المشاركات الشائعة

الخميس، 20 أغسطس 2020

يوليسيس - جيمس جويس (المقال الأخير)


النفي والعودة 


إنَّ الثيمة النفي والعودة في يوليسيس لم تكن مجرد ثيمة في الرواية فحسب بل هي الثيمة الخلفية للأوديسة وحياة جويس ويلتمسها القارئ في تفاعل القراءة مع يوليسيس. يرحل أوديسيوس عن مملكته في إيثاكا إلى الحرب في طروادة ويعود إليها بعد عشرين سنة من نفي "مجازي" إجباري عنها، ويخرج بلوم من منزله ويعود إليه بعد منتصف الليل ويغادر ستيفن القلعة ولا أحد يدري هل عاد إليها أو لا، ويسافر جويس نحو فرنسا ثم يعود إلى إيرلندا ثم يسافر مجددًا إلى إيطاليا ثم سويسرا ثم فرنسا ثم سويسرا مجددا حتى مات ورفضت سلطات إيرلندا إدخال رفاته، والقارئ ليس بمنأى عن هذا النفي والعودة وهو يقرأ عملًا ينفره "نفي" ويجذبه "العودة" ولا يكاد قارئ لم يشعر بهذا اللا تفاعل المنفِّر من العمل أو التفاعل الإيجابي الجاذب للعمل لا سيما في حلقات مثل السادسة أو الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة. 

لم يعد أوديسيوس إلا بعد ذاق مرارة الابتعاد وقضى عشر سنوات في البحر يحاول العودة محاربًا الأقدار ولعنات الآلهة والقدر. ويخطو بلوم إلى بيته بعد يوم طويل متنوع الأحداث حافل بالوقائع ما بين السعي في بيع الإعلانات وهلوسات سكره وتحمل إساءات المواطن، ولا يقل حال ستيفن سوءًا عن بلوم وهو الذي يعاني من نفي وعودة فكريين في صراع الكنيسة والإيمان فوق ما يعانيه من رفقاء السكن في القلعة التي قرر تركها لكن هل عاد إليها؟ يبدو هذا رغم عدم وجود ما يؤكدُه. يمتاز جويس عن ملهمه وشخصياته أنه في منفًى اختياري رفقة نورا حبيبته وزوجته ولا يوجد من ينتظره في دبلن، ويتشابه مع أوديسيوس بأنه لم يمكث في بلد واحد فما بين تريسي وزيورخ وباريس ثم زيورخ حتى النهاية هكذا بقي في المنفى ولم يرَ دبلن مجددًا بعد 1904 عندما عاد إليها بعد وفاة والدته ليتركها بلا عودة متنقلًا في أوروبا ومغادرًا مضطرا مدن سكناه بسبب الحربين العالميتين. لا يلتمس القارئ في يوليسيس أن جويس عملَ على إنشاء علاقة حميمية مع القرَّاء ولا أن يحبب الرواية لهم بل تركها متكورًا على نفسه، لا يفكُّ مغاليقها إلا الصابرون وحتى بعد فك مغاليقها وفتح أقفالها فهي لا تعد بالكثير ولا تكشف عن أسرارها، ويجد القارئ نفسه في الرواية مرغوبًا به تارة ومرفوضًا في أخرى، هذا الشعور بالعلاقة السيئة الذي انتاب الكثير من القرَّاء حتى كرهوا العمل أو في أفضل الأحوال كانت قراءته تعني تحمل الكثير من الصعوبات والمشقة. 

إنَّ هذه الرحلة ما بين النفي والعودة التي تحيط بهذا العمل من الداخل والخارج، والتشابهات التي جمعت كل ما يرتبط بيوليسيس يطرح السؤال هل النفي والعودة محض صدفة أو أنها حركة مدروسة من جيمس جويس؟ أوديسيوس وبلوم وجويس الذين جمعهم يوليسيس (مخلوق جويس) يجعلنا مرغمين على إنكار الصدفية في اختيار هذه الثيمة بل هي مقصودة ومتعمدة وعمل جويس على نسجها وحِبكها بكل إتقان، وهي بعد كل شيء قصة الإنسان الفاني. 

فينُفى الواحد منا من رحم أمه ثم تتلقفه الحياة وتمضي حياته كلها ما بين نفي وعودة. إنَّ هذه الثيمة هي ثيمة البشرية وليست مقتصرة على جويس وحياته وعمله، لكن ما يحسب لجويس هذه القدرة الإدراكية والتقنية في الأداء التي مكنته على قطف هذه الثيمة من حياة أكثر من مخلوق خيالي وحقيقي وجعلهم في عمل واحد، يوليسيس!          


مؤمن الوزان.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب