المشاركات الشائعة

الأربعاء، 30 يونيو 2021

هبوط إنانا إلى العالم السفلي (كتاب مترجم)

هبوط إنانا إلى العالم السفلي 

(أول قصيدة ملحمية في التاريخ) 

ترجمة: مؤمن الوزان

تقديم وشرح: كلكامش نبيل


 إنَّ هبوط إنانا إلى العالم السفلي أول قصيدة ملحميّة في تاريخ البشرية تسبق حتى ملحمة غلغامش الشعرية، التي تعدُّ أقدم ملحمة في التاريخ الإنساني. تأخذنا القصيدة في رحلة مع الإلهة إنانا التي تقرر التخلي عن السموات وكل معابدها وتنطلق في رحلة نحو المجهول في العالم السفلي من أجل السيطرة عليه، لكن هل توفَّق في مسعاها الطامع للاستيلاء على ما لا تملك؟



قصيدة فولوسبا (كتاب مترجم)

قصيدة فولوسبا 

نبوءة العرافة

(قصيدة من التراث الآيسلندي)

شرح وتعليق: هنري أدامز بيلوز

ترجمة وتقديم: مؤمن الوزان




 يعود تاريخ تدوين قصيدة فولوسبا، مع القصائد الأخرى التي شكَّلت كتاب إيدا الشعريّ، إلى القرن الرابع عشر ميلادي إلا نظمها يسبق هذا التاريخ بقرون. تشكِّل هذه القصائد أهم المصادر الميثولوجيا النورديّة وأخبار القبائل في شمال أوروبا، اعتمد عليها الكاتب الآيسلندي سنوري ستورلوسون في كتابه نثر إيدا المكتوب سنة 1220م. تقدِّم هذه القصيدة موضوعًا تعرَّضت له جميع الأديان ألا وهو نهاية العالم وعودة الحياة من جديد. قليلا ما نجد أمة من الأمم لم تتطرق إلى هذا الموضوع الذي يحمل في تلافيفه تحذيرًا للبشرية لإيقاف شرورها قبل أن تحلَّ النهاية المُدمِّرة.



للتحميل: https://drive.google.com/file/d/1kFAXKiob8rdNRCdY0Qchia-1ct2a4u9M/view?usp=sharing

رزنامة بنجامين فرانكلين (كتاب مترجم)


ترجمة: مؤمن الوزان.




 رزنامة بنجامين فرانكلين واحدة من أوائل الرزنامات التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية (في إقليم نيو إنغلاند في الشمال الأمريكي والذي يضم ستَّ ولايات)، ونالت الحظوة والشهرة رفقةأول رزنامة أمريكية "The Astronomical Diary and Almanac" على مدى سنوات من تاريخ صدروها ما بين سني 1733 و1758. 

نشر فرانكلين هذه الرزنامة باسم مستعار تحت عنوان رزنامة ريتشارد المسكين أو رزنامة ريتشارد ساندريس حتى عام 1748، إذ غير اسمها إلى رزنامة ريتشارد المسكين المجوَّدة. تضم الرزنامة السنوية مواضيع متعددة ما بين أقوال وأمثال وحِكم وأخبار ومعلومات عامة، وتُستهل كل طبعة بكلمة افتتاحية. وما يغلب على محتوى الرزنامة في أعدادها كاملةً الأقوالُ والأمثالُ والحِكمُ التي منها ما هو خاص بفرانكلين نفسه وبعضها تعود أصولها إلى ثقافات وشعوب وكتب أخرى. تعددت مواضيع هذه الأقوال والأمثال والحكم ما بين مدح الأخلاق -وكثيرًا ما شددت النصوص عليها وربطتها بفلاح المرء في الحياة- والتجارة وكسب المرء بيده ونصائح للربح وآلياته، وآداب الضيافة والكياسة والصداقة والتعامل مع الآخر، وكذلك الأماليح والأضاحيك ذات المقاصد اللاذعة التي أضفت نكهة الهزلية على بعض النصوص وجو الرزنامة عموما. وقد نظم فرانكلين العديد منها شعرًا أو كتبها باستخدام الجناس لإعطائها طابعًا موسيقيًا ونغمًا يسهل على القارئ حفظها وتذكرها والاستمتاع بقرائتها.

اشتهرت هذه الرزنامة كثيرًا حتى وصل عدد نسخ بعض طبعاتها السنوية إلى مئة ألف نسخة نُشرت في ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية في أمريكا وقتها، وأكسبت مؤلفها بنجامين فرانكلين المكانة والشهرة والمال

أما مؤلفها بنجامين فرانكلين، فهو أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، وكان كاتبًا ناشرًا وسياسيًّا ومفكرًا تنويريًّا وعالمًا وفيلسوفًا وناشطًا مدنيًّا وغير ذلك، وهو واحد من أهم الشخصيات الأمريكية في التاريخ وله مسيرة حياتيّة ومهنيّة حافلة، وتزيّن صورته ورقة عملة المئة الدولار الأمريكي

في هذا الكتاب، اخترت من الأمثال والحكم والأقوال والنصائح الواردة في الرزنامات المنشورة، والتي وجدت فيها الحكمة الأصيلة والبصيرة النافذة والنصيحة الرشيدة والتوجيه القويم والفكر السليم والنص البليغ أو الأفاكيه المستظرفة والطرف المستملحة التي لا غنى عنها في الترويح عن القارئ بين جديّة النصوص الأخرى. وتجنبت الأقوال والمعلومات الواردة التي هي اليوم من البديهيات وأصبحت من المعلومات العامة مثل استخدامات المِجهر ومزاياه أو تواريخ ولادة بعض الشخصيات التي يُمكن للباحث عنها أن يعرفها بسهولة.      


للتحميل: 

https://drive.google.com/file/d/1u0_YRFDSd6pwWdp8y-Jxqv1NCsOQlEWp/view?usp=sharing

حكم وأمثال أوسكار وايلد (كتاب مترجم)

 


ترجمة: مؤمن الوزان


 

يضم هذا الكتاب المنشور في عام 1905 من قبل دار John W. Luce and Company, Boston مقولاتٍ لأوسكار وايلد (1854-1900) مختارةً من مؤلفاته، وسعت الدار الناشرة حينئذ -كما تُشير- أن تقتفي أثر بعض الأعمال الناجحة والمشهورة في هذا المجال مثل كتاب " The moral Maxims and Reflections" لـ Rochefoucauld، وكتاب "Poor Richards Almanack" لبنيامين فرانكلين، ووجدت مرادها في كاتب روائي ومسرحي أثارت أعماله لغطًا لا يقل عن حياته الشخصية أودت به إلى الحبس سنتين بسبب كتاباته، وأُطلِقَ سراحه قبل وفاته بثلاث سنوات بسن السادسة والأربعين. ذاع صيت أوسكار وايلد ذي المظهر الجميل والأنيق، وحاز على شهرة في وطنه أيرلندا بمقولاته وأمثاله الساخرة والحاذقة. انتقل وايلد إلى لندن حيث نمت موهبته الأدبية والكتابية ببروز فكتب في الرواية والمسرحية والقصة والشعر والنقد ولقيَ في لندن أجواء الحياة التي عازها ففتنته وطاب له المُقام فيها قبل أن يسافر في جولة إلى الولايات المتحدة وباريس ثم العودة إلى لندن حيث تزوج كونستانس لويد وأنجب منها، مواصلًا الكتابة في كل هذه الأوقات. إضافة إلى مسيرته العامرة بأعمالٍ من أشهرها "صورة دوريان غراي، وأهمية أن تكون جادًا، وزوج مثالي"، فقد عُرفَ وايلد بنزعته الجمالية وانتمائه للحركة الجمالية (الأستطيقا) التي رفضت التراث الفيكتوري المحافظ رافعةً القيمة الجمالية على أي قيمة أخرى ونادت بمفهوم "الفن من أجل الفن" ويتضح هذا الأمر في كتابات أوسكار ولا سيما في "الناقد فنان، ونهضة الفن الإنجليزية". 


للتحميل: https://drive.google.com/file/d/1TNY8bnrUAb8MSpDS3npHAsp9rDiQEQFy/view?usp=sharing

الثلاثاء، 15 يونيو 2021

السيرة الذاتية لإيملي ديكنسون (1830-1886).



إيملي ديكنسون (Emily Dickinson) واحدة من أعظم شعراء أمريكا على الإطلاق، وقد نالت هذه المكانة عن جدارة واستحقاق، فقصائدها السهلة في بُنيتها، الحادة الذكاء في أفكارها، الشديدة العمق في أحاسيسها، تستمد مادتها وصورها من قضايا الإنسان الأساسية: من آلام الحب وأفراحه، من طبيعة الموت التي لا يسبر غورها، الجنس، ويلات الحروب، الدين، الدعوة الى المرح، التأمل في أهمية الموسيقى والأدب والفن.

صاغت ديكنسون نوعا جديدا من الشخصية في شعرها، والمتحدثون في شعرها يشبهون المتحدث في قصائد برونتي وبراونينغ، فهم يتميزون بأنهم مراقبون حصيفون يرون أوجه القصور في مجتمعاتهم، وحالات الهروب التي يمكن تصورها ولجعل التجريد ملموسا ولتحديد المعنى بدون حصر فقد ابتكرت ديكنسون لغة بيضاوية مميزة للتعبير عما كان ممكنا لكنه لم يتحقق. وهذه الطريقة تشبه طريقة أصحاب الفلسفة المتعالية [اتحاد الفلسفة المتعالية حركة فلسفية تطورت في نهاية عشرينيات القرن الثامن عشر شرق الولايات المتحدة، ويركز أصحابها على الحس أكثر من التجربة] وقد قرأت ديكنسون معظم أعمال اتحاد الفلسفة المتعالية. 

لم تغادر ديكنسون منزلها كثيراً، فقد عاشت حياة انطوائية إلى حد بعيد. كتبت، في مساحتها الخاصة في منزل أبيها، ما يزيد عن 1700 قصيدة لم ينشر منها خلال حياتها إلا 11 قصيدة في بعض الصحف المحلية بأسماء مستعارة. هكذا لم يعلم أحد عن موهبتها سوى حلقة ضيقة من أفراد أسرتها والمقربين من الأصدقاء. 

نُشر المجلد الأول من شعرها عام 1890 وذلك بعد أربع سنوات من وفاتها، وقد لاقى نجاحا مذهلا. ولم يخطر ببال أحد –ولا حتى ديكنسون نفسها– أن قصائدها سوف تحدث ثورة أدبية في القرن العشرين. وبعد وفاتها بسبعين سنة نُشر أول كتاب جامع لقصائدها دون تعديل.


الميلاد والتعليم في أكاديمية أمهرست


ولدت إيملي ديكنسون في أمهرست ولاية ماساتشوستس، في كانون الثاني/ ديسمبر 1830، لعائلة محافظة وغنية، وفي وقت ولادتها كان أبوها إدوارد ديكنسون محاميا شابا وطموحا، عمل في السياسة وفاز بمقعد في الكونغرس ممثلا عن ولايته. وكان جدها من المساهمين في إنشاء كلية أمهرست. عاشت في طفولتها المبكرة رفقة اثنين من أخوتها وهما، أخوها وليام الذي يكبرها بعام ونصف، وأختها لافينيا، وقد ارتادوا المدرسة الابتدائية في أمهرست معا، والتي تكونت من غرفة واحدة. ثم درسوا في أكاديمية أمهرست، لكن ما لبث الأخ أن افترق عن أختيه، فقد أُرسِلَ وليام إلى مدرسة اخرى، 

لقد ذكرت ديكنسون أنها كانت مسرورة بكل كادر المدرسة، ومنهجها وطلابها. تفخر أكاديمية أمهرست بارتباطها المباشر بكلية أمهرست، وتنظّم حضورا منتظما للطلاب في قاعات كلية أمهرست لمحاضرات في مختلف التخصصات (الفلك، الكيمياء، الجيولوجيا، الرياضيات، التاريخ الطبيعي، الفلسفة الطبيعية وعلم الحيوان). تعكسُ لنا هذه القائمة التركيزَ على العلوم في القرن التاسع عشر، ويظهر هذا التركيز مرة أخرى في قصائد ديكنسون ورسائلها، من خلال الافتتان بالتسمية ونظرتها الثاقبة، وهواية غرس الزهور وعنايتها بوصف النباتات واهتماماتها بالقوة الكيميائية. وعلى الرغم من هذه الاهتمامات فلم تهتم بالعلوم بذات الطريقة التي دعا إليها أساتذتها. وفي قصيدة مبكرة لها وبخت العلم لاهتماماته المتطفلة، كما أن دراسته تسلب الحياة من الأشياء على حد قولها. ومع هذا فقد كانت دراسة علم النبات مصدر بهجة لديكنسون وكانت تحرص على زراعة النباتات والعناية بها، وتدعو أصدقائها لحضور دروس النبات. 

استندت في دراستها لعلم النبات إلى الدروس التي حضرتها في الكلية، وفيما بعد على كتاب كان معتمدا في المعاهد الدينية للبنات، وهو من تأليف الأستاذ الميرا لينكون الأستاذ في علم النبات. تميز الكتاب بنوع معين من التاريخ الطبيعي، مع التركيز على الطبيعة الدينية لدراسة العلم. واعتمد أسلوبه على الحجة مع التعميم. وأكَّد لطلابه أن دراسة العالم الطبيعي تقودنا لمعرفة الله، فملاحظة الأنظمة الدقيقة في الكون تظهر يد الخالق. يتوافق تقييم لينكون للفلسفة الطبيعية جيدًا مع سياسة أمهرست المحلية. وكرس إدوارد هيتشوك، رئيس أكاديمية أمهرست حياته للحفاظ على الاتصال المستمر بين العالم الطبيعي وخالقه، وكان محاضرا متكررا في الأكاديمية، ونالت ديكنسون الكثير من الفرص لسماعه وهو يتحدث، ومن خلال عناوين كتبه يمكننا معرفة المواضيع وجدت ديكنسون أنَّ الحكمة الدينية التقليدية هي الجزء الأقل قدرة على الصمود بين هذه الحجج، فمن خلال ما قرأته وسمعته في أكاديمية أمهرست للعلوم أثبتت الملاحظة العلميه تميزها في الوصف القوي. 

تكمن قوة أكاديمية أمهرست في تركيزها على العلم، إلا إنها ساهمت في تطور ديكنسون الشعري، وتعرفت خلال السنوات التسع التي قضتها في الأكاديمية على أستاذها الأول، ليونارد همفري Leonard Humphrey. وتشير ردة فعلها على وفاته غير المتوقعة على نموها الشعري المتزايد. يتوازى تعيين همفري أستاذًا في الأكاديمية مع العلاقات التي أقامتها ديكنسون في الأكاديمية، فقد أنشأت صداقات قوية مع مجموعة من الطلاب، ومن بينهم أبياه روت (Abiah Root) إيملي فاولر، جين همفري التي كانت رفيقة ديكنسون في سكن الأكاديمية. وكما كان شائعا للشابات من الطبقة فإن التعليم الرسمي الذي تلقينه وفر لهن استقلالا ذاتيا مؤقتا، واحترام وجهات نظرهن. 

تطلَّبت العديد من المدارس مثل أكاديمية أمهرست الحضور يوما كاملا، لذا فإن الواجبات المنزلية خاضعة للواجبات المدرسية، وكان المنهج الدراسي في كثير من الأحيان هو ذات المنهج الدراسي الذي يتعلمه الشباب. مثَّلت الدراسة في أكاديمية أمهرست وقتا للتحدي الفكري والحريّة النسبية للبنات، ونظر الطلاب لأنفسهم باحثينَ وتركت الكلية انطباعا كبيرا في تفكيرهم. لم تترك ديكنسون بعد أن أنهت الأكاديمية مواصلةَ دراستها كما كان شائعا عند الفتيات في وقتها.


التجربة الدينية 


تركت ديكنسون في سن الخامسة عشر الأكاديمية لمواصلة تعليمها العالي، والتحقت في خريف 1847 بمدرسة (ماونت هايلوك) الدينية للبنات، التي أشرفت عليها الأستاذة ماري ليون. كانت ماري تجري جلسات أسبوعية مع طلابها لتقييم حالة الإيمان عندهم، واختبارهم بالمسائل الدينية. وقسِّمت الشابات إلى ثلاث فئات:

1- من نشأنَ نشأة دينية مسيحية. 

2- من أعربن عن رغبتهن بالمسيحية. 

3- من ليس لهم رغبة باعتناق المسيحية. 

اختارت ديكنسون أن تكون في الفئة الثالثة، والعضو الوحيد في تلك الفئة، تذكر زميلة ديكنسون، كلارا تيرنر: عندما طلبت ماري ليون من الطلاب الذين يرغبون في أن يكونوا مسيحيين، قام الجميع إلا إيملي بقيت في مكانها [تعبيرا عن عدم رغبتها]. وتضيف كلارا، لقد أخبرتني إيملي قائلة «لقد ظنوا أنه أمر غريب أنني لم أنهض» وأضافت مع لمعة في عينيها «لكنني أعتقد أنَّ الكذب أكثر غرابة». 

لقد كانت إيملي المتمردة الوحيدة في ذلك الاجتماع، لكن سجلات المدرسة أشارت فيما بعد الى أنّ إيملي لم تكن الوحيدة التي لم تكن راغبة بالانضمام لصفوف المسيحيين، ففي نهاية الدراسة تبين أنّ ثلاثين طالبة لديهن ذات موقف إيملي. 

أدى قصر إقامة ديكنسون في مدرسة ماونت هوليوك [سنة واحدة] إلى الكثير من التكهنات حول طبيعة رحيلها، وقال بعض النقاد إنه يمكن رؤية بداية ما يسمى بالانعزالية، من خلال إشاراتها المتكررة للوطن والحنين إليه، ولكن الرسائل لا تشير بأي حال من الأحوال أن أنشطتها قد تعطلت، لم يكن لها نوع الأصدقاء المقربين نفسه كالذين كانوا في أكاديمية أمهرست، ولكن تقارير عملها عن النشاط اليومي تشير إلى أنها كانت جزءا من أنشطة المدرسة. وبسبب عدم التيقن من الجهة التي قررت عدم عودتها للمدرسة، نسبت ديكنسون القرار إلى والدها، تشير سمعة والدها بأنه فردٌ متدين في الشؤون الخاصة والعامة إلى أن قراره قد يكون نابعا من رغبته في إبقاء ابنته في المنزل، والواقع إن تعليقات ديكنسون تؤكد هذه التكهنات، ودائما ما رضخت لرغبات والدها، ولكنها تصفه في مواضع أخرى بوصف لطيف فتقول: "إنه مشغول جدًا بممارسة المحاماة، حتى إنه لا يستطيع أن يلاحظ ما يجري في المنزل". 

وقد قدَّم أحد النقاد وهو ريتشارد سيوال تفسيرا مثيرا، فبالنظر إلى منهج مدرسة ماونت هوليوك، ومعرفة عدد النصوص الدينية الكثيرة التي درستها في أكاديمية أمهرست، خَلُصَ إلى أن مدرسة ماونت هوليوك ليس لديها الكثير لتضيفه إلى ديكنسون. 

يختم ترك ديكنسون لماونت هوليوك على نهاية تعليمها الرسمي، ومن الاطلاع على رسائل ديكنسون في تلك المدة «1850» يتبين لنا أنها كرهت العمل المنزلي وتشعر بالإحباط مع قيود الوقت التي أوجدها العمل.


حياة المنزل والشعر والرسائل

 

كان منزل عائلة ديكنسون ملتقى الكثير من أصدقاء والدها من السياسيين ورجال الدولة، وقد أتعبها الوضع. إذ كانت ديكنسون تهتم بالمنزل وإرشاد إخوتها، وقدَّمت نفسها ناصحًا حريصًا في رسائلها إلى أخيها أوستين حينما كان يدرس القانون في جامعة هارفارد، واستخدمت المديح الزائد بحقه، وشجَّعته لكي تدعوه للتساؤل حول قيمة تصوراته، وساندته لكي يحقق طموحه. تتميز رسائل ديكنسون لأوستين بكثافتها، لكنها انقطعت بعد مدة عندما انشغل أوستين بشق طريقه في الحياة، وقرر الإقامة في أمهرست وتولى دور والده في عمله القانوني. ثم تزوج سوزان جليبرت الزواج الذي رحَّبت بها ديكنسون بشدة، فقد وفر لها حضور سوزان الشعور بوجود أخت جديدة في العائلة. وفي الوقت الذي تضاءلت فيه علاقتها مع أوستين؛ نمت علاقتها بسوزان التي مثلت لها الرفيق المحبوب والناقد والأنا. 

نشأت سوزان نشأة مختلفة عن إيملي فهي تنتمي للطبقة العاملة. 

كتبت ديكنسون في 1875 قصيدة، جاء فيها: "الهروب مِثْلُ كلمة شاكرة". وكلمة الهروب هنا إشارة للروح في المقام الأول، ويعتمد الفداء والخلاص وفقًا لها على الحرية. تنتهي القصيدة بالثناء على "الكلمة الوثيقة" للهروب، في تناقص بين رؤية "المُخلِّص" مع هالة كونه "إنسانًا مُنقذًا"، وتقول بأنَّه من الجليّ ثمة خيارٌ واحد: "لهذا ألقي برأسي فوق الكلمة الوثيقة" فهي تدعو القارئ ليقابل ما بين تجسيد "المسيح" وتجسيد آخر. تقلب ديكنسون اللغةَ المسيحية المرتبطة بـمقاصد "الكلمة" وتضع نفسها بديلًا لتجسيد المخلِّص. وكانت قد اختارت كلمة "هروب" قبل عقدٍ من الزمن، الاختيار الذي بدا واضحًا ومقصودًا. ففي قصائد تعود إلى عام 1862 تصف ديكنسون التجارب الروحيّة مُشخِّصة هذه "الأحداث" بعبارات اللحظات، فتمرُّ من "لحظات الروح المعصوبة" مشيرة للفكرة المتشككة إلى الحرية الروحية. ولن تُحبس الروح في "لحظات هروب" ولا تحتوي قوَّتها الانفجاريّة: "للروح لحظاتُ هروب/ حين تُنفجرُ كل الأبواب/ ترقصُ مثل دويّة، في الخارج،/ وتتمايل طوال الاوقت". 

من خلال الاطلاع على قصائد ديكنسون نعرف أنها رفضت أن تكون مقيدة بالواجبات المطلوبة منها. ودائما ما تدفعها طلبات أبويها أو أصدقائها المقربين إلى "الهرب". 

خلال مرحلة الانتعاش في 1850 في أمهرست، كتبت ديكنسون تقييمها للظروف، بعيدا عن استخدام لغة التجديد المرتبطة بالمفردات الإحيائية، فقد وصفت مشهد خراب مظلم بفعل ابتلاء الروح. وفي رسالتها الموسومة بالتمرد إلى همفري، كتبت "كيف تزداد وحدة هذا العالم، شيء مقفر جدا يزحف فوق الروح، ونحن لا نعرف اسمه، ولن يزول، إما السماء تبدو أكبر، وإما الارض أصغر بكثير، وإما أن الله أعظم. نشعر بأن حاجاتنا زادت، المسيح يدعو الجميع، وكلهم أجابوا، أما أنا أقف وحيدة متمردة، كلهم يعتقدون أنهم وجدوا، لا أستطيع أن اخبرك ما الذي وجدوه، لكنهم يظنون أنه شيء ثمين، أتساءل إن كان كذلك؟". 

لقد وضع سؤال ديكنسون الإطار على عقد من الزمان، وخلال تلك العشر سنوات حددت ما كان ثمينا بنحوٍ لا جدال فيه، ليس الدين بل الشعر، ليس الآلة التي اختزلت جوهرها بل عملية صنع الاستعارات ومشاهدة المعنى وهو يتكشَّف. 

تشير رسائلها عام 1850 إلى أنّ عقلها كان يحول دون إمكانية الانشغال بعملها الفني، وازدادت الفجوة بينها وبين اصدقائها، وصفت هدف حياتها لكنها لم تحدد بوضوح وتقول "لقد تجرأت على فعل أشياء غريبة" كما أنها أكدت استقلالها: "لم أطلب النصيحة من أحد"

وأمضت شتاء ذلك العام بقراءة قصائد شاعرها المفضل رالف إيمرسون. ووصفت الشتاء بأنه حلم طويل لم تستيقظ منه بعد. 

كانت رسائلها في هذه المدة طويلة ومتكررة، وزودتها لغتها الرفعية بمساحة تدريب لنفسها لتطوير نفسها كاتبةً. وجربت في رسائلها الشغوفة لصديقاتها أصواتا مختلفة، في بعض الأحيان كانت تبدو بطلةَ إحدى الروايات المعاصرة، وساردةً توبخ الشخصيات على فشلها ولعبت دورًا سماويًا لاستكشاف احتمالية التحوَّل الإيماني الاعتقادي الجديد لتقترب فحسب من منطقة اللا واقعية المميزة في تجربتها الخاصة. وبسبب عدم توفر الرسائل المرسلة إلى إيملي، لا يستطيع النقاد معرفة ما إذا كان لغة أصدقائها تشبه لغتها. 

لكن الحرية التي كتبت بها إلى همفري وفاولر تشير إلى أنّ ردودهم شجعت أفكارها، قد يكون هذا التشجيع صدر من سوزان جليبرت أيضا مع أننا لا نعرف الكثير حول العلاقة المبكرة بينهما فإنّ الرسائل المرسلة إلى جليبرت أثناء دراستها في جامعة بالتيمور، تتحدث بنوع من الأمل من منظور مشترك إن لم يكن مهنة مشتركة. 

وقد تكهن النقاد المتأخرين، بأن جليبرت قد حسبت نفسها شاعرة أيضا، وتقف العديد من رسائل ديكنسون وراء هذا التكهن، فمن الرسائل القليلة التي وصلت إلينا الرسالة التي أرسلتها ديكنسون إلى جليبرت عام 1861 وفيها نقاشات وخلافات حول الشعر، تشير إلى أنها شاعرة. ومهما كانت طموحات جليبرت الشعرية، فقد نظرت إليها ديكسنون واحدة من أهم قرّائها وأقربهم، فأرسلت إلى جليبرت أكثر من 270 قصيدة. لكن هذه العلاقة تخللها جدل يسير ثم حدث كسر أكثر خطورة في العلاقة، قد يكون الخلاف بسبب اختلافهما حول الدين. 

وفيما يخص رأي ديكنسون بالزواج، فهو رأي يتميز بالتناقض إذ يرتكز رأيها بوضوح على مفهومها لما يتطلبه دور الزوجة، والطبيعة الاجتماعية للزواج. ومن خلال وجودها وعملها في بيت عائلتها، كانت مطيعة وتؤدي واجباتها. ورأت كيف أن عملها أصبح ثانويا. 

في ملاحظتها للنساء المتزوجات ومن ضمنهن أمها، خلصت إلى أن الزوجة تتعرض لتدهور الصحة النفسية والجسدية، والمطالب غير الملباة وغياب الذات التي كانت جزءا من العلاقة بين الزوج والزوجة، وتعكس قصيدة لها بعنوان «الذهب» هذا المعنى. 

القيمة والهيبة غائبان عن المرأة، التي تؤدي واجباتها الزوجية، وتظل الخسارة غير معلنة. 

تقول: 

نذرت نفسها تلبي حاجاته 

ضحت بمتعتها 

لتقوم بواجبها المشرف 

امرأةً وزوجة 


وتربط في قصيدة أخرى حياةَ المرأة بيوم زفافها. هذه الافكار لا تنتمي للقصائد فقط، بل نجدها في الرسائل أيضا. فقد كتبت رسالة لصديقتها جليبرت أثناء علاقتها مع أوستين، وذلك قبل أربعة أعوام من زواجهما، تكشف الرسائل وجهة نظرها بالزواج، ورأت أن هناك فرقا بين الأفكار المتخيلة حول الحياة الزوجية، وكيف أننا نتخيلها حياة رومانسية، 

وبين واقع الزواج والحياة الجافة التي تعيشها المرأة المتزوجة. فهي ترى أن الزواج يستنزف المرأة. وحاولت عبر الرسائل أن تستميل جليبرت الى رأيها هذا، لكن سوزان جليبرت حسمت أمرها وأعدَّت نفسها لتكون زوجة تقليدية تربي أطفالها وتهتم بزوجها المحامي الشاب. 

مع تذبذب العلاقة بين ديكنسون وجليبرت، كان هناك جوانب أخرى في حياة ديكنسون، فقدت شهدت خمسينيات القرن التاسع عشر تحولا في صداقاتها، وبدأ اصدقاؤها بالزواج وتأسيس أسرهم الخاصة، مما جعلها وحيدة، لذلك سعت للحصول على أصدقاء جدد. فوجدت ضالتها في الكتب، ألهمتها الكتب أفكارا كثيرة، ومادة مهمة ساهمت في تكوينها كاتبةً. قرأت ديكنسون، إضافة للكتب المنهجية في دراستها والكتب التي فرضها عليها والدها، أعمالَ الكتاب المعاصرين على جانبي الأطلسي [أوروبا وأمريكا الشمالية]. 

فمن بين البريطانيين قرأت للشعراء الرومانسيين، والأخوات برونتي، وبراونينغ، وجورج إليوت. وعلى الجانب الأمريكي قرأت لونجفيلو، وثورو، وإيمرسون. وادَّعت أنها لم تقرأ لوالت ويتمان. وقرأت لتوماس كاريل، وتشارلز داروين، وماثيو أرنولد. منح معاصرو ديكنسون نوعا من التداول لكتاباتها، فقد كانت ديكنسون تراسل الكثير من الشخصيات، وفي رسائلها العديد من الإشارات التي تعبَّر عن مدى الوضوح في عباراتها مع الاخرين. ومن ضمن هذه الشخصيات التي راسلتها ثمة شخصيتان أدبيتان هما صموئيل بولز ( Samuel bowles) وجوديا هولاند. عمل صموئيل بولز محررا أدبيا، وديكنسون ترسل إليه قصائدها لنشرها، من خلال الاطلاع على الرسائل، يظهر أن اللغة العاطفية تشبه اللغة الموجودة في رسائلها الى سوزان. واعترفت في إحدى الرسائل بحبها لصموئيل، إلا إنه، عبر عن حبه وتمسكه بزوجته ماري.  

انتقلت ديكنسون مع عائلتها الى واشنطن في 1853، لأنَّ أباها كان عضوا في الكونغرس، وفي 1855 لم يُعد انتخاب والدها إدوارد ديكنسون، لذلك تحول اهتمامه إلى مقر إقامته في أمهرست، وأقفل راجعًا إلى عمله في المجال القانوني، عادت العائلة كلها إلى المنزل الذي ولدت فيه ديكنسون، وقضت فيه أول عشر سنوات من حياتها. أصبح البيت عالمها، وتتواصل مع الخارج بواسطة مئات الرسائل والقصائد. لم تتوقف عن الكتابة، تحديدا أثناء عزلتها إذ إنها بعد سنّ الثلاثين قرّرت عدم الخروج من البيت، وظلّت تطلّ على العالم من خلال شرفة غرفتها؛ العالم الذي يتمثّل في الجيران، وقافلة السيرك التي تمرّ مرّة واحدة في السنة، وبعض الفلاحين الذين يحملون المحصول، والنحل، والحديقة، وتفاصيل بسيطة أخرى. لم تتزوج ديكنسون قط، غير أنها كانت مغرمةً دائما بأساتذتها، كما أغرمت بكاهن البلدة وأقامت علاقة سرية معه.


سنوات صعبة


تزوج أوستين وسوزان جيلبرت عام 1856، وكانت السنوات التي تلت زواج سوزان شديدة الصعوبة على ديكنسون وتعكس رسائلها مركزية الصداقة في حياتها، فكتبت في إحدى رسائلها لصمويل بولز في 1858: "أصدقائي هم ثروتي، إذًا، اُعذرني على جشع اكتنازها". وشهدت هذه المرحلة من حياتها خسائر كبيرة في هذه "الثروة" فقد اختطف الموت أول أستاذ لها وهو ليونارد همفري. وثمة خسائر أخرى نتيجة لزواج بعض صديقاتها وابتعادهن عن أمهرست. وتوفيت والدة أبناء عمها، فكانت تواسيهم وتخفف عنهم فقدهم، فقد سعت كلماتها الى تحقيق المستحيل، وعلقت قائلة "الأرواح المنفصلة لا يمكن شفائها". وكتبت في رسائلها عن الانفصال وعرضت صورا للحفاظ على الأرواح معا. تحول أسلوبها في الكتابة على نحوٍ متزايدٍ الى الأسلوب الغامض، فامتازت كتاباتها  بكثرة الأقوال المأثورة والتلميحات، فهي تطلب من القارئ أن يربط بين العبارات لتلخيص السياق الذي تمت الاشارة إليه، ومعرفة المعنى الكلي من خلال الأجزاء الصغيرة. 

تُذكِّر ديكنسون عبر رسائلها مَن تُراسلهم إلى أن عوالمهم المكسورة ليست سوى فوضى من الشظايا، وخلف الأجزاء الظاهرية من تصريحاتها القصيرة تكمن الدعوة لتذكير العالم الذي يشترك فيه كل مراسل بمعرفة معينة. وفي الوقت الذي كانت ديكنسون تهتم بالصداقة، حدَّتْ من الوقت اليومي الذي تقضيه مع الآخرين، وبحلول 1858 أصبحت ديكنسون قليلة الخروج، ولا تلتقي سوى القليل من الناس، ولقبت بالمعتزلة والناسكة. 

شرعت ديكنسون في عام 1858 بتنظيم قصائدها في ملفات خاصة. وفي عام 1860 كتبت ديكنسون أكثر من 150 قصيدة، وفي الوقت ذاته راسلت الكثير من الشخصيات، وساعدتها الرسائل مطورةً من أسلوبها في الكتابة، أي أنها تمرينٌ مهمٌ لها. 

تحمل القصائد التي يعود تاريخها إلى عام 1858 النمطَ القياسي للترنيمة (النشيد)، واستخدمت ديكنسون العديد من الأوزان الشعرية السائدة في التراتيل وخصوصا البحر الرباعي (أربعة أزواج من المقاطع في البيت الواحد يكون المقطع الثاني في كل منها مشدَّدا أو منبورا) كما استخدمت بكثرة ما يعرف بالقافية الشاذة (off-rhymes) ومثال على ذلك تقفية كلمة (ocean) مع كلمة (noon) أو كلمة (seam) مع كلمة (swim). وكان لديكنسون طريقة مدهشة في استخدام اللغة اليومية العادية وهي طريقة تدعى التأليف -أي جعل الشيء مألوفا، من شأنها حسب قولها أن "تستخلص إحساسا عجيبا من معانٍ عادية". شهدت أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر بداية أعظم حقبة شعرية لديكنسون، وكتبت بحلول عام 1865 ما يقارب (1100) قصيدة. 

رافق كتابة هذه القصائد الضغوطات التي تعرضت لها نتيجة لابتعاد سوزان وزواجها. ومن ناحية أخرى فقد عانت من بصرها (اعتقد الباحثون المعاصرون أن ديكنسون عانت من الحمى الروماتيزمية- التهاب مؤلم في القزحية، مما أجبرها على تجنب أي نوع من الضوء) وهذا كان أحد أسباب عزلتها. شهدت السنوات بين هاتين الصعوبتين، انفجارا في التعبير في كل من القصائد والرسائل، وتميزت كتاباتها بالتحرر من القيود. 

نشرت خلال حياتها القليل جدا من قصائدها، رغم ذلك، انتشرت قصائدها على نطاق واسع بين أصدقائها، وكانت تقرأ القصائد للضيوف. وأرسلت قصائد لجميع مراسليها الصحفيين. 

راسلت ديكنسون توماس هيغسون (1823-1911)، الذي كان واحدا من المناضلين لإلغاء العبودية في أمريكا ومساندا لحقوق المرأة، وفي الحرب الأهلية الأمريكية كان عقيدا في كارولاينا الجنوبية، في أوّل كتيبة مكوّنة من جنود من أصول إفريقية، كما تمتّع بسلطة كبيرة في الأوساط الثقافية آنذاك. بعد سنوات من المراسلات الطويلة مع إيميلي ديكنسون التي كانت تختم رسائلها بعبارة: تلميذتكَ، قرّر هيغنسون -بدافع الفضول- السفر للقائها؛ اللقاء الذي قال بعده: إنها امرأة قبيحة غير أن كلامها عن الشِّعر يفرِّغ الإنسان من طاقته العصبية.

كتبت ديكنسون لهيغنسون عام 1862 "عملي هو المحيط" العبارة التي أشارت إلى نهايتين عزز كلاهما التوسع الذي تصورته لعملها. وكتبت إلى هولاند أيضا "عملي هو أن أحب، عملي هو أن أغنِّي" فهي تستحضر في جميع تلك العبارات الصيغَ الموجهة بلا حدود، في الترنيمة يمتد الصوت عبر الفضاء، ولا تستطيع الأذن أن تقيس أنغامه المشتتة، فالحب مثالي شرط لا نهاية له وكذلك المحيط. الصورة التي عادت إليها ديكنسون عدة مرات في شعرها، وتشير إلى عدم وجود حدود، فحين يذهب الأفراد وفقا لشروط ديكنسون إلى المحيط فإنهم يقفون على حافة مساحة غير محدودة. ويكمن المفتاح في قصائدها في الكلمة الصغيرة، من خلال تلك الكلمة يُفهم المعنى. فشعرها مشحون بالإيماءات والدلالات المختلفة، ولكتابتها خاصيتان تميزها عن الكُتّاب الآخرين، وهي الكتابة بحروف استهلالية، واستخدام الشرطات في جميع قصائدها، كما تتَّسمُ بالغموض وشدة الحساسية، وغالبا ما تكون قصائدها تعاريف، مثلا استخدام كلمة الأمل في قولها: "الأمل هو الشيء المكسو بالريش". تستهلُّ إيميلي ديكنسون قصيدتها بصورة مجازية عن الأمل، إذ تشبهه بالطائر، واصفة إيَّاه بـ “الشيء”، كأنَّما تعرّفه تعريفاً معجمياً، لتحدثنا فيما بعدُ عمَّا يميز هذا الشيء، وهو الريش الذي يمنحه القدرة على الطيران، فيحلّق عالياً ثم يأوي إلى أرواحنا، حيث الروح مَجثَمُ الأمل، كما العشُّ مَجثَمُ الطائر. "التخلي هو فضيلة ثاقبة" لا ينفصل التعريف الديكنسونيّ عن الاستعارة، ودائما ما تعبر الجملة التي تقولها عن المقابلة بين المكتوب والمقصود. 

توفيت ديكنسون ديكنسون في الخامس عشر من أيار/ مايو 1886 إثر أصابتها بالفشل الكلوي، عثر أفراد عائلتها بعد وفاتها على الرزم التي تضم 1700 قصيدة لها. 


المصدر: Poetry Foundation

ترجمة: عباس الحساني. 


الجمعة، 4 يونيو 2021

سابع أيام الخلق - عبد الخالق الركابي.

مؤمن الوزان.


سابع أيام الخلق إحدى الروائع الأدبية العربية للروائي العراقي عبد الخالق الركابي، وهي الرواية الثالثة التي سبقتها روايتا الراووق وقبل أن يحلق الباشق، وتعد روايته سابع أيام الخلق واحدة من أفضل عشرين رواية عربية في القرن العشرين من قبل الاتحاد العام للكتاب العرب في دمشق، فضلا عن كونها من أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين -مرتبة ٧١- في القائمة التي نشرها الاتحاد العام للكتاب العرب في الرابع عشر من كانون الثاني يناير سنة ٢٠٠٠م. ولن أُبالغ بقولي إن هذه الرواية تحفة فنية ومن الروائع الأدبية العالمية سواء في سردها أو بُنيتها أو التركيب الزمني أو موضوعها المتداخل ما بين الماضي والحاضر وضربها على الوتر الحساس سواء في الجانب السياسي أو التاريخي أو التراثي أو الديني أو الاجتماعي، فضلا عن ذلك فإن ما طُرِحَ في أحداث (سير الراوية) أو (مخطوط الراووق) فيه من الرمزية والتورية ما جعل الكاتب يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، مُثبتًا في هذا الجهدَ الذي بذله في كتابة وهندسة هذا العمل بإتقانٍ تام، إذ لملم أطراف روايته بمساريها بدقةٍ ولم تفته شاردة أو واردة، وكانت حواراته رغم جديتها مُطعمةً بذلك النفس الهزلي المازح الذي إن لم يُضحك الشخصيات فهو معد لإضحاك القارئ. وكذا الحال مع الأساليب الروائية لعصر ما بعد الحداثة حيث تعدد مستويات السرد وتعدد الساردين ولقاء الكاتب والشخصيات، بل ووعي الشخصيات بأدوراها، ولا يقتصر الأمر هنا فالرواية بالرغم من كشف بعض أسرارها ظاهريا فقد بقيت محتفظة بباقي الأسرار فما يُكشف لا يعدو أن يكون جزءا من كل سواء ما بقي مع السيد نور ومخطوط الراووق أو ما حمله معهم القيّمون على مزار السيد نور ولا سيما آخرهم ذاكر القيّم أو ما بقي في ذاكرة شبيب طاهر الغياث وأخذه معه وهو يودّع هذا العالم لا سيما وهو شخص شخصية مهم/ة في نشوء المخطوط وتطوره وكشف أسراره وفي سير الرواية وظهورها بهذا الشكل الذي يجد القرّاء أنفسهم أمامه. 


يمكن أن نقدم الرواية عبر جزئين اثنين الأول: الرواية/ سيرة رواية (سابع أيام الخلق) والآخر: مخطط الراووق. وجمع هذان الجزءان في ترتيب فصول الرواية عبر ترتيب لا يخرج من دائرة الصوفية والعرفانية والكشف، إذ يُقسم إلى سبعة كتب يحوي كل منها على سِفر و جزء من سيرة مخطوط الراووق خلا سِفر النون، والأسفار هي: سِفر ألف واللام والراء والحاء والميم والألف المحذوفة والنون والتي تشكل لفظ الجلالة الرحمٰن، وأجزاء المخطوط هي إشراق الأسماء وكتاب الإنيّة وإشراق الصفات وكتاب الهوية وإشراق الذات وكتاب الأحدية.



الرواية/ سيرة رواية: الرواية تمضي في مسارين الأول، وهو الذي يبحث فيه الراوي/ الشخصية (دور مزدوج) في/ عن مخطوط الراقووق الذي يمثل مادة روايته وينتهي بكشف كل ما يحتاج إليه لمعرفة مخطوط الراووق كاملا ثم إكمال روايته، وفي رحلة بحثه هذه يلتقي بعدة أشخاص/ شخصيات (دور مزدوج) ليساعدوه في إتمام عمله، ويتجلى أهمية هذا المسار، في عدة نقاط، منها كونه رواية وبذات الوقت يمثل سيرة الراوية وكيفية كتابتها وما واجهه الكاتب من مشاكل وعراقيل وكيف استطاع التغلب عليها، إذ الراوي يعرض نفسه وروايته في داخل الرواية، والثانية هي اللقاء بين الراوي وأشخاص  في حياته ستتحول إلى شخصيات في روايته مثل بدر وشبيب والشاعر وورقاء، وما يميز هذه النقطة هو التداخل ما بين زمني الراوية والواقع، واللذان هما في الأصل خياليين، إضافة إلى وعي الأشخاص أنهم سيكونون شخصيات روائية بل ويكون لهم دور في اختيار أسمائهم مثل شبيب طاهر بعد أن كان اسمه ثبيج لازم، هذا التداخل الواقعي والزمني وما بين الخيالي والواقعي والتفاعل بين الشخصيات، من السمات التي ميزت الرواية كونها مثالا واضحا وجليا عن سمات رواية ما بعد الحداثة، فالتقنيات التي استخدمها وحتى اخترعها الروائي بجعل شخصياته ومن ضمنهم الراوي نفسه في عالم رواية ثوري يستحق الدرس والقراءة والتحليل. وهذا المسار لا يكتمل من دون:


مخطوط الراووق: هذا المخطوط هو لب العمل والمحور الذي تدور حوله كل الرواية وشخصياتها ومسارها الأول، إذ يعد مخطوط الراووق هو البداية التاريخية لمدينة الأسلاف (مدينة الراوي) حيث السيرة المطلقية، وما حوته من من أقسام تكفّل الرواة بروايتها وقيّمو مزار السيد نور بالمحافظة على مخطوطها الأصلي الذي كتبه السيد نور والإضافة عليه فيما بعد، تنقسم السيرة المطلقية إلى أربعة أقسام:

١- القسم الأول من الخطوط هو ما يرويه عبد الله البصير. ولا يصل هذا القسم إلى الراوي إلا بعد أن يمر بسلسلة من الرواة الشفويين والكتابيين وهم تنازليا شبيب طاهر (كتابي) عن ذاكر  القيم (كتابي) عن قيمي المزار "مجهولون" (كتابي) عن السيد نور (كتابي) عن عذيب العاشق (شفوي/ سماعي) عن مدلول اليتيم (شفوي/ سماعي) عن عبد الله البصير (شفوي/ سماعي). 

هكذا يصل القسم الأول من المخطوط عبر سلسلة من الرواة أولهم شفويا عبد الله البصير وآخرهم الراوي، إذ أصبح الراوي هو آخر حلقات الرواة بالرغم من البعد الزمني بينه والراوي الأول (الشفوي أو الكتابي) ليكون نص الرواية هو نصل مكمل/ تام للمخطوط الذي ذاعت أخباره في أبناء مدينة الأسلاف حتى عرفوها. 

القسم الأول من المخطوط هو عن السيرة المطلقية، والخلاف ما بين مطلق والسيد نور. وزمن أحداث في مدة ماضية لم تُوضح بدقة لكن الأحداث تُثبت أنها إبان السيطرة العثمانية في جنوب العراق. 


٢- القسم الثاني من المخطوط هو ما يرويه مدلول اليتيم، بعد أن يستلم مهنة الرواية من معلمه عبد الله البصير، ويصل هذا القسم إلى رواي الرواية عبر السلسلة السابقة نفسها من الرواة ابتداء بمدلول اليتيم، ويروي في هذا القسم الثاني قصةَ ابن طارش وحبه لفتنة ابنة المعيدي ذياب. 


٣- القسم الثالث من المخطوط، وهو الذي يرويه عذيب العاشق ويصل إلى الراوي عبر السلسلة السابقة نفسها ابتداءً بعذيب العاشق،  وفيه يروي عن حياة أبناء مطلق السبعة وكيف سعى الأخوة الخمسة في تزويج ابن مطلق الثاني، جناح، وانتهى الأمر بزواج الجميع خلا نايف الابن الأصغر. 


بهذه الأقسام الثلاثة للسيرة المطلقية، يصبح لدى الجميع قصة معروفة عن السيرة المطلقية لشيخ عشيرة البواشق، لكن تعترضها عدة مشاكل أولها هو اختفاء القسم الرابع المحظور والذي يعرف بدكة المدفع، وثانيها هو كيفية الربط بين:

١- السيد نور هو معاصر لمطلق وأبنائه وأول من دوّن السيرة المطلقية كاملة و

٢- الرواة الثلاثة (عبد الله البصير ومدلول اليتيم وعذيب العاشق)، تروي الأقسام الأولى أن السيد نور هو من سمع عنهم. فكيف يكون أول كاتب ومعاصر للسيرة قد سمعها من رواة أخذوا السيرة من مخطوط السيد نور؟ هذا السؤال الذي حاول الإجابة عنه عدة شخصيات تمثلوا في الرواي وبدر ومحقق المخطوط شبيب طاهر الغياث، وساعدهم في الوصول إلى الربط كتابات ذاكر القيّم. 


٤- القسم الرابع من المخطوط، وهو ما يرويه السيد نور ويصل إلى الراوي عبر السلسلة السابقة نفسها ابتداءً بالسيد نور، وفي هذا القسم الختامي يتحدث فيه السيد نور عن دكة المدفع والمواجهة ما بين مطلق وبعض أبنائه لقوات الدرك التي انتهت بمأساوية. 


وبمعرفة القسم الرابع المحظور الذي سعى واجتهد الرواي وبدر في الحصول عليه، تكتمل السيرة المطلقية، والتي تخلل هذه الأقسام الأربعة قسمان مهمان تمثلا بقسم يرويه طاهر شبيب وعمله في تحقيق المخطوط الذي انتهى بحصوله على أوراق ثمانٍ بخط ذاكر القيم يرويها بنفسه عن المخطوط. 


هذا التنويع والتوزيع للمخطوط وتعدد رواتها ونصوصها الذين وصولوا مع رواية سابع أيام الخلق وراويها إلى سبعة نصوص وسبعة رواة، أعطى للرواية بعدا تحقيقيا بحثيا، زاد الفعالية وتألق هذا العمل، كُتبت فيه عشرات الدراسات والبحوث والمقالات النقدية من أبرزها ما كتبته الدكتور عبد الله إبراهيم في كتابه السردية العربية الحديثة الجزء الثاني، وفي موسوعة السرد العربي الجزء الخامس. 


الثلاثاء، 1 يونيو 2021

مَلامِحُ الزَّوَالِ عندَ الشاعرِ الرُّوسِيِّ «سِرغي يَسنِين» "الحائر في تسمية معاناته"



*موزة عبدالله العبدولي
 


ولد الشاعر الروسي سرغي يَسنِين (Sergei Yesenin" (1895 - 1925" المُكنَّى بـ"شاعر الريف الحزين"، وترعرع في قرية كونستانينوفو الريفية، في أحضان عائلة تمتهن الفلاحة. تعلم في مدرسة ريفية، ثمَّ انتقل إلى موسكو عام 1912م حيث كان يساعد أباه الذي يعمل في مخزن، لكنه لم يحتمل طبيعة العمل الرتيبة فتخاصم مع أبيه وعاد إلى القرية، وبعد عام عاد إلى موسكو ليعمل مُصحِّحاً في مطبعة، لكنه أيضاً لم يمكث طويلاً، وبعد هذه المحاولات الوظيفية القاتلة، عكف الشاعر على كتابة الشعر ومحاولة نشره في المجلات، وازداد احتكاكه بحلقة الشعراء وهواة الموسيقى، وقد كانت صلته مع الشاعر الروسي (ألكسندر بلوك) هي البوابة التي قرَّبته إلى الأدباء والشعراء الروس في العاصمة.

  بدأ الشاعر مسيرته الشعرية في سن مبكرة حين كان في التاسعة من عمره، لكن محاولاته الجديَّة كانت في عامه السادس عشر، وقد أصدر مجموعته الشعرية الأولى عام 1916م بعنوان (رادونيتسا)، الذي يعني في الموروث الديني السلافي عيداً طقسيَّاً تقام فيه صلاة الغائب على الموتى[1]، ودارت موضوعات القصائد حول الحياة الفلاحية والمعتقدات الدينية. في عام 1917م اندلعت ثورة أكتوبر وقد كان الشاعر حينها في العشرين من عمره وعضواً في الحزب الاشتراكي الثوري، وقد أخذته الحماسة في كتابة مطولات شعرية ثورية بنبرة رمزية مسيحية، وقد كانت هذه الثورة ترى أن المستقبل الروسي هو بيد الفلاحين الذي سيجعلون الأرض الروسية جنة من العيش الرغيد، لكن فشل هذه الثورة وخيبة الأماني جعلت في نفس الشاعر معاناة عميقة [2]. والحياة القصيرة التي عاشها يَسنِين مليئة بالأحداث الدرامية، فقد عاصر ثورتين وحرباً عالمية حصدت الملايين من الأرواح البريئة وجلبت المآسي لمن بقي على قيد الحياة، وفي ظل هذه الأحداث العارمة كتب الشاعر ملحمتين "روسيا تمتد" و"روسيا السوفيتية"، ولم يستطع الشاعر أن يجتاز وعيه القروي حتى النهاية [3]، وقد قال في تجربته في كتابة الشعر الثوري: "(إني كشاعر رومانتيكي لا أستطيع أن ألتحق بركب الشعر الثوري لكن روحي ترفرف في طريقه كفلاحٍ مسكين)".[4]

    كان للشاعر حياة مليئة بالتخبُّطات الفكريَّة والعاطفية، إذ كانت له زيجاته كثيرة ما تلبث أن تنفك، فقد تزوَّج حفيدة الأديب ليف تولستوي (صوفيا)، وإحدى زيجاته الأخرى كانت مع راقصة الباليه الأميركية (إيزادورا) التي قضى معها مدة من الزمن ولكن زواجهما لم يستمر طويلاً. في حين عُرف الشاعر بإدمانه على الكحوليات وكثرة ترداده على الحانات، فهُوَّة أساه تزداد اتساعاً بتقدَّم الأيام به. ولعلَّ أكثر ما يرتبط باسم الشاعر هي حادثة انتحاره، التي تناقلتها أغلب الأخبار؛ إذ أنهى الشاعر حياته بالانتحار شنقاً في غرفة فندقه بسان بطرسبورغ -كان في الثلاثين من عمره- وهذا ما تبنَّته السلطات السوفيتية أيضاً، لكن الجدير بالذكر أن هناك محاولة تحقيق تنفي ذلك، وهي لباحث اسمه (إدوارد خليسطالوف) الذي حصل على جائزة الدولة التقديرية على تحقيق مبنيّ على أقوال وأدلّة قدّمها شهود، كان لهم صلة بالتحقيقات التي أجريت حول موت يَسنِين، يؤكد فيه أن الشاعر قُتِل عمداً ولم ينتحر.[5]

   نظراً لطبيعة تقلُّبات حياته، والظروف التي مرَّ بها، يُلحظ في شعره نزعة واضحة تتسم بخيبة الأمل ومرارة الخذلان، وهي في المقابل تعبِّر عن فكرة زوال الأشياء وتلاشيها، فنجده يقول مخاطباً أمه في قصيدة (رسالة إلى أمي): "لا توقظي الأحلام المتلاشية/ لا تثيري تلك الأماني الخائبة،/ قُدِّر عليَّ أن أعاني في الحياة/ من الضياع والنَّصبِ المبكرين للغاية"[6]. إذًا ستحاول هذه المقالة استقراء ملمح الزوال وتجليَّاته من خلال ثلاث قصائد مختارة، والتي سنتناولها حسب تسلسلها التاريخي لنتابع تطور هاجس الزوال عبر توالي السنين.

نبدأ بقصيدة كتبها الشاعر بين عامي 1915 – 1916م، يُظهر فيها سخطه على الواقع، ورغبته بالهروب إلى حياة التشرُّد، فلا مسكن، ولا قلب يأويه، ولا حتَّى موت يحفظ له كرامته:

"أضناني العيش في بلدتي
كئيباً بين حقول الحنطة السوداء،
سأترك كوخي
وأمضي كجوَّال ولص.

أسيرُ في وضح النهار
باحثاً عن مأوى للمساكين.
وصديقي الحبيب يشحذ
سكيناً لأضعها في الجزمة عند ساقي.

الدرب الأصفر يغمره
الربيع وشمس المرج،
وتلك التي أصون اسمها
تطردني من عتبة الباب."[7]

إذا ما تتبعنا صورة التحوُّلات التي بدأت برفض الواقع، والبحث عن حل غير مضمون يقع في التخلي المؤدي إلى عدم الاستقرار، نستطيع أن نرى أن ملمح الزوال هنا يكمن في زوال الراحة والأمان، فلا كوخ بلدته خيار مرجَّح، ولا قلب الحب يقبله عند بابه، إذ إنَّ تبرير كآباته هو قلق الترحال، في حين تظهر علامات الشك والتحذّر بزوال الأمنِ؛ في السكين الذي يشحذها صديقه، استعداداً لحياة الجوَّال المفتوحة على الهجمات والمَخاطر غير المتوقعة، يقول مُكملاً:

"وأعود ثانيةً إلى بيت أبي
متعللاً بفرح غريب،
في مساءٍ أخضر وتحت الشرفة
سأشنق نفسي بكُمِّي.

الصفصاف الأشيب عند السياج
سيحني هامته برقة أكبر،
يدفنوني على نباح الكلاب
بلا استحمام.

والبدر يعوم ويعوم،
قاذفاً المجاذيف على البحيرات،
وتحيا روسيا على النمط ذاته،
ترقص وتبكي عند السياج."[8]

   تتجلَّى هنا ملامح زوال رغبة الحياة، وزوال الجسد؛ فهو يتخيَّل مشهد نهايته الانتحاريَّة، وموته الذليل المقرون بنباح الكلاب ونجاسة البدن، ونجدها صورة مكمِّلة لمشهد المتشرِّد الجوَّال الذي تخيَّل رحلته الشقيَّة ونهايته السوداوية، إذ يتوق إلى الغياب عن الحياة التي لا تتحسن بتقدم الأيام وتجدد الليالي، لأنَّ أحوال روسيا البائسة على حالها لا تتغيَّر. وهروبه -التخيليِّ- الأول نحو حياة مفتوحة الآفاق، ورحلة خفيفة المتاع، لن تأخذه إلَّا إلى نهاية مأساويَّة تتأكَّد من خلالها فلسفته في زوال الأشياء وفناء الجسد وتلاشي الأمل.

وفي قصيدة أخرى نظمها عام 1922م، تتجلَّى فيها بوضوح أشكال الزوال، يقول:

"لا آسف، لا أنادي، لا أبكي،
كلُّ شيءٍ سيزول كدخان أشجار التفاح.
ذبول الذهب يلفُّني،
لن أكون شاباً بعد الآن.

الفؤاد مسَّه البرد
ولن ينبض الآن كما كان،
وبلاد أطمارها شجرة البتولا
لا تُغري على التطواف مشياً.

أيتها الروح المتجوِّلة إنَّكِ نادراً، نادراً
ما تُحركين شُعلة الشفاه.
أوَّاه يا نضارتي الضائعة،
ويا وهَج العيون ويا فيضَ العواطف
الآن بتُّ أكثر ضنَّاً بأمانيَّ،
أهذه حياتي؟ أم طيفٌ تراءى لي؟
كأنِّي مع همهمةِ الربيع الباكرة.
أثِبُ على جوادٍ ورديّ.

كلُّنا، كلُّنا إلى الفناء في هذا العامل،
القطراتُ تسيل من أوراق القيقبِ بهدوء..
كن مباركاً إلى الأبد،
لأنَّك تفتحتَ ومُتَّ."[9]

     يبدأ المقطع بتصريح عدم أسفه على بؤس الحال لأنَّ كلَّ الأشياء آيلة للزوال، وهو اعتراف وتسليم لسيرورة الأشياء، فيظهر في أول مقطعين ملمح زوال الشباب (لن أكون شاباً بعد الآن) وزوال وهج الحب والعواطف (لن ينبض الآن كما كان)، مع تلاشي رغبة العيش والتجوال في بلدٍ خربة. في حين يظهر الزوال في بقية المقاطع بملامح متداخلة، فالزوال أحياناً يظهر في خفوت قدرته على التعبير (نادراً ما تُحركين شعلة الشفاه)، وفي زوال الأمل (بتُّ أكثر ضنَّاً بأمانيَّ)، وزوال قيمة الحياة (أهذه حياتي؟ أما طيفٌ..)، فهذا الكيان الإنسانيُّ الذي يتهاوى؛ يفقد نضارته ووهجه الفيَّاض، ويخفُت إقباله على المُتَع، وحتَّى الأمنيات تعيى أمام حياة رقراقة كالخيال والوهم. وهو يختم القصيدة بتأكيد فكرة الفناء التي تطال الأشياء، إذ إنَّ كلَّ تفتحٍ وازدهار يعقبه انتهاء. وهي قصيدة يتكثَّف فيها معنى الزوال، لأنَّه في كلِّ مقطع يقف أمام مَلمح زائل ويتحسَّر على فواتهِ وانتهائه.

   وفي قصيدته الثالثة التي كتبها عام 1923م، يخاطب فيها امرأة، واصفاً لها تعاسته ومعاناته، والتي من خلالها سنحاول تتبع ملامح الزوال التي واكبت مسيرة تحوُّلاته:


"لا تعذبيني بفتوركِ،
ولا تسألي كم عاماً عمري
أُصبتُ بمرض مرير
وباتت روحي كهيكل أصفر.

مضى وقت، عندما كنت في الضيعة
أحلم بطفولة في السديم،
بأني سأمسي ثرياً ومشهوراً
ويحبني الجميع.

أجل! ثري أنا، ثري بإفراط.
كان عندي قبعة، وراحت الآن.
وبقي قميص واحد حسب
وحذاء حديث بالٍ.

وليست شهرتي أسوأ حالاً-
من موسكو إلى رعاع باريس
يوحي اسمي بالرعب،
مثل شتائم بذيئة عالية."[10]

     تتجلَّى مع بداية المقطع ملامح زوال الشباب والصحة الجسدية والنفسية، فالمرض أعيى جسده، وروحه صارت هيكلاً أصفرَ، لينتقل بعدها لوصف خسارته الأخرى المتمركزة حول زوال المال، فالطفل الذي حلم أن يكون ثرياً يجرحه الحلم وهو بقبعة مفقودة وقميص وحيد وحذاء بالٍ، ويضيف على ذلك زوال السمعة الجيدة، إذ إنَّ اسمه صار كالشتيمة "فقد شكَّلت حول اسمه الشعري جماعة كبيرة من الصبية وفتيات الحانات الذين انتحلوا اسمه (يَسنِين) كظاهرة ينطلقون بها من حانة إلى أخرى، هؤلاء هم (اليسنينيون) الزائفون"[11] أو (رعاع باريس) كما يسميهم، فهم قد أصبغوا على اسمه دلالةً تثير الرهبة وتحاكي الشتيمة، فزالت الراحة وتشوَّهت السمعة وصارت أيامه مُثقلة بالمضايقات والهواجس والقلق. يقول مُكملاً سلسلة الزوال:

"والحب أوليس ضرباً من اللهو؟
أنت تلثم، بينما الشفاه كالصفيح.
أعلم أن شعوري قد أينع
بينما لا يُمكن لشعوركِ أن يورق.

ما زال الوقت مبكراً كي أحزن
لكنَّ الأسى ليس رزءاً
القاقلي[12] اليانع يصخب، وهو
أشقر من جدائلك فوق الربوة.

أود العودة مرة أخرى إلى تلك الأماكن.
كي أغرق إلى الأبد في المجهول.
تحت صخب القاقلي اليانع
وأحلم بطفولة في السديم.

على أن أحلم بشيء آخر جديد،
متعذر إدراكه على الأرض وأعشاب القاقلي-
فلا الكلمة تعبر عن مكنون الفؤاد
والمرء يحار في تسمية معاناته."[13]

    تظهر ملامح الزوال في بقية المقاطع في شكلين: في زوال الحب وزوال الحلم، فهذا الحب الذي لم يورق ولم يبدِ أي تفاعل مأمول كان مصيره الفتور (الشفاه كالصفيح/ لا يمكن لشعوركِ أن يورق)، في حين حتى الأحلام تتلاشى أمام صعوبة التعبير وحيرة الفؤاد. ونلحظ أن صورة الطفولة وأحلامها البريئة تظهر وتخبو، فهي تجيء في سياق التحسُّر على الحاضر البائس والماضي المتلاشي، لذا نستطيع عدَّ انقضاء مرحلة الطفولة هو جرح الزوال الأول.

وخلاصة ملامح الزوال عند الشاعر سرغي يَسنِين، أنَّها نزعة مرتبطة بطبيعة حياته المتغيِّرة، وخيباته المتتالية، فكلُّ الأشياء تتغيَّر وتشيخ وتذبل، لأنَّه لا يرى العالم سوى كيانٍ يتهاوى، في حين إنَّ الماضي والحاضر والمستقبل متصلين بسيرورة الحياة الآيلة للفناء، وكلُّ هذه الرؤى ما هي إلا نظرة غارقة في السوداويَّة نحو الذات والوجود؛ فصورة الزوال تبدأ بزوال الأحلام والآمال ووهج الحب، وتلاشي الماضي الجميل وذكرياته، يليه زوال الأمن والاستقرار في حياة متقلِّبة الأحوال، وصولاً إلى محطة العدم الأخيرة المتمثِّلة في زوال الحياة وفناء الجسد.



[1] من الأدب العالمي: يسينين قصائد مختارة، رمزي العقراوي، مقالة منشورة إلكترونياً، تاريخ النشر: 5\9\2014م: https://elmashadarabe.blogspot.com/2014/09/blog-post_78.html

[2] النضال ضد عبادة الماضي: الاتجاهات الطليعية الروسية (1910 – 1930)، إعداد وترجمة: عبد القادر الجنابي، المركز القومي للترجمة، ط1، 2015م، ص313.

[3] ديوان الغائبين: سيرغي يسينين Sergej Aleksandrovic Esenin - روسيا - 1895 – 1925، ترجمة: فؤاد العلوش، مقالة منشورة في موقع الأنطولوجيا، تاريخ النشر: 29\11\2017م: http://alantologia.com/blogs/5125/

[4] من الأدب العالمي: يسينين قصائد مختارة، رمزي العقراوي، مرجع سابق. 

[5]  يُنظر: أربع قصائد سيرغي يسينِن، ترجمة: نوفل نيوف، موقع مجلة نزوى، تاريخ النشر: 5\2\2019م: https://www.nizwa.com/%D8%A3%D8%B1%D8%A8%D8%B9-%D9%82%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%BA%D9%8A-%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%90%D9%861/

[6]  من ديوان الشعر الروسي، ترجمة وتقديم: حياة شرارة، دار المدى، بغداد، ط2، 2017م، ص472.

[7] المرجع السابق، ص492.

[8] المرجع السابق، ص493.

[9] المرجع السابق، ص489 و490.

[10] المرجع السابق، ص514 و515.

[11] من الأدب العالمي: يسينين قصائد مختارة، رمزي العقراوي، مرجع سابق. 

[12] القاقلي: أعشاب بريَّة ذات أزهار صفراء.

[13] من ديوان الشعر الروسي، مرجع سابق، ص515 و516.


افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب