المشاركات الشائعة

الثلاثاء، 26 مارس 2019

مفاهيم روائية 1 - مؤمن الوزان.

السرد:
هو أي شيء يحكي أو يعرض قصة، أكان نصا أو صورة أو أداء أو خليطا من ذلك، وعليه فإن الروايات والأفلام والرسوم الهزلية… إلخ هي سرديات. (1)

عملية السرد تحتاج إلى سارد يقوم بعملية السرد، وقد يكون السارد ظاهريا وقد يكون متواريا.

1- السارد الظاهر: هو الذي يشير إلى نفسه/نفسها بضمير الشخص الأول (أنا، نحن، إلخ) والذي يخاطب المتلقي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة… وهو يعرض خطابا تعاطفيا أو ميلا نحو الشخصيات والأحداث، خصوصا بتوظيف الصور البلاغية وخياله وجمله التقيمية، وتعبيراته الذاتية أو الانفعالية (الوظيفة التعبيرية). أو إنه الذي يتطفل على القصة من أجل أن يمرر تعليقاته الفلسفية أو لغته السردية الشارحة(2).

2- السارد المتواري: هو الذي لا يحمل أيا من خصائص الظهور الواردة أعلاه، لا سيما أنه لا يشير إلى نفسه أو نفسها، ولا يخاطب أي مسرود لهم وهو الذي له صوت ونمط محدد غير مميز، وغير محدد جنسيا، ولا يظهر قلقا إفهاميا مهما كانت الظروف ولا يعطينا شرحا أو توضيحا حتى لو كنت بحاجة ماسة إليه، إنه شخص لا يتطفل ولا يتدخل، ويترك أحداث القصة تنساب حسب تسلسلها الطبيعي وسرعتها. (3)

وهناك صنفان رئيسان في السرد هما السرد المتجانس والسرد غير المتجانس.

1- سرد مادة الحكي الداخلي: السرد المتجانس: تُحكى القصة على لسان سارد مادة الحكي الداخلي أو سارد مادة الحكي المتجانس(4). وهذا السرد تسرده شخصية حاضرة في الرواية أو يكون بلسان الشخص الأول أو الأنا، مثل (ذهبتُ، بكيتُ)، وفيه نرى سرد الشخصية تتكلم بضمير الأنا وتوجه الخطاب نحو مسرود لهم مجهولين.

سرد الشخص الأول: هو السرد الذي يحكيه شخص موجود في قصته إنها قصة أحداث خبرها بنفسه، قصة خبرة شخصية والفرد الذي يفعل السرد (تسريد الأنا) هو أيضا شخصية (خبرة الأنا) على مستوى الفعل. (5)

بإمكان الروائي الذي يسرد الرواية بضمير المتكلم أن يسرد لنا الرواية ويصورها لنا من خلال عيني الشخصية لكنه لا يُمكن له أن يجعلنا ننظر لداخل الشخصية من خلال منظار خارجي ينظر إلى الداخل. فما لا تستطيع أن تفعله الشخصية بنفسها والنظر إلى داخلها من منظور خارجي لا يُمكنها نقل هذا التصوير والرؤية للقارئ.

2- سرد مادة الحكي الخارجي: السرد غير المتجانس: تُحكى القصة على لسان سارد مادة الحكي الخارجي، أو السارد غير المتجانس، حيث تشير البادئة إلى اختلاف الطبيعة بين عالم السرد وعالم الفعل (6).  في هذا الصنف السردي، يكون السارد خارجيا ويتكلم بوضوح عن قصة حدثت في زمن مضى، ويكون في بُعد مختلف عن البعد الزماني أو المكاني الذي حدثت فيه المادة المسرودة.

سرد المؤلف: هو السرد الذي يحكي من سارد غائب عن القصة، ولا يظهر بصفته شخصية في القصة، وسرد المؤلف يحكي قصة تتضمن أناس آخرين. إن المؤلف السارد يرى القصة من موضع خارجي، عادة ما يكون موضع السطلة المطلقة التي تسمح له/لها أن تعرف كل شيء حول عالم القصة وشخصياتها (7).

ويسمى السارد المؤلف بالسارد العليم الكلي المعرفة، هو أن يكون الكاتب ذو معرفة كلية وشاملة لشخصياته، لذلك بإمكانه التنقل من شخصية إلى أخرى أو الغوص في وعي الشخصية ومعرفة أفكارها، ألا إن هذا الأسلوب كان شائعا في القرن التاسع عشر، لكنه في الرواية المعاصرة قليل الاستخدام. ومن أغراضه أنه يُعطي للمؤلف دورا واضحا ويتوجه الروائي مباشرة إلى القارئ، لتوضيح أو تفسير أحداث أو أفكار معينة، ومن سلبياته أنه يزيد من المسافة بين القارئ والشخصيات، والتنقل بين شخصية وجهة نظر إلى أخرى يحتاج إلى سارد متمكن وماهر حتى لا يكون العمل مفككا أو مجزءًا، ويجب الانتباه وعدم الخلط بينه وبين الضمير الغائب المتعدد. فقد انتاب هذا السارد تغييرات في الرواية الحديثة التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر مع هنري جيمس وبداية القرن العشرين، فقد كان السارد شخصا عليما بكل ما سيدور في الرواية، والشخصيات، ونهايات الأحداث، وقادر على الخروج من أي مأزق وله حلول لجميع المشاكل، لكن في هذا العصر، وفي خضم الحداثة والتطور المستمر من الذي له بإمكانه الإجابة على كل هذه التساؤلات المتشككة والمظاهر المزيفة؟ يتساءل جيسي ماتز في كتاب تطور الرواية الحديثة. هذا ما دفع الروائيين الحداثيين تجاه النظرة المتموضعة بؤريا Focalization، من خلال التركيز على جانب محدد من الحياة، التي تستطيع الشخصية إدراكه. ومن فوائد السرد المنظوري Prespectival (وهو سرد شخصية وجهة النظر -وهي الشخصية التي من خلالها نتابع القصة أثناء القراءة-)  التعددية إلى عدة وجهات نظر لشخصيات مختلفة في الرواية، مكونة تعدد رؤى شبيهة بالسارد كلي المعرفة. كما في رواية الصخب والعنف لفوكنر.
***
ومن أساليب السرد المستخدم في عرض الأحداث والمشاهد في الرواية: أسلوب السرد البانورامي وأسلوب السرد المشهدي.

أسلوب السرد البانورامي (التصويري): حيث يعمل السارد على عرض المشهد بصورة تصويرية محاكاة للواقع وشاملة لكل الأجزاء التي تدخل في صنع والتأثير في الحدث، حيث يكون السرد من زوايا متعددة ومختلفة ويكون الراوي - السارد أكبر من كل الشخصيات وأعلم من الجميع، ولا يتبنى رأيا لكنه قد يتدخل في إبداء رأي ما أو إضافة معينة تعمل على مساعدة القارئ في فهم جوانب مخفية عنه حول الشخصيات أو الأحداث، وعلم الرواي لا يجعله يتسيد الموقف ويدير الأحداث كما يشاء بل يبقى كأنه ناقل لحدث درامي مسرحي أثناء وقوعه، مزودا القارئ بالمعلومات التي تُقحمه في خضم الحدث. وفي أحيان كثيرة لا يخفي الراوي مهمته وآلة تصويره بل يُعلم القارئ فيها، ويوضح عمله ويشرك القارئ في رؤية المشهد وتصويره بقرب أو بعد، وهو بهذه المهمة تُتاح له مزية الاقتراب أو الابتعاد في تصوير المشهد حسب ما يراه ملائما في نقل الحدث.

الأسلوب السرد المشهدي: يعمل السارد من خلاله على تبني أو الإيحاء للقارئ أنه يتبنى وجهة نظر معينة من خلال عرض الرواية من خلال شخصية وجهة نظر التي من خلالها يسرد ويتابع القارئ القصة، ويفرق عن أسلوب السرد البانورامي ذو الزوايا المتعددة والكبيرة والتي تحتوي على جميع التفاصيل من بُعد معين يقف فيه الرواي وينقل المشاهد والأحداث كمصور، إذًا، فالفرق بين الأسلوبين يبدآن من دور الراوي هل هو سارد عليم أم هل هو شخصية داخل عمله الروائي، فمن خلال اختيار دوره تُتاح له الإمكانية في اختيار أسلوب العرض الدرامي للأحداث.
***
يميل الروائي إلى الأسلوب غير المباشر أكثر من الأسلوب المباشر، وذلك لأنه يجعل ذهن الشخصية حقيقة ملموسة تدركها الحواس كما يقول بيرسي لوبوك.                           
وهذا الأمر يُساعد الكاتب على بناء الدراما في قصته وسردها بما يُمكن القارئ من الوقوف على أحداث الرواية بصورة أكبر مما لو كان السارد المباشر -ضمير المتكلم- الذي تبقى إمكانياته محدودة بما يراه ويُشاهده ويُخبره عن نفسه. هذه الصراعات النفسية للشخصية التي تمثل دراما الحدث والرواية.


***


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علم السرد صفحة 51.
(2)، (3) المصدر السابق ص.72.
(4) المصدر السابق ص. 73.
(5) المصدر السابق ص. 82
(6) علم السرد ص. 74.
(7) المصدر السابق ص. 82.

التبئير:  هو زاوية الرؤية أو وجهة النظر(1). وهو المنظور الذي من خلاله نتابع القصة، وله ارتباط وثيق بشخصية وجه النظر. ويعرفه يان مانفريد وظيفيا "هو أداة لاختيار وتقييد معلومات السارد، ولرؤية الأحداث وحالات القضايا من وجهة نظر شخص ما، ولمواجهة وسيط التبئير، ولخلق رأي متعاطف أو ساخر من المؤبر".

المؤبر: هو الوسيط أو الفعال الذي يوجه وجه نظر النص. ويرتكز النص على وجه نظر المؤبر عندما يعرض (ودون تجاوز) أفكار المؤبر، وانعكاساته، ومعرفته وتخيلاته الإدراكية والفعلية، وتوجهاته الأيديولوجية والثقافية. (2) ويمكن أن يكون المؤبر داخل النص (سارد داخلي) ويسمون (الشخصيات التبئيرية) أو من خارج النص (سارد خارجي) ويسمى السارد هنا (المؤبر- السارد).

والتبئير له أربعة قوالب أو أشكال رئيسة كما يذكرها يان مانفريد في كتاب علم السرد(3):

1- التبئير الثابت: ويكون عرض الأحداث والحقائق السردية من قبل وجهة نظر ثابتة لمؤبر مفرد.
2- التبئير المتغير: ويكون عرض الأحداث والحقائق السردية من قبل مؤبرين متعددين.
3- التبئير المتعدد: وهو تقانة عرض الحدث العرضي بتكرار من خلال رؤية مدبر داخلي مختلف كل مرة.
4- التبئير الجمعي: هو التبئير من خلال مجموعة ساردين (نحن الساردون)، أو مجموعة شخصيات.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  1. علم السرد صفحة 78.
  2. علم السرد صفحة 79
  3. علم السرد صفحة 80

شخصية وجهة النظر:

وهي الشخصية التي من خلالها نتابع القصة أثناء القراءة، ويستخدمها الكاتب لسرد أحداث قصته وهي تتنوع حسب الضمير المستخدم ولكل نوع إيجابياته وسلبياته منها المرونة، وقراءة ذهن الشخصيات من عدمها، فورية نقل الحدث، المرونة في الكتابة، اتساع رقعة المعرفة بالأحداث فمن ضمائر السرد:

١- ضمير المتكلم: أنا، قمتُ، ذهبتُ، تكلمتُ.
٢- ضمير الغائب: هو أو هي، قام، قامت، ذهب، ذهبت.
٣- الضمير الجمعي كلي الوجود: سارد واع بكل تفاصيل الرواية والشخصيات وبإمكانه اختراق وعي الشخصيات ومعرفة ما يفكرون به.
٤- ضمير المخاطب: أنتِ أو أنتِ، صعب ونادر في استخدامه.
٥- ضمير الجمع: نحن أو هم.
٦- الضمير الرسائلي: استخدام الرسائل في السرد.
٧- يمكن التنقل بين ضمير المتكلم وضمير الغائب: هذا الضمير يحتاج دقة ومهارة في الاستخدام حتى لا يحدث خلل في السرد وعشوائية في التنقل بين شخصيات وجهات النظر*.
***

وفي ضمير المتكلم يجب تقليل المسافة بين الراوي والقارئ، وترك الكلمات التي لا يستخدمها الشخص مع نفسه، فحين نفكر في مسألة ما، نفكر بها بصورة مباشرة مثلا:

أريد الذهاب إلى فرنسا الأسبوع القادم، ماذا اختار أبالطائرة أسافر أم القطار ياااه محتار!

وضع المسافة الخاطئة أن تقول:
- أفكر في الذهاب إلى فرنسا الأسبوع القادم. أو، أفكر حاليا بالذهاب إلى فرنسا.

الجملة الثانية تصنع مسافة بين القارئ والراوي وتبدو كأنك تخاطب شخصا آخر وهي ليست طريقة عرض شخصية وجهة نظر السارد بضمير المتكلم.



















ــــــــــــــــــ
*كلما كثرت شخصيات وجهات نظر؛ قلّت امكانية السيطرة على القصة وعرضها بصورة دقيقة ومنصفة.

ضمير الغائب: يتكون ضمير الغائب من أربعة مستويات هي(1):


١- ضمير الغائب القريب: هو الضمير الذي يكون قريب من الشخصية شبيه بضمير المتكلم.

٢- ضمير الغائب البعيد: هو الضمير الذي يكون الكاتب مثل الكاميرا التي تصور البطل، ويكون أكثر رسمية وأقل حميمية وتعاطفا مع القارئ.

٣- ضمير الغائب المتوسط: هو الضمير الذي يكون ما بين القرب والبعد لشخصيات وجهات النظر.

4- ضمير الغائب المتعدد: هو الضمير الذي يستخدم عند تناول شخصيات وجهات النظر متعددة -الشخصيات التي تدور حولها الرواية-.
***

الفرق بين ضمير الغائب القريب والمتوسط والبعيد؛ يشبه الفرق بين وقوفك أمام بناية عن بعد ٥ أمتار و ٢٠ مترا و٥٠ مترا، سيكون الفرق واضح، في دقة الوصف واتساع زاوية الرؤية، الشمولية، والتخصيص، وهذا ما يحدث عند الحديث والسرد عن شخصيات وجهات النظر، والكاتب الحذق يعرف كيف يقترب ويبتعد ويعرض ويسرد الحدث وشخصية وجهة نظر دون الإخلال ببنية الرواية.

  • للقرب أو البعد مميزات وسلبيات فكلما كان ضمير الغائب قريبا قلت زاوية الرؤية لدى الكاتب، وتزداد كلما ابتعد الكاتب عن شخصية وجهة النظر في عرضها.
    ويمكن الانتقال بين القرب والبعد في شخصية وجهة النظر ويجب أن يكون القفز أو الانتقال بصورة منتظمة أو غير مربكة للقارئ أو مفككة للنص الروائي.


                                                  ***

وجهة النظر الواحدة مقابل وجهة النظر المتعددة: هذا العنصر في عرض الرواية وهو كالكاميرا التي تُسلط على شخصية أو عدة شخصيات والتي من خلالها يتم عرض الأحداث وأفكار وبيئة الرواية العامة، وهي الأخرى لكل منها إيجابيات وسلبيات، وما هو متفق عليه كلما زادت وجهات النظر زادت المشاكل التي تواجه الكاتب في السيطرة على خيوط حبكة روايته وزاد تشتيت القارئ ومحاولته فهم الرواية من خلال متابعة وجهات النظر الكثيرة.















ـــــــــــــ

  1. تقنيات الكتابة الروائية - نانسي كريس. الفصل الرابع عشر ص. 269.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب