المشاركات الشائعة

السبت، 12 سبتمبر 2020

الحركة التصويرية الشعرية وأبرز شعرائها - الجزء الثاني.

  هيلدا دوليتل (1886-1961) 

 

ولدت هيلدا دوليتل الملقَّبة بـ "التصويرية المثاليّة" في بيثليهم Bethlehem - بنسلفانيا في العاشر من أيلول/ سبتمبر عام 1886. انضمت إلى كلية برين ماير وكانت زميلة لـ ماريانا مورو (شاعرة أمريكية)، والتحقت بعدها بجامعة بنسلفانيا حيث تعرَّفت على عزرا باوند وأصبحت خليلته وللشاعر الآخر وليام كارلوس وليامز. 

ارتحلت إلى أوروبا في عام 1911 بنيِّة قضاء الصيف هناك، لكنها بقيت بعيدة عن الوطن لآخر حياتها. تنامت أهمية هيلدا وباوند خلال هذه الأوقات سريعا وأصبحا رائدي حركة التصويرية الشعرية رفقة الشاعر ت. ي. هيوم Hulme، وف. س. فلنت، وريتشارد ألدينغتون، وآخرين. نالت بعضًا من بواكير قصائدها الاعتراف حين نُشرت من قبل هاريت مورنو في عام 1913. 

تزوجت هيلدا في عام 1913 ريتشارد ألدينغتون، ورزقا بعد بسنتين بطفلة. انضم بُعيدها ألدينغتون إلى الجيش البريطاني للخدمة في الحرب العالمية الأولى. وفي المرحلة التي تلت مغادرة زوجها، شغلت هيلدا منصبًا مساعدة محررة لمجلة The Egoist*. نشرت هيلدا في عام 1916 "حديقة البحر Sea Garden"- أول مجموعة شعرية لها. 

قُتل أخوها في شجار عام 1918، وفي ذات السنة بدأت هيلدا علاقة غرامية سحاقية مع الروائية  آني وينيفريد إيليرمان، التي كتبت باسم Bryher، وعاشت الاثنان معًا قرابة أربعين عاما. 


تميّز شعر هيلدا بالقوة الشديدة لصورها الشعرية، وإيجاز اللغة، واستثمار الميثولوجيا الكلاسيكية. لم تنل قصائدها تقديرًا واسع الأفق والإشادة خلال حياتها، ومن أسباب هذا ارتباط اسمها بالحركة التصويرية في حين أن صوتها الشعري نما بعيدًا عن حدود الحركة، والشاهد على هذا أعمالها الطويلة مثل Trilogy و Helen in Egypt. كما يمكن أن يعود رفضُ هيلين الشاعرة إلى أن القرّاء لم يكونوا مستعدين للاستجابة مع المبادئ النسوية القوية التي أفصحت عنها في أعمالها. قالت عنها الشاعرة الأمريكية Alicia Ostriker: "أصبحت هيلدا دوليتل في آخر مسيرتها الأدبية لا مجرد أفضل شاعرة موهوبة لبلدنا بل وواحدة من أكثر الشعراء أصالة -كلما قرأت لها فكرتُ بهذا- في لغتنا". 

 

ماتت هيلدا في زيورخ - سويسرا في السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1916.

نشرت هيلدا عددا من الدواوين الشعرية من ضمنها: 

Flowering of the Rod.

Red Roses From Bronze. 

وكتبت النثر منه كتاب Tribute to Frued، ونُشر لها بعد وفاتها كتاب "Helen in Egypt". 

 

من شعرها:

حورية الجبال

(أشهر قصائد هيلدا)

 

دُرْ أيها البحر 

دوِّر صنوبراتك المُستدقَّة 

انثر صنوبراتك الكبيرة 

على صخورنا

اقذفْ خُضرتكَ علينا 

وغطِنا بنباتات التنوب

 

 **

البركة 

 

هل أنت حيٌّ؟ 

ترتجف مثل سمكة بحر 

أغطيك بشبكتي 

ما أنت؟ سمكة مُلوَّنة

____

* المجلة التي نشرت رواية "صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس ما بين عامي 1914-1915، وكانت هاريت شاو ويفر رئيسة التحرير والمالكة، وقد غيّرت اسم المجلة باقتراح من عزرا باوند من The Freewoman إلى The Egoist.  


***

ريتشارد ألدينغتون (1962-1892)

 

وُلِدَ ريتشارد ألدينغتون باسم إدوارد غودفري ألدينغتون في الثامن من تموز/ يوليو 1892، في هامبشاير- إنجلترا. درس في كلية دوڤر وجامعة لندن، وأصبح صديقا لعزرا باوند ومن أوائل أعضاء الحركة التصويريّة، نشر مجموعته الشعرية "Images Old and New" في عام 1916.

تزوج في عام 1913 من الشاعرة هيلدا دوليتل، الشخصية المهمة في الحركة التصويرية، ثمَّ انضمَّ ألدينغتون إلى الجيش البريطاني في عام 1916 وخدم ضمن فوج Royal Sussex في فرنسا. انتهى زواجه من هيلدا بالطلاق بعد ربع قرن في عام 1938.

 

بدأ ألدينغتون بنشر قصائد الحرب في شباط/ فبراير 1918، وكتب في رسالة إلى صديق: "قد يبدو لكأني كنتُ مريضًا بشكل جنوني تقريبا في قصائد الحرب هذه… لا يمكنك أن تعلم ولا أن تفهم حيث أنت الآن الحالة العقلية للجندي وما ينتابه من التحطيم العميق للأعصاب، والتوتر الشديد، وحِدَّة الإحاسيس". 

نشر بعدها عدة مجلدات شعرية من ضمنها: The Complete Poems of Richard Aldington (A. Wingate, 1948), Exile, and Other Poems (G. Allen & Unwin, 1923), and Images of War (G. Allen & Unwin, 1919). 

 

عُرف أيضا برواياته من ضمنها :  Death of a Hero، والسير الذاتية وأشهرها لورانس العرب

(Lawrence of Arabia (1955. تُوفي ألدينغتون في السابع والعشرين من تموز/ يوليو 1962 في فرنسا. 

من شعره:

 

صور

I

 مثل جندول فواكه خضراء عَبِقة

منجرفًا طوالَ قنوات البُندقية الرطبة

أنتِ أيتها البهية!

 يا من دخلتِ مدينتي المعزولة

 

II

 

يثبُ الدخان الأزرق

مثل دوامات غيوم من الطيور تختفي

يثبُ حبي إلى الأمام تُجاهكِ

يختفي ويتجدد 

 

III

 

قمر زهري أصفر في سماء شاحبة

حين يكون الغروبُ ذا لون قرمزي باهت

في الضباب وسط أغصان الأشجار

فأنتِ الفنُ في نظري يا محبوبتي

 

IV

شجرة زان فتيّة فوق حافة الغابة

تقف هادئة في المساء

رغم اهتزاز كل أوراقها بنسمة هواء 

وتبدو خائفة من النجوم-

أنتِ كذلك هادئة وكلُّكِ ارتعاش

 

V

الأيائل الحمراء تعلو فوق الجبل

هناك خلف أشجار الصنوبر الأخيرة

وهرولتْ رغباتي معها  

  

  

VI

الزهرة التي هزّتها الريح

امتلئتْ بَعدها بالمطر مجددا 

هكذا يمتلئ قلبي بالدموع على مهلٍ

يعلوه الزَبَد، وريح حقول الكروم

حتى تعودي

 

 

 


الحركة التصويريّة الشعريّة وأبرز شعرائها - الجزء الأول

 الحركة التصويريّة* الشعريّة

 The imagism movement

 وأبـــــرز شعرائها

 

إعداد وترجمة

مؤمن الوزان

 ____

* الصُوريّة

 

 

في محطة ميترو 

هذه الوجوه الشبحية في الزِّحام؛ تويجات فوق غصنٍ أسودَ نديِّ

- عزرا باوند

 وُلدتْ الحركة التصويريّة في إنجلترا وأمريكا في بداية القرن العشرين، بكونها ردة فعلٍ ضد الرومانطيقية والشعر الفيكتوري. تُشدد التصويرية على السهولة، ووضوح التعبير، والدقة من خلال استخدام الصور المرئية الفائقة الدلالة. 

على الرغم من أن عزرا باوند يُعد مؤسسَ التصويرية فإن جذور الحركة فكريًا تطورت بادئ الأمر مع الفيلسوف والشاعر الإنجليزي ت. ي. هيوم، الذي تحدث -بالتحديد في بداية سنة 1908- عن تأسيس الشعر على العرض ذي الدقة المطلقة لموضوعه بدون أي حشو زائد. كتب هيوم في مقالته "الرومانسية والكلاسيكية": "الصور في الشعر ذات المرأى الصارم المتماسك ليست مجرد زخرفة بل هي لب جوهره". 

تبنَّى عزرا أفكار هيوم عن الشعر في حركته التصويريّة، التي انطلقت بشكل جدي في عام 1912، حين أضاف عزرا العبارة لأول مرة إلى المعجم الأدبي خلال لقائه مع هيلدا دوليتل. اقترح عزرا بعد أن قرأ قصيدة هيلدا "هرمز الدروب Hermes of the ways" بعض التصويبات ووقَّع القصيدة باسم "هـ. د. التصويريّة (صفة نسبة إلى التصوير)" قبل أن يرسل القصيدة في تشرين الأول/ أكتوبر من ذات السنة إلى مجلة شعر. بعدها بشهر استخدم عزرا بنفسه عبارة "التصويريّ" حين نشر أعمال هيوم الشعرية الكاملة. 

هدف تيار الحداثة والتصويرية إلى أن تحلَّ التفاصيل الصارمة بدلًا من الأفكار التجريدية، والتوسع أكثر بهذه التفاصيل من خلال استخدام التشكيليّة. ابتعدت قصائد الشعر الحر والمثالية في قُصرها -كانت بشائر الإيجاز فيها واضحة، وذات صورة مُركَّزة لقصائد الشعراء الإغريق الغنائيين القدامى وشعراء الهايكو اليابانيين- عن أوزان الشعر المعروفة والتأملات الأخلاقية، مُخضعَةً كل شيء إلى ما أسماه هيوم يوما بـ "الصورة الصلبة الجافة".  

أما تعريف باوند للصورة فقد كان "تلك التي تعرض مُركَّبًا ذكيًا وذا عاطفةٍ مُلتقطة في لحظة من الوقت. إنَّ العرض لهذا "المُركَّب" بشكل فوري يمنحنا إحساسَ التحرّر المُفاجئ، إحساسَ الحرية من الحدود الزمانية والمكانية، إحساسَ النمو الطارئ- هذه الأحاسيس التي نَخبرُها في أعظم الأعمال الفنية".  

نشر باوند في آذار/ مارس 1913 مقالا بعنوان "A Few Don'ts by an Imagiste" مُعرِّفًا فيه منطلقات الفكرية للشعر التصويرية مقتبسًا إياها من قصائد الشاعر التصويري ف. س. فلينت: 

 

1- المعالجة الفورية للـ "الشيء" فيما لو كان موضوعيًا أو غير موضوعي. 

2- عدم استخدام أيّ كلمة لا تساهم في العرض بتاتا. 

3- تتألف قافية القصيدة بتتابعيّة العبارة الموسيقية لا تتابعية الإيقاع. 

 وفي عام 1914، صدرت مختارات شعرية "Des Imagistes" من تجميع وتحرير عزرا، ضمّت أعمال كلا من وليام كارلوس وليامز، وريتشارد ألدينغتون، وجيمس جويس، وهيلدا دوليتل، وآخرين. لكن الأجواء داخل المجموعة عصفت بها ريح الخلافات في ربيع السنة نفسها بخصوص قيادة المجموعة والسيطرة عليها. انتقدت الشاعرة آمي لوويل Amy Lowell عزرا بشأن ما اعتقدته بشأن وجهة نظره الشعرية القاصرة جدا، ومتوليَّةً قيادة الحركة ما بين سني 1915-1917. نشرت ثلاثة مختارات شعرية، وسُمِّيت جميعا Some Imagist Poets. انفصل لاحقا عزرا عن الحركة وسخر منها بتسميتها "Amygyism (نسبة التصويرية إلى آمي)"، وانتقل عزرا بتصويريته إلى فلسفة جديدة، ألا وهي "الدوَّاميَّة" مدَّعيا بأن "الصورة ليست فكرة بل عقدة أو كتلة… دوَّامة". 

بدأت لويل في عام 1917 بإبعاد نفسها عن الحركة التي اندمجت منطلقاتها الفكرية التصويرية في رحاب الحركة الحداثية الواسعة، واستمرَّت بتأثيرها في الشعراء عبر القرن العشرين.

 ***

عزرا باوند (1885-1972)

 

ولد عزرا لوميس باوند في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر في بلدة تعدين في منطقة هايلي، أيداهو، حيث عمل والده هيكتور في مكتب أراضٍ فيدرالي، أما أمه إيزابيل فقد كانت غير سعيدة بالسكن في بلدة صغيرة فانتقلت العائلة إلى وينكوت، شمالي فيلادلفيا حيث التحق الصبي عزرا بالعديد من المدارس قبل أن يُرسل إلى أكاديمية تشيلتينهام العسكرية في عام 1897. تحوّل بعدها إلى المدرسة الثانوية العامة ونال مقعدا  في جامعة بنسلفانيا في عام 1901. 

 

كوّن باوند مع هيلدا دوليتل في الجامعة أول علاقة غرامية رومانسية جادة ثم خطبها لاحقا، والتقى بصديق حياته الشاعر وليام كارلوس وليامز. انتقل بعدها إلى نيويورك لإكمال دراسته وتخرج في جامعة هاميلتون في عام 1905، وعاد إلى جامعة بنسلفانيا لدراسة الدكتوراة في شعر التروبادور.

 

سافر عزرا -بعد أن فسخ خطوبته من هيلدا- إلى مدينة البندقية، حيث نشره بنفسه أول ديوان 

 

قصائد "شموع مطفأة A Lume Spento". انتقل بعد إلى لندن وهو مفلس حرفيًا آخذًا معه نسخًا من ديوانه معه. التقى هناك بعدة أشخاص من ضمنهم الروائية أوليفيا شيكسبير التي قدَّمته إلى كتّاب آخرين مثل الشاعر وليام ييتس. بدأ عزرا بعدها بتودد طويل مع ابنة أوليفيا دوروثي، الرسامة الشابة، الذي تُوِّج بالزواج في عام 1914.

 

في عصر إيجاد الابتكار الفني، كان عزرا متحمسًا لتطوير أسلوب شعري "حداثي" جديد. وتعاون بنفسه مع "مدرسة الصور" -تمحورت حول فكرة إن الصورة هي المبدأ المُنظِم للشعر، بشاعرها الطليعي والفيلسوف ت. ي. هيوم. استمدَّ عزرا إلهامًا مستفيضا من أصدقائه الفنانين، من بينهم الرسام ويندام لويس والنحّات هنري غادر-بريسكا، الذين طوروا أسلوب ما بعد التكعيبية الهندسي وما أسماه عزرا بـ"الدوّاميَّة". 

وصلت هيلدا دوليتل إلى لندن في عام 1911 وأثَّرت في تغيير اتجاه عزرا الشعري. وعلى الرغم من فسخ خطوبتهما فقد بقيا مقرَّبين، وأسسا مع الشاعر ريتشارد ألدينغتون (زوج هيلدا لاحقًا) حركة شعرية سُميَّت بالتصويرية، والتي شددت على الوضوح الكبير في التعبير بإيجاز في قصائد من الشعر الحر. 

ضاق عزرا ذرعًا بالمجموعة واعتقد أنها لم تكن تمضي قدما بما فيه الكفاية في حداثيتها. وأصبح بعدها مهتمًا بالشعر الشرقي، ولا سيما استخدامه المكثّف للغة متخففة من الكلمات الزائدة وتضمينه المجازي المدهش. بدأ في إثرها على ترجمة قصائد صينية في عام 1913، وأدرك أن هذا هو الأسلوب المطلوب منه تبنّيه في شعره حيث: الإيجاز والمباشرة والحركية. 

حقق عزرا بعض النجاحات التجارية بمجموعتيه الشعريتين "شخصان (1909)"، و"الردود الخاطفة Ripostes (1912"، واستهل في عام 1915 مشروعًا رئيسًا جديدًا- ملحمة شعرية مُتحدِّية ومعقدة، والتي ستُصبح لاحقا The Cantos. انتقل عزرا ودوروثي إلى باريس في عام 1921. استمرَّ بعمله على The Cantos، وكسب سمعته محررًا، وناقدا مساهما في التعليق على قصيدة إليوت "الأرض اليباب" وقصص صديقه إرنست هيمنغواي. وفي باريس، ابتدأ عزرا علاقة غرامية مع عازفة الكمان أولغا رودج- استمرت حتى آخر حياته. 

انتقل عزرا إلى إيطاليا بعد مدة وجيزة من تسنم بنيتو موسوليني والحزب الفاشي زمام السلطة. كان عزرا محبًا عظيمًا للقائد The Duce، وأصبح ناشطا سياسيا بشكل متزايد خلال عقد ثلاثينات القرن الماضي ونتيجة لذلك فقد عاد إلى أمريكا في عام 1939 لحث الحكومة على عدم التدخل في الصراع الذي يُوشك أن ينشب. لم يكتفِ عزرا عند هذا الحد فقد أصبح داعما لنازية هتلر في الحرب العالمية الثانية وبثَّ أراءه الفاشية والمعادية للسامية للعالم عبر "إذاعة روما".

كانت سمعته وبسبب آرائه الفاشية العلنية في خطر، والرأي كان وما زال منقسما إلى أي قدر يمكن تمجيده بصفته شاعرًا. تُوفي عزرا بعد يوم من ذكرى ميلاده السابعة والثمانين حين كان مع أولغا في مدينة البندقية.  

 

من شعره:

 

بحر الزجاج 

 

تطلَّعتُ ورأيتُ بحرًا 

شُيِّدَ سقفه من أقواس قزح 

 

وفي وسط أرجائه

التقى عاشقان وغادرا

 

ثم امتلأت السماء بوجوه

ومن خلفها بهاء ذهبي 

 

العودة

 

(كُتبت هذه القصيدة في عام 1913، ونشرت في عام 1917 في مختارات شعرية. تتكون القصيدة من خمس مقطوعات بواحد وعشرين سطرا شعريا (بلغتها الأصلية). تحكي القصيدة عن عودة الآلهة، لكنها عودة آلهة في خريف عمرها خائرة القوى وشاحبة الوجوه ونحيلة الأجساد ومترددة الخطوات، وترافقها كلابها الفضية. يستخدم عزرا هذه القصيدة لتعبر عن طبيعة القوى وخوارها بمرور الوقت حتى وإن كانت تبدو منيعة في مرحلة ما، وقد تكون أيضا رمزية إلى نهاية آلهة الديانتين المسيحية واليهودية اللتين كان لعزرا موقفًا مضادًا منهما. Poem Analysis).

 

انظر، إنهم يعودون

 آه، انظر إلى الحركات المترددة،  

والأقدام البطيئة، 

والهُنَّة في الخبب والارتعاش القَلِق

 

انظر، إنهم يعودون

واحدا تلو آخر بخوفٍ

 مثل نصفِ مُستيقظ؛ 

كالثلج لا بد أن يهطل بتذبذب

ويهفهف في الريح

بنصف دورة إلى الوراء؛

كانت هذه "المُجنَّحةُ بالرهبة" مُحرَّمةً

 

آلهة الأقدام المُجنَّحة

 تتقفى برفقتها الكلاب الفضية

أثر الهواء!

 

احترزي! احترزي!

كانت هذه السرعة للانقضاض

هذه الحماسة في التشمم 

كانت هذه أرواح الدم

 

يرخون القِيادِ لها* ببطء

رجال القِيادِ الشاحبون

 

________

 

*أي الكلاب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الخميس، 20 أغسطس 2020

يوليسيس - جيمس جويس (المقال الأخير)


النفي والعودة 


إنَّ الثيمة النفي والعودة في يوليسيس لم تكن مجرد ثيمة في الرواية فحسب بل هي الثيمة الخلفية للأوديسة وحياة جويس ويلتمسها القارئ في تفاعل القراءة مع يوليسيس. يرحل أوديسيوس عن مملكته في إيثاكا إلى الحرب في طروادة ويعود إليها بعد عشرين سنة من نفي "مجازي" إجباري عنها، ويخرج بلوم من منزله ويعود إليه بعد منتصف الليل ويغادر ستيفن القلعة ولا أحد يدري هل عاد إليها أو لا، ويسافر جويس نحو فرنسا ثم يعود إلى إيرلندا ثم يسافر مجددًا إلى إيطاليا ثم سويسرا ثم فرنسا ثم سويسرا مجددا حتى مات ورفضت سلطات إيرلندا إدخال رفاته، والقارئ ليس بمنأى عن هذا النفي والعودة وهو يقرأ عملًا ينفره "نفي" ويجذبه "العودة" ولا يكاد قارئ لم يشعر بهذا اللا تفاعل المنفِّر من العمل أو التفاعل الإيجابي الجاذب للعمل لا سيما في حلقات مثل السادسة أو الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة. 

لم يعد أوديسيوس إلا بعد ذاق مرارة الابتعاد وقضى عشر سنوات في البحر يحاول العودة محاربًا الأقدار ولعنات الآلهة والقدر. ويخطو بلوم إلى بيته بعد يوم طويل متنوع الأحداث حافل بالوقائع ما بين السعي في بيع الإعلانات وهلوسات سكره وتحمل إساءات المواطن، ولا يقل حال ستيفن سوءًا عن بلوم وهو الذي يعاني من نفي وعودة فكريين في صراع الكنيسة والإيمان فوق ما يعانيه من رفقاء السكن في القلعة التي قرر تركها لكن هل عاد إليها؟ يبدو هذا رغم عدم وجود ما يؤكدُه. يمتاز جويس عن ملهمه وشخصياته أنه في منفًى اختياري رفقة نورا حبيبته وزوجته ولا يوجد من ينتظره في دبلن، ويتشابه مع أوديسيوس بأنه لم يمكث في بلد واحد فما بين تريسي وزيورخ وباريس ثم زيورخ حتى النهاية هكذا بقي في المنفى ولم يرَ دبلن مجددًا بعد 1904 عندما عاد إليها بعد وفاة والدته ليتركها بلا عودة متنقلًا في أوروبا ومغادرًا مضطرا مدن سكناه بسبب الحربين العالميتين. لا يلتمس القارئ في يوليسيس أن جويس عملَ على إنشاء علاقة حميمية مع القرَّاء ولا أن يحبب الرواية لهم بل تركها متكورًا على نفسه، لا يفكُّ مغاليقها إلا الصابرون وحتى بعد فك مغاليقها وفتح أقفالها فهي لا تعد بالكثير ولا تكشف عن أسرارها، ويجد القارئ نفسه في الرواية مرغوبًا به تارة ومرفوضًا في أخرى، هذا الشعور بالعلاقة السيئة الذي انتاب الكثير من القرَّاء حتى كرهوا العمل أو في أفضل الأحوال كانت قراءته تعني تحمل الكثير من الصعوبات والمشقة. 

إنَّ هذه الرحلة ما بين النفي والعودة التي تحيط بهذا العمل من الداخل والخارج، والتشابهات التي جمعت كل ما يرتبط بيوليسيس يطرح السؤال هل النفي والعودة محض صدفة أو أنها حركة مدروسة من جيمس جويس؟ أوديسيوس وبلوم وجويس الذين جمعهم يوليسيس (مخلوق جويس) يجعلنا مرغمين على إنكار الصدفية في اختيار هذه الثيمة بل هي مقصودة ومتعمدة وعمل جويس على نسجها وحِبكها بكل إتقان، وهي بعد كل شيء قصة الإنسان الفاني. 

فينُفى الواحد منا من رحم أمه ثم تتلقفه الحياة وتمضي حياته كلها ما بين نفي وعودة. إنَّ هذه الثيمة هي ثيمة البشرية وليست مقتصرة على جويس وحياته وعمله، لكن ما يحسب لجويس هذه القدرة الإدراكية والتقنية في الأداء التي مكنته على قطف هذه الثيمة من حياة أكثر من مخلوق خيالي وحقيقي وجعلهم في عمل واحد، يوليسيس!          


مؤمن الوزان.





البحث عن الزمن المفقود (الكتاب الثالث)


 جانب منازل غيرمانت - مارسيل بروست.


يستمر بروست في الكتاب الثالث من سلسلة البحث عن الزمن المفقود في إكمال الوقائع الجديدة والمجريات التي تطرأ وتستجد مع بطله الذي يسرد متذكرًا وعائدًا بالزمن إلى الوراء بحثًا عن المعنى الضائع في الزمن الخالي لحياته. ينقسم الكتاب الثالث إلى قسمين رئيسين، وتتوزع أحداثه بشكل بارز إلى أربعة مواضيع: انتقال أسرة السارد إلى سكن جديد (شقة) بالقرب من منزل الدوق والدوق غيرمانت وبدء مراقبته للأخيرة وشغفه بها، علاقة سان لو بحبيبته راحيل، تدهور صحة جدته فوفاتها، العلاقات الاجتماعية لدى آل غيرمانت في منزل الدوق والدوقة. 

يتحول مسار الأحداث في هذا الجزء من العالم الداخلي لبطل الراوية الذي يسرد حياته، وما يعتلج في صدره من مشاعر ورغبات وفي فكره من ذكريات وأحداث، إلى العالم الخارجي المحيط وإن ابتدأت الرواية بالحديث عن تعلق وحب ومتابعة بشغف بالسيدة غيرمانت إلا أن الجو العام الذي كان له الحضور الأكبر هو العالم المحيط به. يراقب سارد بروست السيدة غيرمانت ويتحول بحبه وشغفه نحو هذه المرأة المتزوجة، الذي تكشف استمرار هذه الحيرة العاطفية التي يعيشها، والرغبة المحمومة العاشقة للأنثى التي لم تجد حتى اللحظة من يهدئ سورتها، ويداري فورانها الشبقي المتنامي، فهو كما تكشف اعترافاته دون إفصاح واضح منه وهو يجول في ماضيه ووقائعه- عن حب أو شبق تجاه من يراهن من النساء دون أن يكون هناك مبررات أو دوافع أو أمارات تتطلب منه المبادرة في العيش على خيالات حب، ومراقبة معشوقات، في وضع يكمل ما بدأه بجيليبرت ثم ألبرتين وأندريه. ونشهد بعدها تسليط الضوء وتقريب زاوية الرؤية والمتابعة لعلاقة سان لو وحبه لـ"راحيل حينما الرب"، وهي العلاقة التي تبدو مشابهة كثيرًا لعلاقة سوان وأوديت، وحب السارد حين كان صبيًا لجيلبيرت، إذ راحيل، شابة لعوب، يتضح عليها استغلالها لسان لو وعشقه لها، وكيف أنه بدا جليا لسارد بروست أنها كانت امرأة رخيصة يمكن إقامة علاقة معها بثمن بخس، وهي عكس ما كان يصورها سان لو الذي كان غارقا في بحرها وعالقًا في حبائلها. تنتقل الأحداث بعدها إلى جدة السارد التي ظهرت منذ الكتاب الأول، وكان لها حضورها الدائم في الكتاب الثاني إذ رحلت معه للاصطياف في مدينة بالبيك، لكن حضورها القصير في الكتاب الثالث تزامن مع التدهور الصحي الذي ينتهي بموتها. القسم الأخير والأكبر من العمل فهو داخل أروقة آل غيرمانت، وهو نقل تصويري للحالة الاجتماعية لعلية القوم الذين وجد سارد بروست نفسه وسطهم، ليبقى يسرد كل ما ورد في جلسات العشاء والأمسيات التي جمعته مع عديد الشخصيات المهمة والبارزة. هذا الكتاب كان على مستوى الأحداث والإثارة أضعف من الكتابين السابقين، لكنه جزء من التكوينية التي مرَّ بها البطل، وارتبطت عدة أحداث يتضمنها بوقائع قادمة لا سيما فيما يخص دو شارلوس في الكتاب الرابع "سادوم وعامورة".  


يتعقد المشهد الروائي نظرًا لكثرة الشخصيات التي تشترك في الأحداث وتكونها، فضلًا عن تداخل شخصيات من مراحل زمنية مختفلة مرَّ بها السارد، وترابط مع الكتابين السابقين وشخصياته، كل هذا يجعل الأحداث غنية ومكثّفة كثيرا ومتسع حيث تمتد الرواية أفقيًا لتغطية عدد كبير من الشخصيات التي تشكل المجتمع الراقي وعليّة القوم. ويتسمر التداخل ما بين العالم والواقعي والمتخيل في العمل عبر قضية دريفوس التي تحظى مساحة من الموتقف المذكورة والنقاشات ما بين الشخصيات ما بين مؤيد وهم ثلة قليلة في مقابل الغالبية المناهضة لدريفوس والواثقة من ذنبه.


*

قضية دريفوس (1894 - 1906)

أشهر فضيحة سياسية في تاريخ فرنسا الحديث، عندما اِتُّهِمَ الضابطُ ذو الأصول اليهودية في الجيش الفرنسي ألفريد دريفوس بالخيانة والتجسس لصالح ألمانيا بتسليمه معلومات للسفير الألماني في باريس. شطرت هذه القضية المجتمع الفرنسي إلى مناصر ومناهض لدريفوس- وكانوا الأغلبية-، وأُدين دريفوس وقضى خمس سنوات منفيا في جزيرة الشيطان في غويانا الفرنسية. عُرفت هذه الفضيحة في فرنسا بـ"القضية" وكانت رمزا للظلم في الدول الفرانكونية، ودليلا على غياب العدالة ومعاداة السامية في الحكومة الفرنسية الثالثة وقتئذ. أعيد فتح القضية في عام 1899، وحكم على دريفوس بالسجن لعشر سنوات، لكنه بُرِّئ وأطلق سراحه. وفي عام 1906 أعيد إلى منصبه في الجيش برتبة رائد. اشترك عدة أدباء فرنسيين في هذه القضية كان أبرزهم إيميل زولا بكتابته المقالات في عام 1898، مدافعا عن دريفوس وأصبح بطلا لليسار الفرنسي، وشخصية مكروهة من قبل اليمين ورفعت عليه دعوة تشهير هرب إثرها إلى إنجلترا قبل عودته في سنة وفاته 1902. لم يكن بروست في منأى عن هذه القضية التي شغلت الكثير من صفحات البحث عن الزمن المفقود.

*


  ما بين تولستوي وبروست


بدت لي عبقرية تولستوي في رواية الحرب والسلم بقدرته العجيبة على بناء شخصياته داخل الجسد الروائي، وإدراجهم في الأحداث بشكل متناغم ومتناسق، فسير الرواية في خطين رئيسين (الحرب والسلم) أفسح المجال لتولستوي في خلق مئات الشخصيات التي قد يظن القارئ أن هناك عدة رواة يتكفل كل واحد منهم بجزء معين، ولكن عبقرية تولستوي كانت كافية لأداء المهمة على أتم وجه وبسهولة كبيرة دون أن تدري كيف. لا يختلف الأمر كثيرا عن بروست في تحفة أعماله (البحث عن الزمن المفقود)، إذ منحته الأجزاء السبعة وسير الزمن البطيء المساحة الكاملة في خلق شخصيات بالعشرات خلقًا متقنًا يوحي بواقعيتهم الملموسة. هذا العدد الكبير من الشخصيات لا يمكن التعامل معه على أنه أمر هيّن أو المرور سريعًا فهو عنصر فني مميز في هذا العمل، إذ الكثرة لم تولد السطحية أو البناء الخاوي المزيّف بل هناك رصانة ومتانة في تناسق الأحداث وتقدمها وترابطها مع هذه الشخصيات، الأمر الذي يربك القارئ ويجعله يخطئ أحيانًا في معرفة وتمييز هذه الشخصية من تلك ويفقد خيوط اللعبة التي يحركها بروست برشاقة وخفة دون أن يفقد السيطرة على عمله. كلما تقدمت الرواية إلى الأمام اشتدَّ التعقيد والتداخل والترابط ما بين أجزاء العمل المختلفة، فالحضور الذهني الذي قد يفتقده القارئ لم يفتقده الكاتب. هذه العبقرية في البناء الجماعي للشخصيات التي يوازي فيها بروست لتولستوي تكشف عن مدى الذكاء الذي يمتلكه الكاتب، وعن الشبكة العنكبوتية للشخصيات والأحداث التي رسمها الكاتب في ذهنه ثم شرع في بنائها بناءً يستحيل معه التأكد أن ما تقرأه عمل متخيل، أو أن كل هذه الشخصيات هي شخصيات خيالية، حتى وإن كانت حقيقية أو متسلهمة من أشخاص عرفهم  أو حتى نظائر لبروست نفسه، إلا أن هذه الحبكة الدقيقة البناء لا تتأتى إلا للنخبة من المبدعين، وتوضح مدى الجهد المبذول في هذا العمل، وكيف أن السرد لم يضحَ فعل خلق فحسب بل وتقمص دور الإلوهية الكتابية التي امتاز بها بروست في هذا العمل، الذي يفاجئك في كل مرة يتقدم بعمله إلى الأمام. إن وصف حفلة أو أمسيّة عشاء في المجتمع الراقي الفرنسي كالذي ذكره تولستوي في سلم روايته الشهيرة، ما هي إلا كاميرا تصور صورة بانورامية شاملة لكل الحركات والسكنات، ويعمل الكاتب على توثيق أسماء الحضور ونقاشاتهم سواء ما يسرده بطله أو يتناهى إلى سمعه. العقل العادي قد لا يتمكن بل ولا يتمكن فعلا من مراقبة كل ما يدور حوله لو كان في حفلة، وكل ما يحفظه سيكون صورًا ناقصة، ومشاهدَ مقتطعة، ويلعب الخيال دوره لديه في إكمال الناقص وإتمام المفقود من الحكاية. صحيح أن الأمر يكون فيه قدرة أكبر عند الكتابة التخيلية لكن هذه القدرة وحدها غير كافية لتصل إلى هذه الدرجة الاحترافية في التصوير السردي الذي يتحفنا به بروست في عمله. إنها العظمة السردية في البناء الجماعي للشخصيات. 


البناء الجماعي للشخصيات 

يعمل بروست على بناء شخصياته كلًا واحدًا يضم العديد منها في حدث واحد، يقدمها معًا إلى خشبة السرد الروائي، ليسلط الضوء عليها جميعًا قبالة أعين القارئ، هذا البناء الذي يشبه رسم لوحة تضم عديد الأشخاص لكن كل منهم يكمل الآخر دون أن ينفصل عنه، وحتى في انفصاله فهو يبدأ ببنائه تدريجيًا دون أن يخل بالبناء الجماعي الذي شرع به منذ البداية. ففي الكتاب الأول، نرى السارد وأبويه وجديّه وأقاربهما وفرانسواز معا، يظهرون كلًّا واحدًا، وكذا الحال في أمسيّات سوان عند آل فيردوران، ثم في الكتاب الثاني في بالبيك، وبعدها مع البنات ألبرتين وإدموند وجيزيل، ثم عند آل غيرمانت. كل هذه الشخصيات الرئيسة والثانوية يبني بعضها بعضًا وتصنع جميعًا الحدث تلو الحدث لتتحرك عجلة الرواية باستمرارية رقراقة لا تتضعضع ولا تتقهقر. حتى عند البناء الفردي لبعض الشخصيات كـ سان لو مثلًا فالتقديم له ثم عرضها تدريجيًا لا يخرج من ثنائية سارد بروست - الشخصية (المقصودة)، فهو بناء ثنائي يرتبط بسارد بروست، الذي تتمحور حول أحداث السلسلة، ولا تخرج الشخصيات المحيطة به عن مداراته التي يعرف كل مآلاتها ثم سرعان ما تدخل معه شخصيات مرتبطة بالشخصية (المقصودة)، وهكذا يستمر البناء للشخصيات ما بين بناء ثنائي ثم ثلاثي فأكثر فجماعي، يتداخل بناء في آخر تداخلًا لا يعكر شكل هذا البناء أو ذاك، أو يشوه الصورة التي يرسمها أو حتى أن يضيع المشهد الذي تصوره كاميرا بروست. فالبناء السردي هنا يشبه صناعة السجاد ذي اللوحات الكثيرة الألوان والأشكال الفنية هي عبقرية فنية لا تخرج إلا من بين أنامل عقلية روائية فذة، وقامة أدبية لا يشق لها غبار. وكل هذا بعيد عن سمات العمل الآخرى، وسرد الذاكرة الحر المتقافز والتعامل مع الزمن، لنقف قِبلَ عملٍ من الروائع الأدبية فنيًّا قبل كل شيء آخر. 


اضطراب السرد


منذ أولى صفحات العمل في كتابه الأول، بدأتُ في ملاحقة السارد ومحاولة كشف هويته حتى أتضحَّ أنه شخصية من داخل العمل قد يكون نظيرا لبروست -وهو المرجح- أو ساردًا يقوم مقام بروست الروائي في سرد قصته التي امتدت لسبعة كتب. لكن الاضطراب في الصوت السردي في بعض المواقف والفقرات يجعل الأمر مثار جدلٍ ويفتح تساؤلات عن السارد الحقيقي، أو عن السارد الذي يتدخل بمعرفته الكلية فيمتزج مع شخصية داخل العمل فيعمل على خلخلة السرد وتداخل إمكانيات كل سارد بشكل يتنافى مع أبجديات السرد التي تحدد لكل سارد قدراته سواء أمن داخل العمل كان أم خارجه، أو سارد عليم أو سارد بضمير المتكلم محدود المعرفة. فمثلا في هذا المقطع من الرواية التي سردت بضمير المتكلم نقرأ:


ومن غير المرجح أنه فكر في قائمة حسابه غير المدفوعة، ولكن توصية الحلاق كانت تشيع السرور في نفسه بقدر ما تعكر مزاجه توصية دوق. كان الصابون لا يزال يغطي ذقنه حينما وعد بالإجازة وقد تم توقيعها في المساء نفسه. أما الحلاق الذي من عادته أن يتباهى باستمرار وأن يخص نفسه كيما يستطيع ذلك بصنوف من الجاه مبتدعة كليًا… 


يتبادر السؤال كيف عرف سارد بروست بهذه المعلومات والإشارات الواردة وهو غائب عن المكان، وبأفضل احتمال فإنه عرف أو تناهى إلى علمه هذا لكن لا توجد حتى إشارة واحدة لذلك مما يدفعني للقول إنَّ الحديث هنا كان لسارد عليم خارجي تقمص دور الشخصية وخلط بروست بين الاثنين بشكل لا يُقبل.

وتختفي أحيانا هوية السارد فلا يعرف القارئ من الذي يتكلم ولا سيما عند ذكر معلومات تبدو بعيدة عن إدراكه ومعرفته، كما في هذا المقطع:


كان الدوق يتباهى بامرأته ولكنه لا يحبها. وإذ كان شديد الإعجاب بنفسه فقد كان يكره أن يُقاطع ثم إنه كان من عادته في منزله أن يعاملها بفظاظة. 


في حين يتبادر إلى الذهن -وهو تبادر حتمي- أن بروست نسى أن السارد هو شخصية محدودة المعرفة فيما يخص نفوس الآخرين وعوالمهم الداخلية وهو يتحدث عن الأمير ويعرف ما دار في خلده وما قال في سره، كما في هذا المقطع:


في الشتاء التالي مرض الأمير مرضا شديدًا وشفي، ولكن قلبه ظل مصابا إصابة لا شفاء لها. وقال في نفسه "ويحي! ينبغي ألا أضيع الوقت بالنسبة إلى المجمع، لأني إن طال بي الزمن سأوشك أن أموت قبل تعييني، وسيكون الأمر مزعجا حقًا". 

**

ولا تصدر إشارة في الكتب السابقة من العمل أن السارد يتحدث وهو يكتب ما حدث له، إنما كان الأمر تذكرًا وسردًا مباشرًا لذكريات وقعت وحديث نفسٍ، لكننا نجد أن السرد يتحول هنا إلى خطاب مباشر إلى متلقٍ يعرف بروست أن كلامه موجهٌ إليه، ويخرج الأمر من دائرة التذكر أو كتابة الذكريات إلى كتابة سردية موجهة إلى قارئ:


ويجدر أن نقول فيما يخص الأمير "دوفوا" بما أن الفرصة قد سنحت، أنه كان في عداد جماعة تتراوح بين اثني عشر إلى خمسة عشر شابًا وزمرة محدودة أكثر قوامها أربعة. 


مؤمن الوزان.


يوليسيس - جيمس جويس (المقال السادس).


مؤمن الوزان.


يوليسيس ما بين الحداثة وما بعد الحداثة 



أود أن أستهلَّ الكتابة عن الحداثة وما بعد الحداثة في يوليسيس بالإجابة عن سؤالين هل يوليسيس رواية؟ وهل يمكن قراءتها من أي حلقة دون الاختلال بفهم العمل؟

حاولت في كلامي السابق عن العمل أن أتجنب استخدام كلمة "رواية" واكتفيتُ بكلمة العمل، لاعتبارات عديدة أن الطبعة الأولى من العمل تجنب جويس استخدام كلمة رواية على الغلاف، وقد يكون لهذا الأمر أغراضًا غير التي فهمتها إلا أن الأمر كافٍ مع من قرأ يوليسيس أن يفكر كثيرًا ويحاول أن يجد تعريفًا فنيًّا وأدبيًّا للعمل، فكل ما فيه العمل من السمات والتقنيات وتنوع أساليب واللغة والحوارات والمونولوج لا يخرج من دائرة النثر لكنه يجعله في مقام أسمى من الرواية العادية أو في الأقل الرواية المعتادة حتى وقت نشرها، فيوليسيس كما ذكرنا وأشاد بها أزرا باوند في كونها فتحت لعصر جديد في الأدب مع الأرض اليباب لإليوت، فتحت عصر الحداثة، الذي كان ثوريًّا في عناصره الفنية في الرواية ويوليسيس كانت مثالًا يُحتذى به للدراسة بل وحوت كل ما يمكن للحداثة وتيار الوعي في الرواية أن يأتيا به. لكن قبل الخوض هذه الحداثة الروائية لأعرج على السؤال الثاني، تبدو إمكانية قراءة يوليسيس بشكل عشوائي واردة ولا سيما في البدء من الحلقة الرابعة ثم العودة إلى الحلقات الثلاث الأُول، وكذلك عدم قراءة الحلقة العاشرة دون أن يخل الأمر بفهم العمل، أو إقصاء الحلقة الأخيرة، 

أو حتى أن تقرأ الحلقات بشكل منفرد وأن تبدأ من أيها تشاء فالعمل سيعمل على تنظيم نفسه تلقائيًا دون أن تختل بنيته أو تفقد رونقها وتسلسلها، هذا ما يمنحها قوتها وحداثتها والمرونة الاستثنائية في قرائتها، وهذه النقاط في الأساس ترتكز على عناصر الحداثة التي ابتكر جويس كثير منها وأبدع في استخدامها. 


تمتاز رواية يوليسيس بعدة عناصر في رواية الحداثة أهمها: الواقعية اليومية العادية، اللا بطل، السرد المنظوري، النظرة المتموضعة بؤريًّا، سرد الوعي (تيار الوعي)، الحبكة الحديثة، المونولوج الداخلي، وزادتها بعناصر من سمات تيار ما بعد الحداثة كالسخرية التناصية، التسنين المزدوج.  


الواقعية اليومية العادية


تدور أحداث الرواية حول أشخاصٍ عاديين، لا يملكون مزايا خاصة بهم، يواجهون صراعات نفسية وفكرية، تمضي حياتهم دون أشياء مهمة أو غير معتادة أو تحمل بشكل صريح قضايا كبرى فلسفية أو سياسية أو اجتماعية واضحة لكنها تُتناول كل هذا من منظور رؤية الإنسان العادي، الذي لا يخرجها إلى مستوى عالٍ من الفحص والتأمل بل تبقى في مستوى يوازي قدرات الشخصيات التي تخوض فيها. 


اللا بطل Anti-Hero 


لا يوجد بطل معين في الرواية بل تتوزع الأحداث حول شخصيات ثلاث رئيسة (ستيفن وبلوم وموللي) وإن كان بلوم يستحوذ على حلقات أكثر من الآخرين إلا أن هذا الاستحواذ لا يرفعه إلى واجهة البطل، فيبقى العمل موجهًا أضواءه على هؤلاء الثلاث وحتى على شخصيات أخرى تصعد فوق خشبة الأحداث، وهذه من أهم عناصر رواية الحداثة. 

 


السرد المنظوري perspective Narrative


يتعدد الساردون في يوليسيس ما بين الشخصيات، والسارد الضمني، والسارد الخارجي، ويتوزع ضمير السرد ما بين ضمير المتكلم وضمير الشخص الثالث، هذا التعدد في العرض السردي، إضافة إلى ما يمنحه من واقعية للعمل بتقريب الشخصيات من القارئ، ويعارض السارد العليم كلي المعرفة- فإنه يقوم بموازاة قدرة السارد العليم كلي المعرفة من خلال تسليطه الضوء على أي قضية من عدة 

زوايا، وكل زاوية تمثل وجهة نظر معينة أو مستوى رؤية خاص، مما يعطي السرد الشمولية لفحص الموضوع المتناول بشكل كافٍ.   


النظرة المتموضعة بؤريًا


يُركز جويس في عمله على جوانب معينة في حياة شخصياته دون التوسع لتناول كل شيء ممكن، هذه المحدودية تتوازى مع قدرات الإنسان العادي في الوقوف على أشياء معدودة سواء في القضايا أو الذات أو الأشخاص المحيطين أو البيئة المحيطة دون أن يملك القدرة الكلية والمطلقة على معرفة خبايا الأمور كما يحدث مع السارد العليم كلي المعرفة. 


سرد الوعي

 

وهو من أهم مزايا هذه الرواية وتحدثنا عنها مفصلا سلفا، وما يمتاز به هذا السرد هو تفكك جمل، وعدم ترابط تدفق الأفكار ولا توافقها، والتنقل العشوائي ما بين المواضيع، والاسترجاعية الزمنية في الذاكرة أو الاستباقية التخيلية أو التنبؤية للأحداث. إضافة إلى عناصر تخص لغة سرد الوعي، كعدم الالتزام بالقواعد اللغوية، أو الإملاء، ولا معنى بعض الجمل، والدقة في استخدام علامات الترقيم في ترتيب هيكلة النص بالشكل المطلوب.   


الحبكة الحديثة

 

في يوليسيس تأخذ الحبكة مفهومًا مغايرًا فهي لا تتبع المسار القديم في الانطلاق في بداية ثم الوصول إلى ذروة وعقدة ثم حل وخاتمة بل هي تمضي بمستوًى واحد من الإثارة والتفاعل ما بين الشخصيات وأحداثها والنص والقرَّاء، حتى يبدو وكأن العمل لا يحوي حبكة أو مغزًى معينًا يسعى الكاتب خلفه أو يريد إثباته، فكما يبدأ العمل ينتهي، وكما نتعرف على الشخصيات نودعّها. 


الزمن


تجري أحداث الرواية في يوم واحد تقريبًا، وهذا ما لم يألفه القرَّاء وقتها، متوزعة فصول العمل على ساعات اليوم، والعمل على الموازنة ما بين حجم مادة السرد والمدة الزمنية التي يستغرقها الحدث المسرود. واستخدم جويس كذلك المونتاج الزماني في العمل، فالشخصيات تعود بالزمن إلى الوراء عبر المونولوج الداخلي وتسترجع الماضي عبر الوعي وهي تمشي أو تجلس أو تضطجع، لذا فالزمن في يوليسيس يكاد يطابق الزمن الحقيقي. 

    


المونولوج

 

تمتاز يوليسيس بالحوار الداخلي الطويل للشخصيات، وهذه التنقية وإن كان متعارف عليها مسرحيًّا، فإن ورودها في العمل بهذا الشكل من الإتقان والضبط والتركيز والهيكلة البنيوية لمادة النص لا سيما في الحلقة الثالثة والأخيرة، يجعل المونولوج واحدًا من أهم العناصر الفنية لرواية يوليسيس ورواية الحداثة. 


لكن يوليسيس لم يتوقف عند الحداثة فقط بل تجاوزتها من خلال عنصرين ظهرا بشكل جلي في روايات ما بعد الحداثة وهما السخرية التناصية، التسنين المزدوج. 


السخرية التناصية


إن العمل مبدأيًا يُبنى ليوازي الأوديسة، وكثير من حلقاته فيها تناص مقصود مع حلقات الأوديسة وأحداثها، وكذلك في شخصياتها، كما نجد في بلوم واتباع المبدأ الهامليتي (أكون أو لا أكون) في كثير من قراراته حيث يحدد نفسه في إطار الهامليتية (أفعل أو لا أفعل، ينبغي أو لا ينبغي)، ويدخل هذا التناص في العمل سواء من أجل المحاكاة الساخرة أو اقتفاء الأثر. 


التسنين المزدوج

 

إنَّ يوليسيس من أول حلقة إلى آخرها قائمة بشكل شبه كلي على التسنين المزدوج، إذ يعمل جويس على جعل نصه متعدد المخُاطَبين، وكل موضوع فيه ذي طبقات كثيرة، قد يفهم قارئ شيئًا لا يفهمه قارئ آخر، وهكذا قس على كل المواضيع والأوصاف والأحداث والشخصيات في العمل. وتسهل المهمة كثيرًا للقارئ العربي الذي عمل مترجمه صلاح نيازي على توضيح وشرح الكثير من مادة العمل بهوامش تجاوزت الآلاف، تساعد على فهم أكثر دقةٍ للنص.




افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب