهناك تقسيم غير عملي وصعب للعمل، إذ يتعين على جنوب العالم وشرقه تقديم روايات عن المقاومة والنضال حتى نتمكن من الوصول إلى النظرية المكتوبة بلغات العالم الغربي والشمالي، وسيكون من المدهش جدًا إذا لم يحرم هذا الأمر تفكيرنا ونشاطنا العالمي من الاتساق والنزاهة والحساسية الجماعية، فأنت تجد النضال والمقاومة والنظريات في جميع أنحاء العالم، لكن حتى في هذا العصر وما فيه من التقنيات مثل الترجمة من خلال Google Translate فإنه لا يزال علينا ترجمة الكثير، إلا أننا نحتاج أيضًا إلى اختيار ما نترجمه، وهذا قرار سياسي جدًا.

 

ريبيكا روث جولد: هل يمكنك أن تقولي شيئًا عن ظروف سجنك الأخير؟ كيف يحيا المرء في السجن؟ هل غيرك بأي شكل من الأشكال؟ وماذا عن أعمال خدمة المجتمع؟

عائشة دوزكان: أمضيت أربعة أشهر في سجن مغلق (النمط المعروف للسجن) وثلاثة أسابيع في سجن مفتوح، فالسجن المفتوح هو المكان الذي تقضين فيه يومك بالخارج في حديقة ويمكنك استخدام الهاتف في أي وقت تشائين، وإذا بقيت هناك مدة طويلة، يمكنك أحيانًا الخروج مدة أسبوع والعودة من جديد! في الوقت الذي سُجِنتُ فيه كان هناك إضراب عن الطعام في العنابر، وكان السجناء يحتجون على سياسات العزل الحكومي لعبد الله أوجلان، اعتقدت أنه سيكون من الصعب العيش مع الأشخاص المضربين، لذلك قررت البقاء في زنزانة في الحبس شبه الانفرادي، ويكمن الفرق بين حالتي والحبس الانفرادي هو أنه سُمح لي بقضاء بعض الوقت في الفناء مرتين في اليوم.

كان يمكننا التواصل من خلال النوافذ وكان لدينا استراحة مدة تسعين دقيقة في الهواء الطلق مع ثلاثة سجناء سياسيين آخرين، لقد قرأت الكثير، وخاصة الأدب، وقرأت العديد من الرسائل، وكتبت الرسائل (كان معظمها من وإلى سجين آخر في نفس السجن الذي كنت فيه وكذلك السجناء في جميع أنحاء تركيا)، حلمت أحلامَ يقظة، واستمعت إلى الموسيقى من الراديو، كنت أرقص أحيانًا في المساء، واشتقت لابنتي وقططي وأي شيء يعرض على شاشة (إذ لم يكن لدي تلفاز)، ولقد فاتني وقت الطهي أيضّا!

لكن الحياة في السجن ليست انقطاعًا عن الحياة، لذلك فكرت بأنه علي أن أستمتع بها بطريقة أو بأخرى، في السجن المفتوح، بقيت في جناح مع نساء لديهن أطفال، وقد كان هناك ثماني نساء وخمسة أطفال لا ينامون أثناء الليل! وقد كنت السجينة السياسية الوحيدة هناك، لقد كنت هناك بسبب القمع السياسي وكانت معظم النساء الأخريات هناك نتيجة لأشياء حدثت لهن من خلال النظام الأبوي والرأسمالية، فبعضهن قتلن أو جرحن رجالاً اعتدوا عليهن بدنيا لذا أعتقد أنهن سجينات سياسيات أيضًا!

لقد غيّرتني هذه التجربة كثيرًا لأنني اضطررت للتعامل مع المشاكل التي لم أواجهها من قبل وقد كونت صداقات مع نساء لم أكن لألتقي بهن لو لم أُسجن، واضطررت للقيام بخدمة مجتمعية في مكتب التنفيذ في المحكمة، المكتب الذي استسلمت فيه، هذا هو المكتب الذي تُرتب فيه الأحكام ويحدد إلى أين سيذهب السجناء، أعني بـ "الاستسلام" أنني تقدمت بطلب القيام بهذا النوع من العمل أثناء مدة سجني، حضَّرتُ الشاي، ونقلت الوثائق من غرفة إلى أخرى، وختمت بعض الوثائق، وقابلت "المجرمين" الآخرين.

 

ريبيكا روث جولد: هل حدث أن ترجمتي عملًا كان له تأثير كبير في القراء الأتراك بشكل لم تكوني تتوقعيه؟

عائشة دوزكان: نعم ، حدث هذا بترجمتي لبيان SCUM، أحب النسوية الأمريكية الراديكالية فاليري سولاناس حبَّ رفيق التوجه والبنت والعمة، أحب ذلك الكتاب، وأعتقد أنه عمل هجائي رائع، ولكنه ليس دليلًا سياسيًا، إلا أنه يحظى بشعبية كبيرة بين النسويات الشابات الأتراك اللواتي يستلهمن منه ويحسبنه دليلًا سياسيًا، ولذلك أقول أحيانًا، "حسنًا ، لمَ لا!".

 

ريبيكا روث جولد: هل لديك أي خطط لترجمة نصوص في المستقبل؟ كتابات فردية وجديدة؟

عائشة دوزكان: لقد بدأت بترجمة المجموعة الشعرية للشاعر الأمريكي من أصل فلسطيني ريمي كنازي قبل سقوط القنبلة التالية: الصعود من بروكلين إلى فلسطين Before the Next Bomb Drops: Rising Up From Brooklyn to Palestine  في السجن وأخطط لإنهائه، وقد أحببت طريقة كتاباته ونظمه للمفردات، كما كنت قد بدأت ترجمة "The Big Push" لسينثيا إنلو قبل أن أُسجَن وسأعمل على إنهائه أيضًا، كما أنني أعمل على كتابة رواية وكتاب آخر غير روائي حول مسائل النسوية اليومية والحالية.

 

ريبيكا روث جولد: هل لديك أية اقتراحات للناشطين الراغبين في إظهار تضامنهم مع زملائهم النشطاء والأكاديميين والمترجمين في تركيا؟

عائشة دوزكان: لا، لأنني لا أعرف ظروف البلدان الأخرى، الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو: من فضلكم لا تكتفوا فقط بدعم الأشخاص المعروفين والذين يتحدثون لغتكم الأم، أعلم أنه من الأسهل لكم الوصول إليهم والتواصل معهم، ولكن هناك العديد من الأشخاص الآخرين الذين لا يتمتعون بامتيازات كافية ليستطيعوا التعرف عليكم.

 

* ريبيكا جولد هي مؤلفة كتاب: كتاب ومتمردين: أدب التمرد في القوقاز  Writers and Rebels: The Literature of Insurgency in the Caucasus (مطبعة جامعة ييل، 2016)، وحصلت على جائزة جامعة جنوب كاليفورنيا للكتاب في الدراسات الأدبية والثقافية وأفضل جائزة كتاب من قبل جمعية المرأة في الدراسات السلافية، وهي مترجمة كتاب: بعد غد تختفي الأيام: الغزال والقصائد الأخرى After Tomorrow the Days Disappear: Ghazals and Other Poems لحسن سيجي من دلهي (مطبعة جامعة نورث وسترن، 2016)، وكتاب نثر الجبال: حكايات القوقاز The Prose of the Mountains: Tales of the Caucasus (مطبعة جامعة أوروبا الوسطى، 2015).

** بيان SCUM (Society for Cutting Up Men) هو بيان نسوي راديكالي من تأليف فاليري سولاناس، نُشر في عام 1967، يتطرق إلى أن الرجال دمروا العالم، وأن الأمر متروك للنساء لإصلاحه، ولتحقيق هذا الهدف، تقترح تشكيل SCUM، وهي منظمة مكرسة للإطاحة بالمجتمع والقضاء على جنس الذكور، ويعتمد البيان في سياقه على اهتمامات فلسفية واجتماعية.

*** النسوية المادية تسلط الضوء على الرأسمالية والنظام الأبوي بعدهما أساسيين لفهم اضطهاد المرأة، ويعدُّ الجنس في النسوية المادية من مكونات المجتمع، ويفرض المجتمع أدوار النوعين: مثل حمل الأطفال، على النساء، وتكمن وجهة نظر النسوية المادية المثالية في وجود مجتمع تعامل فيه النساء بطريقة متساوية مع الرجل اجتماعيا واقتصاديا.

 

ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

 

 

 


السبت، 9 مايو 2020

جدولي الكتابي للرضا الذاتي، وليس للمتعة.


إليزابيث جورج.

(إليزابيث جورج: صاحبة أكثر الكتب مبيعا في قائمة نيويورك تايمز لعشرين رواية تشويق نفسي، وأربع روايات للراشدين، وكتاب غير روائي، ومجموعتين من القصص القصيرة، وقد كُرِّمَ عملها بجائزتي أنتوني وأغاثا، وترشيحين من إدغار، وجائزتين من فرنسا وألمانيا الأولى لمجال الخيال الإجرامي، بالإضافة إلى العديد من الجوائز المرموقة الأخرى، وهي تعيش في ولاية واشنطن).


في بعض الأحيان، يشعر الناس بالفضول حول كيفية تنظيم الكاتبة ليومها حتى تنجز نصيبها الكتابي، لذا سنوضح في هذا النص الموجز كيف تقوم هذه الكاتبة -إليزابيث جورج- بذلك، أود ألا يكون لدي أي شيء آخر أفعله غير كتابتي، ولكن هذا ليس هو الحال لي وربما ليس بالنسبة لك كذلك، والسؤال هنا، كيف ينجز شخص ما أي شيء عندما يكون لديه سلسلة مكالمات لا تنتهي في ذات الوقت؟

هذه هي الطريقة التي أفعلها: أعمل وفقًا لجدول يومي بسيط، إذ يرن المنبه في الساعة 4:50 صباحًا، وأنتزع نفسي من السرير حينذاك.

في بعض الأحيان يمكنني فعل ذلك بسهولة، وفي أحيان أخرى لا أستطيع، إلا أنه في كلتا الحالتين، أرتدي ملابسي الخاصة بالتمارين الرياضية، أركب دراجتي الرياضية، وبعد ذلك أمارس تمارين الأثقال.

أستحم، أرتدي ملابسي وأحرص على أن أكون أنيقة المظهر، ثم أتوجه مع كلبي إلى مكتبي الذي يبعد حوالي عشر دقائق بالسيارة من منزلي، وبمجرد وصولي هناك، أضع جدولي اليومي أثناء تناولي طعام الإفطار، ويشمل جدولي وقتي الكتابي، وقت دراسة اللغة الإيطالية، والرد على رسائل البريد الإلكتروني، والبريد العادي، وأداء مهماتي، والذهاب إلى المواعيد.

أرتب جدولي بحيث أنهي كتاباتي في الصباح، وأحدد صفحات الكتابة بناء على نوع المهمة الكتابية التي أقوم بها (خمس صفحات في اليوم حينما أكتب المُسوَّدة الأولية، وخمسين صفحة في اليوم حينما أعمل على المُسوَّدة الثانية)، كما أنني أكتب لهدف معين (تحليل شخصيتين، عشر مشاهد تفصيلية، أو كتابة مخططين لتفاصيل الحبكة)، أو أحدد وقتًا، أضبط المؤقت، وأكتب.

أحيانًا أقوم ببعض العمل التنظيمي قبل عملية الكتابة: أرتب جميع صوري، أقرأ الأبحاث التي استخرجتها من الإنترنت، أبحث عن كتب تخص المواضيع التي سأتطرق إليها في الرواية، خلق جو كتابي معين (مثل المدرسة الداخلية في رواية Well-Schooled in Murder أو كلية سانت ستيفن في جامعة كامبريدج في رواية For the Sake of Elena)، ولكن في جميع الأحوال، أُبقي على التزامي بجدولي وأنجز العمل المقرر علي.

آخذ أوقات راحة قليلة جدًا غالبًا لأنني أكتب في مكان منعزل وصامت إلى حد كبير، قد أنهض وأتجول، أخرج إلى الشرفة وألقي نظرة على المنظر أمامي، وفي مرات نادرة، أنزل إلى المقهى وأحتسي كوب قهوة لاتيه.

في حال سفري إلى مكان آخر، فإن جدولي الكتابي يسافر معي!، فأنجز نصيبي الكتابي في الصباح الباكر غالبًا قبل أن أقوم بأي شيء آخر في الرحلة.

حينما أكون أعمل على كتابة رواية، فإنني أكتب خمسة أيام في الأسبوع، وأتوقف عن الكتابة في عطلة نهاية الأسبوع، والرابع من تموز/ يوليو، ويوم عيد الشكر، ويوم عيد الميلاد.

عطلة نهاية الأسبوع هي الوقت الذي أقضيه مع زوجي، أو في الاسترخاء، أو القراءة، أو لقاء الأصدقاء، أو الخروج لتناول العشاء، أو الذهاب إلى المسرح أو الحفلات الموسيقية، أو المغامرات، أو تجربة أنشطة جديدة  أو استكشاف منطقة شمال غرب المحيط الهادئ، أو أخذ الكلب إلى متنزهات الكلاب أو أماكن أخرى تستمتع بها.

اتباع هذا الجدول، انتهى بي إلى كتابة رواية!

ذات مرة، قال لي شخص كنت أدرسه بنوع من السخرية حينما حدثته عن حياتي الكتابية: "هذا لا يبدو ممتعاً".

أجبت بالقول إن "التزلج ممتع، ركوب الألعاب الدوارة أمر ممتع، ركوب الأمواج ممتع، والتسوق مع الصديقات ممتع. . .  لكنني لا أحتاج أن تكون مهنتي ممتعة، بل أحتاجها أن تكون متحدية لي ومرضية جدًا، وبالنسبة لي، المرح أمر زائل، لكن الرضا عادة لا يكون كذلك".



 

ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.


 

 


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب