المشاركات الشائعة

السبت، 8 ديسمبر 2018

من الجيد أن تكون كاتبا و...

من الجيد أن تكون كاتبا و...



هناك العديد من المقالات بعناوين من قبيل العادات الخمس للكتاب الناجحين أو كيفية إنجاز كتاباتك عندما يتكدس كل شيءٍ آخر عليك. هذه ليست واحدةً من تلك المقالات. ومع ذلك فهي مقالةٌ عن المحافظة على هوياتنا في عالمٍ يطالبنا باستمرارٍ بمواءمة الشغف أو الهواية مع الوظيفة أو العمل.
أنا أعمل حاليا عميدا للكلية، وأنا أيضا أكتب الشعر، ولو كان لدي الشجاعة الكافية كنت سأقول لنفسي سأكون شاعراً فقط. لكنني لا أقول ذلك بعد الآن، لأنني بعد الكثير من التفكر والاستبطان، قبلت حقيقة أنني أحب أن أبني وأنشئ الأشياء، بما في ذلك إدارة المؤسسات. على الرغم من كل الانتقادات (المستحقة وغير المستحقة) التي قيلت  في تعليم الفنون الليبرالية خلال العقود القليلة الماضية، لكنها لا تزال واحدةً من أفضل الهدايا التي جادت الثقافة الأمريكية للعالم بها. أنا أزداد إلهاماً كل يومٍ بقيادتي لكلية الفنون الليبرالية، على الرغم من جميع السياسات الأكاديمية السيئة، ومعاناتي من فتراتٍ طويلةٍ من الاستياء والتشابكات البيروقراطية في مثل هذه الوظيفة.
كثيراً ما أسمع السؤال، كيف يمكنك أن تفعل كِلا الأمرين؟ أي الوظيفة والشعر، عادةً ما يكون هذا السؤال ودودا، ويأتي من قبل زميلٍ أو طالبٍ ينتظرني للكشف عن القوة السرية العظمى التي أتمتع بها. في بعض الأحيان يأتي الطرح بصيغة التشكيك، من قبيل لو تكن أكثر وضوحاً في تحديد توجهك الذي تريد أن تكونه، ونادراً جدا قد يأتي بصيغةٍ عدائيةٍ ناعمةٍ وبصياغةٍ ذكية. في تلك اللحظات أتذكر أن بعض الشعراء لم يلاقوا تحدي الهوية المتعددة، قد يكون أنهم عملوا في وظائف متعددةٍ بتسلسلٍ ما. فمثلا رفض القديس يوحنا بيرس الكتابة بشكلٍ احترافي، حينما كان دبلوماسيًا فرنسيًا، إيمانا منه أنه بذلك قد يكون غير مناسبٍ له بصفته موظف خدمةٍ عامة، وربما خوفاً من أن يعتبره بعضٌ خطيراً على الدولة. لكن آخرين لم يفعلوا ذلك، فمثلا توماس إليوت رفض تمويلاً أقامه أصدقاء بلومزبري له، مفضلا الراتب البيروقراطي الروتيني والحياة بصفة موظفٍ في بنك لويدز وبعد ذلك في فابر، باعتباره أكثر مواءمةٍ للعمل الشعري. كما بقي والاس ستيفنز رجل تأمينٍ طوال حياته المهنية. وكذلك خدم بابلو نيرودا في الخدمة الخارجية التشيلية لمعظم حياته المهنية.
حتى مع الأمثلة أعلاه، من الصعب عدم الاستسلام لفكرة أنه يجب أن يكون هناك خطٌ فاصلٌ بين هذين النشاطين. في إحدى المرات، عندما كنت أمر بفترة انقطاعٍ مؤقتٍ عن الكتابة اقترحت علي إحدى الشاعرات أن أكتب كتابًا عن قصائد ذات مواضيع بيروقراطية، مثل الميزانية والتوفيق بين الأعداد، وأردفت أنه يمكننا اعتبار الميزانية قصيدة، وذلك بتكثيف ودمج معانيها، فضحكت أنا وراجعت بشكلٍ غريزي كلا الاقتراحين، لأنها بدت مستحيلة. لكنني أدركت فيما بعد أنها كانت تطلب مني فقط تطبيق الأفكار المقترحة منذ عدة سنواتٍ في كتاب سكوت بوكانان الشعر والرياضيات، وهو كتابٌ أعيد قراءته بشكلٍ متكررٍ من أجل احتضانه المفتوح للخواص المشتركة للهندسة والشعر.
ويمكن أن يكون مثل هذا الكتاب من القصائد عن الأشياء البيروقراطية فرصةً حقيقيةً للتعليق الاجتماعي. تقول آيمي لويل في قصديتها 
"A Ballad of Footmen"  أغنية الأجير هي إحدى هذه المحاولات المبكرة الشجاعة، وهي قصيدةٌ أُلفت احتجاجاً على الحرب وتداعياتها الجائرة:
"من الحماقة أن نفكر في أن إرادة الملك 
يمكن أن تجبر الرجال أن يضحوا بالغالي والنفيس في معارك خاسرة"
فلاديمير ماياكوفسكي في عمله الشعري "جواز سفري السوفييتي" يصور علاقةً متناقضةً للغاية مع إجراءات الدولة:
"سأتخلص من البيروقراطية مرةً واحدةً وللأبد
ليس لدي أي احترام للإجراءات الشكلية
فالتذهب كل ورقةٍ إلى الجحيم
إلا هذا -يقصد الجواز-
هذا الشيء الصغير عزيزٌ بالنسبة لي،
أنا أغادر بلدي خالي الوفاض أجر طرف بنطالي السائب،
اقرأها وأحسدني: أنا مواطنٌ من الاتحاد السوفيتي"

لكن بالنسبة لي لم يحن بعد وقت كتابة هذه القصائد عن البيروقراطية. سيتعين عليهم الانتظار جزئياً لأن القيام بمشروعٍ كهذا سيكون بمثابة القبول بفكرة أنه لا بد من هويةٍ موحدةٍ للكاتب لكي تكون كتاباته مفهومة.
ولأن الهويات المتعددة قد تكون غير قابلةٍ للتوفيق بالنسبة للعالم الخارجي، أعتقد أنه من الجدير استحضار مبدأ "الطنبورة Tanpura " كرد فعل. الطنبورة هي أداةٌ موسيقيةٌ طويلة العنق، تشبه العود تستخدم في الموسيقى الهندية في دعمٍ للأدوات الأخرى عن طريق إصدار الدندنة والأزيز. لا يقدم عازفو الطنبورة لحنهم الخاص، بل يضربون الأوتار الأربعة للأداة في سلسلةٍ متواصلةٍ من النغمات الشجية، لتوفير قاعدةٍ أو خلفيةٍ موسيقيةٍ يمكن للعازف المنفرد أن ينطلق من خلالها في الغناء أو في عزف لحن الرّاجا.
إن مبدأ الطنبورة في الكتابة قائم على فكرة أن الكثير من الكتابة تحدث أثناء القيام بأشياء آخرى، لأن قاعدة الإلهام الشعري، وهي مثل الدندنة المهيئة للطنبورة موجودةٌ دائمًا. هذا ما قصدته صديقتي عندما قالت إنه حتى الميزانية يمكن أن تكون قصيدة. لم تكن تعني أن على المرء أن يدمج الهويات خاصته بقسوةٍ لكي يجعل المرء من نفسه مفهوماً للأخرين، ولكن في الشعر كان ولايزال هنالك نوعٌ من الإنصات التوافقي الذي يمكن أن يحدث في أي مكان، وبأي شكلٍ من الأشكال.
هناك أوقاتٌ نعجز فيها عن الاستماع لهذا الوحي أو الدندنةٍ المحفزة، لا نميزها لأننا متعبون للغاية أو غارقون في التحديات الأخرى العاطفية والروحية وحتى اللوجستية. لكن النقطة ليست عندئذ في "استجلاب الإلهام" بل الأحرى أن نتذكر أن هذا الوحي موجودٌ دائماً، حتى في غمرة التعب والإحباط من أعمالنا ووظائفنا الأخرى.
تكتب الشاعرة ماكسين كومين لحظة وصفها بأنها عثرت على المنزل الذي سيصبح في نهاية المطاف مزرعتها ومنزلها في نيو هامبشاير:

"ينفتح جانب المنحدر من الحظيرة على بقعةٍ قاحلة
ربما كانت هي منطقة رعي للماشية
خلف المنحدر في نهاية الحظيرة 
كانت بقايا مراعي صخريةً صغيرةً مرئية
أدركت فجأة أنه لا توجد منازلٌ أخرى في الارجاء 
على هذا الطريق عديم الاسم
لا صوت للمركبات في الانحاء، 
لا أصوات للناس هنا، 
صمت لا يقطعه سوى هتاف الطيور على بعضها"
وهي تستكمل:
لم أكن أعلم آنذاك كيف ولكن هذه القصيدة (البيت الريفي) كانت تختمر في داخلي، وفتحت الآن:

"بعد الوجود الطويل للناس، بعد أن خلت
وانكشفت،
بينما نتحاورتنهار الجدران 
تموجات شعر الصغيرة
وابتسامات قديمة
تتقاطع مع وجه المدخنة"
قامت كومين بهذه الجولة في المنزل في عام 1961، ونشرت القصيدة بعد خمس سنواتٍ أي في عام 1966. في وصفها المختصر لهذه التجربة أنها استنبطت نظريةً إبداعيةً خلّاقة، إن لحظاتٍ صغيرةٍ من التوقف أو ربما حتى من الإحباط أو الذعر، يمكن أن تكون أشكالا من البصيرة التي قد تؤتي ثمارها في قصيدةٍ بعد سنوات.
كان ديواني الشعري الأخير (منزل التقاطع) يدور أيضاً حول المنازل، لكنه ضياع المنازل وليس وجودها. تم تكريسها لذكرى غاستون باشلار، الذي كان لعمله (شاعرية الفراغ) تأثيرٌ كبير. كانت تجربتي الأساسية في الهندسة المعمارية المحلية مثل الدندنة أو الإلهام. أصبحت هندسة المنزل أساسًا لبصيرةٍ شاعريةٍ لم تظهر في بعض الأحيان إلا لعقودٍ بعد ذلك.
بالنسبة للكتّاب، هناك استمرارية في الإدراك عبر أشكالٍ متعددةٍ من العمل وخياراتٍ متعددةٍ من الحياة المهنية، واستكشافاتٍ متعددةٍ للهوية، وحتى الهويات المتعددة التي قد تُعطى عند الولادة. هذه القدرة على الإدراك من أجل البصيرة، تمكن في الإلهام الذي قد يأتي لاحقا في شكل قطعةٍ من الكتابة التي يتم إبداعها بعد سنواتٍ وسنواتٍ من التدرج في مهنٍ مختلفة، وعبرعدة زيجاتٍ وعلاقاتٍ جنسية عابرة، وأمزجةٍ وأقنعةٍ مختلفة.
إن جوابي بالمناسبة، لكيفية الكتابة عندما يغرقنا عملٌ آخر هو ببساطة: اكتب لمدة ساعةٍ في اليوم لا يهم ما تكتبه. لكن الشيء الأهم هو من باعتقادنا ما يجب أن نكونه خلال تلك الساعة، وأن أهم شيءٍ يمكننا القيام به عندما يطلب منا أن نحدد توجهنا وأن نكون شيئا واحدا، هو الاستمرار في تعددنا المحير هذا.

-كاتبة المقال: لوري باتون هي رئيسة كلية ميدلبري، وهي عالمةٌ دينيةٌ وشاعرة. نُشر كتابها الثالث من القصائد (هاوس كروسينغ) من قبل محطة هيل هيل في عام 2018. في أبريل عام 2018، انتخبت عضوا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.

مترجم المقال: فلاح حسن.
التدقيق اللغوي: عبد الله علي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب