المشاركات الشائعة

الاثنين، 29 مارس 2021

تجليَّاتُ الطَّيْفِ في قَصيدةِ (مُرتَقى الأنفَاس) للشاعر أمجد ناصر

 


*موزة عبد الله العبدولي


      غالبًا ما شكَّلَ الطَّيْفُ ظاهرةً إنسانيَّةً حميميَّة، يَتداخلُ فيها الوهمُ باليقظة، والتكذيبُ بالحقيقة، ورغبةُ اللقاءِ التي تتحقَّق أو تَكاد، فالطَّيْف لغةً: "الخيالُ نَفسه"1 و"طافَ به الخيال طوفاً ألَمَّ به في النوم... وأطافَ استدارَ وجاء من نواحيه"2. أي أنَّها الصورة المتخيَّلة للجسدِ الغائب. وقد كان للطيفِ حُضوره في واحةِ الشِّعرِ العربي القَديم، إذ كانت الأطلال بؤرةً تتوالدُ فيها أطياف المَحبوبة، والليلُ لا يكتمل إلَّا بحضور الطَّيْف المؤنس، الذي يستدعيه الشَّوق، وتجسِّده الوِحدة، وقد قال في ذلك ابن حزم: "ومن القنوع الرضا بمزار الطَّيْف، وتسليم الخيال. وهذا إنَّما يُحدث عن ذكرٍ لا يُفارق، وعهدٍ لا يحول، وفكرٍ لا يَنقضي، فإذا نامت العيون، وهدأت الحركات سرى الطَّيْف."3 فالطَّيْفُ ظاهرةٌ إنسانيَّة أو فنيَّة تتجلَّى في هيئتها المطلوبة، مُشكِّلةً نسقاً لصورٍ متلاحقةٍ ومُتحرِّكة، تُستعرض فيها الصور والأصوات والمؤثرات والأبعاد، إضافةً إلى الانفعالات والاستجابات التي تُرافق اللحظة الطَّيْفية4. والشعرُ حين يَستحضرُ هذه اللحظة المُرهفة يوثِّقها بجميعِ ظواهرها المُحيطة والمؤثِّرة على المَشهد.

      ستُحاول هذه المقالة استقراء قصيدة (مُرتَقى الأنفاس) لأمجد ناصر5* وتتتبَّع تَجليَّات الطَّيْف فيها، وتجدر بِنا الإشارة إلى طبيعةِ أجواء الديوان الذي يحمل العنوان ذاته للقصيدة: مُرتَقى الأنفاس (1997)، وهو ديوان يعيد كتابة حدث سقوط غرناطة، "إذ يُقدِّم سيرة جوَّانيَّة وداخليَّة للأمير عبد الله الصغير"6، أي أن الشاعر قد اتخذَ من الأمير ومأساته قِناعاً، "حتى بدا أن العمل برمَّته هو استعارة لثيمة الخسران"7، وقد لامسَ هذا الديوان "مأساة مَلكٍ خانه زمنه، ليتحقق سقوطه الرَّمزي. فهو ذو حدثٍ تستدعيه القصيدة إلى أرضها لتُعيد بناءه شعريَّاً، وتستثمر أفقه بما بهِ تخطُّ الذاتُ الكاتبةُ سيرتها"8، ولعلها قصائد تحاكي الندم والحسرة المريرة، مصوِّرةً تَبِعات الجُرح العَظيم الذي لا يَندمل.

      وعودةً لموضوع القصيدة المختارة، فهي تجيء في آخر الديوان، مُختتمةً رحلة السقوطِ والتشرُّدِ، مع الإشارةِ إلى أنَّها ليست تجسيداً متوقَّعاً لصورة الأمير الخائب والنادم، بل قد وصلت مرحلة عالية من التكثيف الشعوري، والذاتية الطاغية، حتى إن القارئ يستغرق فيها ناسياً أنها بلسان الأمير من عذوبتها المُسترسلة. 


تُفتتح القصيدة بخطاب الطَّيْف:

"ليست رماحُ الجبابرةِ ولا مُدى الأقزامِ

بل

يدُكِ

بل

أصابعُ يدِكِ

لا

بل

أنفاسُكِ

تشقُّ الهواءَ الخالد أثلاماً وتتركُها لبذار الألم

المنقولةِ بالثَّنية واللِّسان أسمعُها تحت دُخنة

الخشخاش تستدرجُ أوثان حياتي باسطةً أكفَّها في الوصيد،

ارتقيتُ مدارِجها رافعاً حيرتي رايةَ من سلَّم أمرَهُ للهبوب"9  


    هذا الاستسلامُ الطوعيُّ والخضوع للطيفِ الجوَّال، الذي تقارنُ فيه أنفاسه برماحِ الجبابِرة، طيفٌ أشبه بالحُلم الأخير والأمل الوضَّاء بعد دمار الحال وانقطاع النعيم، وكان لهذه الأنفاس وهجها المهيّج للألم، ألم التشوُّق والعذاب، فهو يؤكِّد سُلطة الأنفاس الطيفية على يقظته:


"ليس السيفُ

ولا حجرُ الماسِ

بل

الأنفاسُ

بل ما هو أوهى

استرقني من علوِّ يقظتي

واسترقني أنا المسنودُ ببأسِ سُلالتي والتعاويذِ

لي الليلُ متروكاً كلُّهُ

السُّهادُ على رسلهِ

الهواءُ مطعوناً بالأنين"10


    تتقدَّم أنفاس الطَّيْف على سيفِ المُحارب أو ماسةِ المُلك، إضافةً إلى الفكرةِ الوَاهية التي تكون مادةً دسمةً للأرق، إذ يجيء الطَّيْفُ بخطوهِ المُخاتِل ونَفَسهِ الغاوِي في اليقظةِ المصحوبةِ بالسهر الطويل، وهذا ما يفصِّلهُ المشهد التالي:


"في يقظةِ الأسيرِ لمصائرِ الليل الحارسِ

سمعتُ وقعَ خطىً

تردُّدَ أنفاسٍ

حفيفَ ثيابٍ

مَسَّني طائفٌ من رياشٍ فلمحتُ طيفَكِ

يهرقُ نوراً على الطرف المُظلم ويعدُ بسهرٍ

يبسطُ آلاءه على من تصطفيه التباريحُ من بين لاهين، تخفَّفْتُ من متاع المكين على الأرض وقلتُ

إنِّي أنا الأخفُّ من العُرجونِ أقتفي دون مِنَّةٍ ما تركه مُرورُكِ حافيةً على الأعشاب،

لا بخائنة العين، ولكن بكدحِ الفؤادِ أضربُ في مناكِبها مُعرضاً عمَّا يرفعهُ القائفون

إلى منزلة الأثر"11


    يتسللُ الطَّيْفُ في هذا الظلام، ويُشغل المكان بحيوية وجودهِ، فها هي أنفاسه، وحفيف ثيابه تُثير الحواس وتُقلق الحال، ليتجلَّى بنورهِ أخيراً لكنه يعود ويختفي بمكر، فتُصبح رحلة البحثِ عن الطَّيْف هي شغل الأمير وحافزه، حتَّى إنَّه يَقتفي أثر الطَّيْف بأسلوبه الخاص في التقصِّي دون الاستعانةِ بأساليب القِيَافة12، لنلحظَّ هنا الولع الواضح بالطَّيْف والاستسلام لسحرهِ.

يقول:


"(ما كذبَ الفؤادُ ما رأى)

ولا العينُ التي ضَرَبتُ عنها صفحاً

وتركتُها ترعى صورَ الفانينَ

ولا اليدُ التي عادت إليَّ بنبأ الرُّكبةِ

ولا رائحةُ الهالِ التي لازمتني

وحيثما مررتُ فضحتْ سرَّاً

أنا

أجهلُ

جاهليه

ولا أنفاسي التي جسَّمتكِ

وتدرَّجتْ، صُعُداً، من أخمص القدمِ إلى التُّرقُوةِ

وكادتْ بعدما شارفتْ جنَّتَّكِ أن تهجرني"13


    الحواسُ هنا تتبادل أدوارها في إثبات حضور الطَّيْف، بالرؤيةِ والملمسِ والرائحة، في حين تُصبح الأنفاس هي أداة التَجسيد الفاعِلة، لكن كاد هذا النَفَس أن ينقطع من هولِ الموقفِ وبهائهِ.

فيجيء المقطعُ التالي مُكمِّلاً لدهشةِ المَرأى:


".. ولكن

ما بالُ هذه الكاسُ

وتلكَ الدُّخنةُ

لا تأخذان بيدِ السُّهادِ

ما بالُني

لا أغيبُ

ولا أصحو.

وكأنَّني ما رأيتُ

وما لمستُ

وما تنفستُ ما تَرَكتْهُ أنفاسُكِ

على يديَّ"14


    هنا موقف التسآل الذي يراوده الشك بعد صدمة اللقاءِ ووَهَجِهِ، ليتولَّد سؤالٌ: هل حقاً كان للطَّيْفِ وجود؟

يقول مُكملاً:


"ليست نجمةُ المجوسِ

ولا نارُ بني أهلي هذي التي تُضيءُ

وتختطفُ

إنَّما

طيفُكِ

عابرٌ

بين قمَّتين

أو لعلَّها أنفاسُكِ

تستدرجُ وعوداً لا تموتُ ولا تحيا

أو ربما حَسرتي

ترمي شُواظاً في صميم الليل

وتجسُّ قرارَ الهاوية."15


      يتمثَّلُ الطَّيْفُ هُنا في صورةِ النورِ المركزيِّ الوهَّاج، الهادي والدال، لا سيما في الحالة الليلية التي يكون النور فيها هو الهدى، هذا الطَّيْفُ المُنوَّر في حالةٍ من العُبور المخاتِل، إذ يظهر ويَختفي مُستدرِجاً القلب المتأمِّل بوعدٍ غير مؤكَّد. ونرى في هذا المقطع خصيصاً استعادةً لجرح الروح الأول وهي الحسرة والندم، فالطَّيْف جاء ليُنسي ويغيّب، لكن نجد أن فكرة الأرقِ المُقلقة تعود، وتكاد أن تكون مماثلةً لوهجِ الطَّيْف، إذ تتفاقم أحاسيس الحسرةِ لتصير كاللهبِ الذي يهيّج صفو الليل ويعكِّرَ الحلم والوَهم.


    تتجلَّى في المقطع الذي يلي نتائجُ شدَّة الاحتراق من عذابات الهواجسِ والقلق، إذ نستطيع عدَّها نُقطة تَحرُّرٍ وعلوٍّ، إذ يتحرَّرُ هذا الجسدُ من قلةِ حِيلته، معتقاً الروح من آلامها، ليصير خفيفاً تسيِّره الريحُ، مستسلماً كامل الاستسلام لما يؤول إليه المصير:


"أخفُّ من أملٍ على جبل القنوط

الرِّيشةُ التي تحرَّرت من ورطةِ

الجناح

أثقلُ مني في كفَّة الرِّيح.

فيا لنفسي

أمَّارةٌ بالألم

ويا لفمي عطشانُ على حافَّة النبع

ويا ليديَّ

ادعتا وصلاً

وعادتا خاليتين"16


    إذ تتأكَّد دوافع التخفُّف المنوطة بالنفس (الأمَّارة بالألم) فلا وصلَ ولا ارتواء، وإنَّما خيبة ونكوص وتردٍّ. ويُكمل واصفاً عملية التحرُّر القُصوى مُستعيراً هيبة الملوكِ التي لا تستعادُ إلا في خيال الحالم:


"مُتوَّجٌ بخفَّتي

عرشي على الهواء

مسنودٌ بحُرقة الأنفاس.


خِفَّتي ما أبقت لي أثراً على الأرض

ولا رَفَعتْني إليكِ

آه خفَّتي

ارفعيني

أو ذريني بكتفٍ مائلةٍ

أصدُّ غباراً يهبُّ على خُطى طفولتي

بين الرُّمان.


آه خِفَّتي

وصلَ الغريبُ

بلا بارحةٍ أو غدٍ

وصلَ

الغريبُ

على

آخر

نَفَس"17


    يختتم القصيدة بهذا المقطع، مُستغرِقاً بصورةِ الخفَّة التي أوصلته إلى سلامه الأخير، بعد أن كان بين الصحو المؤنِّب والحلم الذي لا يُطال، إذ شكَّل حالة الغريب الذي انفصل عن ماضيه ومستقبله، واصلاً انعتاقه الأسمى بأنفاسهِ الأخيرة، مُتحرِّراً بذلك من كلِّ وجعٍ وثقلٍ وندم.


    ولعلنا نستخلصُ من تجليَّات الطَّيْفِ في هذه القصيدة، أنَّ الطَّيْفَ جاء بشكلٍ لعوبٍ ومكَّار، إذ يظهر ببهائه ويختفي، يترك آثاره بغوايةٍ؛ أنفاسه ورائحته وملمسه المتخيَّل، وقد تطرحُ القصيدةُ سؤالاً: ما المعنى الذي يستدعيه استذكارُ الطَّيْفِ في نظر أميرٍ قد وصلَ إلى نهايةٍ فادِحة؟ هل الطَّيْفُ هو ذِكرى الماضي؟ أو تراه حلم الهروبِ من الحاضر البائس؟ أو مُنًى لمستقبلٍ غير أكيد؟ حتى إنَّنا إذا ما تتبعنا تطور حدث المُلاحقة والتقصِّي لوجدنا أنَّ الطَّيْف كان في بداية الأمرِ أملاً مُبتغى وحُلماً ساحراً، لكن لشدَّة ما كان وصاله صعباً تحوَّل إلى نُقطة تَحفيزٍ أساسية لعملية الانعتاق الروحيِّ. فقد يكون الطَّيْف ثُلاثية اللا ماضي واللا حاضر واللا مُستقبل، فما جاءت الخفَّة إلَّا للانفصال عن الواقع ومأساته.


____

1: لسان العرب، ابن منظور، ج9، مادة (طوف). 

2: تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، ج24، مادة (طوف). 

3 : طوق الحمامة في الألفة والألاف، ابن حزم، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، مطبعة حجازي، 1950م، ص97.

4 : أحلام مؤرِّقة: الطَّيْف في شِعر البُحتريّ: دراسة في الظاهرة أُصولها وأبعادُها، هاني نصر الله، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط1، 2014م، ص91. (بتصرف) 

5 *: أمجد ناصر شاعرٌ أردنيّ (1955 – 2019)، له تجربة شعرية غنيَّة في قصيدة النثر الحديثة. واسمه الحقيقي هو (يحيى النميري النعيمات)، عمل في الصحافة، وكتب في أدب الرحلة والرواية إضافةً إلى نتاجه الشعري المتنوع.  

6 : يُنظَر: شعر أمجد ناصر: سمات أساسيَّة ومسيرة التَّحوُّلات الشعرية، آثار حاج يحيى، بحث منشور إلكترونياً بصيغة PDF، ص12.
https://www.beitberl.ac.il/arabic/asdarat2/mjletAl7sad/hasad6/Documents/mola5as5.pdf 

7 : المرجع السابق، نفسه.  

8 : الكتابة والجسد في شعر أمجد ناصر، يوسف البهالي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2020م، ص164.
9: أمجد ناصر: الأعمال الشعرية، أمجد ناصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2002م، ص494. 

10 : المصدر السابق، ص495. 

11 : المصدر السابق، ص496 و497. 

12 : حِرفة القيافة أو علم القيافة، هي من علوم العرب سابقاً، والبدو خصيصاً، وهو علم تتبع آثار الإنسان أو الماشية على الرمل. 

13 : المصدر السابق، ص500 و501. 

14: المصدر السابق، ص503. 

15 : المصدر السابق، ص504. 

16المصدر السابق، ص505. 

17: المصدر السابق، ص506 و507.


السبت، 20 مارس 2021

فقدان الهوية الأنثوية في حكاية الجارية



تصارع النسوة منذ الأزل وحتى يومنا هذا من أجل حماية فردانيتهن في مجتمع تحكمه السلطة الذكورية. إذ ينافسن الرجال في التعبير عن رؤاهن، والمطالبة بالمساواة الحقوقية. يشترك الإعلام والمجتمع  في التغاضي عن القضايا التي تتعلق بالمرأة وحقوقها على نحوٍ مقصود، لذا فهي تُهمل أو يستخف بها. في رواية مارجريت أتوود (حكاية الجارية) تكافح الشخصيات النسائية  في سبيل نيل السلطة والوصول إليها. ينجم اختلال التوازن هذا من هيمنة  الرجل المطلقة،  وانعدام الحرية، وتدمير الفردانية، كما تواجه الشخصيات النسائية مشقة اكتساب إحساسها الحقيقي بالذات. إذ يكافحن سطوة الرجل في عالم جلعاد، وذلك بغية إيجاد هويتهن الضائعة. مع ظهور جلعاد، تفقد النساء سيطرتهن بالكامل، ونتيجةً لهذا تُعزَز سطوة الرجل و تزداد رسوخًا. يستغل الرجال هذه المزية عبر بناء مجتمع يدمر المرأة ويضعف مكانتها. يجبرن النساء في عالم جلعاد على ترك وظائفهن، وتحويل كل أموالهن إلى ذكور المنزل. يدخل النظام الأبوي حيز التنفيذ عندما تُسحب الامتيازات من أوفريد: "طُردت من العمل" (الرواية ص 205). ليس هناك تفسير واضح لذلك. تحاول مويرا شرح الأسباب لأوفريد: "كل حساب أنثوي "M" يستبدلونه بحساب ذكوري "F"." (الرواية ص 206). تدخل أوفريد في حالة صدمة وذهول بعد تبيان ما يجري. يسلب منها احساسها بالقوة عندما قيل لها: [النساء] لا يتملَّكن بعد الآن" (الرواية ص 206). فقدت أوفريد وظيفتها ومالها وسلطتها التي كانت ذات يوم حقًا لها. لم يبق لها شيء، لم تعد امرأة مستقلة. كما يُمنح زوجها لوك سيطرة كاملة على كل مواردها المالية. وهذا يدل على هيمنة الرجل في هذا المجتمع الجديد والأدوار الجنسانية المطبقة في جميع أنحاء البلد. وبدلاً من الكفاح من أجل حقوق المرأة، يأتي لوك بسهولة ليتقبل واقعه الجديد إذ إنه غير ملزم بمحاربته. يُنظر إلى رجال هذا المجتمع الجديد على أنهم أكثر قوة ودراية. مع ازدياد سيطرة الرجال وهيمنتهم، تحِطُّ جمهورية جلعاد من قيمة النساء، الأمر الذي يمنعهن من العثور على شعورهن الحقيقي بالذات. وعلاوة على ذلك، فإن الافتقار إلى الحرية الذي تواجه المرأة في الرواية يتحدى قدرتها في اكتساب شعورها الحقيقي بالذات لأنه يرعى حرية المرأة سوى في وظيفتها المخترعة حديثًا. ثمة منظور مختلف عن الحرية في جمهورية جلعاد حيث الخادمات يستخدمن لغرض التكاثر فقط. يجري قبل إرسالهن إلى العمل لدى الأسر إدخالهن إلى  مدارس حيث ترشدهم المعلمات، ويدربونهن على النجاح في آداء أدوارهن كما هو مطلوب. (هل احتفظ بها أو أزيلها. خلال أحد دروس الخادمة ، تقول العمة ليديا: إنَّ "[هناك] أنواع مختلفة للحرية... الحرية كي.. والتحرر من.." (الرواية ص 28). فالنساء عرضة لنوعين من الحرية في عالم جلعاد. في هذا المجتمع، لا تعنف المرأة، ولا توجه لها الإهانات الجنسية، ولا تخضع كذلك لمعايير جسدية سامة، ولكن لكونها امرأة، لا تتمتع أيضًا بحرية العمل أو الحب أو فعل ما يحلو لها. ومع هذا الافتقار المفاجئ للحرية، تكافح المرأة أكثر من غيرها لاستعادة هويتها. إذ لم تعد قادرة على اللباس أو الكلام أو حتى التصرف كما تشاء. فعلى سبيل المثال يُسلب من سيرينا جوي،الشخصية الناجحة والمجتهدة في عملها، كُلُّ على نحو مفاجئ. كانت في يوم من الأيام امرأة عاملة حرة تسعى وراء حلمها في الغناء، إلا أن الرجل سلب منها كل شيء. تشعر أنها منفصلة عن ماضيها، كما تفقد نفسها وحريتها في التعبير عن هويتها. تكافح جميع نساء جلعاد للحصول على إحساسهن الحقيقي بالذات بسبب الافتقار إلى الحرية. بالإضافة إلى ذلك  يؤدي تدمير شخصية المرأة إلى خلق معاناة الحصول على إحساس حقيقي بالذات. إذ يحاول جلعاد إزالة الفردية عبر توحيد الملابس والأسماء والوضع الاقتصادي العام. تُمنح النساء ملابس محددة اعتمادًا على أدوارهن في المجتمع، الأمر الذي يقلل من قدرتهن على التعبير. كما تمنع الأسامي الشخصية من تصنيف النساء والتحكم بهن أيضًا. تقول أوفريد السجينة بوصفها خادمة: "غير مسموح لي بذكر اسمي، لدي اسم حقيقي لكنهم منعوني والجميع من استخدامه" (الرواية ص 95). حظر اسمها أشعرها وكأنها تتلاشى تفقد نفسها. كانت نُقْلًا من أسرة إلى أخرى، وتُمنح أسماء جديدة تتوافق وقائدها الجديد. وباستمرار نقلهم وإعطائهم أسماء مختلفة، تُخلَّفَ الخادمات مع شعورهن بالضياع وعدم اليقين من الهوية. قد يُعرض اسم السارد الآن،  لكن بُعيد ذلك بقليل ستكون هناك أوفريد أخرى. فلا هوية حقيقة لأوفريد. فهي تُعرّف من خلال قدرتها على الإنجاب فقط، وليس من خلال شخصيتها أو رجاحة عقلها. قيمة المرأة في الرواية مرتبطة بجسدها وعضو التكاثر فقط، وإلا فلن تمثل أهمية للمجتمع.  تجبر المرأة على ترك هويتها السابقة في سبيل التكيف مع النظام الجديد هذا. النسوة في عالم جلعاد ليست سوى غرض أو رهينة. في نهاية المطاف، تناضل الشخصيات الأنثوية في رواية مارغريت أتوود للحصول على الشعور بالنفس بمجرد أن توضع جمهورية جلعاد في حيز التنفيذ. مع تفهم هيمنة الرجال وانعدام الحرية وتدمير الفردية التي تواجهها النساء، يفقدن إحساسهن بذواتهن. الهوية هي ما تُشكل الفردانية. يمكن للمرء مع الأصدقاء والعائلة والمكياج والأسماء والملابس والحرية أن يبني إحساسًا بالذات والتفرد. ولكن بمجرد أن يُتخلص من جميع هذه الكماليات، فإنه يجعل من الصعب على الفرد تحقيق إحساس بالهوية، مما يتسبب في فقدانهم لأنفسهم وأهدافهم في الحياة.

UKessays

ترجمة: شوق العنزي.


الاثنين، 15 مارس 2021

دفاعًا عن آن برونتي

 مؤمن الوزان.


ينال بعض الأدباء كتّابَ نثر وشعراءَ حظهم من القبول لدى القرّاء والتاريخ الأدبي الذي يصفُّ النقّادُ المؤلفات فوق رفوفه، لكن في الجهة الأخرى فثمة آخرون يطويهم النسيان دون أن يحظوا بما يستحقون قليلًا أو كثيرًا وتزداد سماؤهم تلبَّدًا بغيوم التجاهل والمجافاة إذا كان في عصرهم من هم أسطع نجمًا منهم فكيف إذا كانت تلك المنافسة مع من نجومهم أقربَ نسبًا وألمعَ بريقًا وأشدَّ توجها، هذا حال آن برونتي. لكن مهلًا هل فعلًا نجم آن أدنى تفجُرًّا وأخبى احتراقًا من أختيها الكبريين إيميلي وشارولت؟ الجواب بوضوح وسرعة ودون أدنى تردد- لا، إلا إنه الحظ العاثر والطالع السيئ الذي رافق الوليدة التي رأت عيناها النور في السابع عشر من شهر كانون الثاني، عام 1820، المتجسد بوفاة والدتها التي أصيبت بعد أسبوعين من ولادة ابنتها الأخيرة بمرض مُهلك، قاست إثره في السنة التالية ولثمانية شهور طويلة عذاباتَ الموت قبل أن توافيها المنية جرَّاء مرضها الخبيث (السرطان في الغالب) في شهر أيلول. واكتمل الطالع السيئ لآن بضعفها الولادي وإصابتها بالربو الذي عانت منه في حياتها وتصف شارلوت حالها فتقول: "بدا عليها أنها تتحضر لموت مُبكِّر". هكذا ابتدأت فصول حياتها التي لم تتحسن كثيرًا لاحقًا فعانت من نمط حياة خالتها -التي انتقلت إلى منزل زوج أختها المتوفاة- القاسي، المنتمية إلى الطائفة الميثودية البروتستانتية. يبرز أثر هذه الأيام لاحقًا في أشعارها الذاتية والوجدانية التي نظمتها متذكرة ومسترجعة كل آلامها ومعاناتها النفسية حين كانت طفلة. هذه الطفلة الكتوم الوديعة التي لا يبدو عليها سمات القوة والصلابة سواء الجسدية أو السلوكية، ووجدت في الطبيعة المحيطة بها في هاورث، حيث عاشت الأسرة مع الأب الخوري باتريك برونتي في منزل الكاهن أو ما يعرف بالبارسونيج، سلواها وعزاءها فلطَّفت سهول هاورث وبريتها وأشجارها من غلواء حياتها وبيئتها العائلية ومخففةً إياها. تصف وينفريد جيرن في سيرة آن برونتي هذه العلاقة بينها والطبيعة- أنها كانت دربًا لها نحو الله. تُظهر أشعار آن المنظومة في الطبيعة وعنها ذلك الآثر الوجداني العميق الذي خلَّفته الطبيعة فيها فعمَّقت مخيلتها وزادت من تخومها وأخذتها بعيدًا جدًا، وكما تقول آن: نحو أرضنا المحرمة القاصية/ أرضٌ محببةٌ لأقدامنا المتمردة/ حيث الخطر والحرية، كلاهما هناك

آن التي نشأت نشأة دينية قويمة بل وصارمة كذلك لم تتخلَ عن إيمانها بل بقي إيمانها رفيقًا لها لكنه بعيدٌ عن معتقد والدها الخوري أو خالتها الميثودية، بل هو علاقةٌ خاصةٌ بينها وبين إلاهها، وصفتها ببيان في قصيدتها الأخيرة التي نظمتها قبل أشهر من وفاتها، مخاطبةً إلاهها بوجدانية محترقة وذائبة في نار حبه الأبدي وخائفة من مصيرها المحتوم الذي كان يتجلَّى قُبالتها، وتهاب الظلام الذي يرافقه ويفزعها في حيرة عقلية ونفسية وربما حتى شكٍ مما ينتظرتها فتفتح قصيدتها قائلة: ظلام مفزع يقترب/ من عقلي الحائر/ دعني أعاني ولا آثم/ وأعذَّب بعد الاستسلام

فأي ظلام كان ذاك الذي يسدل عليها ستائره في بلدة سكاربورو حيث البحر الذي أحبته آن وأحبته شخصيتيها الأنثويتين الخياليتين أغنيس غري وهيلين هنتنغتن، وبقيَ رفيقًا لهذا الثلاثي أو آن مع نظيرتيها، حيث جعلت مشهَد البحر يحتفل مع أغنيس غري التي توافق على الزواج من الخوري ويتسون، ويتسون الذي قد يكون هو ويتمان الرجل الوحيد الذي أحبته آن، وكانت وفاته جرحًا غائرًا في روحها وأثرًا خفيًا في وجدانها، فكتبت عنه قائلة يومَ كان حبها متقدًا في قصيدة لها: لكن يا لروحي التي تشتعل داخلي/ وفؤادي النابض بقوة وسرعة/ لم يقترب -ورحل بعيدًا- وبرحيله بهجتي مضت

البهجة التي لم تحرم آن أغنيسَ منها، البهجة التي أسدلت أغنيس في سيرتها الروائية الحديث عن ذاتها، تاركة ما لم يتحقق لآن في الحقيقة يتحقق في عالم الخيال

لم تنشر آن أعمالها الشعرية والروائية باسمها الحقيقي كحال أختيها، ونشرتها باسم أكتون بيل ابتداءً من ديوان الشعر المشترك مع شارلوت "كورير بيل" وإيميلي "إيليس"، وهو ديوان لم يحظَ بالنجاح حتى بعد أن ذاع صيت الأخوات فبقي دون أن يُحتفى به أو بارز تأثير سوى بعض ما نالته إيميلي من اعتراف بعد قرابة قرن على نشر الديوان. ابتسم الحظ لآن بنشر روايتها الأولى مع أختها إيميلي، إذ نشر لها Newby في أواخر عام 1847روايتيهما في ثلاثة مجلدات (اثنان لرواية إيميلي الوحيدة مرتفعات وذرينغ، وواحد لرواية آن الأولى أغنيس غري). أغنيس غري Agnes Grey الرواية التي أحبتها شارلوت ووصفتها بأنها مرآة عقل الكاتبة، وهي سيرة روائية استندت فيها آن على حياتها وعملها مربية وكانت بيانَ دفاعٍ عن المربيات كونهن بشرًا وسلَّطت الضوء على ما يعانينه وقتها من معاملة سيئة وامتهان مُذل وتكتب السيدة أمبيرلي (واحدة من أوائل النسويات الإنجليزيات المطالبات بحق الاقتراع والمدافعة عن حق التحكم بحبل المرأة) في يومياتها: "أقرأ أغنيس غري، وعلى كل عائلة تملك مربية أن تقرأها، وسأقرأها مجددا إذا حظيت بمربية لتذكرني أن أكونَ إنسانًا"*. لم تحمل الرواية كثيرًا على المستوى الفني عكس موضوعها المثير وقتئذ، وأثبت المستوى الفني في التجربة الأولى لآن أنها لم تكن سوى تمهيدٍ لعملها الثاني "نزيلة ويلدفيل هال The Tenant of Wildfell Hall" الذي كان من الجودة والإتقان بمكان أن يحفظ لآن مقامًا لائقًا لم تحظَ به للأسف رغم مرور كل السنوات، وكلُّ ما نالته من اعتراف أقل مما تستحقه كثيرًا. فبعد سنتين من إتمام رواية "أغنيس غري" أكملت آن رواية "نزيلة ويلدفيل هال" ونشرتها في شهر حزيران من عام 1848 قبل أقل من عام من وفاتها وشهدت نجاحًا لها إذ نُشرت في إنجلترا وأمريكا. تعد رواية النزيلة واحدة من بواكير الأعمال الروائية النسوية، فمواضيعها المتنوعة التي تركزت حول شخصية البطلة هيلين منحت زخمًا كبيرًا للعديد من القضايا النسوية في المجتمع الإنجليزي في وقتها، وسلَّطت الضوء على الكثير من المفاهيم مثل عمل المرأة، واستقلالها المادي، والجندر، والعنف الأسري، وترك المرأة لزوجها، والزواج الإجباري، وانعدام ذات وخصوصية الزوجة، وتكريس حياتها لخدمة زوجها وسعادته، إلخ. نُوقِشت هذه المواضيع جليًا في العمل ضمن متن الأحداث الواردة. ولا نحصر مواضيع العمل في الجانب النسوي فقط بل وكذلك ضمت مواضيع أخرى مثل تربية الأولاد والبنات والتفريق بين تربية الاثنين التي كان لهيلين رؤيتها المخالفة لمحيطها في نظامه التربوي المُفرِّق بينهما، وحال المجتمع الفاسق المتهتك وعلاقات أفراده المتضعضعة، والخيانة الزوجية، والعلاقة الزوجية السيئة، والحب، والأمومة. كما يمكن ضم الرواية في أنواع مختلفة من بينها الرواية الاجتماعية، ورواية الأفكار عبر طرحها ونقاشها للأخلاق والدين والفضائل بله عن كونها رواية رسائلية ويوميات

لم تقل قيمة هيلين الأدبية والفنية ولا الشخصيات الأخرى في الرواية عن شخصيات أختيها في أولى روايتيهما المنشورتين "مرتفعات وذرينغ، وجين إير" بل فاقت هيلين جين شارلوت في تطورها النفسي ونضجها الفكري والسلوكي، ومثَّلت شخصية زوجها هنتنغتن الشر الإنساني الفاسق والمتهتك وبرزت منافسًا لهيثكليف إيميلي في شروره


ما زالت آن حتى اليوم تنتظر المكانة التي تستحقها، وهي مكانة ليست محاباةً باسم أختيها بل اعترافٌ تستحقه سُلب منها باسم أختيها، وكذلك قد يبرز أثر دور شارلوت المعارض لرواية نزيلة ويلدفيل هال التي قالت عنها إنها غلطة بالكامل- في سطوع نجم هيلين التي قد تكون خشيت أن يخطف الأضواء من جين، وهي الأخرى شخصية روائية لا يمكن التغافل عنها أو المرور مرور الكرام لكن ليس على حساب هيلين آن التي كانت صوتًا صادحًا للمرأة وروحًا أصيلة بأخلاقها وسلوكياتها ووقوفها الراسخ ضد أساليب التربية والتحيّز النوعي تجاه الأنثى. ومكتبتنا العربية هي الأخرى تفتقر إلى حضور روايتي آن برونتي، وننتظر من يتكفّل بنقلهما إلى العربية نقلًا موازيًا لقيمة هذين العملين أدبيًا وإنسانيًا، ولتزدانَ سماء آل برونتي بالكامل فهي من دون آن ستبقى ناقصة لا تكتمل.    


_____

* Introduction of Agnes Grey - Wordsworth Editions.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب