المشاركات الشائعة

الخميس، 22 نوفمبر 2018

الحرب والسلم لتولستوي - مؤمن الوزان.


تعد رواية الحرب والسلم لتولستوي واحدة من روائع الأدب الروسي ومن أبرز أعماله إن لم تكن تحفته الأدبية الخالدة، ولا عجب في تسميتهاإلياذة العصر الحديث، في هذا المقال سأعمل على ذكر نقاط مهمة عن هذا العمل المترجم والمنشور في أربعة مجلدات.



الرواية


تنقسم رواية الحرب والسلم إلى نصفين:


النصف الأولتدور أحداثها حول غزو نابليون لأوروبا ومعاركه فيها وبصورة خاصة يتحدث تولستوي عن معركة أوسترليتز، وهي المعركةالتي خاضتها الإمبراطورية الروسية متحالفة مع إمبراطورية النمسا ضد نابليون والجيش الفرنسي وتنتهي بانتصار نابليون على خصومهتؤرخ هذه الرواية في نصفها الأول، بداية العقد الأول من القرن التاسع عشر، ما بين حياة المجتمع الراقي الروسي وحياة الحرب والعسكر،فتدور رحى الصفحات ما بين الوسطين متناقلة مرة هنا ومرة هناك، مصورة الجانبين بكل دقة، وشمولية حتى لا يكاد تغيب عن تولستويشاردة أو واردة فيذكرها، وتبرز قيمة تولستوي الأدبية في عرضه وتمكنه من المادة المروية، فهو يتحدث بلسان القارئ للتاريخ والناقد له،بلسان الأمير والجندي والضابط، المرأة والفتاة، فتتنوع الشخصيات وتتنوع الموضوعات، فيشعر القارئ بسيطرته المتناهية على شخصياتهوحواراتهم، وسرده لكل الأحداث سرد الحكي غير المتجانس، مما أعطاه حرية أكبر في التنقل والعرض


النصف الثانيوهو مرحلة ما بعد حرب أوسترليتز والحال التي آل إليها المجتمع الروسي الراقي وشخصياته بعد الحرب، ثم غزو نابليونلروسيا واحتلال موسكو بعد أن صُدَّ في معركة بورودينو، هذه المرحلة الحرجة جدا في تاريخ روسيا الحديث والتي تُسمى الحرب الوطنيةالأولى، في عام ١٨١٢م، شهدت هجرة القرى القريبة من موسكو التي احتلها نابليون وجيشه، وكان قد هجرها أهلها أيضاتصور الروايةكيف كانت الحياة بعد الهجران وكيف تعامل الناس مع هذا الأمر، ثم حركة المقاومة، والتي انتهت بانسحاب نابليون وجيشه وتكبدهم خسائرفادحةلا يمكن القول إن النصف الثاني مشابه للأول إلا في تشابه خط التسلسلي للرواية هيكليا، ما بين حياة السلم والحرب، لكن المحتوىبكل مواضيعه وأحداثه الداخلية كان قائما بكيانه الخاص، وبشخصياته وحياتهم، مُنتجا لنا رواية ليست ككل رواية، بل حدثًا فارقا ليس فيأساليبه الروائية الفنية، وميزتها أنها كتاب تأريخ ورواية في ذات الوقت، ليخرج القارئ بعدها برواية ومعرفة تاريخية وفلسفة تولستويةشهدتها الخاتمة وتشبعت بها الصفحات والأسطر في قراءة التاريخ قراءة مستفيضة واستدراكية.



رواية لن تتكرر:

بعيدا عن حجم الرواية الكبير، فهي ليست رواية فقط، فيركز تولستوي كثيرا على محاولة فهم التاريخ وقراءته بصورة تجعله قادرا على نقدالتاريخ وعرض تناقضات المؤرخين فهو يروي الحدث ويؤرخه ويفككه إلى قطع صغيرة مستعينا بكلام المؤرخين من كلا الجانبين، ويضيفبعدها نظرته وفلسفته في فهم التاريخوفي ختام الرواية يُخصص تولستوي اثنتي عشرة مقالة، في السلطة والحرية والقانون والضرورة،طارحا ومجيبا عن أسئلة متعددة منها ما السلطة؟ ما التاريخ؟ الحرية الإنسانية والضرورة؟ وبإمكاني القول إنها نهاية فلسفية يقوم منخلالها تولستوي على طرح كل ما أراده وشغل باله أثناء كتابة الرواية دون العمل على إدراج هذه المقالات إلى جسد روايته، لأنه أراد أن يخلعثوب الروائي ويلبس ثوب الفيلسوف، فيلسوف التاريخ والسياسة



تولستوي:


تكمن عبقرية تولستوي في هذه الرواية بقدرته العجيبة على بناء شخصياته داخل الجسد الروائي، وإدراجهم في الأحداث، بصورة متناغمةومتناسقة، في أغلب الأعمال الروائية يعمل الروائي على بناء شخصياته كلًا على حدة وتكون أعداد هذه الشخصيات قليلة، لكن مع تولستويالأمر مختلف تماما، فسير الرواية بخطي السلم داخل أقبية المجتمع الروسي، والخط الحربي المتمثل بمواجهة الروس والأوروبيين ضد جيوشنابليون؛ وفي هاتين البيئتين هناك العشرات من الشخصيات، والتي قد يظن القارئ أن هناك عدة رواة متكفل كل منهم بجزء معين، لكنعبقرية تولستوي وقدرته كانت كافية لأداء المهمة على أتم وجه وبسهولة كبيرة دون أن تدري كيفإقحام أي شخصية في الحدث تأتي بصورةمباشرة، ويكون النداء لحضورها هو كتابة اسمها فقطكثرة الشخصيات لم تكن صعبة على إدراك القارئ ليفهم كل شخصية على حدة بكلصفاتها التي يعرضها تولستوي، فتتنوع الشخصيات ما بين الخيّرة والشريرة، ولا يقتصر عمل تولستوي على بناء شخصيات خيالية كذلك بلكذلك في تكوين وإدراج شخصيات حقيقية، حتى تكون جزءا من أبطاله، فهو يستعين بها ليدعم الخط التأريخي الذي انتهجه في تأريخالحقبة التي تدور فيها الأحداث، إن قراءة شخصية حقيقية وإدراجها داخل العمل الروائي تحتاج إلى دراسة متعمقة ودقيقة وقراءة لحياةهذه الشخصيات حتى يقف على جميع صفاتها ومميزاتها وليصنع نسخة تكون إنموذجا فعليا وصادقا في روايته وهنا يبرز دوره قارئاللتاريخ ومؤرخا له.

تولستوي ومهمة التأريخ في الحرب والسلم:


بما أن الحرب والسلم لم تكن مجرد رواية تاريخية، بل وتؤرخ مرحلة زمنية قُرابة عقد من الزمن (١٨٠٤-١٨١٢)، فكانت مهمة تولستويالتأريخية لا تقل أهمية من بناء رواية تامة التفاصيل ومتشعبة الأركان والزوايا، فحس المؤرخ لديه، ومعايشته لمدة زمنية لا تبعد كثيرا عن زمنروايته، أعطته الإمكانية والرؤيا التي سمحت له بصياغة التاريخ الروسي في العقد الأول من القرن التاسع عشر، بأسلوب يتناسب مع العملالروائي وبذات الوقت لا يخرج من منظور الأدب إلى كتاب تاريخ مليء بالتفاصيل والتشعبات، فلم تكن الحرب والسلم مجرد رواية نسجها منبُنيّات أفكاره فقط، بل كذلك أمدّها بواقع تنهل منه كل موارده، فأضحت كعبة القُرّاء والباحثين ولعمري إن هذه وظيفة من وظائف الأدب أنيكون سجلا لحفظ وقائع الأمم وتاريخها، ومترفةً بالإنسانية، ومثقلةً بالحقيقة، نظرا لنوع هذا العمل التاريخي.

لا ينقل تولستوي التاريخ بقلم المؤرخ، بل كذلك ينقله برؤية السائل والمجيب، فحين يكتب عن معركة بورودينو فهو لا ينقلها كما سمعها أو قرأهاأو عرفها، بل كذلك يُضيف لها طابع السؤال لمَ حدث هذا؟ ولمَ لم يحدث ذاك؟ وهل كان من الأفضل قطع الطريق على الجيش الفرنسيالمتقهقر أو تركه ليفنى لوحده، وغيرها الكثير من الأسئلة التي يحاول فيها أن يسبر غور القادة، ويفهم كنه قراراتهم وأسبابها، فيُشبع القارئبخاصية التساؤل وقراءة الحدث وتفكيك رموزه دون الأخذ به أخذا بلا بصيرة ولا دراية


تولستوي الناقد التاريخي:


ورأي تولستوي في التاريخ ومجرياته فهو ينقسم إلى اثنين رئيسين الأول إن أحداث التاريخ المهمة والتي منها غزو نابليون لموسكو لم يكنلعبقرية وهدوء نابليون الاستثنائيين بل كان نتيجة لقوانين الأحداث التي فرضت نفسها على تسيير الواقع.

والآخر فهو إن في الحروب خصوصا والتاريخ عموما لا يوجد بطل يُعزى إليه الفضل بكل ما يتحقق من نجاحات سواء على مستوى القرار أوالحكم، بل ينتج الأبطال انعكاسا لحركة الجماهير وانجرافهم لأمر ما، فنابليون لم يكن ليرغب بالقدوم إلى موسكو ما لم يكن هنا موافقة شاملةلصفوف جنوده وقادته، وبالتالي فهو جزء لا يتجزأ من عجلة كبيرة من الأسباب والنتائجوهنا يظهر يبرز شخص تولستوي الناقد التاريخي


تولستوي ينقد التاريخ ويحلل ويفند ما كتبه المؤرخون وخاصة الفرنسيون الذين عملوا على تجميد وتعظيم كل ما يقوم به نابليون، وتصل بهالدرجة إلى تسفيه كلامهم والسخرية من شخصية نابليون وتجريده من كل الصفات الأسطورية التي أُحيط ووصف بها، لتبرز لنا شخصيةتولستوي فذّة في قراءة التاريخ وفهم مجرياته ومعادية لنابليون كذلك، ليطرحها في عمله الروائي جزءًا لا يتجزأ من جسد روايته



شخصيات من الرواية:


بيير والتغيير


بيزوخوف بيير، شخصية ذات رمزية أعمق مما تبدو عليه فهو تُصوّر الإنسان بتقلبات حياته   سواء المادية أو الاجتماعية أو الفكرية، من ابنغير شرعي إلى أن يكون الوريث الشرعي للملايين ويكون كونتا في المجتمع الراقي الروسيالتغيرات التي طرأت عليه جعلت منه إنسانا آخركل يوم يجد نفسه في بحث عن الحقيقة التي لم يعرف كيف يصل لها، هل الحياة في الحرية؟ هل الحياة في الحب؟ كل شيء يدور حولهويحصل له يجعله يُفكر أين أنا وما الذي يجب أن أفعلهفبعد أن انضمَّ للفرق التطوعية لمقاومة جيش نابليون الذي غزا روسيا، تصطدم أفكارهما بين حياة السلم والمجتمع الراقي بكل تقاليده وعاداته، والراحة والدّعة التي يعيش بها أصحابه، وبين حياة الحرب والجنود الذين أرواحهمعلى كف عفريت لا يعرفون ماذا يكون مصيرهم، وهل سيعيشون إلى الغد؟ مع الوضع العسير في حياة الجندية وقلة الموارد وسوء الطعاموالظروف، تبرز في ذهنه فلسفة الحياة والموت، الفقر والغنى، التعب والراحة، من أنا وكيف يجب أن أعيش؟  وما المكان الملائم لي وأينأنتمي؟  هذه الأسئلة التي دارت في ذهنه، عمل تولستوي على صياغتها لتكون فلسفة واضحة للقارئ، غاص بها في مكنونات الفكر والنظرةللحياة التي يعيشها المرءوالنقلة الأخرى التي عايشها بيير كانت بعد وقوعه أسيرا، ليكون لسان حاله ما معنى الحرية؟ الحرية أن أعيشخارج السجن أم الحرية أن أفعل ما أريد؟ وما مفهوم الحرية للعبيد، الذين يفضلون الحياة في خدمة أسيادهم على أن يخرجوا من خدمتهملأنهم وقتها لن يعرفوا ماذا يفعلون أو ما هم صالحون لأجله، الحقيقة خلف معنى الحرية هي الغاية التي يركض خلفها والتي لن يبلغها، وهذهفلسفة تولستوي لن نبلغ الغاية في كشف كنه الحقيقة، فهي تبقى بعيدة المنال عن مساعينا في الوصول إليها، وتبقى مرآة يرى كل شخصما يريد أن يراه فيها

الحب وناتاشا، الشابة التي أسرت قلبه، الحب الذي نبت في صدره واستعمّره، كيف بإمكانه أن يصل إليها، ويكون زوجها، وما الذي سيغيرهالحب من حياته وكيف سيغير؟  فلسفة الحب التي أرّقت بيير، هذه الشخصية التي ترمز للإنسان بكل جوانبه وحالاته بعمقه وسذاجته بطبيتهوقسوته، بحبه وكرهه، بيير الغني، بيير الماسوني، بيير الزوج، بيير العاشق، بيير العسكري، بيير المدني، بيير الحر، بيير الأسير، بيير منأجمل وأبدع الشخصيات التي جاد بها تولستوي



أندريه وحياة التراجيديا


الأمير أندريه، الشخصية التراجيدية، فمآساته رواية داخل رواية الحرب والسلم، الأمير الذي رافقه الحزن، وصاحبته الأحزان والنكسات، مابين موت من يحب أو خيانته  أو أسر من عدو وجرح في حرب، الظروف التي عاش فيها أندريه تتلخص في عدة نقاط، فحين رُفع نداء القتالوالتلبية لواجب الوطن والإمبراطور آثر حياة الحرب على حياة السلم، وترك الأهل والزوجة والوطن ليلحق بصفوف القتال، ليُبرز فيه تولستوي،شخصية الروسي الذي يفدي نفسه وأهله لأجل وطنه فعلاقة أندريه بوطنه وأرضه ليس علاقته وحده بل علاقة الروسي الذي أراد تولستوي أنيُظهرها ويتفاخر بها هذا هو الروسي الذي يترك حضن الزوجة ليحتضن سلاحه ويدافع من أجل إمبراطورهأندريه المعجب بنابليون والطامحلأن يكون شخصية لها وزنها وتأثيرها في الجيش، الأمير الذي يريد أن يكون نابليونا جديدًا، نابليونًا روسيًا بقيم المجتمع الروسي الراقي،بإنسانية تُشرق بها الأرض وتعتنق السلام بعيدا عن الدماء والموتيسقط في الأسر، تتحطم الأحلام لكن لا تتحطم الإرادة لمعاودة الجريخلف الهدف، ليصطدم بوفاة زوجته ليز، تاركةً خلفها ابنا، فيسعى أندريه لتقبل الحياة من بعدها بمعزل عن عالم النساء الذي أخذته ليزمعها، ليقتحمه من جديد مع ناتاشا، وليتحطم قلبه بعدها جرّاء خيانة في ساعة ضعف منهاأندريه بكل مصائبه ونكساته لم يجد بُدا من أنيبقى قويا ومتماسكا، وإن لم يكن في الواقع كذلك فهو محطم النفس، لتنتهي حكايته في آخر الأمر متأثرا بجراحه، مع سكينة الحب التيعرفت كيف تصل إليه في آخر المطاف، التصالح مع الذات حين يقف على باب الخروج من هذا العالم إلى عالم الأموات، أندريه الذي عرفكيف يقرأ ذاته كيف يُعالج جراحه، ويواسي نكساته، وينهض بعد خيباته وعثراته، أندريه الأمير



وقفة


ما أرى أن تولستوي قد قصّر فيه، ولا أدري لماذا، ألا وهو أن الرواية في حياة السلم فهي تُدور في أروقة الطبقة الراقية والاستقراطية، مُعطيالها الدور الأساسي والثانوي، حتى في الوقت الذي هجر الموسكوفيون موسكو، كانت الأحداث تتكلم عن شخصيات الرواية والتي هي طبقةالأمراء والكونتات، المجتمع الراقي، متجاهلا كل الطبقات الأخرى العاملة والفقيرة خاصة، حتى حين يذكرها فهو يمرُّ سريعا، وإذا ذكر طبقةالعبيد، فهو يُظهرها بصورة دونية عن البقية سواء من خلال تصوير الحدث أو رأي أبطاله فيهم، وبإمكاني القول إنها حرب الأمراء وسلمالأغنياء، وكوني قارئًا لهكذا عمل يؤرخ عقدا من الزمن تقريبا حربا وسلما، يجب أن أقف على كل المستويات الاجتماعية لتلك المرحلة، فكماالحرب يشارك فيها الجندي والجنرال، والسلم هو البيئة التي تعيش فيها الطبقة الاستقراطية والبروليتاريةوالسؤال الذي يُطرح لماذا دارتهكذا رواية على طبقة وتجاهلت الأخرى؟ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب