المشاركات الشائعة

الاثنين، 5 أغسطس 2019

من أين يستلهم الكتّاب قصصهم؟ – بلقيس الكثيري.



وراء كل كتاب وقصة مكتوبة ثمة إلهام مختلف المصدر. والإلهام هو الحصول على الفكرة التي توقظ الرغبة لديك وتلح عليك بإصرار لتكتب. وهو أشبه بإشارة تأتي كومضة عابرة، يظل أثرها وضّاءً في عقلك. ويمكن أن نصفه بصورة أدق بطرف الخيط الذي ما إن تمسكه حتى تبدأ بحياكة قصة. فعندما يشعر الكاتب بأن يديه مقيدتان، ويبدو أن عقله عاطل عن العمل يأتي الإلهام ليمنحه جناحين فيطير بخياله بعيدًا.

الإلهام يحوّل القارئ الحاذق والمتأمل الفطِن إلى كاتب مبدع. لذا عندما نسمع عن قفلة الكاتب أو ما يسمى بـ "Writer’s Block"  فهي الحالة التي يفقد فيها الكاتب القدرة على إنتاج عمل جديد بسبب غياب الإلهام غالبًا. وإذا تلاشى الإلهام لم يكن للدافع والرغبة قيمة.

وهنا نسأل: كيف يأتي الإلهام؟ ومن أين يستلهم الكتّاب قصصهم؟

يُقال: "الشاعر يستدعي الإلهام بتأمله". إن مجريات الحياة اليومية مليئة بمصادر الإلهام التي تستحق أن نكتب عنها، كما تقول إليزابيث جيلبرت: "كل ما تراه وتلمسه يقودك إلى فكرة ما".  
فالأفكار موجودة في كل مكان؛ في الصحف، وفي الأفلام، وفي الأخبار، وفي الكتب، وفي الحوارات المسموعة، وفي الأشخاص المقربين منك أو البعيدين. في الناس الذين تقابلهم، أو تحبهم، أو تكرههم، وفي الأحلام بل وحتى في الكوابيس. أنت نفسك قد تكون فكرة ومصدر إلهام لغيرك. 

كذلك قد يأتي الإلهام من مصادر غير متوقعة، كالتغيرات الكونية، أو من مسرح جريمة ما، وربما ينشأ عن حالة يأس، أو حالات تأمل. وثمة من يرى أن مجرد التساؤل الافتراضي الذي تبدؤه بـ "ماذا لو؟" كفيل بأن يثير في رأسك ألف فكرة. لذا نقول لا تنتظر الفكرة فالأفكار تنتظرك.

صورة واحدة قد تحفز خيالك لتكتب قصة من مائتي صفحة أو أكثر، كما حدث مع الروائية الأفريقية نوفيوليت بولاوايو، فصورة طفل كان جالسًا على أنقاض منزله الذي دمرته الجرافات -تنفيذًا لعملية الإخلاء القسري بأمر من حكومة زيمبابوي في أفريقيا- ألهمتها لتكتب روايتها (نحتاج إلى أسماء جديدة) التي كانت ضمن القائمة القصيرة لأفضل المرشحين لجائزة المان بوكر عام 2013.

كما استلهم المؤلف خالد حسيني فكرة روايته (عداء الطائرة الورقية) بعد مشاهدته تقريرًا على التلفاز؛ يتحدث عن أثر طالبان على حياة الناس في أفغانستان (موطنه الأول)، ومن ذلك منعهم رياضة الطائرات الورقية التي كان شغوفًا بها منذ طفولته.

واستوحت ملكة الجريمة  وسيدة الرواية البوليسية المؤلفة أجاثا كريستي  شخصية العجوز ماربل من جدتها التي وصفتها بأنها شخص مبتهج ومرح ولكنها كانت تتوقع الأسوأ من أي شخص ومن كل شيء، وكثيرًا ما أثبتت توقعاتها صحتها. 

أما لويزا ماي ألكوت مؤلفة العمل الكلاسيكي الشهير (نساء صغيرات) فقد استلهمت شخصيات الأخوات الأربع من حياتها الشخصية وشقيقاتها الثلاث. 

ويشاع بأن القاتل الفرنسي بيير فرانسوا لاكانير الذي أُعدم في باريس عام 1836 بسبب جريمة قتل بشعة ارتكبها في حق شاب ووالدته ألهم فيودور دوستويفسكي ليكتب  أشهر الروايات العالمية الروسية تحت عنوان (الجريمة والعقاب). وليس من شيء يؤكد إذا ما كان دوستويفسكي قد ابتكر شخصية راسكولنيكوف في الوقت الذي سمع عن لاكانير، ولكن هناك العديد من أوجه الشبه التي لا يمكن إغفالها بين جريمة قتل المرابية أليونا إيفانوفنا وأختها غير الشقيقة ليزافيتا وجريمتي لاكانير قبل ذلك بثلاثين عامًا. 

واستلهم جورج أورويل رائعته (مزرعة الحيوان) التي تعتبر من أعظم الأعمال الأدبية في القرن العشرين بعد مشاهدة صبي يضرب حصانًا بالسوط، وقد علّق قائلًا: "حينها خطرت ببالي فكرة... فقط لو أن هذه الحيوانات تعي مدى قوتها، ما كنا لنملك سلطة عليها، يضطهد البشر الحيوانات بالطريقة نفسها التي يضطهد بها الأغنياء العاملين لديهم".

ويقول جون غرين مؤلف رواية (ما تخبؤه لنا النجوم) أنه ما كان ليكتب هذه الرواية لو لم يقابل الفتاة الأمريكية استير إيرل المصابة بمرض السرطان، والتي تركت أثرًا في الملايين عبر قناتها على اليوتيوب ومدونتها قبل وفاتها وهي في السادسة عشرة.

وقد ألهمت لوحة الرسام الهولندي يوهانس فيرمير المعنونة بـ (الفتاة ذات القرط اللؤلؤي) الكاتبة الأمريكية تريسي شوفالييه لتكتب روايتها التي تحمل الاسم نفسه عام 1999. وظلت تلك اللوحة معلقة في منزلها على مدى ثلاثين عامًا. 

وأخيرًا ينبغي أن ندرك أن الإلهام مع أهميته ليس كل شيء، فما هو إلا جزء من العملية الإبداعية التي تنطوي على مراحل عدة، وكما يقول نيل جايمان: "الصعوبة ليست في العثور على الفكرة، بل في الجلوس ومحاولة رصف الكلمات، كلمة تلو أخرى لتشييد ما تود بناءه".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب