المشاركات الشائعة

السبت، 29 ديسمبر 2018

دروس نابليون في اللغة الإنجليزية.


مر نابليون بأحداثٍ دراميةٍ متتابعةٍ مدة ثمانية عشر شهرًا، ففي البداية أُجبِر على التنازل عن الحكم بعد أن كان إمبراطورا فرنسيا ونُفي إلى جزيرةٍ تسمى إلبا، إلا أن ذلك لم يستمر طويلًا، فقد تمكن من الفرار وزحف إلى فرنسا واستطاع استعادة حكمه من جديد. لكنه لم تكد تمر عليه مدةٌ قصيرةٌ حتى تعرض لخسارةٍ ساحقةٍ في واترلو، مما تسبب في أن يعاد نفيه على يد الإنجليز إلى جزيرةٍ أبعد بكثيرٍ تدعى سانت هيلينا، وشُدِّدت الحراسة عليه فكانت ضخامة الجدران المائية لسجنه الجديد الذي يقع في جنوب المحيط الأطلسي ألف ميل في كل اتجاه.

وافق البريطانيون على تزويد نابليون الذي يلقب بِـ "Le Petit Caporal" بكميةٍ وافرةٍ من النبيذ واللحوم والآلات الموسيقية، لكنه -مع ذلك- لم يحظَ بأكثر ما تاق له: العائلة والقوة وأوروبا! وما جعل الأمور أسوأ أنه لم يكن لديه ما يقرؤه، فقد مُنعت عنه الصحف عدا بعضٍ من الأوراق تمكن من الحصول عليها وكانت جميعها بالإنجليزية.

كان هذا هو السبب وراء ما حدث، ففي 16 يناير 1816 للميلاد أي بعد ثلاثة أشهرٍ من نفيه قرر نابليون تعلم لغة آسريه -الإنجليزية- وفي الثلاثة أشهر التي تلت قراره بدأ يدرس يوميا وقتَ الظهيرة، وقد أثمرت دراسته اليومية عن مزيج متنوع من الفاكهة اللفظية، بعضها مر والآخر حلو يقضي بها أيامه في تلك الجزيرة التي سيعيش بها ستة أعوام قادمة أي حين يبلغ الواحدة والخمسين.

مضى نابليون في تعلمه للغة لبعدٍ أكثر من دراسة تصاريف الأفعال أو الأسماء أو أدوات التعريف، فقد كان يدون أفكاره بالفرنسية ليترجمها بعد ذلك إلى الإنجليزية وكانت أحرفه ومشاعره حزينة غالبًا:

 

"متى ستصبح حكيمًا

أبدًا لن أصبح طوال بقائي في هذه الجزيرة

لكن سأصبح حكيمًا بعد أن أجتاز هذه الحدود

عندما أهبط في فرنسا حينها يجب أن أكون مطمئنًا جدا

 زوجتي ستكون قربي

ابني سيكون رائعًا وقويا وسيتمكن من جذب زجاجة النبيذ على العشاء الذي سأتمكن من شرب نخبه معه حينها

النساء يعتقدن أنهن جميلات جدا

الوقت لا يملك أجنحة ليطير

عندما تأتي يجب أن ترى كيف أحبك أكثر من أي وقتٍ مضى"

 

كان الكونت إيمانويل دي لاس كونسولس هو معلم نابليون الإنجليزية وهو مؤرخٌ موالٍ للدولة، لذلك سمحوا له بمرافقة نابليون في منفاه وقد قام -لاحقًا- بتدوين تلك المدة التي قضاها مع نابليون في سانت هيلينا في كتاب أسماه مذكرات سانت هيليناMémorial de Sainte-Hélène)    (1822–23

تناول الكتاب حياة نابليون اليومية في تلك الجزيرة، آراؤه حول الدين والفلسفة، ونقاشاته عن أن القيم العليا للثورة الفرنسية وجدت وعاشت في إمبراطوريته، وقد طُبعت وأُعيد طباعتها عدة مراتٍ خلال القرن، فساهم في تغيير الفكرة السائدة عن نابليون من حاكمٍ ديكتاتوريٍ مستبدٍ إلى محرّرٍ للدولة والناس -رغم أنه قاتل من السلالات الملكية المستبدة أكثر من كونه مؤسسًا لامبراطوريته المتفردة- كما كان الكتاب أيضًا النافذة الأساسية التي يمكن من خلالها استعراض تطور اللغة الإنجليزية لدى نابليون.

 

Memorial de Sainte Helene يوميات الحياة الخاصة للإمبراطور نابليون في سانت هيلينا

 

ووفقًا لما قاله الكولونيل لاس كاسيس فإن تلميذه يتمتع بذكاءٍ غير عادي، لكنه يعاني من ذاكرةٍ سيئةٍ جدًا وهذا ما أزعجه. إذ تمكن نابليون من فهم قواعد اللغة الإنجليزية بسرعة كبيرةٍ جدا في حين تعلمه للمفردات كان بطيئًا وشاقاً جدا.

وعندما يتحدث نابليون الإنجليزية، يروي الكونت أنه "ينطق الكلمات فقط وفقًا للنطق الفرنسي" ربما كان الإمبراطور السابق لا يرغب في أن يعطي خصومه شرف أن يتحدث لغتهم بطريقتهم، وربما طريقة تعامله مع الإنجليزية تعكس رغبته الدائمة في أن يجعل كل ما حوله من الأقاليم الأجنبية خاضعًا لطريقته:

"حتى في لغته الأم لديه طريقة خاصة ينطق بها الأسماء وأما للكلمات الأجنبية فقد كان ينطقها كيفما يشاء، وعندما ينطق كلمة ما أول مرةٍ وبغض النظر عن طريقة نطقه لها فإنه يغرزها في رأسه كذلك للأبد ويظل دومًا ينطقها بذات الطريقة".

نتيجةً لذلك المنهج -الذي يرويه لاس كاسيس بمفهوم الطالب والمعلم لديهما- نشأت لغةٌ جديدةٌ كليا من طريقة نطق نابليون للكلمات، ويتفق مع ذلك بيتسي بالكومب وهو مراهقٌ مقيمٌ في الجزيرة إذ يقول:

"إن لغة الإمبراطور الإنجليزية والتي نطق بها بضع كلمات، كانت الأكثر غرابة في العالم" إلا أن نابليون -مع كل ذلك- واصل تعلمه للغة، إذ يشير لاس كاسيس أنه كان يكرس أكثر من خمسة ساعاتٍ يوميا لتعلم اللغة، مع تطبيقٍ مثيرٍ للإعجاب في بعض الأحيان، ومع نفورٍ واضحٍ في أحيانٍ أخرى، ومن خلال هذا الجهد حقق نابليون هدفه الأساسي في قراءة الصحف التي بين يديه حينها، كما أنه إلى حدٍ ما أو أكثر، أصبحت كتاباته مفهومة قليلًا.

ويمكننا أن نحكم على هذا الأمر -تطوره الكتابي- بأنفسنا، فلكونه يعاني من الأرق اعتاد نابليون أن يكتب رسائله الإنجليزية في منتصف الليل ليقوم لاكاسيس بتصحيحها في نهار اليوم التالي، وهنا بين أيدينا إحدى رسائله التي بقيت والعائدة لتاريخ 7 مارس 1816 للميلاد يحسب فيها نابليون مدى كفاءته الحالية ومقدار الجهد الذي بذله ليصل لهذه النتيجة فيقول:


"الكونت لاكاسيس: منذ ستة أسابيع بدأت بتعلم الإنجليزية دون أن أحرز أي تقدم، ستة أسبوع؟ أربعون واثنان يوما؟ إذا كنت قد قمتُ بتعلم خمسين كلمةً كل أربعة أيامٍ فهذا يعني أنني اليوم يجب أن أكون قد تعلمت ألفين ومئتين، إن كلمات الإنجليزية في القاموس أكثر من أربعة آلاف كلمة حتى وإن كانت عشرين فإن الكثير منهم يجب تعلمهن في أسابيعنا المئة والعشرين وهذا يعني عامين من التعلم، من هذا يجب عليك معرفة أن تعلم أي لغة جديدة هو عمل عظيم يجب أن يُنجز في سن الشباب. 

مفهومة؟ ربما! غريبة؟ قطعًا! لم يتوقف نابليون عن كتابة ''j'' بدلاً من "I" محاكيًا "je" التي تكتب في الفرنسية، وعلى الرغم من ذلك كانت ثقته الكتابية بنفسه متزايدة، ففي ذات الشهر قام بمزحةٍ بالإنجليزية للاس كاسيس، فقد أرسل رسالةً مجهولةً لمعلمه تحوي مراجعةً لأحد كتبه قائلًا بأنه لا يخلو من بعض الأخطاء التي عليك أن تصححها في الطبعة القادمة، ليقول لاس كاسيس إنه قد أُخِذ تمامًا بخدعة تلميذه وانطلت عليه لكنها كُشِفت عندما ضحك نابليون حينما شاهد أمارات المفاجأة والغضب على وجه معلمه مما ساهم في أن يتلاشى الغضب والانزعاج منه، ولاحقًا يقول لاس كاسيس: لقد أبقيت هذه الرسالة وحافظت عليها على نحوٍ كبير، إن السعادة والأسلوب والظروف التي تضمنتها جعلتها أغلى من أي شهادة كان بإمكان الإمبراطور منحها في وقت قوته.

آخر ما ذكره لاس كاسيس عن تعلم نابليون للإنجليزية كان في تاريخ 15 أبريل 1816م أي بعد ثلاثة أشهرٍ من بداية تعلمه للغة، أنه تحسنت ثقته بلغته كثيرًا إلى النقطة التي جعلته يعطي ملخصًا مرتجلًا بالإنجليزية لقصة قرأها في صحيفة فرنسية حصل عليها بطريقةٍ غير مشروعةٍ بكل أريحيةٍ خلال العشاء، والتي كانت مليئةً بالتفاصيل الرومانسية الرائعة والطريفة، والتي أثارت إهتمامنا كثيرا، لقد كان نابليون يستمتع بردة فعل جمهوره لدرجة أنه بدأ بالضحك، وعلق حينذاك أنه ضحك لأن قصته كانت مرتجلة، ولكن ذلك الارتجال كان ليظهر لنا تطوره في اللغة الإنجليزية.

إذا كنت ترغب في معرفة المزيد عن دروس اللغة الإنجليزية لنابليون، فقد كتب بيتر هيكس نصا ممتازا لموقع Napoleon.org والذي استمد منه النص أعلاه، ولمزيد من المعلومات عن المنفى النهائي للإمبراطور، اقرأ الفصل الأخير من كتاب أندرو روبرت "نابوليون العظيم" (2014) أو ألقِ نظرةً على كتاب "Napoleon at St Helene 1855" وهو الكتاب الذي استقى معلوماته من عدة مصادر مباشرة من بينها كتاب لاس كاسيس. 

 

 

ترجمة: عبير علاو



ريموند راديغات الروائي الفرنسي الذي مات في العشرين من عمره.

ريموند راديغات الروائي الفرنسي الذي مات في العشرين من عمره.

حياته:

ولد ريموند في سان مور بالقرب من باريس في الثامن عشر من يونيو/ حزيران سنة 1903. ابنا لرسام كاريكاتوري. وفي عام 1917 انتقل إلى المدينة، ولكنه انقطع عن الدراسة في  Lycée Charlemagne،  
من أجل التركيز على اهتمامه في الأدب والصحافة.

مسيرته الأدبية:

نشر راديغات في بداية سنة 1923 أول وأشهر روايته "الشيطان في الجسد"، وهي رواية تحكي قصة امرأة شابة متزوجة تقيم علاقة مع شاب يبلغ ست عشرة سنة، في الوقت الذي كان زوجها يقاتل في الجبهة، أثارت هذه الرواية فضيحة كونها حدثت في بلد خرج لتوه من حرب عالمية. ورفض رايموند التهمة التي وصم بها، بأنه كان يتكلم عن سيرته الذاتية، هذه التهمة ليس عليها أي دليل قطعي.
تعرضت الرواية في بداية نشرها لاحتقار النُقّاد، الحملة الضخمة الترويجية للكتاب أثناء طرحه (وهو أمر لم يكن معتادا وقتها) لكنهم اعترفوا في النهاية بجودة كتابة راديغات ورصانتها، وأسلوبه الموضوعي.
كان عنوان رواية ردايغات "الشيطان في الجسد" عنوانا لواحدة من اثنتين من الأوبريت، وخمس أوبرات، من تأليف الملحن الإيطالي روموالدو مارينكو في سنة 1884.

كانت رواية راديغات الأخرى "كرة الكونت أورجيل" نشرت بعد وفاته عام 1924، يتمحور موضوعها  أيضا حول الزنا أو مثلث الحب، وكانت مثيرة للجدل أيضا، وامتازت هذه الرواية بطابعها السيكولوجي، تدور حبكة الرواية حول السيدة ماهوات زوجة الكونت أورجيل التي تقع في علاقة حب مع صديق زوجها الجديد المراهق فرانسوا، وتجري العلاقة من خلف ظهر الكونت أورجيل دون أي يدري ما يحصل ما بين زوجته وصديقه الجديد. وتم تصويرها في فلم فرنسي حمل نفس الاسم عام 1970. لراديغات دواوين شعر قليلة ومسرحية.

اشرك راديغات نفسه مع مجموعة من تيار الحداثة، وأصبح صديقا لبابلو بيكاسو، وماكس جاكوب، وجين هيغو، وجوان غريس وفي الأخص جين كوكتيو الذي أصبح معلمه. لراديغات علاقات وثيقة جدا مع النساء. وكان راديغات معروفا في الأوساط الأدبية الباريسية بـ"السيد الطفل" ومع عدم صلاحيته ليكون نموذجا  في مواعيده الغرامية، وصفه كوكيتو كما يحكي همنغواي بأنه (الطفل المنحرف المحب للنساء) [مع استخدام صفة أنثوية]. ولمح همنغواي بأن راديغات وظّف جنسانيته لتحسين مهنته، لكونه كاتبا فقد "عرف كيف يجعل من حياته الأدبية لا تتعلق بالقلم فقط، بل بقضيبه كذلك*".

وكان لبعض الروائيين آراءً متباينة حول أعماله ففي عام 1945 أبدى ستيدمان وبلايك (روائيان) إعجابهما برواية راديغات الأولى "كونها تحمل أكثر النقودات مفارقة" وأشار ألدوس هكسلي بأنه راديغات امتلك السيطرة الأدبية التي يحتاج الآخرون لمدة طويلة للحصول عليها. ووصف فرانسوا مورياك رواية "الشيطان في الجسد" بأنها غير ناضجة ومروعة، لكن لا شيء يشبه السخرية كخرافة. ولم يقم أي يافع قبل راديغات بتوصيل سر العصر إلينا: كلنا قمنا بتزييفه.

وفاته:

توفي راديغات في الثاني عشر من شهر كانون الثاني/ ديسمبرسنة 1923، بعمر العشرين في باريس بسبب السل، بعد أن تمكن منه المرض بعد رحلة قام بها مع كوكيتو. وفي مقابلة لكوكيتو مع باريس ريفيو، بيّن أن راديغات أخبره قبل ثلاثة أيام من وفاته: "في ثلاثة أيام، سأطلق النار على جنود الله" وكتب فرانسيس بولينك عقب وفاة راديغات "ليومين لم أستطع القيام بأي شيء، كنت مذهولا جدا".
قالت الفنانة البريطانية نينا هاملت في مذكراتها سنة 1932 "ضحك الجذع" وهي تصف جنازة راديغات بأن الكنيسة كانت ممتلئة بالناس، وتصدرت فرقة عزف الصف الأمامي. كان هناك أيضا الفنان والنحات الروماني كونستانتين برانكوزي، وبيكاسو وأناس كثر آخرين لا أذكر أسماءهم. كان كوكيتو يومها مريضا ولم يستطع الحضور، وقد كان من أكثر الأشخاص تأثرا بوفاة راديغات وكتبت له في شباط سائلة إياه عن إمكانية قدومي لرؤيته فأجابني برسالة لطيفة:

24-شباط 1924
أنا مريض دائما وبلا شجاعة.
سأتصل صباحا.
كل الحب،
جين كوكيتو

من أعماله الأدبية:

1- الوجنات تحترق "قصائد مختارة" 1920.
2- مهمة العيد المنزلية "شعر" 1921.
3- البجعات "مسرحية" 1921.
4- الشيطان في الجسد "رواية" 1923.
5- كرة الكونت أويجار "رواية" 1924.

إعداد وترجمة: مؤمن الوزان.

شعر العِلم الفيكتوري

شعر العِلم الفيكتوري


في عام 1848 للميلاد، نشر عالم المعادن ورائد التصوير الفوتوغرافي والشاعر الهاوي "روبرت هنت" كتابه الذي حمل عنوان "شِعر العلم"، وهو عمل طموح جدا ومختلف حوى بداخله المعرفة العلمية مع جوانبها الميتافيزيقية والجمالية والأخلاقية بطريقة يسهل تقديمها إلى عموم القراء.

في هذا المقال، يستعرض جريجوري تيت الكتاب وما يمكنه تعليمنا إياه عن "الرغبات الفيكتورية الساعية للتوفيق بين لغة الشعر ولغة العلم".


بورتريه لروبرت هنت 1842م

رسمها الفنان ويليام باكر

المصدر: مكتبة  Wellcome


في مقال نشرته صحيفة The Examiner في ديسمبر 1848، أشاد تشارلز ديكنز بالدراسات العلمية لمختلف الظواهر الطبيعية حيث قال: "لإثبات أن العلم هو الطبيعة الملموسة حقا، إذ يمكنه -كالطبيعة- أن يستعيد شكلًا جديدًا دمرته الطبيعة، وبدلًا من أن نُلزمنا ونضع أنفسنا في سلاسل نفعية صارمة -كما يفعل البعض- فإن تحررنا من ضرر الخرافات ينقل تأملنا إلى آفاق أفضل وأكثر جمالاً، وهو أمر يعد أكثر ارتقاءً إلى الروح وأكثر رقيًا وقربًا من حياة الرفاهية، فهو -العلم- كائن حكيم وسليم وصحي."1


وعلى الرغم من المصطلحات الرفيعة التي تحتفي بالعلوم، فإن كلمات ديكنز كشفت أيضًا عن التوترات التي تخللت المعرفة العلمية في بريطانيا الفيكتورية، إذ بدا جليا أنه رغم موضوعيته الواضحة والدقة التحليلية إلا أن نصه يمتزج بالخوف من الموروث المسيحي في آن والرومانسي* في آن آخر، والذَين كان يريان أن العلم التجريبي مدمر ومعدوم القيمة والأهمية، فهو بنظرهم يختزل الطبيعة في كونها مادة بلا روح تخضع للقياسات البشرية. 

ولكن ديكنز يطمئن قراءه في أن هذه النظرة للعلم (نظرة النفعية الصارمة) وعدَّه الظالم للجمال الطبيعي والخيال لا أساس لها، وأن "الكائن الحكيم السليم والصحي" قد دحض ذلك بنجاح في الكتاب الذي يستعرضه "شعر العلم لروبرت هنت."2


إن تأييد ديكنز لشعر العلم غير واضح، فهو يرى أن الكاتب خفق بسبب أسلوبه المنمق وكلماته المتعرجة الطويلة، فيقول: "قد نعترض على الاستطالة العرضية وفي بعض الأحيان كنا نأمل لو تُنولت على نحو أيسر من الكلمات."3، وهو محق في ذلك، فإن هانت اتخذ إجراءات مفرطة أثناء مجاهدته لإظهار أن العلم ليس آليا ولا نفعيا بالانغماس في أساليب الاعتراضات والاحتجاجات التي كانت في بعض الأحيان أكثر عاطفية وعدوانية من روايات ديكنز، فعلى سبيل المثال، يعلن هانت في مقدمة "الشعر والعلم" :إن إسناد المحتوى للحقيقة المحضة هو أداء لنصف المهمة، فكما أن كل ذرة من المادة محاطة بجو من الخواص والقوى التي توحدها مع كل كتلة في الكون، فكذلك كل حقيقة، مهما كانت شائعة ومنتشرة فإنها محاطة بالدوافع التي تُستحضر من الروح إلى الروح مثل التموجات الموسيقية والتي سيسمع صداها في أرجاء الفضاء وستُخلّد للأبد."4


تفاصيل من 1842

صورة التقطت بواسطة هانت من منزله في فالماوث وهي واحدة من عدة صور أُرسلت إلى جون هيرشل في سبتمبر من ذلك العام، على الرغم من عدم تحديد هويته، يبدو أن الرجل الذي في الصورة هو هانت ذاته 

المصدر National Media Museum


قدم هانت مقابلة بين الطبيعة ودراسة الطبيعة، فهو يجادل أن العمليات الطبيعية مادية وغير مادية في ذات الوقت، وتُوجَّه بحركة الذرات وعمليات القوى المختلفة كالضوء، الجاذبية، المغناطيسية والكهربائية والتي لا يمكن أن تختزل إلى المادة. 

وبالمثل يجب أن تجد تلك العمليات مساحة لكل من العلم والعلم التجريبي والتحقيق التجريبي للحقيقة والشعر والتعبير عن الجماليات والأخلاق والروحانيات التي تحيط بهذه الحقيقة، وقد يبدو هذا التشبيه فضفاضًا وغير مقنعًا بنحوٍ خاص، لكنه أثبت انتشاره بين القراء الفيكتوريين. 


عندما بيعت النسخة الأولى من "شعر العلم"؛ كتب هانت يقنع الناشر: "طُلِبَت الطبعة الثانية من هذا العمل في غضون 12 شهرًا من نشر الطبعة الأولى منه" وأنه "لم يكن مخطئاً حين آمن بشمولية التجارب العلمية وقدرتها على افتراض الجانب الشعري."5


يكمن هدف هانت في كتابه "شعر العلم" أن يوفق بين العلم التجريبي وبين الشعر، وهما مصطلحان لا يدلان فقط على وجهات نظر مختلفة حول المعرفة العملية بل على نوع متنافسين من السلطة الثقافية، وعلى الرغم من أن الشعر قد خسر الكثير من قرائه بنحوٍ مطرد خلال القرن التاسع عشر والذين اتجهوا إلى الرواية والأخبار الصحفية فإنه -نظريا على الأقل- بقي محافظًا على مكانته الرفيعة كأفضل وأعلى صورة من صور التعبير الخيالي.

 

وفي نفس الوقت، بحلول عام 1848م بدأت تبرز قدرة العلوم على شرح العمليات الطبيعية وتسخير تلك العمليات لتطوير تقنيات جديدة لتحظى بمكانة لم يسبق لها أن نالتها في الثقافة البريطانية فكان من السهل رؤية الخيال الشعري والمعرفة العلمية في عداء متبادل بينهما البعض، ولكن كما وضّح روبرت هانت في مسيرته كان من الممكن أيضًا الجمع بينهما.

 

بدأ هانت حياته العملية كجراح متدرب قبل أن يؤمن لقمة عيشه، وفي أوقات متفرقة عمل ككيمائي وصيدلي وإحصائي في المسوح الجيولوجية، وعمل أيضًا أستاذًا في مدرسة المناجم في لندن، كما كان رائدا في التصوير الفوتوغرافي ونشر بحثا حول التصوير الفوتوغرافي للمعاملات الفلسفية في الجمعة الملكية.

وكان يكتب وينشر الشعر بانتظام مما دفعه أن يحاول في ثلاثينات القرن الثامن عشر الميلادي أن يلتحق بوظيفة كاتب مسرحي.

 

لم تكن اهتمامات هنت المتنوعة استثناءً إذ أن الكثير من الشخصيات البارزة في القرن التاسع عشر الميلادي -كعالم الفلك جون هيرشل والفيزيائي جون تندل وعالم الرياضيات جيمس كليرك ماكسويل- جمعوا أيضًا بين الأبحاث المتخصصة مع كتابة الشعر وبين شروحاتهم الرائجة والمنتشرة لنظرياتهم العملية، وكانت تعددية مهنهم وجمعهم بين العلم والأدب ممكنًا بفضل الحدود المفتوحة بين التخصصات في بريطانيا الفيكتورية إذ لم تكن هناك حواجز صارمة للتعليم أو اللغة، كما حدث في القرن العشرين بين البحث العلمي والاتصال العلمي أو بين العلم والأدب.

 

تفاصيل: رقعة كتاب الببلوغرافر الإنجليزي لعالم الجيولوجيا والحفريات تشارلز ديفيز شيربون والذي نُقِش من قبل والده في عام 1890م، في الصورة يمكن رؤية تمثال نصفي لشيكسبير جنبًا إلى جنب مع صورة لداروين وصورة لتمثال The Venus de Milo بجانب ميكروسكوب، والنقوش على خزانة الكتب عبارة عن جملة لاتينية تقول: "الكتب هم الأصدقاء، والطبيعة هي الله"

المصدر: مكتبة Wellcome


إن المبادلة بين هذه التخصصات مغلفة في أسلوب كتابة هانت لكتابه "شعر العلم" -كما هي لدى معظم كتاب العلوم في العصر الفيكتوري- فهو يقتبس بانتظام مقاطع شعرية في سياق تفسيراته للتجارب العلمية والنظريات.

ويعد الاقتباس الشعري في العلوم الفيكتورية متعدد ومتنوع ويصعب إغفاله، إذ يقوم الكتاب بالاستناد على لغة الشعر كأدلة داعمة لنظريات علمية معينة وأحيانًا كلغة منمِّقة لكلماتهم.

 

تستخدم بعض الاقتباسات لتلخيص الاستدلال الاستقرائي للعلم والذي ينتقل من ملاحظة ظاهرة طبيعية معينة إلى استنتاج أوسع حول أهمية تلك الظاهرة أو معناها، ويستخدمها البعض للإيماء إلى ما وراء الأسلوب الاستقرائي والإشارة إلى التأثيرات العاطفية والروحانية لحقيقية علمية ما.

 

ربما من المفاجئ أن الاتصالات العلمية الفيكتورية تشترك في اهتمامها بالشعر بالكتابة العلمية الحديثة، حتي بالنسبة لمفكر مشاكس ومثير للجدل بعقلانيته العلمية كتشارلز ديكنز -على سبيل المثال- فهو يسعد باستخدام الاقتباسات الشعرية لنقل ما يصفه بـ "عجب" المعرفة العلمية.

لكن في حين أن استخدام مثل هذه الاقتباسات الشعرية يشير إلى أن العلم والشعر يكملان بعضهما البعض -وهما جزء مهم من الفهم الكامل والدقيق للكون المادي- إلا أنه يفرض أيضا اختلافَا وتمييزَا بينهما ويفصل المعرفة الحقيقية والواقعية للعلم عن العواطف الحصرية المختصة بالشعر.

 

تظهر هذه الازدواجية جلية في أفكار ومناقشات هانت حول شيكسبير والتي نجحت في أن تكون مجزية ومرضية فبعد أن اقتبس قصيدة "Full fathom five" من The Tempest ("تلك اللؤلؤتان كانتا عيناه")، أشار إلى أن شيكسبير "فكر قليلاً في كيفية رسمه بنحوٍ صحيح للتغيرات الكيميائية، التي تُستبدل المادة الحيوانية المتحللة بها بالسليلوز أو التكوين الجيري"6 "إن اللغة الغنائية لشعر شيكسبير والمصطلحات الفنية لنثر هانت تصف الظاهرة نفسها، لكنها تفعل ذلك من وجهات نظر مميزة بنحوٍ أساسي. فالشعراء، استنادا إلى هانت، "يتمتعون بلحظات إلهام أكثر روعة حتى من تلك التي كتبها الفيلسوف والذي يستحضرهم من خلال الكدح الدائم والنضال الدامي مع العناصر المتغيرة باستمرار من حوله"7، ففلاسفة الطبيعة والعلماء يكتسبون بصيرتهم من خلال العمل الشاق والاستقصاء المنتظم حول حقائق الطبيعة، وعلى النقيض من ذلك يعرب شعر شيكسبير عن نوع من الجهل السامي والمعرفة البديهية للحقيقة ولكن دون أسباب أو تفاصيل للعمليات الطبيعية، كما أن ديكنز لم يوافق على هذا الإطراء لشيكسبير فقال: "لماذا ينبغي على هانت أن يرى أن شيكسبير لم يكن يدرك كيف كان حكيمًا، نحن لا نفهم كليًا"8، إلا أن هانت غيَّر ذلك في طبعات لاحقة، وعلق مع بعض المواربة التي استمرت حول الأمر أن شيكسبير "رسم مع قدر كبير من الصواب التغيرات الكيميائية" مشاركًا في تكوين اللؤلؤ.9

 

“Full fathom five…” by Edmund Dulac, from Hodder and Stoughton’s 1915 edition of The Tempest — Source.

 

بالنسبة إلى ديكنز، يخاطر هذا الاقتباس بتوجهات شيكسبير فيقلل من شعره ويختزله في زخرفة بليغة من الحكمة العلمية، ومن جهة أخرى -بالرغم من ذلك- يشير هانت إلى أن الشعر يمكن أن يدعم العلوم التجريبية بنحوٍ فعال بل يمكنه أن يكمل المعرفة المكتسبة من خلالها، وأطَّر ادعائه من خلال الجمع المباشر بين نوعين مختلفين من اللغة فمن الناحية الأولى لدينا شعره الخاص الذي يدرجه في نثره في عدة نقاط في كتابه "شعر العلم"، كما لو كان عمل شاعر كنسي**، ومن الناحية الثانية يبرز الوصف التفصيلي للتجارب والذي كان سمة بارزة في كتابة العلوم في القرن التاسع عشر، ففي فصل الجاذبية يسرد هانت تجربة يُعلق فيها قطرات من زيت الزيتون في مزيج من الماء والكحول الذي له نفس الجاذبية النوعية للزيت فبدلاً من "تسطيح القطرات" بواسطة "الانجذاب للأرض" في "ظل أي ظروف أخرى" تحتفظ القطرات بـ "شكلها المداري"، ليوضح هانت ذلك بقوله: "إنه أمر سهل التوضيح، إذ يخبرنا عن الكثير من الأسرار العجيبة للقوى المتوازنة الجميلة للتماسك والجاذبية، وهذا يؤدي لأن نكتشف أنه من هذه الحقيقة الملموسة فإننا نرتقي إلى حقيقة فلسفية عظيمة" ثم يدعم رأيه بوسائل لتوسيع نطاق التجربة فيقول:

" إذا قمنا بتمرير سلك فولاذي عبر أحد تلك القطيرات العائمة من الزيت وقمنا بتدويره بسرعة -وهذا يحاكي حركة الكواكب حول محاورها- فإن الزيت ينتشر -كما الشكل الكروي للأرض-، وبزيادة سرعة الدوران وعند معدل معين فإن قطرات الزيت تتسع لتكون قرص لتنفصل الحلقة عندئذٍ -كما لو أنها ابتعدت عن مركز الكوكب- وتبقى رغم ذلك تدور حولها من مسافة بعيدة، وهذا يعطينا تصور دقيق لما يحدث لحلقة كوكب زحل."10

 

ويلخص ما يسعى إليه في هذه التجارب فيقول: "في هذه التجارب ننتج نتائج تشبه بطريقة مذهلة الظروف السائدة في الفضاء"11، وبالنسبة لهانت فإن العلاقة بين التجربة والطبيعة هي علاقة جزء بكل "العمليات التجريبية تمثل العمليات الطبيعية في صورة مصغرة"، وفي هذه الحالة من نقطة البداية "للحقيقة الملموسة" لحركة قطرات زيت الزيتون فإننا "نرتقي" في المقاييس إلى إدراك الظواهر الفلكية الضخمة، ونرتقي أيضًا من خلال الاستنتاج الاستقرائي "إلى حقيقة فلسفية عظيمة" وهي فهم نظري للقوى التي تشكل المادة عبر الكون.12

 

في الفقرة التالية يتناول هانت قوة الجاذبية على أنها "روح حاكمة" في الطبيعة ويؤكد أهميتها لمرة أخرى ولكن بمصطلحات مختلفة بنحوٍ ملحوظ تبرز في سطور القصيدة التي تليها على الفور والتي تبين مدى تشكل الخطب المنمقة في فصل الجاذبية في كتابه فيقول:


"ذرات الغبار الصغيرة التي تنتشر خلال الرياح

تحمل هذا الانطباع القوي للعقل الأبدي

في الغموض من حوله، تتدحرج قوى سرمدية

والجاذبية تربط وتوجه كل ما حولها

في كل ذرات الرمال، وقبل هبوب أي عاصفة

الكذب يغطي القوى التي تنظم العالم

ومن كل ذرة فكر إنسان قد يرتقي

مع قوة، لاختراق سر السماوات

إذ تحاول كل قوة أن تتحكم بالخطة العظيمة

من حركة الكواكب، أو من تنفس رجل

ومن العجائب السرية لكل أحمق

استحضار الحقائق، وتعلم قوة الإله"13

 

على النقيض من الكتّاب الحديثين مثل دكينز والفلاسفة الفيكتوريين مثل تيندال الذين يستشهدون بالشعر لإبراز الشعور بالرهبة العلمانية في السمو الطبيعي الذي يكشف عنه العلم. يستخدم هانت الشعر لترويج علم اللاهوت الطبيعي -طريقة التفكير بالمنطق التي تستخدم التجارب الملاحظة والتأملات للطبيعة لإثبات وجود الإله المسيحي-، فهو يعلن أن دراسة المادة والقوى التي تؤثر عليها تطلق العقل نحو الحقائق التي ليست نظرية فقط بل إلهية، "كل ذرة" من خلال قوة "الفكر الإنساني" قادرة على إلقاء الضوء على "سر السماوات"، إضافة إلى أن قوافي أبياته تحدد سلسلة من التناغمات ("الغبار" خلال "الرياح"، "العقل الأبدي" و "أحمق " و"الله") (the “dust” on the “wind” and “the eternal mind”, “sod” and “God”) والتي تنعطف لتستمر فتُغلق الفجوة الظاهرة بين المفردات عن طريق الارتقاء الاستقرائي والذي يُقابل بالتجارب.

 

هذه الصلة بين العلم والشعر التي أنشأها هانت يجب أن تكون مطمئنة للقراء الفيكتوريين الذين يشعرون بالقلق حيال الحقائق المزعزعة للعلم، فكما تشير كتاباته يمكن لكليهما استخدام الظواهر الدنيوية والظواهر عديمة الأهمية لفهم الكون بنحوٍ أفضل، وعلى الرغم من ذلك كله فإن "شعر العلم" يعكس الصراع القائم في المجتمع الفيكتوري فيما يتعلق بعلاقة الشعر بالنظرة العلمية العالمية المؤثرة بنحوٍ متزايد.

 

يوحي استخدام هانت للاقتباسات الشعرية إلى أن الشعر يعد أفضل طريقة لكي يُستخدم كصورة توضيحية مزخرفة للمعرفة العلمية والتي هي حتمًا أكثر دقة وتفصيلاً من العلوم والمعارف المنقولة في القصائد إلا أن لغة الكتابة الشعرية الخاصة به تعكس هذا السلم وتظهر أن القصائد لها القدرة على التوفيق بين الطبيعة والدين فالشعر ينقل فهمًا روحانيًا ساميًا للكون والذي يمكن دعمه -دون قلبه أو اغتصابه- من خلال الأدلة التي تظهر في العلوم التجريبية.

 

 _____

جريجوري تيت: هو محاضر في الأدب الفيكتوري بجامعة سانت أندروز، يتناول كتابه الأول الذي نُشر في عام 2012 والذي كان بعنوان "عقل الشاعر: علم النفس في الشعر الفيكتوري 1830-1870" الطرق التي استجاب بها الشعراء الفيكتوريين وساهموا في ظهور علم النفس كفرع علمي في بريطانيا في القرن التاسع عشر، وقد أكمل للتو كتابه الثاني "المادة الشعرية" والذي يدرس تبادل الأساليب والمفاهيم واللغة بين الشعر والعلوم الفيزيائية في القرن التاسع عشر.


*الحركة الرومانسية: حركة في الفنون والآداب نشأت في أواخر القرن الثامن عشر.

** القانون الكنسي للكنيسة الكاثوليكية هو نظام من القوانين والمبادئ القانونية التي تطبّق من قبل السلطات الهرمية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية لتنظيم تنظيمها الخارجي والحكومي.



1. Charles Dickens, “The Poetry of Science”, Examiner 2132 (December 9, 1848): 787.

2. Dickens, 787.

3. Dickens, 788.

4. Robert Hunt, The Poetry of Science, Or: Studies of the Physical Phenomena of Nature (London: Reeve, Benham & Reeve, 1848), xxii.

5. Robert Hunt, The Poetry of Science, Or: Studies of the Physical Phenomena of Nature, 2nd ed. (London: Reeve, Benham & Reeve, 1849), v.

6. Hunt, Poetry of Science, 288.

7. Hunt, 288.

8. Dickens, “Poetry of Science”, 788.

9. Hunt, Poetry of Science, 2nd ed., 291–2.

10. Hunt, Poetry of Science, 24.

11. Hunt, 25.

12. Hunt, 24.

13. Hunt, 25.


ترجمة: عبير علاو.

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.


مي والعقاد.




كان الكاتب المفكر عباس محمود العقاد وهو من ألمع مفكري عصره لا ينكر حبه لمي، وقد لمّح له كثيراً في روايته سارة، وأعطى مي اسماً مستعاراً هو هند. وعرفها العقاد في البداية عن طريق مقالاتها في الصحف ثم من كتبها. وبدأت علاقتهما بالخطابات، هو من أسوان بلدته التي يقيم بها قبل استقراره في القاهرة، وهي من القاهرة حيث استوطنت مصر بعد قدومها من لبنان بصحبة والديها.
وعندما عاد العقاد من أسوان سارع بزيارة مي يملؤه الشوق والحنين إلى تلك الشخصية التي فتنته قبل أن يراها!
وتقارب الأديبان: العقلان والقلبان. لكن حب العقاد لمي كان مختلفاً عن حب مي للعقاد. كان العقاد يؤمن بطوفان المشاعر وتوحد الحبيبين نفساً وروحاً وجسداً، وكانت مي تؤمن بالحب الصافي السامي العفيف الذي يرتفع عن رغبات الجسد ويسمو إلى عالم الروحانيات وصداقة الفكر.
ولا شك أن العقاد احترق بحب مي في صمتٍ والدليل على ذلك قصائده الكثيرة إليها التي تحمل كل مشاعر الحب والتتيم بها.
ويقول الكاتب عبد الفتاح الديدي: يبدو أن هذه الفتاة لعبت أخطر دورٍ في حياة العقاد لأنها أعطته السعادة وما لم يكن يخطر له على بال، ولكنها وقفت أمامه نداً لندٍ وناوأت رجولته وسطوته وكبرياءه. وصدمت أحلام العقاد بفرديتها واستقلالها وشبابها المتأنق المدرك لأصول العلاقات.
وسئل العقاد مرةً كيف كان يجمع بين حبين في وقتٍ واحد: حب مي وحب سارة؟ فأجاب عن هذا السؤال قائلاً: "إذا ميّز الرجل المرأة بين جميع النساء فذلك هو الحب. وقد يميز الرجل امرأتين في وقت واحد" لكن لا بد من اختلاف في النوع أو في الدرجة أو في الرجاء، فيكون أحد الحبين خالصاً للروح والوجدان. ويكون الحب الآخر مستغرقاً شاملاً للروحين والجسدين، أو يكون أحد الحبين مقبلاً صاعداً، والحب الآخر آخذاً في الإدبار والهبوط. أما أن يجتمع حبان قويان من نوعٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ فذلك ازدواجٌ غير معهودٍ في الطباع، لأن العاطفة لا تقف ولا تعرف الحدود. وإذا بلغت العاطفة مداها جبَّتْ ما سواها.

ويصف العقاد في روايته " سارة" طبيعة علاقته بمي دون التصريح باسمها، بل اختار لها اسماً مستعاراً هو هند. فيقول: كان يحبها الحب الذي جعله ينتظر الرسالة أو حديث التليفون كما ينتظر العاشق موعد اللقاء، وكانا كثيراً ما يتراسلان أو يتحدثان، وكثيراً ما يتباعدان ويلتزمان الصمت الطويل إيثاراً للتقية واجتناباً للقال والقيل وتهدئةً من جماح العاطفة إذا خافا عليها الانقطاع.
ولكنهما في جميع ذلك كانا أشبه بالشجرتين منهما بالإنسانين يلتقيان وكلاهما على جذوره، ويتلامسان بأهداب الأغصان، أو بنفحات النسيم العابر من هذه الأوراق إلى تلك الأوراق.
كانا يتناولان من الحب كل ما يتناوله العاشقان على مسرح التمثيل ولا يزيدان. وكان يغازلها فتومئ إليه بإصبعها كالمنذرة المتوعدة، فإذا نظر إلى عينيها لم يدر أتستزيده أم تنهاه، ولكنه يدري أن الزيادة ترتفع بالنغمة إلى مقام النشوز. وكان يكتب لها فيفيض ويسترسل، ويذكر الشوق والوجد والأمل. فإذا لقيها بعد ذلك لم ير منها ما ينم عن استياءٍ ولم يسمع منها ما يدل على وصول الخطاب، وإنما يسمع الجواب باللحن والإيماء دون الإعراب والإفصاح.
وربما تواعدا إلى جلسةٍ من جلسات الصور المتحركة في مكانٍ لا غبار عليه، ويتحدثان بلسان بطل الرواية وبطلتها، ويُسهبان ما احتملت الكناية والإسهاب، ثم يغيران سياق الحديث في غير اقتضاب ولا ابتسار.
وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة، لا يزالان يحومان في نطاق واحد، ويتجاذبان حول محورٍ واحدٍ ولكنهما يحذران التقارب، لأنه اصطدام؟
ولم تكن مي لتعتقد الرهبانية فيه ولا تزعم بينها وبين وجدانها أنه معزولٌ عن عالم النساء. غير أنها لم تكن تحفل اتصاله بالنساء ما دام اسمهن نساء. لا يلوح من بينهن اسم امرأةٍ واحدةٍ وشبح غرامٍ واحد. فإن اسم النساء في هذه الحالة لا يدل على معنى، ولا انتقاصٍ فيه لما بينهما من رعاية واستئثار.
كانت الخطابات المتبادلة بين مي والعقاد ثروةً أدبيةً وفكريةً وإنسانية، ودليلٌ في نفس الوقت على رابطةٍ متينةٍ قويةٍ بين الطرفين. يحدثنا أحمد حسين الطهاوي عن ذلك في كتابه "غرام مي وجبران بين الحقيقة والخيال " فهو يلاحظ في رسائلها الغرامية إلى جبران أنها كانت تعيش شبه حالة حبٍ مع عباس محمود العقاد استناداً إلى رسائل اكتشفها طاهر الطناحي وتقول في إحداها وكانت مؤرخة في 20 أغسطس ( آب) 1925:
إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت القصيدة التي أرسلتها لي، وحسبي أن أقول لك أن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالةٍ كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان. بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرةٍ رأيتك فيها بدار جريدة " المحروسة" إن الحياء منعني وقد ظننت أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك. والآن عرفت شعورك وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران. لا تحسب إنني أتهمك بالغيرة من جبران فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني. كما أنني لم أره إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف.
سأعود قريباً إلى مصر، وستجمعنا زياراتٌ وجلساتٌ أفضي فيها لك بما تدخره نفسي ويضمه وجداني. فعندي أشياء كثيرة أقولها لك.
وفي قصة " سارة" التي كتبها العقاد، وروى فيها حبه لامرأتين هما " سارة " و"هند" وصفها فقال: إحداهما حولها نهرٌ يساعد على الوصول إليها والأخرى حولها نهرٌ يمنع من الوصول إليها وكان يقصد بالأخرى مي.
وقال العقاد عن مي ذات مرة:
لقد كانت متدينةً تؤمن بالبعث وأنها ستقف بين يدي الله يوماً ويحاسبها على آثامها، فكانت رغم شعورها بالحياة وإحساسها العميق الصادق وذكائها الوضاء وروحها الشفافة ورقتها وأنوثتها، تحرص على أن تمارس هذه الحياة بعفةٍ واتزان.
وكتب العقاد في مي العديد من القصائد التي تظهر بوضوحٍ ذلك الحب الذي ملك وجدانه، حبه لمي. ومنها قصيدةٌ بعث بها إليها في روما حيث كانت تقضي أجازة صيف عام 1925. وخلال تلك الفترة تبودلت الرسائل بينهما كلها تنم عن شوق مكبوت من الطرفين.

كاتب المقال: إيمان
التدقيق اللغوي: عبد الله علي

( عن كتاب مي زيادة لنوال مصطفى)

حميد العقابي - محمد جواد.


شاعر وروائي وقاص عراقي، وُلد في مدينة الكوت عام 1956، غادر العراق عام 1982 مشياً على الأقدام إلى ايران عبر جبال كردستان، عاش في إيران ثلاث سنوات في معسكرات اللجوء (التي لم تكن تختلف عن أبشع المعتقلات حسب وصفه)، وخلال هذه المدة حاول الهرب إلى أفغانستان وتم القبض عليه من قبل "المجاهدين" ثم تم تسليمه إلى الشرطة الإيرانية ليلقى في السجن، استطاع بعدها السفر إلى دمشق بعد أن قام أحد أصدقائه بدعوته.
عاش في دمشق ستة أشهر، عانى فيها معاناةً تختلف عن معاناته السابقة، حيث عانى في تلك الفترة من الجوع والتشرد والنوم على الأرصفة، ثم بعدها غادر إلى الدنمارك بما يشبه المعجزة (على حد تعبيره).
لحميد قرابة عشرين عملا إبداعيا، عانى من صعوبة النشر ومن قلة انتشار أعماله في الدول العربية مثل معظم الكتاب العراقيين في تلك الفترة، استمر بالكتابة حتى فاجأه الموت بسكتة قلبية في الرابع من أبريل عام 2017 في مدينة فايله الدنماركية.
عن العراق وحروبه وأزماته يقول العقابي: "العراق، الحرب، صدام حسين.. هذه المفردات شكلت حياتي ولم استطع التخلص منها. أنا أقيم خارج العراق منذ 31 عاما ولكني ما زلت أحلم كل ليلة (تقريبا) بأني عائد إلى العراق وشرطة صدام السرية تطاردني في الشوارع، وأنا أركض والقذائف تتساقط بين ساقي، وحينما استيقظ أحمدُ القدر على أني أعيش بعيداً عن موتي بآلاف الأميال، حتى وإن كان مكان أقامتي موحشاً".
نشر العقابي خمسة دواوين شعرية هي "أقول احترس أيها الليلك" و"واقفٌ بين يدي" و"بم التعلل" و"تضاريس الداخل" و"حديقة جورج" ثم نشر بعدها تجربته السردية الأولى "أُصغي إلى رمادي" عام 2002 ثم نشر مجموعة قصصة بعنوان "ثمة أشياء أخرى" ثم ديوانا شعريا أسماه "الفادن"، ثم قام بنشر ثلاث روايات هي "الضلع" و"اقتفي أثري" و"القلادة". وبعد وفاته قامت زوجته بنشر بعضٍ من أشعاره الأخيرة تحت عنوان "القطار" وصدر عن دار ميزوبوتاميا عام 2017.
يقول العقابي في أحد أشعاره:
من أينَ جاءتْ نخلةٌ
في الأفقِ ؟
ها إني أراها عبْرَ نافذةِ القطارِ
أكاد ألمسُ عذقَها
بَرحيّةٌ
فرعاءُ
يقطرُ تمرُها
عسلاً على شفتيَّ
ألعقهُ
وأسمعُ شدوَ فاختةٍ
أضاعتْ أختها
في ليلِ كوبنهاجنَ الثلجيّ
لكنْ
كيفَ تنبتُ نخلةٌ في الثلجِ ؟
مَنْ ألقى النواةَ
أو الفسيلةَ ؟
أيّ ريحٍ حُمّلتْ من طلْعِ فحلٍ
من عراقٍ أعقمتْهُ الطائراتُ
وسَرْطَنتْهُ قذائفُ النوويّ
كيفَ ؟
ومَنْ ؟
.............................
.............................
كانَ القطارُ يمرُّ فوق البحرِ
بين جزيرتينِ
وأنني مازلتُ ألمحُ نخلةً في الأفقِ
فوقَ الماءِ
تُبحرُ في ضبابِ البحرِ
تتبعني
وتدنو
وجهُ أمّي
ضَوعُ فوطتِها
يلامسُ سعفُها هُدْبي
أهزّ بجذعها
..........................
..........................
لا شيءَ في كفّي
سوى جمرِ الشجَنْ


محمد جواد.

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب