المشاركات الشائعة

الخميس، 14 مارس 2019

ظُلّة الغاب (The Overstory)


الرواية الأكثر تشويقًا التي يمكن أن تقرأها عن الأشجار – رون تشارلز.

قذف هنري ديفيد ثورو ذات مرة جذع شجرة كستناء بحجر كبير بغية إسقاط بعض الجوز. كان يحب طعمه الحلو، ولكن تلك الوجبة كانت تشعره بالذنب. كتب في يومياته عام 1855: " إلحاق أذى -لا داعي له- بالأشجار التي تغذينا أو تظلُّنا من الأعمال البربرية والإجرامية." وكتب: "إن الأشجار الكهلة آباؤنا، وآباء آبائنا."

خلال حياة ثورو، كانت أشجار الكستناء الأمريكية تغطي رقعة ضخمة من شرق الولايات المتحدة. ولم يكن مؤلف "والدن" حينها يتخيل أن البلايين من آبائنا سيتعرضون للدمار بفعل آفة في أوائل القرن العشرين. هذا الدمار الذي حدث بفعل فطر مستورد من آسيا، صاحبه الجشع في صناعة الأخشاب في البلاد، التي استنزفت أمريكا الشمالية ثم اكتسحت العالم بأسره.

في عام 2016 ، رصدت آني برولكس حقائق حول قطع الأشجار في العالم الجديد على مدى ثلاثة قرون عبر روايتها الرائعة "Barkskins". ونظرًا لطول الرواية الهائل واستعراضها الموسوعي للغابات، بدا كما لو أن "Barkskins" ابتكار متفرد بذاته، أما الآن فقد غُرس إلى جانبها رفيق يماثلها ضخامة، متمثل في رواية ريتشارد باورز "ظُلّة الغاب" (The Overstory). هذه الرواية الطموحة التي حلّقت عبر مظلة الأدب الأمريكي وأعادت رسم معالم المشهد البيئي.

باورز من الكتّاب المشهود لهم منذ زمن طويل بكتبه العقلية المقنعة، حيث تظهر قدرته الرائعة على سرد القصص الدرامية والعاطفية مع الخوض في مواضيع قد يجدها العديد من القراء –بخلاف ذلك-  غامضة. كتب عن علم الوراثة، والأدوية، والذكاء الاصطناعي، والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي. وفي عام 2006 ، حازت روايته "صانع الصدى" (the Echo Maker) عن علم الأعصاب  جائزة الكتاب الوطني. والآن تحول اهتمامه -أكثر من أي وقت مضى- إلى بيئتنا الحيوية المعرضة للخطر -وبشكل خاص- إلى أقدم وأنبل شكل من أشكال الحياة في العالم: الأشجار.

تتناول رواية "ظلّة الغاب" الطريقة التي يتحول بها حقل واسع إلى غابة كثيفة. وتظهر قصص أبطاله المختلفة بشكل مستقل لمرحلة زمنية دون توضيح للعلاقة التي تربطهم ببعضهم. ولكن لا بد أن يكون لديك إيمان بمبتكر هذا العالم. يكتب باورز في تاريخ الشجر وليس تاريخ البشر، ورؤية النتيجة تشبه مشاهدة فيديو مصوّر على مدد زمنية. وسرعان ما تمسك شخصياته المتباينة بفروع تتلامس وتتشابك: قبل الحرب الأهلية، يسافر مهاجر نرويجي إلى آيوا ويبدأ الزراعة في البلد الجديد الخالي إلى حد كبير. بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، يبحر شاب من شنغهاي إلى سان فرانسيسكو. في أواخر سبعينيات القرن العشرين، يحصل طفل غريب الأطوار من عائلة مضطربة على إذن قبوله في الجامعة. ينجو رقيب في حرب فيتنام من الموت عندما تتلقف شجرة بانيان ذات الثلاثمائة عام جسده الساقط من طائرة شحن. وقد كتب عنه باورز "كان يدين بحياته لشجرة"- كلنا كذلك.

هذا الإنقاذ الشامل هو أصل هذه الرواية المركبة بشكل مذهل، والتي تستمر في التوسع لتشمل رائد ألعاب فيديو، ومحامٍ لحقوق الملكية الفكرية، وممثلة هاوية، وامرأة عائدة من عالم الموتى وغيرها الكثير. كما هو الحال في الطبيعة  يبدو الأمر كما لو أن العدد فائض عن الحاجة. لكن هذه الشخصيات لا تتقارب مع بعضها في لحظة من  اللحظات المفتعلة كما لو أنها لحظة تجمع غوغائي مفاجئ. يقول باورز: "حياتهم متصلة منذ زمن بعيد، جذورها تمتد عميقًا تحت الأرض. تنكشفصلة القرابة بينهم تدريجيًا كتَّابًا". بطريقة أو بأخرى تدور حياتهم كلهم حول معجزة الأشجار.

ما يجعل "ظلّة الغاب" رواية مثيرة للغاية، الطريقة التي تتحدث بها مع نفسها، وتجيب عن شكاويها وتساؤلاتها حول مصير الأرض بين التأكيد والتناقض. وتعمل قصص الشخصيات فيها على تغيير سياق الرواية وسرعتها بشكل مستمر، وتغيير السجلات، واقتحام كل ركن قصي في حياة هؤلاء الأشخاص.

وكما هو الحال في أغلب كتب باورز فإن ظلة الغاب "The Overstory" اشتملت خبيرًا راديكاليًا متمثلًا في باتي التي وظَّف باورز شخصيتها لتعمل على جذبنا وتنويمنا مغناطيسيًا تحت تأثير مجالها. كشفت باتي فيسترفورد، عالمة نباتات شابة، في ستينيات القرن الماضي أن "الأشجار مخلوقات اجتماعية" تتواصل مع بعضها وتتفاعل مع بيئتها بطرق ديناميكية بارعة.

(تعكس أفكار باتي آراء سوزان سيمارد وعالم الغابات بيتر وهليبن الذي اشتهر في كتابه الأكثر مبيعًاً The Hidden Life of Trees).

بتتبع عمل باتي المتغير من النجاح المبدئي مرورًا بالمنفى المهني وانتهاءً بالتورع في نهاية المطاف، تُصبح باتي بمثابة "الخَضِر" لهذه الرواية أو للمؤلف كما يرى البعض.

ومثل اللولب المزدوج  لجين غودال وريتشل كارسون، فإن باتي تمثل ذلك العالِم  النادر والمتقدم حيث تصل أعمالها إلى ما هو أبعد من المختبر وتثير نوعًا من الرهبة الغامضة.

حُفزت بعض الشخصيات التي وقعت تحت تأثير البحوث الملهمة لباتي لتكون أكثر جرأة فيما يتعلق بأشكال النشاط البيئي أو حتى الإرهاب البيئي . فنرى في مشاهد مؤلمة من التضحية الشخصية -أو الاصلاح الذاتي المُميت- مجموعة غير متوقعة من الأشخاص يجتمعون معًا، تربطهم قناعتهم المطلقة بأن تدميرنا الجائر للأشجار بمثابة عملية انتحار جماعي.

الحاجة المُلحة لهذا الاعتقاد هي ما أعطت أهمية لموضوع الرواية المثير للقلق والمتمثل في: التوتر القائم بين التساهل والحزم في مواجهة الأخطار المهددة للوجود.

تكرس إحدى الشخصيات -طبيب نفسي معارض بشدة- حياته للبحث حول العوامل الشخصية التي من الممكن أن تجعل بعض الأشخاص يتساءلون كيف يمكن للجميع أن يكونوا على هذه الدرجة من العمى". ويسأل هؤلاء المحتجين الذين يخيّمون فوق غابة ريدوود المحكوم عليها بالفناء أو المستهلكين الذين يتجاهلون لهب كوكبهم الوحيد "من الأكثر جنونًا؟"

هذا السؤال الذي تدور حوله الرواية بأكملها مع توقعات قاتمة إلى حد ما.

يقول باورز: "كل القصص الجيدة، تقتلك قليلًا. وتحوّلك إلى شخص لم تكنه من قبل". هذا هو المعيار الشاق لأي مؤلف، ولكنه الشعور الذي ستخرج به من غابة هذا الكتاب الرائع.

 

  •   رون تشارلز: يكتب مقالات عن الكتب في صحيفة واشنطن بوست. وقبل انتقاله إلى واشنطن، كان قد عمل محررًا في قسم الكتب لمجلة كريستيان ساينس مونيتور في بوسطن.

  •   ترجمة بلقيس الكثيري.

  • تدقيق لغوي: مؤمن الوزان.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب