المشاركات الشائعة

السبت، 11 مايو 2019

مقبرة براغ - أمبرتو إيكو.


حين نقرأ لأمبرتكو إيكو فنحن على موعد مع الدهشة، الأمر غير مرتبط فقط  بالموضوع بل بإسلوب السرد وكيفية السرد، واختيار الشكل المناسب للرواة وتكثيف العلاقة بينهم إيكو جدد بشكل لافت طريقته هذه في اسم الوردة وجددها أيضا في مقبرة براغ ولا أستبعد أن هذا التجديد سنجده مع باقي رواياته التي تنتظرني على الرف، في مقبرة براغ هناك لعبة ثلاثية أن لم أقل رباعية لو أشركنا الكاتب كفاعل في السرد فأول صفحة يظهر الفاعل الأول في السرد يلتقي بعدها بالفاعل الثاني وبعدها بالفاعل الثالث وكأن الأمر أشبه برباعية الجري في الأولمبياد كل راوٍ يمنح الآخر الفرصة لإظهار موهبته فيتفاعل السرد بتفاعل الرواة واختار إيكو جسد اليوميات محتوًى أساسيا لهذه الطريقة فيكون السرد بطل وشخصية أيضا لها نفس مكانة الأحداث واليوميات، يتصاعد وينخفض ضمن سياق الحكاية كما تتصاعد الحكاية ذاتها. أجاد إيكو إذن أن يجعل من السرد لعبة بوليسية تتماهى مع الموضوع ذاته معتمدا بشكل كبير على ذكاء القارئ في لم الخيوط التي يلهو بها إيكو لنفهم في الأخير من كان يتحدث فعلا وأهناك فعلا راوٍ واحد أم رواة متعددون والمثير في الموضوع أن هذه الاسئلة ترتبط بشدة بموضوع الرواية وطبيعة البطل الأساسي لأننا سنتسائل في الأخير أكل ما ذكر حدث فعلا أم أن الأمر لا يعدو أن يكون وثيقة مزورة أخرى.
بالعودة للموضوع تزداد حيرتنا أكثر لدرجة أعجز معها على تحديد أفكاري أو صياغتها بشكل منظم كتابة، فالموضوع ليس جديدا وتم تناوله كتابة من طرف العديد من الكتاب أدبا ومقالة، وإيكو هنا وضع فقط وجهة نظره حول الموضوع مما يجعل عمله هذا أقرب لفن المقالة التاريخية منه إلى الرواية إذ يتعلق الأمر ببروتوكولات حكماء صهيون، التي عمد الغرب إلى إنكارها جملة وتفصيلا منذ ظهورها كما لجأ آخرون إلى تأكيدها ووضع افتراضات مؤكدة لكيفية صياغتها وترجمتها، في حين يبدو العرب وحدهم موقنون أنها صحيحة. يؤكد إيكو في نهاية الرواية أن كل شخصيات روايته حقيقية وأن ما قامت به من أفعال فهي حقيقية في حين يؤكد أن شخصية سيمونيني شخصية متخيلة لكن مثلها وجد وما زال حيا بيننا اليوم يتركنا إيكو في حيرة من أمرنا على حافة التصديق المشوب بالشك، فكيف نصدق البطل وهو شخص متخيل بمعنى آخر كيف يقوم تاريخ فعلي على تاريخ متخيل وما هو الحد الفاصل بين العالمين وتزداد حيرتنا حين نعلم أن الشخصية المحورية الحكائية محترفة تزوير وتحريف فما الذي يهدف إليه إيكو في النهاية أن نصدق أو أن ننفي ما حدث عبر لعبة تدوير الحقائق التي لا تتوقف.
تتحدث الرواية عن رجل يبدو فاقدا لنصف ذاكرته فيقرر كتابة مذكراته عله يفهم بعض الأحداث الغريبة التي يمر بها نتعرف على الكابيتان سيمونيني ذي الأصول الإيطالية ونكتشف بعد ذلك أن هناك شخص ثان يتطفل على كتابة اليوميات وهو القس دالا بيكولا فتغدو الكتابة محاولة للتذكر والاكتشاف، من إيطاليا الغاريبالدية إلى روسيا القيصرية مرورا بفرنسا النابلونية والجمهورية وفرنسا الماسونية يحكي سيمونيني مسار حياته الخصب بالأحداث والشخصيات السياسية والكهنوتية والطبية والموسيقية والأدبية مسار مليء بالكره تجاه اليهود وتجاه النساء وتجاه كل الجنسيات تجاه الآخر بشكل عام باستثناء الأكل الذي يمثل للشخصية المتعة البشرية الوحيدة الممكنة، تبدو الشخصية في هذا الكتاب خلاف المتعارف عليه شخصية سلبية جدا منعدمة الأخلاق والضمير ولا يقف في وجهها شيء سوى المصلحة الذاتية ولا تبدو منتمية لشيء سوى لرسالة تركها له الجد.
لا نستطيع أن نصف إيكو بمعاداة السامية ولا نستطيع في ذات الوقت أن نؤكد هذه المعاداة فالطريقة التي كتب بها العمل توحي بالأمرين معا.
كره سيمونيني اليهود كرها بالغا وتعجب من عدم قدرة الناس على فهم هذا الجنس المتكيف مع كل الكوارث البشرية والتاريخية وكيف يعقل أنهم لم يدركوا  بعد أن الأمر يتعلق بمؤامرة كونية تاريخية ضد كل البشر باستثناء اليهود سيمونيني يعتبر نفسه بطلا كونيا على اعتبار أنه سيحرر العالم من الغموض الذي يكتنف هذه المؤامرة التي يكفيه فقط أن يختلقها ليشعل فتيل الفضول والتقصي آملا أن يقضي بعدها على هذا الجنس المكروه والصامد رغم هذا الكره الفطري نحوهم.
يبقى المرتكز الأساسي للرواية هو النتيجة الختامية، العمل المكلل لمسار سيمونيني تنفيذ وصية جده بالشكل الأسمى ونشر بروتوكولات حكماء صهيون، مع ترتيب للأحداث لا يختلف عما هو متعارف عنه تاريخيا حول البروتوكولات فعلاقة هذه الأخيرة بروسيا ثابتة اكتفى إيكو بأعادة صياغة الأحداث بشكل أدق مع تضمينه لبعض الخيال المكمل للصياغة الأدبية، فحسب ايكو فالفكرة بدأت مع رسالة جد سيمونيني والذي يؤكد الكاتب أنه شخصية حقيقية ويربطها أيضا برواية اليهودي المتنقل لأوجين سو التي نشرت على حلقات بين 1844 و 1845 وبالتعاون مع عمل موريس جولي الحوار المتخيل الجحيم بين ميكافيللي ومونتسكيو وبعدها كتاب البروسي غودش وهي الرواية التي حسب إيكو مبنية على تخيلات سيمونيني ذاته وتلك التخيلات المرتبطة بمقبرة براغ والاجتماع السري لاثني عشر حاخام يهودي. مقبرة براغ إذن تحكي بالتفصيل وبشكل بوليسي لا يخلو من دراما جيمس بوند وأوجين سو وبعض تأثير دان براون كيف خلقت "الكذبة" من انخراط سيمونيني بثورة غاربالدي إلى قضية درايفوس، إيكو كان متحكما بشكل جيد بالمادة التاريخية التي يظهر من خلال التدقيق أنه تعب في الحصول عليها ومنحها لنا بشكل متسلسل جيد لكن الأمر يدفعنا للتساؤل ما المجدي في إعادة خلق كذبة على اعتبار سمونيني مزورا ما المجدي من تكرار نفي هذه البروتوكولات بهذه الطريقة وقد سبق للعديد من الكتابات أن فعلت الشيء نفسه؟ أكان إيكو فعلا قاصدا أن ينفيها أم قاصدا أن يجعلنا نفكر أن نفي البروتوكولات هو من ناحية أخرى نفي أيضا للأعمال التي نفتها بمعنى أن التاريخ يمكن أن يكون كذبة فكل الأعمال التي تحققه هي بدورها من الممكن أن تكون كذبات متقنة فلا شيء في النهاية ثابت مع صيرورة زمنية تجبرنا أن نتغيب عنها قصرا أو اختيارا.

إضافات:
مقبرة براغ:


توجد المقبرة بالحي اليهودي الجيتو جوزيفوف ببراغ - التشيك كانت بالخدمة ما بين 1478 ويقال 1768 يقدر عدد القبور المتواجد بها حوالي 12 ألف قبر.

أوجين سو:


ولد سنة 1804  وتوفي سنة 1857 كاتب فرنسي اشتهر بروايتين نشرهما على شكل مسلسل أسرار باريس واليهودي المتنقل كان جمهوريا وفضل المنفى حين انقلب لويس نابليون بونبارت سنة 1851.

موريس جولي:
محام وكاتب فرنسي ولد سنة 1829 وتوفي يقال منتحرا سنة 1878  سجن بعد نشره لحوار الجحيم بين ميكيافيللي ومونتيسكو ويعتقد أن بروتوكولات حكماء صهيون مقتبسة من هذا الحوار مع أنه لا ذكر فيه لليهود.

هرمان غودش:

كاتب بروسي ولد سنة 1815 وتوفي سنة 1878  ألف رواية بياتريس وخص إحدى فصولها للمؤامرة اليهودية التي تمت بمقبرة براغ نشر هذا الفصل مستقلا بروسيا سنة 1872.

بيتور رشوفسكي:


ولد سنة 1853 وتوفي 1910 رئيس أوكرانيا، أي الشرطة السياسية للإمبراطورية الروسية التي نشطت أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بباريس.


إيمان العزوزي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب