المشاركات الشائعة

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

عشرة قياصرة: أباطرة الروم من أوغسطس إلى قسطنطين- بوب دافي.




تأليف: باري ستراوس.
 مؤسسة النشر: سايمون وشوستر.
 عدد الصفحات: 432
رحلة شائقة وماتعة خلال أربعة قرون من الحكم الإمبراطوري للروم.



هذه السيرة الماتعة والمتسلسلة ذات مستوى رفيع من ناحية الأسلوب والموضوع في دراسة القرون الأربعة الأولى للإمبراطورية الرومانية. مع إشارة واضحة إلى الاثني عشر قيصرًا الذين ذكرهم سويتونيوس، فإن المؤرخ الكلاسيكي باري ستراوس في كتابه عشرة قياصرة، يخصّ بالذكر أفضل عشرة من بين أكثر من خمسين من الأباطرة الذين حكموا خلال هذه المدة الزمنية.

سيحب أمناء المكتبات والقراء العاديون هذا القالب الانتقائي لأباطرة التاريخ الروماني، في حين قد تتحفظ الأوساط العلمية على هذه الانتقائية الشديدة في الاختيار. أما فيما يتعلق بالفئة المستهدفة فإن كتاب عشرة قياصرة مع ثغراته، والنقص النسبي في السياق على المستوى الأدنى إلا أن الرسوم التوضيحية الواسعة وأشجار نسب العائلة، والفهرس أيضًا تجبر هذا النقص وتضفي على الكتاب قيمة.

يثبت المؤلف ستراوس- من خلال تأطيره لإيجابيات وسلبيات نهضة الإمبراطورية الغربية وسقوطها- أنه مدرك لتفاصيل الاختيار، بالإضافة إلى الحكايات الرائعة التي من شأنها أن تجذب قراء اليوم. يتناول سرده الغني بالمعلومات الثقافية والمسلية والعامية المنعشة في كثير من الأحيان مهام وشخصيات كتابه بدقة موجزة تنم عن ذكاء.

لم يخفِ ستراوس عنا الأجزاء القذرة في حياة شخصياته سواءً الجانب الدموي أو الخدّاع وتفاصيل علاقاتهم فيما يتعلق بإشباع رغبات الجسد. يذكر لنا أن حياة أي إمبراطور أو أي منافس خطِر في مثل وضعه يمكن أن تكون في كثير من الأحيان وعرة مثل ركوب عربة في فيا أبيا (طريق أيبان)، إلا أنها لا تخلو من التعويضات الفارهة  والمترفة.

ومن المنظور الإيجابي قد يُعلن الإمبراطور الناجح إلهًا بعد وفاته، ويخصص للقوي والمتميز منهم بشكل استثنائي مرسًى في الحياة الآخرة بصحبة زوجته أو أمه، أو أخته أو اثنتين منهن. وهذا يضفي لمسة خفية ورائعة للكتاب: بما فيه من إشارة إلى عدد المرات التي ظهرت فيها المرأة قوية ومؤثرة في التاريخ الروماني مرارًا وتكرارًا.

ومن أمثلة ذلك المسيحية هيلينا التي تنتمي إلى أواخر القرن الرابع، وهي ابنة صاحب خان، ووالدة الإمبراطور قسطنطين ومستشارته. تحظى هيلينا بمكانة القديسة في كل من المسيحية الشرقية والغربية، ويُنظر لها على أنها حاجّة تقية إلى الأرض المقدسة.

كذلك تظهر في السنوات الأولى للإمبراطورية كوكبة من النجوم النسائية اللامعة والقوية. لنأخذ على سبيل المثال النبيلة الذكية والجميلة ليفيا، ذات الدماء الزرقاء[1] زوجة أوغسطس (الذي حكم من 27 ق.م. - إلى 14 م). وينظر ستراوس إلى ليفيا على أنها "توأم الروح" للإمبراطور الأول، تكافئ زوجها ذكاءً وطموحًا. ويبرز ستراوس أيضا في سرده: أغريبينا  زوجة كلوديوس (حكم من 41-54 م) وشريكته المؤثرة في الحكم.

وهي أيضًا أم نيرون أو نيرو، وحبيبته  إذا صدّقنا بعض الشائعات المعاصرة الشنيعة. وأيًا كانت الحقيقة، تمتعت أغريبينا بامتيازات لم يسبق لها مثيل في ظل حكم ابنها. كانت لديها وحدة خاصة من الحرس البريتوري، وهي قوة النخبة الرومانية التي كان لها نفوذ سياسي كبير (بما في ذلك سلطة اختيار الأباطرة وإزاحتهم  خلال السنوات القادمة).

كما سمح نيرو لأغريبينا بمراقبة إجراءات مجلس الشيوخ السرية في الخفاء من خلف الستار على غرار شخصية بولونيوس[2]. لكن في نهاية المطاف حدث صدام بين أغريبينا وابنها بمطالبتها ببيان عن النفقات الإمبريالية، وعلى حد تعبير ستراوس: "كان يمكن لأغربينيا أن تعطي ابنها الإمبراطورية على ألا يحوز على الحكم دونها". ثم قتَلها نيرو في ما يبدو أنها كانت محاولته الثانية للتخلص منها.

وفيما بعد يكرر التاريخ نفسه، مع زوجة نيرو الثانية رفيعة الحسب الجميلة بوبيا والتي كانت حبلى بطفله. تموت بعد ركلة قوية من زوجها. ثم يرثيها الإمبراطور بطريقة مصطنعة طنّانة ويأمر بتبجيلها على مستوى الإله، اتباعًا للعُرف السائد.

لم يكن طريق نيرو إلى العرش طريقًا شرعيًا مباشرًا. فهو ابن أغريبينا من زوجها الأول، تبناه زوجها الإمبراطور كلوديوس مثله مثل العديد من الأباطرة، مما أضفى عليه الشرعية باعتباره وريثا محتملا للعرش. كان هذا الإجراء مألوفًا: إذ تبنى يوليوس قيصر أوكتافيان (أوغسطس الثاني)؛ وتبنى أوغسطس تيبيريوس، وتبنى جرمانيكوس كاليغولا؛ وهلم جرا. ثم تصبح الأهلية بموجب المستند القانوني هي المعيار.

تغلغل إجراء التبني في وراثة العرش وأحاط بمفاهيمها، حتى إن سيفيروس (193-211 م)  -أحد أفضل العشرة لدى ستراوس- وثب إلى الحكم من خلال تبني نفسه في عائلة سلفه بتفويض وكالة. وكذلك هادريان (حكم من 117 - إلى 138 بعد الميلاد) الذي زوّر أوراق تبنٍ بعد وفاة سلفه تراجان ليصل إلى الحكم.

وأخيرًا يدير قسطنطين (المتوفي عام 337 م) دفة الحكم. فمن بعده انتقل الحكم تدريجيًا نحو الشرق، وفي الأخير إلى القسطنطينية،  مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا.

قد يكون كتاب عشرة قياصرة انتقائيًا بالضرورة، لكن هذا لا يقلل من سعة تغطية ستراوس لموضوعه. فهو خبير معترف به إلى حد بعيد، ألّف ثمانية كتب عن التاريخ العسكري القديم. وقد سدّ فرق المدد بين الحكام، وإن كان متسرعًا قليلاً، إلا أن ذوقه ودقته جديرين بالإعجاب.
سيخرج القارئ العادي بعد قراءة هذا الكتاب بشعور أن لديه إحاطة ومسح كامل للتاريخ الروماني.


بوب دافي: أكاديمي سابق ومؤلف واستشاري في ماريلاند. تتراوح سلسلة كتاباته بين المقالات العلمية عن التاريخ الأدبي، والأفلام إلى التعليقات على استراتيجية العمل، وتقنيات الإنترنت.

[1]  الدماء الزرقاء: مصطلح إنجليزي سُجّل عام 1834م ليشير إلى أصالة نسب النبلاء، وكان أساس التسمية تميّز بشرة ذوي الطبقة العليا -بلون الأوردة السطحية الزرقاء التي لم تصبغها حرارة الشمس- عن الطبقة الكادحة.
[2]  بولونيوس: شخصية خيالية من مسرحية هاملت لشكسبير.


ترجمة: بلقيس الكثيري.
تدقيق لغوي: مؤمن الوزان. 



  • بوب دافي: أكاديمي سابق ومؤلف واستشاري في ماريلاند. تتراوح سلسلة كتاباته بين المقالات العلمية عن التاريخ الأدبي، والأفلام إلى التعليقات على استراتيجية العمل، وتقنيات الإنترنت.
  • ترجمة: بلقيس الكثيري.
  • تدقيق لغوي: مؤمن الوزان. 


[1]  الدماء الزرقاء: مصطلح إنجليزي سُجّل عام 1834م ليشير إلى أصالة نسب النبلاء، وكان أساس التسمية تميّز بشرة ذوي الطبقة العليا -بلون الأوردة السطحية الزرقاء التي لم تصبغها حرارة الشمس- عن الطبقة الكادحة.
[2]  بولونيوس: شخصية خيالية من مسرحية هاملت لشكسبير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب