المشاركات الشائعة

الخميس، 20 يونيو 2019

بجعات برية - يونغ تشانغ.


الصدمة، الدهشة، والذهول ثلاث حالات طبعت نفسيتي وأنا أقرأ هذا الكتاب ولسان حالي يقول: هل أجرؤ على التذمر بعد كل هذه المعاناة التي أقرأ عنها؟ لم تكن بجعات برية شهادة حية فقط بل كانت أيضا صرخة وتنبيه لكل العالم، فهي دراما لا تشاهد على شاشة التلفاز نبكي عليها قليلا وننساها بعد حين، بجعات برية ستعيش بداخلي ولفترة طويلة وطويلة جدا.
يحكي الكتاب عن تاريخ الصين في العصر الحديث من بداية القرن العشرين إلى نهاية الثمانينات حين قررت الكاتبة أن ذكرياتها قد عتقت واختمرت وأنها لن تستطيع أن تتحمل عبئها لوحدها بعد الآن فكتبت بجعات برية لتحملنا بعضا من الألم الافتراضي، يحكي عن ثلاث نساء يمثلن نساء الصين عبر ثلاث أجيال من الجدة التي فتحت لنا أبواب الصين الفيودالية التى يحكمها أسياد الحرب وتقاليد بالية ترى جمال المرأة في قدمين مشوهين تعيش الجدة جارية لأحد قادة الحرب بعد أن باعها أبوها القاسي دون رحمة تحت نظام الجواري وسيدات المنزل لتتمرد في النهاية وتختار طبيبا تكمل معه حياتها مع ابنتها التي نكمل معها مسيرة التاريخ والتي عاشت في ظل الاحتلال الياباني العنيف جدا والذي تعرفت عليه سابقا وأنا اقرأ عن مذبحة نانجنغ التي راح ضحيتها ما يقرب عن مئتين وخمسين ألف ضحية، حيث كان الجنود اليابانيون يتنافسون على من يقتل مائة بسيف واحد. الرعب والخوف الذي استقر في نفوس الناس جعلهم يحلمون بالبطل الهمام الذي يخرج اليابان من أرضهم ويزيل الذل والمهانة التي طبعت حكم الكومنتانغ الراغب في ترسيخ حكم الاقطاعيين فلم يجدوا سوى ماو تسي تونغ زعيم الحزب الشيوعي الذي فرض سيطرته على الصين، فيسطر كتاب بجعات برية هذه المرحلة بدقة متناهية نتتبع فيها مسيرة أسرة يونغ شيان ومصير والديها في ظل مزاج ماو النرجسي وزمرة الأربعة وهي العصابة التي تضم زوجته وحاشيته والتي عرفت بهذا الاسم فيما بعد، هذا الكتاب يعتبر نقدا صريحا لتلك الفترة و قد دعمته الكاتبة بكتاب آخر مخصص فقط لماو لتكشف النقاب عن حقبة من أهم الحقب التي مرت على الصين في العصر الحديث وهي حقبة تميزت بتعتيم إعلامي كبير وبروباغندا طاغية للنظام لإرساء نظمه وفلسفته، ماو لم يهتم بشعبه بقدر ما اهتم بشخصه فابتدع فلسفة فارغة من المحتوى معتمدة على الهوى ورغبته في إيهام شعبه بأرض الميعاد والجنة الاشتراكية ويبرز مأزق ماو مع سقوط ستالين ثم سقوط المنهج الذي اعتمد عليه فاختلطت الأمور وعمد إلى تكريس مفهوم تأليه الحاكم – قال خروتشوف آنذاك إن ماو يعتقد أنه المخول من السماء لإرساء نظم الشيوعية على الأرض- وبث الرعب في الشعب وسياسة فرق تسد التي طالت الاسرة الواحدة فتمزق المفهوم الإنساني والأسري الذي قامت عليه الصين لمئات السنين، عمد ماو إلى قطع الصلة مع الصين القديمة الطراز فأطلق دعوته الجديدة في إطار ما عرف بالثورة الثقافية فعمت الفوضى التي افقدت الصين معظم تراثها تحت أقدام الحرس الأحمر معظمه من المراهقين والشباب الذين لم يكن لديهم الفرصة بعد للتعرف على القيمة الجمالية لما يدمرون وربما كان الأمر مقصودا من ماو ليتجاوز بهم أي صلة تذكرهم بالماضي وتبقى شخصيته محورية ومقدسة، الغريب في الأمر أن الثورة بمفهومها المتعارف غالبا ما تكون عفوية نابعة من الشعب ذاته ضد أنظمة شمولية مستبدة ظالمة لشعوبها ثم تجاهل الصينيون إنه من غير المنطقي أن تصبح الثورة تحت الطلب من الحاكم وهو أمر يبدو غير مبرر في ظل حاكم محبوب ومقدس مثل ماو، فالثورة الثقافية لم تكن سوى هلوسة شعبوية لبلوغ رضى "الرب الشيوعي ماو" أبرز ملامحها الحج الجماعي لبكين لرؤية ماو أو وضع صوره كمازارات للفلاحين لتقديم قرابين طامعين في موسم فلاحي جيد، الثورة الثقافية لم تكن سوى أداة في يد ماو ضرب بها أعداءه و في النهاية المظهر الثقافي الوحيد في هذه الثورة يكمن في مبررها فقط.
الأمر الذي يجعل من بجعات برية كتابا غير ممل سياسيا تركيز الكاتبة على البعد الإنساني وطرحها لعدة أسئلة حاولت من خلال العودة إلى التاريخ وتاريخ أسرتها بالذات أن تجيب عليها، العنف وأسبابه وكيف يستطيع الانسان أن يتجرد من انسانيته فيقتل ويهين ويسبي ويغتصب دون أن ترمش عيناه؟ و كيف استطاع الإنسان أن ينظر إلى جاره مفكرا هل أستطيع أكلك غدا؟ كيف يمكن لثورة ثقافية أن تطور مجتمعا بدون حرية أو إرث ثقافي؟ وكيف لشخص واحد أن يعبد من طرف أمة ميتة لا روح فيها؟ كلها أسئلة وغيرها تطرح عن الحقبة الماوية في الصين ولا أنكر أني رايت رواية 1984 لأورويل تجسد وتشخص بتفاصيلها مع ماو حيث يصبح الإنسان مجرد آلة مبرمجة لا لسان ولا روح ولا عقل لديه، الصين أصبحت نمطية باردة مملة مع ماو منعزلة تماما وقد أتفهم موقف الكاتبة ورغبتها الملحة في الهروب والتحليق بعيدا بعيدا عن سجن وضعت فيه أمة بحالها. وحين تابعت الكاتبة بعد خروجها من الصين وقارنت وضعها في وطنها لاحظت أمرا قد يعتبره البعض سطحيا لكني أراه رمزا لكل المعاناة التي شاهدتها المرأة الصينية في تلك الحقبة فالمرأة فقدت أنوثتها وأصبحت شبحا ممنوعة من الحب من الأمومة ومن الموضة أيضا الكاتبة الآن تختار بعناية فائقة ثيابها وتسريحة شعرها، الكاتبة اليوم أنيقة وواثقة وحرة وهذا ما تريده للشعب الصيني ككل، صحيح إن الفترة التي تلت ماو تحت زعامة دن شياو بينج الذي حاول استغلال فوضى ماو من أجل تحديث الصين تعتبر ناجحة وأهلت الصين اليوم لتضاهي القوات الاقتصادية العالمية لكن يبقى سؤالي على حساب ماذا تم ذلك؟ وهل يجب أن ننتظر العقود القادمة لتخرج يونغ تشانغ أخرى تحكي لنا عن هذه الفترة التي تظهر للعالم أنها الصين الذهبية؟
نابليون يقول "الصين مارد نائم اتركوه ولا يوقظه أحد" أجيب نابليون إن المآسي فقط من أيقظ المارد الجبار.

إيمان العزوزي.

موسوعة السرد العربي - د. عبد الله إبراهيم.



الكتاب الرابع.

يكاد الكتاب الرابع من الموسوعة يكون أهم كتب هذه الموسوعة، نظرًا لكونه يُقدم مرحلة مهمة في تاريخ النثر العربي، ومحطات المخاض الأولى التي كان لها التأثير الأكبر والرئيس في إنجاب الرواية العربية بشكلها الحديث والمتعارف عليه اليوم، لكن هذا الإنجاب مرَّ بفترات متعسرة من تأثر وتفكك وإعادة صياغة، خاصة في عند العرب الذين تعلّق وارتبط الأدباء عندهم بالآداب القديمة، وما كان لهذه الآداب من مكانة أخذت من الموروث الديني كثير الهيبة والمثالية والكمال الذي لا يجب تجاوزه أو الانقلاب عليه. يبدأ هذا الكتاب من الموسوعة في طرح قضية مهمة حول تأثير الحملة الفرنسية التي قادها نابليون إلى مصر في نهاية القرن الثامن عشر في تطور الأدب العربي، وما مدى حقيقة إضافتها إلى الجانب الأدبي والاجتماعي العربي عموما والمصري خصوصا، ويتكشّف لنا من خلال أطروحة وشروحات وتحليلات د. عبد الله إبراهيم كذب هذه الإشاعات التي ربطت مرحلة التحديث العربي الأدبي الجديد بالحملة الفرنسية، التي سرعان ما انتهت بهزيمة الجيش الفرنسي، وفشل مخططات نابليون التوسعية، وكما تشير مذكرات بعض المشاركين في الحملة فإن الحملة عادت بربع عدد الجنود الذين أتوا، إضافة لمقتل الجنرال كيلبر على يد سليمان الحلبي. بل إن الحملة شهدت فضاعات تمثلت بسرقة الآثار الفرعونية والتي توزعت الأسباب بعدم معرفة محمد علي بقيمتها وتوزيعها كهدايا ومِنح إلى الفرنسيين والبريطانيين، وما قام به شامبليون من فك رموز اللغة الهيرغوليفية وتبيّن مدى أهمية وقيمة هذه الكنوز التي بقيت لآلاف السنين تحت أرض مصر، كل هذا مع انعدام أي إضافة ثقافية أو أدبية، أظهرت حقيقة الحملة الفرنسية وأكدت على مدى ضعف وهوان إشاعة التأثير الفرنسي على الأدب العربي.
في القرن التاسع عشر بدأت مرحلة جديدة في تفكك المرويات السردية وتطور اللغة العربية، والابتعاد عن الأساليب اللغوية القديمة المتمثلة بالسجع والبديع وكثرة الاستعارات والزخارف اللفظية والترصيع، مع بدء النفور من هذه الأساليب التي ظهرت بأنها غير مناسبة لهذه الحقبة الجديدة من الحياة، فكانت الحاجة الملحة لظهور أنواع جديدة، انتهى الأمر بالنثر العربي في القرن التاسع عشر بفرز أسلوبين في النثر العربي لكل منه مرجعياته وسياقاته الثقافية وارتباطاته بالموروث الأدبي الأول مثّل نموذج التعبير اللغوي المفتوح الشفوي، والآخر نموذج التعبير اللغوي المغلق النثري. وكذلك تغيرت النظرة إلى المقامات كمقامات الحريري التي كان يُنظر لها فيما خلا من العصور بالكِبر والإعجاب وحسن الصنعة، من خلال فقدانها لقيمتها اللغوية والإبداعية وعدم توافقها مع حاجيات العصر، وبذلك فقدت قيمتها ومكانتها الريادية لأنواع جديدة أخرى، مع شيوع الصحافة وحركات التعريب، ويؤكد د. عبد الله إبراهيم أن القرن التاسع عشر شهد أفول المرويات السردية القديمة وبداية الإعلان عن عصر السرد العربي الحديث.
القسم الثالث من هذا الكتاب اختص بحركة التعريب ومحاكات المرويات السردية الأجنبية، إذ مثلت مرحلة التعريب مرحلة مهمة من تلقيح الثقافة العربية والأدب العربي بالمرويات والآداب الغربية، رغم التركيز على الكتب العلمية والسياسية والعسكرية التي تصب في مصلحة الدولة وإدارتها للبلاد، وبدأت حركة التعريب مع الطهطاوي ومدرسة الألسن للتعريب، و يقول عنها الطهطاوي أنه عمل على تخريج عدد من المعربين الذي يشهد لهم بالمكانة والاقتدار. لكن التعريب قد اتخذ مسارا خاصا به تمثل في إخضاع المرويات السردية الأجنبية للثقافة العربية السائدة وقتئذ سواء من ناحية الأحداث أو أسماء الشخصيات أو تغيير ما يلزم تغييره ليوافق الذائقة السائدة، مع تضمين لآيات من الذكر الحكيم أو أبيات شعرية أو أمثال عربية، كل هذا يؤكد أن ما قام به المعربون يمثل مسخ للنصوص المعربة مع غياب لأسماء مؤلفيها الأصليين، مما يجعلها تشويه وتخريب لهذه النصوص على أيدي الكثير ممن اشتغلوا بالتعريب.
ولحقت مرحلة التعريب مرحلة هي الأهم تمثلت في الكتابة الروائية، ويناقش الفصل الخاص بإعادة تركيب سياق الريادة الروائية الآراء المتعلقة بكون الرواية ظهرت نتيجة التأثير أم هي نتيجة تلاقح وتمثل ثمرة التقاء الأدب العربي بنظيره الغربي. قبل الخوض في هذه الآراء كان لا بد للكاتب من العودة إلى الانطلاقة الأولى التي ساهمت في ظهور الرواية والتي تمثلت بهجرة الشوام إلى مصر وما أضافوه وقدموه للأدب العربي في مصر وما كان لهم من مكانة ريادية في بيئة خصبة ونهمة ومستعدة لاستقبال الجديد، بحكم ارتباطات واختلاط الشوام بالفرنسيين والغرب وتعلمهم اللغات الأجنبية وقربهم من السلطة الحاكمة في مصر. ويبدأ بعدها د. عبد الله إبراهيم في مناقشة آراء الطرفين بين من يقول بأصالة الرواية العربية وصعوبة نشوء فن نثري/ سردي أدبي كالرواية بدون أصول تساعده وتشد من أزره وتقوّي عوده حتى النضج، ومن يقول بأن الرواية هي غربية بحتة انتقلت إلى الأدب العربي وأن الأدب العربي لم يعرف فن الرواية مسبقا وبعضهم من نفى عن العرب القصة نفيا قاطعا، تبدو هذه الآراء المتضاربة بحاجة إلى النقد والتحليل، وهذا ما قام به الدكتور، بالرغم من أسلوبه في الطرح والتحليل والنقد لما ورد من أقوال إلا أنه لا يكشف عن فريق يُناصره بصورة واضحة، لكن مما يُستقرأ من متن كلامه أنه يقول بقول أن للعرب فن نثري قصصي، وكان للرواية جذورها في الأدب العربي مع صعوبة واستحالة نشوء فن روائي دون أن تكون له جذوره وبيئة ثقافية وأدبية ترعى نشوء هكذا نوع أدبي، وما يقوي هذا القول أن الرواية الحديثة بدأت في القرن السابع عشر مع رواية دون كيخوته لثربانتس الإسباني، في ذات الوقت الذي لا يوافق جميع النقاد على هذا ويعتبرون رواية باميلا لريتشاردسون الإنجليزي في منتصف القرن الثامن عشر هي بداية الرواية الحديثة، مع الأخذ بعين الاعتبار تطور الرواية ومرورها بمراحل متعددة وعناصرها الفنية المختلفة عن الرواية الحديثة، وما قامت به رواية ما بعد الحداثة من ثورة على العناصر الفنية للرواية الحديثة؛ كل هذا يؤكد أن الفن الروائي فن متجدد، قد نتفق على انطلاقة واحدة لكننا لا يُمكننا أن نجزم بأنها تخص أدبا لأمة ما دون سواها. ويختم الكتاب بفصل المرويات السردية العربية في القرن التاسع عشر، والذي تمثل بستة كتّاب؛ الأول كان الخوري وروايته "وي.. إذن لست بإفرنجي" التي تُعد الرواية العربية الأولى التي بدأ نشرها سنة ١٨٥٩، ورواية غابة الحق للمرّاش، وكتاب علم الدين لعلي مبارك، وأول سلسلة روايات عربية للبستاني، وروايات جورجي زيدان، انتهاء بكتاب المويلحي "حديث عيسى بن هشام". يستعرض هذه الروايات ويحللها وينقد عناصرها الفنية وأعمال كتّابها الأُخرى، وشيوع الرواية التاريخية والأهداف من كتابتها عند البستاني وزيدان، وتشتت الصورة عند علي مبارك في كتابه علم الدين. ومثل المويلحي مرحلة تحول وانتقال في المرويات السردية العربية ويُشبهها د. عبد الله إبراهيم برواية دون كيخوته لما فيها من تحولات وتصادم بين الشخصيات والواقع الاجتماعي والثقافي ألا إن ما يميز الباشا عن دون كيخوته هو تقبله لهذا المجتمع الجديد وسعيه لتعلم كل مستحدث فيه، وما امتاز به هذا العمل عن الأعمال العربية التي سبقته هو البناء للشخصيات وتفردها وابتعادها عن إسقاطات الكاتب الشخصية وكونها مجرد قناع له.

مؤمن الوزان.

الخميس، 13 يونيو 2019

صيد السلمون في اليمن – بلقيس الكثيري.


رواية Salmon Fishing in the Yemen من تأليف الكاتب البريطاني بول توردي، وهي أول رواياته حيث بدأ الكتابة وهو في الخمسينات من عمره، ثم كتب بعدها ست روايات أخرى.  ونُشرت روايته الأولى عام 2007، أي قبل ثمانية أعوام من تاريخ وفاته.
ناهيك عن الفكرة غير الممكنة في العنوان،  واسم اليمن الظاهر فيه، إلا أن أكثر الأشياء التي استحوذت على تفكيري أثناء قراءتي لهذه الرواية هي الطريقة التي قولب فيها الكاتب البريطاني بول توردي اللعبة السياسية، وسرد أحداثها في قالب روائي محصور في مجموعة من المراسلات والمحاورات الصحفية والمقالات واليوميات.
من يعرف اليمن وطبيعته المناخية يدرك أن درجة الحرارة المرتفعة تحول دون حياة أسماك السلمون في مياه اليمن، وتحديدًا في وديانها المعرّضة لدرجات حرارة عالية جدًا، وهذا ما يضفي الاستحالة على هذه الفكرة المجنونة.  إلا أن أحد الجوانب الإيجابية لهذه الرواية -والذي تكرر على لسان الشيخ- هو أهمية الإيمان بالهدف مهما كان مستحيلًا. فبالعلم استطاع الإنسان أن يساهم إلى حد كبير في تطويع الظروف الجغرافية والمناخية لجعل غير الممكن ممكنًا، وبذلك فإن المؤمنين بتحقيق المستحيل لا تحول الظروف أمام تحقيق رؤاهم.
هذا في ظاهر الرواية أما عند التعمق في مضامينها، فالأمر -بصورة أدق- كما وصفته الأديبة والكاتبة اليمنية هند هيثم التي قالت ساخرة أن هذه الرواية كُتبت لتصوّر لنا أن الطريقة المُثلى لتحسين الحياة في اليمن -ووقف الإرهابيين الذين يأتون منها- إقناع المُجتمع المحلي بأن مشروع الشيخ لتقديم رياضة صيد السلمون إليهم يهدف إلى تمدينهم، وجعلهم أكثر حضارة. (وكأنهم) لا يحتاجون إلى مدارس جيدة، أو إلى نظامِ صرفٍ صحي جيد، أو إلى مُستشفيات جيدة، أو إلى نظام ريٍ، أو إلى منازل جيدة، أو إلى طُرقات جيدة، أو إلى عدالة اجتماعية، أو إلى توزيع عادل للثروة. كُل ما يحتاجونه الإذعان للشيوخ (أصحاب الرؤى) الذين يمتصون دماءهم ليبتاعوا قصور الأرستقراطية الزائلة في بريطانيا، ويتعاونون مع البريطانيين لجلب مشاريع خرافية إليهم، تُلغي وجودهم أكثر وأكثر، وتحولهم إلى أدواتٍ فلكلورية لتسلية السياح. لا يُهِم حياتهم أو موتهم أو كيفية معيشتهم، المُهِم أن السمك يسبح عكس التيار، وأن البريطانيين غاية في السعادة لأنهم (يفهمون) الشعوب التي استعمروها سابقاً و(يساعدونها)...
وبعد قراءتي للرواية واطلاعي على مجريات الفلم الذي عُرض عنها عام 2011 ما زلت عاجزة عن إيجاد المبررات التي جعلت كاتب السيناريو سيمون بيوفوي يحوّل رواية كهذه مليئة بالأبعاد السياسية إلى كوميديا درامية تقلل قيمتها!

أبرز شخصيات الرواية:

الشيخ محمد بن زيدي بني تهامة: من أثرياء اليمن، ويمتلك منزلًا في اسكتلندا. قرر أن ينقل  رياضة صيد السلمون التي يحبها إلى منطقته في اليمن (وادي العين). وتجدر الإشارة إلى أن وصف الشيخ هنا من منظور قَبلي وليس ديني، بمعنى شيخ القبيلة.

ألفرِد جونز: عالم أسماك وموظف مدني في المركز الوطني لصيد الأسماك، يجد نفسه مضطرًا للمساهمة في مشروع إدخال صيد السلمون في اليمن بعد ضغط من الحكومة، رغم قناعته في البداية باستحالة الفكرة وأنها مضيعة للوقت والجهد.

ماري جونز: زوجة عالم الأسماك ألفرد، امرأة مثابرة في عملها، تشوب علاقتها بزوجها ألفرِد بعض الاضطرابات بعد قرارها السفر للعمل في الخارج حرصًا على تقدمها المهني.

هارييت تالبُت: موظفة بريطانية في مكتب مُحاماة يُمثِل أملاك الشيخ في بريطانيا، وهي التي تساعد الشيخ في مُهمته. وهي خطيبة الكابتن روبرت الذي تفقد اتصالها به بعد إرساله إلى العراق.

الكابتن روبرت ماثيوس: خطيب هارييت الذي يُفقد أثناء قيامه بأحد المهمات العسكرية في العراق، ثم يظهر بأنه اُبتعث في مهمة سرية إلى الأراضي الإيرانية.

بيتر ماكسويل: المستشار السياسي والمسؤول الإعلامي عن مكتب رئيس الوزراء البريطاني.

جاي فينت: شخصية خيالية تلعب دور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير.
ملخص الرواية:

يقرر الشيخ اليمني محمد بن زيدي إدخال رياضة صيد السلمون التي يحبها إلى بلاده، ويستعين في ذلك بالمركز الوطني لصيد الأسماك في بريطانيا، ولكن عالم الأسماك ألفرِد جونز يرفض العرض بحكم أن هذا المشروع غير ممكن. وحرصًا من الحكومة البريطانية على  تضليل الشارع العام حول الأحداث السياسية والعمليات العسكرية التي تخوضها بريطانيا في أفغانستان والعراق، يبحث المستشار السياسي لرئيس الوزراء عن قصةٍ جذابة من الشرق الأوسط، وعندها يلتقط خبرًا عن مشروع صيد السَلمون الذي يسعى أحد الأثرياء اليمنيين لتمويله، وهنا تتدخل الحكومة لتجبر المركز الوطني للصيد على التعاون مع الشيخ، ثم يضطر الدكتور ألفرِد جونز للتعاون مع هارييت والشيخ رغم قناعته باستحالة الفكرة نظرًا للاختلاف الكبير بين الظروف البيئية لليمن وظروف البيئة الاسكتلندية.
يتم العمل على قدم وساق لتحقيق المشروع عن طريق بناء حوض سمكي تتوفر فيه ظروف مماثلة للبيئة التي يعيش فيها السلمون، وبناء سد كبير لحفظ مياه الأمطار، ليجري منها ما يُشبه النهر العظيم لتسبح فيه أسماك السلمون. وقبل تنفيذ الخطوة ما قبل الأخيرة من المشروع وهي نقل عشرة آلاف سمكة سلمون من الأنهار الاسكتلندية إلى اليمن، يثير هذا الأمر حنق الصيادين البريطانيين، وحين يعلم بيتر ماكسويل بأن عددًا كبيرًا من الصيادين في المملكة المُتحدة يعارضون، يقوم بسحب دعم الحكومة للمشروع حرصًا على أصوات الناخبين. يُطلب من الشيخ ومن معه أن يستعينوا بأسماك سلمون من مزارع السمك، (أسماك داجنة)، الأمر الذي يُقاومونه في البداية ثُم يُذعنون له.
يحاول بيتر جذب اهتمام الصيادين إلى رئيس الوزراء وكسب أصواتهم بينما يحاول الشيخ ومن معه تحقيق معجزة.
على صعيد آخر هناك علاقة هارييت بخطيبها الجندي البريطاني روبرت، الأمر الذي يسلط ضوءًا على مساوئ تدخل بريطانيا في حرب العراق. حيث يُرسل روبرت إلى العراق في مهمة عسكرية، وتظل هارييت على تواصل معه في البداية رغم طمس مكتب المخابرات لكثير من أجزاء الرسائل التي يرسلها روبرت لأسباب أمنية. وبعد فقدانها التواصل معه يتم إبلاغها بأنّه مفقود، ومن ثم بأنّه قُتِل؛ لكن ليس في العراق بل في إيران!
لم يغفل بول توردي الدور الذي تلعبه القاعدة في اليمن، من خلال تضمين اسم القاعدة في محاولتهم لاغتيال الشيخ الذي يتعاون مع البريطانيين. تفشل محاولة الاغتيال الأولى، وفي الثانية ينجحون بفتح السد الذي يخرج منه سيل يجرف كُل شيء في طريقه، مُدمرًا النهر الصناعي، ويموت على إثره الشيخ ورئيس الوزراء جاي فينت.
بعيدًا عن صيد السمك ومجريات الأحداث سأسلط الضوء على ثلاثة محاور استرعت اهتمامي في ظل ما ورد في سياق هذا العمل الأدبي:
الإعلام لعبة السياسيين

لا يخفى على أحد كيف أدخل رئيس الوزراء البريطاني بلاده في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل،  وتحديدًا في أفغانستان والعراق، وحفر حفرًا أوقع فيها نفسه، فكان السؤال كيف سيخرج منها؟ وإذا به يمضي في الحفر أكثر.
إن تسييس التغطية الإعلامية هي لعبة كل السياسيين في هذا العصر، وهنا تسعى الحكومة البريطانية لإشغال الشارع البريطاني، وصرف انتباهه عن الشؤون السياسية الجوهرية إلى الأمور الأقل أهمية؛ ومن ذلك حرصها على مشروع إدخال السلمون إلى اليمن بوصفها تجربة استثنائية في الصحراء، لصرف النظر عن مساوئ تدخل بريطانيا في حرب العراق.
وقد جاء على لسان المستشار السياسي لرئيس الوزراء في هذا النص الروائي عندما سئل عن أسباب ضلوع الحكومة ودعمها لمشروع صيد السلمون في اليمن أن أجاب:  
I think someone held a map upside down and bombed a hospital in Iran instead of a militants’ training camp in the Iraq desert….P. 99, Peter Maxwell
"أظن أن أحدهم حمل الخريطة بالمقلوب وقصف مستشفى في إيران بدلاً من معسكر تدريب للمتشددين في صحراء العراق..."
- بيتر ماكسويل؛ ص 99.
لذا كان لا بد من إيجاد قصة يصرف بها النظر عن الفظائع التي تمارسها الحكومة، كما صرّح:
“If the news is very bad, I come up with a different story. The attention span of most of the media is about twenty minutes, and a new story, a new angle,  normally tempts them to drop the bone you want them to drop, and look at the new bone you’re offering them.” P. 99, Peter Maxwell
"إذا كانت الأخبار(التي تصلنا) سيئة جدا، أجد قصة مختلفة. إن  فترة التركيز على الحدث في معظم وسائل الإعلام تبلغ نحو عشرين دقيقة، وعادة ما  تغريهم القصة الجديدة، من زاوية أخرى ليقذفوا بالعظمة التي تريد منهم إلقاءها؛ وينظروا إلى العظمة الجديدة التي تعرضها عليهم".
- بيتر ماكسويل؛ ص 99.
وفي عبارة أكثر وضوحًا، بيّن فيها هذا الهدف، قال:
“Suddenly the stories about dead bodies in the Middle East were on pages four and five. The front pages were about fish,…” P. 109,  Peter Maxwell
"فجأة أصبحت قصص جثث الموتى في الشرق الأوسط في الصفحة الرابعة أو الخامسة.  حين شغل الحديث عن السمك الصفحات الأولى..."
- بيتر ماكسويل؛ ص 109.
الغزو الفكري للعالم الإسلامي

مهما حاول بعض بني جلدتنا تلميع صورة الغرب،  وإظهارهم بمظهر الحمل الوديع هناك حقيقة لا مفر منها ولا مناص ألا وهي أن غزو العالم الاسلامي يقع دائمًا ضمن أجندتهم، علِم ذلك من علِمه وجهله من جهِل. وتظل هناك حروب تُشن ضدنا –سرًا وعلانية- على الصعيدين السياسي والفكري.
وبصريح العبارة يقول بيتر ماكسويل، المسؤول الإعلامي لرئيس الوزراء البريطاني، مؤكدًا على ما سبق:
“Fourteen hundred years ago Islam began in the Arabian desert and within a century controlled an area which extended from Spain to central Asia. The same thing might be about to happen now. Or it could go the other way.
Images of people in the Middle East dressing like westerners, spending like westerners, that is what the voters watching TV here at home want to see. That is a visible sign that we really are winning the war of ideas- the struggle between consumption and economic growth, and religious tradition and economic stagnation.”  P. 236 Peter Maxwell
"منذ أربعة عشر قرنا  بدأ الإسلام في الصحراء العربية وخلال قرن من الزمن حكم بقعة امتدت من إسبانيا إلى آسيا الوسطى. والآن الأمر ذاته على وشك الحدوث، أو ربما يكون في الاتجاه المعاكس. ما يريد الناخبون مشاهدته في التلفاز هنا في منازلهم أن يروا صورًا لأشخاص من الشرق الأوسط يرتدون ملابس مثل الغربيين، ويصرفون مثلهم. إنها علامة واضحة على أننا فعليًا انتصرنا في حرب الأفكار؛ الصراع بين الاستهلاك والنمو الاقتصادي، والتقاليد الدينية والركود الاقتصادي".
- بيتر ماكسويل؛ ص 236
وقد نجحوا فعلًا في اختراق مجتمعاتنا لأبعد الحدود، فصار بيننا من يتبنى الفكر الغربي ويدافع عنه، مهما كان منحطًا، ومجردًا من الأخلاقية والإنسانية وبعيدًا كل البعد عن قيم هذه الأمة وتعاليمها وأخلاقياتها. أما عن الكيفية التي انتهجوها -وما زالوا ينتهجونها- لتحقيق ذلك فيقول ماكسويل:
“I am going to tell you how to win the hearts and minds of everyday working people of the Middle East without firing another shot.”
“I told them about the low-cost TV sets that would be distributed in the countries we most wanted to extend our influence in, TV sets that would only tune into one channel, voice of Britain, and the network of transmitters that would beam in the new programmes twenty-four hours a day, seven days a week…”
P. 247-248,  Peter Maxwell
"سأخبرك بكيفية كسب قلوب وعقول الشعب الكادح في الشرق الأوسط دون إطلاق رصاصة أخرى".
" أخبرتهم عن أجهزة التلفزيون منخفضة التكاليف التي سيتم توزيعها في البلدان التي نريد توسيع نفوذنا فيها، وأجهزة التلفزيون التي من شأنها أن تبث قناة واحدة فقط، صوت بريطانيا ، وشبكة الإرسال التي من شأنها أن تبث في البرامج الجديدة أربع وعشرون ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع... "
-  بيتر ماكسويل، ص 247-248.
لقد ابتدعوا من البرامج التافهة والخبيثة ما تلقفه الإعلام العربي فشرع في محاكاتها، ونشروا أفكارهم وانحطاطهم الأخلاقي، فعلَت أصوات بيننا تنادي بفصل الدين عن الحياة، وتدافع عن رذائل الأخلاق من حقوق للمثليين، والعلاقات المحرمة وإباحة للفسق والفجور.
العمليات السرية للجيش البريطاني

بطريقة ذكية يذكر بول توردي الفظائع التي تنتهكها الحكومة البريطانية، ليس في حق البلدان الأخرى فحسب، بل وفي حق الجنود البريطانيين أنفسهم وذلك بالزج بهم في العمليات العسكرية ولا سيما السرية منها.
حين نقل أحد أصدقاء روبرت خبر اختفائه إلى خطيبته هارييت، قال لها أن خطيبها –الذي من المفترض أن يكون في مهمة عسكرية في العراق- عالق في إيران، وأوعز إلى أن سبب عدم مجازفتهم لإنقاذه هو أنه موجود في مكان لا ينبغي أن يكون فيه.
“We are not allowed to overfly Iranian air space. We are not allowed to admit that we have any teams in Iran, although of course we have had teams in and out of there for years. It is a black operation. If we sent helicopters in and they were spotted, the Iranians would raise hell about it.” P. 192, Robert’s friend.  
"لا يحق لنا المرور فوق المجال الجوي الإيراني. و لا يجوز أن نعترف بأن لدينا أي فرق عسكرية في إيران، على الرغم من أن فرقنا تدخل وتخرج هناك لسنوات. إنها عملية سرية. إذا أرسلنا مروحيات إلى هناك وتم رصدها، سيفتح الإيرانيون أبواب الجحيم."
-صديق روبرت، ص 192.
ملاحظة

بقي أن أشير إلى معلومة مغلوطة ورد ذكرها على لسان أحد أعضاء القاعدة (طارق أنور) الذي يهاجم الشيخ صاحب مشروع صيد السلمون في اليمن، فجاء على لسانه في رسالة لأحد مستخدميه أن صيد السمك محرم على المسلمين يوم السبت، واستشهد بذلك بآية من القرآن، والمعروف في عقيدتنا أن قصة أصحاب السبت تخص اليهود وهذا الحكم لا ينطبق على المسلمين.
“It follows that the sheikh will be expecting them (Yemenis) to fish on the Sabbtah, which is expressly forbidden in the Koran.” P. 94, Tariq Anwar
"ويترتب عليه أن الشيخ يتوقع منهم (عامة اليمنيين) أن يصطادوا يوم السبت، وهو أمر محرم في القرآن".
- طارق أنور، ص 94.

الأربعاء، 12 يونيو 2019

المراهق -دوستويفسكي.




رواية دوستويفسكي، الروائي الذي تعدُّ أعماله نبراسًا في الأدب الروسي والعالمي والذي حقق شهرته الأدبية عبر رواياته "الجريمة و العقاب"، و"الأبله"، و"المراهق"، و"الأخوة كارمازوف".

كتب دوستويفسكي رواية المراهق  بثلاثة أجزاء وتم طباعتها بجزئين بترجمة السوري سامي الدروبي الذي ترجم أعمال دوستويفكسي بأكملها.

تدور أحداث الرواية التي كتبت على هيئة مذكرات الشاب المراهق "أراكادي" داخل المجتمع الروسي آواخر القرن الثامن عشر، حيث يطمح هذا الشاب لتكوين ثروته ويعمل جاهدًا (للدخول والانضمام إلى المجتمع الراقي الذي صوره دوستويفسكي بكل جوانبه الإيجابية والسلبية والحياة الاجتماعية لهذه الطبقة الراقية، إنَّ الصراعات التي تواجه المراهق في نفسيته من خلال اتصاله بعائلته الفقيرة ورغبته في أن يكون في طبقة المجتمع الراقي وسعيه في إدراك مناله وما له من تأثيرات نفسية في حياة الشاب والتي كانت دافعًا له للقيام بالكثير من الأمور منها الانتقال للعيش بعيدًا عن أسرته وما كان له من حياة طفولية قاسية بعيدًا عن أمه، وفي كونه ابنًا غير شرعي، من تأثير في نفسية هذا المراهق الذي يدفعه رغباته وقدره للخوض كثيرًا في الحياة وتكوين رؤاه الخاصة، ليقع في مشاكل داخل أروقة الطبقة الراقية تكون محورا لكثير من الأحداث بصورة خاصة أو عامة.

تتشابك أحداث الرواية بصورة متقنة جدًا تصل بعض الأحيان للتعقيد المحبب والشائق وما يُحاك بين أفراد المجتمع الراقي من الدسائس والفخاخ للإطاحة بالآخرين  والحصول على الثروات والمال الذي كان دافعًا يحرك الطبقة الراقية والفقيرة الكادحة على حدٍ سواء.

يكون هذا المراهق بوابة للكثير من الأحداث المتشابكة والمترابطة بعضها مع بعض،  والأشخاص ذو العلاقات والمصالك المشتركة، وتختلط الأحداث فيما بين الجميع وتبرز قدرة دوستويفسكي في حبك الأحداث بطريقة مفصلة وطويلة جدًا لدرجة الملل الذي قد يصيب القارئ أثناء السفر داخل أمواج حياة أركادي المتقلبة والمتناقضة بين حين و آخر.

أُسلوب دوستويفسكي في السرد والإسهاب في وصف الأحداث والوقائع والتحليل النفسي الذي اعتمد كثيرًا عليه في روايته من خلال القراءة النفسية للأبطال وقراءتهم لنفوس بعض وتحليل شخصياتهم، وعرض الأفكار والأفكار المضادة الاجتماعية كانت أو السياسية والدينية، وبجعل الحديث متقن إتقانًا لافتًا للنظر في قدرة هذا الكاتب في تلبس شخصياته وتبنّي الكثير من الأفكار القومية الروسية والشيوعية الاجتماعية.

مؤمن الوزان.

أربع حيل نفسية لحياة أكثر وعيًا وأقل إجهادًا - كونور أورورك.



تشعر بتوتر؟
حسنا، أغمض عينيك وخذ نفسًا عميقًا وبطيئًا.
أطلق زفيرك، هناك، هل ساعد ذلك؟
إن الاحتمالات ليست كذلك، فأنت لا تزال متوترًا، إذ أن توقفك هذا لمدة 30 ثانية لم يفعل شيئًا إلا ربما جعلك تدرك حاجتك لغفوة.
إن مخاطر الإجهاد حقيقية أحد أكثر الأسباب شيوعًا لأمراض عدة مثل الصداع وارتفاع ضغط الدم ومشاكل القلب والسكري والحالات الخطيرة الأخرى، وفي الوقت نفسه، يعد التوتر جزءًا طبيعيًا من حياة العمل، وغالبًا ما يكون هناك القليل الذي يمكنك القيام به لتجنب المواقف العصيبة، وهو ما يجعل رد فعلك على آليات المواجهة لهذه المواقف في ذروة الأهمية.
اليقظة الذهنية هي وسيلة للاعتراف بالتوتر والتعامل معه بدلا من قمعه، فالشخص المتيقظ ذهنيًّا هو شخص هادئ ومريح وملتزم.
وفي هذه المقالة، قمنا بتجميع نصائحنا المفضلة لزيادة اليقظة والحد من التوتر.
1. كن مراقبًا لأفكارك الخاصة.
من كتاب: الاستيقاظ لمؤلفه سام هاريس

يعود معظم الإجهاد الذي نواجهه في حياتنا إلى أنماط التفكير المعتادة، فأنماط التفكير هذه ليست مفيدة أو منتِجة، وغالبًا ما تؤدي بنا إلى الضيق والقلق، لذا هناك حل نافع لتحرير نفسك من أنماط التفكير المدمرة يكمن في ممارسة شكل بسيط من أشكال التيقظ الذهني وهو: لاحظ أفكارك بدلاً من أن تنخرط في التفكير بمحتواها، فأن تصبح مراقبًا لأفكارك ومخاوفك يساعدك على التغلب على قوتها عليك.
إليك هذه التجربة: راقب أفكارك لفترة، إلى أين تمضي بك؟ هل تفكر في الأشياء التي قمت بها في الماضي، أو ربما تفكر في المستقبل؟
أرأيت؟
يعتبر هذا الأمر طبيعي تماما، فالناس يقضون الكثير من الوقت قلقين بشأن المستقبل أو منغمسين في التفكير في الماضي، وقد لا يفاجئك أن هذه الأفكار لا تقدم أي خدمة لأي شخص.
والمشكلة -مع ذلك- ليست المخاوف نفسها، بل لكونك تتعاطف مع هذه المخاوف؛ فإنها تهيمن عليك وعلى حالتك العاطفية، فعندما تشعر بالتوتر، تجد أنك لا تفكر قائلًا "أنا أدرك الآن أنني أشعر بمشاعر معينة من اليأس"، بل تقول بأسى "يا إلهي، كل شيء فظيع ولا يوجد مخرج".
ولكن هناك مخرج من ذلك!، فمن خلال استخدام الأسلوب التأملي لليقظة الذهنية؛ يمكنك فصل أفكارك ومخاوفك عن نفسك، فعندما تتأمل، تدرك ما يكمن في وعيك؛ انطباعاتك، مشاعرك وأفكارك، ولا تكون فقط مدركًا لها؛ بل تدرك أيضًا أنها لا تمثل الواقع، وأنها مجرد بنيات صغيرة من بنى عقلك.
فهو يشبه مشاهدة فيلم رعب؛ إن سمحت لنفسك بالاستغراق في الفيلم، فستكون أكثر احتمالًا لأن تنظر خلفك باستمرار وتقفز حالما تسمع أي أصوات غير متوقعة، ولكن عندما تتذكر أنها مجرد صورة على الشاشة، فإن الرعب سيفقد قوته، ربما ستزال تشعر بالخوف، ولكن سيكون لديك المزيد من القوة للسيطرة على الأمر.
"أن تصبح متيقظًا ذهنيا لا يعني أن تفكر بشكل أوضح حول تجاربك؛ بل هو فعل خوض تجاربك بوضوح أكثر".
2. إذا كنت تشعر بالألم أو الانزعاج الجسدي، فلا تضف إليه قصة، فقط قم بتجربته!
من كتاب دماغ بوذا لمؤلفه ريتش هانسون.

الألم والانزعاج جزء من الحياة، ومن المنطقي أن يحاول الناس تجنبهم قدر المستطاع، ورغم ذلك، لا يعتبر من المفيد الاستماع إلى التعليقات العقلية التي يمكن أن تنشأ تلقائيًا بالاشتراك مع هذه الأحاسيس، إذ أن الشيء الوحيد الذي تفعله هذه الأفكار هو إضافة المزيد من المعاناة غير الضرورية إلى الانزعاج الجسدي، فالانزعاج الجسدي أمر طبيعي، لكننا غالبا ما نجعل الأمر أسوأ مما يجب أن يكون عليه.
وعلى الرغم من أنه من المستحيل تجنب الألم وانعدام الراحة الجسدية والعقلية تمامًا، إلا أن معاناتنا تنبع في معظمها من ردود أفعالنا على هذا الأمر، فنحن عادة ما نشعر بعدم الراحة على مستويين منفصلين؛ يمكن تشبيه المستوى الأول بالاصطدام بالسهام، مثل حينما تلمس صفيحة ساخنة جدا، أو تُرفض من شخص توليه اهتمامًا رومانسيًّا، ومع ذلك، فإن معظم معاناتنا تأتي من "الرشقة الثانية" حين نلقي بها اللوم على أنفسنا وهنا ينبعث المستوى الثاني من الألم، فـ "الرشقات الثانية" تشير إلى ردود أفعالنا على الأحداث المؤلمة، سواء أكان رد الفعل جسديًا أم عقليًا، على سبيل المثال، يعد ألم اصطدام إصبع قدمك بساق طاولة "رشقة أولى"، في حين أن "الرشقة الثانية" هي الشعور اللاحق بالغضب وإلقاء اللوم على شخص آخر كأن تصرخ متسائلًا "من الذي حرك هذا الكرسي؟"، وهذه الحالة العاطفية الانتقامية هي المعاناة الحقيقية التي نشعر بها، وسببها رد فعلنا على الاصطدام أو الرشقة الأولى.
تدفع المعاناة الجهاز العصبي الودي (SNS) إلى خلل سرعة أداؤه؛ فيؤدي إلى طوفان من الأدرينالين، ثم الكورتيزول، وزيادة في معدل ضربات القلب، وهذا هو السبب في أن "السهام الأولى" كأن يتم رفضك من شخص تكن له إعجابًا عميقًا يمكن أن تكون مؤلمة وغير مريحة كشعور اقتلاع جذور شجرة ما.
ثم يأتي بعد ذلك رد الفعل الثاني مسببًا زيادة نشاط SNS، والذي يسبب المزيد من ردود الفعل الثانية بدورها، مثل الانزعاج من الشعور بالاكتئاب، ويمكن تصور هذه التوابع ككرة الثلج إذ يكون الجسم دائمًا في حالة اضطراب عاطفي، مما يجعله مرهقًا جسديًا وعقليًا، فإذا تمكنت من تجاوز "الرشقة الثانية"، فسيهدأ ألمك بشكل أسرع.
3. لتستمتع بوجبتك؛ ركز فقط على تناول الطعام وفقط على تناول الطعام!
من كتاب تذوق لثيش نهات هانه والدكتورة ليليان تشيونغ.

لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن لدى ثيش نهات هانه ما يقوله عن التيقُّظ الذهني، لكن إليك ما سيفاجئك إذ أنه يقول إننا لا نكون واعين بما فيه الكفاية عندما نتناول الطعام، ووفقًا لما قاله ثيش نهات هانه، ينبغي أن نغتنم الفرصة لنجعل وجباتنا تعيننا على أن نكون متيقظين ذهنيا، فلتتغلب على عادات أكلك غير الصحية؛ ركز على تناولك للطعام.
فمعظمنا ينغمس أثناء الأكل في التفكير في تفاصيل حياته اليومية وأفكار الماضي والمستقبل، دون تركيز الاهتمام على اللحظة الراهنة، هذا الأمر يطلق عليه الغفلة الذهنية، فعندما نعيش بغفلة، فكأننا نعمل بشكل آلي، مما يمنعنا من ملاحظة المشاعر والرغبات والعادات أثناء تطورها، وهذه الغفلة هي ما تدفعنا للوقوع في وحل العادات غير الصحية مثل الإفراط في تناول الطعام، إلا أنه -لحسن الظن- فإن هذه العادات لا توفر لنا الرضا أو السعادة طويلة الأمد، بل على العكس من ذلك إذ تصبح أجسادنا غير صحية، وعقولنا غير سعيدة.
ولتتوقف عن العيش بغفلة، تعلم أن تركز انتباهك على اللحظة الراهنة، مما سيدفعك لأن تصبح أكثر وعيًا بكل شيء في حياتك: حركاتك، مشاعرك ونعم .. عاداتك الغذائية!.
وإذا كنت متيقظًا أثناء تناول الطعام، فإن وجباتك ستصبح تجربة روحية، إذ تبدأ في تقدير مذاقها وصحتها، وعندما تقوم بذلك، تختفي الرغبة الشديدة لتناول الطعام غير الصحي.
تساعدك قوة التحوّل لليقظة الذهنية على التغلب على العادات غير الصحية التي تسبب معاناتك، وتعيد انتباهك إلى ثراء وجمال الحياة في اللحظة الراهنة.
4. أرسي نفسك في الوقت الحاضر من خلال الانتباه إلى أنفاسك.
من كتاب The Mindful Athlete لجورج مومفورد.

خلال تصفيات الدوري الاميركي للمحترفين عام 2013، التقطت الكاميرات ليبرون جيمس جالسا على جانب الملعب مغلقًا عينيه ومركزًا تمامًا على تنفسه.
إنه ليس الرياضي الوحيد الذي يقوم بذلك فسيخبرك معظم الرياضيين بأن الوعي بالتنفس هو أحد الأساليب الأساسية للتيقظ الذهني و للحياة "في اللحظة الراهنة"، فالتنفس الواعي يساعدك على تركيز اهتمامك على الأشياء المهمة، تخيل أن المسافة بين شهيقك وزفيرك هي مكان مركزية ذاتك، وكلما زاد تركيزك على تنفسك، كلما زاد ارتباطك وثباتك في هذه المساحة.
وكما يساعد بندول الإيقاع الموسيقي على العودة إلى الشارة التي يعزفها؛ يعيد التركيز على تنفسك عقلك إلى الشعور والحياة في اللحظة الراهنة.
يتم التحكم في تنفسنا من خلال نظام التحكم الذاتي الذي يتكون من جزأين: الأول هو النظام الودي، الذي يتم تنشيطه عن طريق الخوف والقلق والإجهاد ويغمر أجسادنا بهرمونات التوتر، ورفع ضغط الدم والتسبب في التنفس بشكل أسرع.
والثاني هو نظام السمبتاوي الذي يبطِئنا من خلال إفراز الأسيتيل كولين، الذي يخفض معدل ضربات القلب ويجعلنا نشعر بمزيد من الاسترخاء، لذا فإن التركيز على التنفس العميق والبطيء ينشط الجهاز السمبتاوي، مما يدفعنا إلى الاسترخاء والهدوء.
ترجمة: عبير علاو.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

غايكوب - أمل الجبرين.




الغايكوب بين اليين واليانغ





الأعمال تعرف بعناوينها كما يعرف الأشخاص بألقابهم، والعنوان من المفترض أن يكون مفتاحا للعمل كما هو اللقب مفتاح لمعرفة من يكون الشخص بشكل عام دون تفصيل أو دون كشف مبكر لما يمكن أن يمنحك من قيم ومعرفة، لكن أول ما يصادفك في هذا العمل عنوانه اللغز الذي يبدو كلمة غريبة عن قاموسنا المتداول "غايكوب" لكنها لا تشكل مفتاحا للعمل بل العكس العمل يشكل مفتاحا للعنوان لن نفهم العنوان ومقصوده إلا لو قرأنا العمل وأتممناه مستوعبين قصد الكاتبة. غايكوب هذه الكلمة ساحرة حتى لو لم تكن مفتاحا أوليا للعمل فهي بلا شك ستثير أهم ما يرضي الكاتبة وغرورها  وربما فقط رغبتها إن احتفظنا بحسن النية ستثير الكلمة السؤال.. ما هو غايكوب هذا؟
يتكون العمل من أربعة أبواب، الجهات الأربع هي العناصر الأربعة الأرض حين تصبح مربعة بزوايا حادة تبتلع السيولة والمرونة هناك شد عصبي في الرواية ستحتاج للتنفس أكثر من مرة الأمر أشبه بتسلق جبل وضغط الارتفاع يسبب لك طنينا مزعجا يصم آذانك لكن القمة تبدو شهية والقاع يبدو ضبابيا ونحن لم نرتكز بعد على أرض صلبة لا مجال للرجوع للخلف متى صلب الجندي يعقوب في مكانه سنصلب نحن أيضا ننتظر مصيره ومصيرنا، يبدو يعقوب في اسمه شيئا مألوفا، تسلل يعقوب من عقوبته بسلاسة متى فهم الوضع واتخذ شكل القردة الثلاثة للطاعة العمياء وهو ليس كأبيه بدايةً لأزمة الهوية التي تتصاعد لتشمل اللا أحد، حين كنت أقرأ لبيسوا وكيف تجاوز ألمه وجحيمه الخاص بخلقه للأنداد حين كنت أقرأ سعيه ليوضح أن الحقيقة لا يملكها أحدهم بل تضمهم كلهم وهي حقيقة رمزية تعكس حقائق كونية لم أدرك ساعتها أني بقليل من الحظ سأقرا عملا يتقاطع مع وصف بيسوا في غائيته ويختلف معه في الوسيلة، فغايكوب  عمل يبحث عن هوية تتجاوز فكرة المكان والزمان فكرة تحمل تدميرا ذاتيا خلاقا هناك تعاطي مختلف لأزمة الهوية بهذه الرواية تبدأ بالباب الأول مفجرة الوضع منذ البداية أنا لست أحدا ممن يحيط بي لست أبي البدوي الذي يعكس ما تتصف به البداوة من عنف الصحراء وتقاليدها الصارمة والصفات الاعتيادية المتداولة لرجال الصحراء من روح أبية وعاطفة مدفونة وليس المكان هنا سوى رمزية للوطن كله، أم الخيل الصحراء وما يمكن للصحراء أن تعطي ومحدودية هذا العطاء أم الخيل الأم الوطن الملجأ المكان حيث نعود قسرا رغما عنا الانتماء وكأي خيمة علينا أن نضع الوتد أما ثوبها فقد يذهب بعيدا ليغطينا وهذا ما سيحدث للمكان بالرواية سندق الوتد في أم الخيل ومنها ستمتد الخيمة لكل الجهات شرقا مع عائد ولن يخلو الأمر من بعد سياسي واجتماعي يحمل في طياته اسقاطات مهمة وأمل أجادت اختيار الأسماء ليكون لها رمزية ودلالة لـ"بازل" التي سنحتاج لإعادة ترتيبها مع النهاية، مع خالد الروائي الذي سيمد الخيمة لبلاد المغرب مع ليمن هادي التي ستهجر قسرا من عائلتها ليتزوجها رجل من الضفة الأخرى الجنة المفقودة التي طالما تغنينا بها وهي ليست لنا سيأخذها مزهوا بعيونها الخضراء لتبتعد عنه متى عرفت هويتها الحقيقية وفي هذا كان مقتلها الهذه الدرجة البحث عن الهوية لعبة خطرة، سنعرف ذلك مع الأستاذ قاسم العقل الرجل الذي ربما عرف أكثر مما يجب أو خلق في زمن غير زمانه زمن اختلطت فيه القمة بالحضيض قاسم العراق منبت الكلمة ملتقى الأديان  الذي ستجمعه الصدفة ببلقيس اليمنية لتتحد البلاد ويحمل اتحادها أزمة هوية، أيضا لا شيء هنا سهل اكتشافه كل شيء مرهون بالزمن وبتأثيرات وعوامل تعرية خارجية هذا الاتحاد سيأتي من يقضي عليه في لحظة لأن ما هو خارج هذه التوليفة التي تعيش بمفردها يرفض هذا التعايش القاسي على عقل متدني، الأستاذ قاسم الذي أخذ من قلم أمل حظا وفيرا ليس مجرد شخصية متهالكة على كرسي تنتظر خلاصها بل كان محفزا لظهور شخصيات أخرى كالصغيرة أغابي المحبة التي قاومت العنف لتفرض اسمها يضم الجميع لكنها فشلت واختارت طريق الجنة كما كان لقاسم دور أكبر في تعليم يعقوب وما سوف يخرج من يعقوب بعد حدوث الصدمة، من البداية عانى يعقوب من جفاء ما نحو ذاته لم يكتفي بيعقوب كذات رغب في سرقة حيوات الآخرين أحب حياة عائد البنغالي ذي الصوت الجميل، وجد في بساطة غرفته ومأكله وعزلته ملاذه، والتصق بتاريخه وتاريخ بلاده لكنه فزع من هذا كله فدخل بيت الأمير فلم يجد في الترف أمرا يجلب له السعادة كما هو متداول بين أقرانه، وبحث عن الحب ولم يجده في أم متوفية وخالة تجري وراء مصيرها وطفلة حاول خالد صديقه أن يفرضها عليه، كان بحاجة للحب ليكتشف ذاته ولم يجد هذا المحفز أيضا فبحث عن ذاته في مرآة تكبره وفي ملابس لا تناسب بيئته لكنها ناسبت مزاجه وتطلعاته والتصق بالدكتور قاسم وكتبه وعالمه واعتبر اهتمامه اهتمام أب لابنه ومتى التحق بالعسكرية ترك له ميراثه من والده .
شكّل المعسكر صدمة ليعقوب رغم كل الزغاريد التي رافقت قدومه وصاحبه خالد للمعسكر إلا أن ذاته خذلته بهذا المكان وتفجر الخذلان ذاتا ثانية أو بعدا آخر أو بشكل أكثر دقة غاية. أجادت أمل رقصة التويست فغيرت مجال تفكيرنا كله نحو جهة ثانية فلو كانت الرواية الكلاسيكية تعرف ذروة ما فمع أمل كانت الذروة رقصة تويست عنيفة فكيف من يعقوب تخرج غاية أنثى كاملة الأنوثة نوع من اليين واليانغ الأبيض والأسود مع احتياج كل منهما للآخر الضعف والقوة الكمال واللا كمال  مع اختلاف ترتيب الأشياء هنا حسب رؤية الكاتبة، هل كان على يعقوب أن يخرج من كهفه ليرى الشمس فتظهر حقيقته؟ أم هل كان عليه أن يتجاوز تلك الأشباح التي تسكنه في أزمة اللا أحد؟ والظلال ذات الظلال ليدرك أن ذاته تجمع من الذوات ما يحتمل خلقا جديدا وكان الخلق أنثى التي سعت برغم كل العراقيل أن تلج عالما جديدا وهذه المرة أيضا رفقة الاستاذ قاسم فتبدع الغاية غاية يعقوب في العلم وتتجاوز الأمور حدها الأقصى لتدخل غاية يعقوب في غايات دول ولعبة جيوسياسية مفرطة في السريالية مفرطة في العبث مفرطة في ديستوبيا لا نبتعد عنها حقيقة  تتزامن مع تعب عقل وذاكرة قاسم بمرض الزهايمر فتتحول مرآة غاية/ يعقوب وقد حان الوقت لنفهم أنهما يشكلان غايكوب تتحول المرآة لضباب تنعدم فيه الرؤية تماما ويختلط السواد بالبياض مشكلين لونا رماديا غير مفهوم وتتعب الذات من البحث عن هويتها تسلم مقاليد البحث للتقنية وللفهم القاصر للمجموع فقاسم انتهى ومع نهاية العقل ينتهي التاريخ وتعربد التقنية مثل قائد جديد يحصد كل شيء في طريقه ويتحول يعقوب من جديد لأمير حرب لأن الجميع أراده كذلك وبهذه الصيغة يعبث من جديد بالهوية ويصادف سارة التي ستلد يوسف وهذا الأخير سيهمل ما يحدث خلفه من عبث ويتجه إلى القدس الطريق الأول والأخير يوسف بن يعقوب الذي سيعيد لهذا الأخير بصره وبصيرته ليستيقظ يعقوب بمكان وزمان مغايرين ويكتشف حقيقة أن أزمة الهوية تحتاج لأكثر من ضربة شمس لتعالج.. وأن اللا أحد ستصبح الجميع وهذا الجمع يحتمل بدوره شكوكا مغايرة ومن سيحمل لهذا الشك بصيرته ومن يحمل الإجابات أهو الإمام سعد أم عائد أم خالد أم الأمير أم  الرقيب عائض المرقي أم هو قاسم الحر الاشتراكي أم أن الإجابة لا تقتصر على أحد بل تحتاجهم جميعا؟ هل كان يعقوب سيكون أفضل حالا لو عاش منعزلا يحمل إجابته في عزلته؟ يعقوب انتصر بجنونه على العالم كله انتصر على ذواته كلها فهو بجنونه بلغ جوهر الحقيقة ومتى بلغ الإنسان جوهر الحقيقة وتعذر على البقية فهم الحقيقة سيتهم حتما بالجنون، فالجنون مفهوم ومثل جميع المفاهيم فهي ديمقراطية تحتاج فقط للأغلبية لتصمد حقائقَ مصطنعة ولعل هؤلاء من قصدتهم أمل حين أعفتهم من الإهداء وخصصته للأحياء فقط والأحياء يتسللون من الأغلبية ليشملهم وصف مغاير تماما اللا منتمون… هؤلاء هم من سيفهمون جنون يعقوب وسيمسهم هذا الجنون وسيشربون من النهر وربما في أقصى الأماني توحشا سيسحبون البقية الأغلبية لتذوق هذا الجنون ربما سيحدث ذلك قريبا حين يدرك الجميع الأحياء والأموات. إن الأنا تسعى فقط لفهم ذاتها حتى تواجه الأنات المختلفة دون تبرج.. في زمن تهتكت فيه ذاكرة قاسم فنعيناه حيًا ثم نعيناه حقيقة وبقي الشاهد رمزا وأغابي حارسة.
كان التجديد في شكل الرواية في اختيار زمن ومكان يبدوان فضفاضين لكن تقيدهما الكاتبة بإشارات تحدد لنا سياق الحدث زمانيا ومكانيا مع بعض الرمزية التي تشكل مع اختيار الأسماء والأحداث التاريخية مفاتيح السرد. في هذه الرواية سرد عجيب كيف تنتقل الكاتبة من راو لآخر بسلاسة مثلا في الفصل الثاني كان هناك أكثر من راو، وفي الفصل نفسه يأخذ كل راوٍ حجمه ويتحدث الجميع ونفهم القصة.
لا أعرف لِمَ حين أنهيت الرواية سألت نفسي، ماذا لو كنت يعقوب؟ فأين غايتي؟ وهل سيصحو يعقوب أنا وهل سأصحو يعقوبا؟ ومن هو غايكوب؟ من هو غايكوب؟ أين لنا بالقميص يا أمل.

إيمان العزوزي.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب