المشاركات الشائعة

الثلاثاء، 26 فبراير 2019

ليون الإفريقي - أمين معلوف.






ليون الإفريقي، أو كما أحب أن أناديه بيني وبين نفسي دائما (الحسن الوزان)، المعضلة والأحجية والشخصية الجدلية التي أراقت مداد الكثير من الدارسين وأثارت مشاعر متناقضة من الحب والإعجاب والاحتقار والاتهام بالعمالة والخيانة، من العيب أن تكون شخصية عربية على درجة مهمة من الثقافة المزدوجة وعاشت في فترة حرجة وتظل في أقبية التاريخ العربي والإسلامي حتى يـأتي مستشرق فرنسي هو لويس ماسينيون ليبعثه من جديد بعد دراسته لكتاب ليون وصف إفريقيا، والذي نجد له ذكر في رواية معلوف دون التركيز عليه أو تقديم أي شروح جانبية وهذا أجده من جانبي تقصير كبير، قدم ماسينيون ليون الأفريقي للعرب والعالم من خلال كتابه لوحة جغرافية لليون الإفريقي سنة 1906 وهي دراسة تكاد تكون مفقودة وعمدت المكتبة الوطنية المغربية إلى إعادة نشرها سنة 2006.
يأتي أمين معلوف من جديد لإحياء ذكراه في رواية بشكل انطباعي لحد ما ورومانسي بالتركيز على حياته الشخصية وحياته الخاصة انطلاقا من الأزمنة والأمكنة التي زارها وعايشها، يقول أمين معلوف حين سئل عن سبب اختياره لليون الإفريقي ” اخترته لأنه شخصية منسية إلى حد ما... وأنا أعتبر أنه ينتمي إلى التاريخ الذي أنا أنتمي إليه؛ ولذا فإني أشعر بأن هناك صلة روحية بيني وبينه. من الضروري أن تقع إضاءة حياة رموز في حضارتنا عرفت بالانفتاح واشتهرت بالمغامرة والتوثب؛ والطموح إلى كشف المجهول والغامض؛ وكانت جسورا بين حضارات مختلفة مثلما كان ليون الإفريقي. "فمن هو ليون يوحنا الأسدي أو الإفريقي أو الرومي، من هو الحسن الوزان، الأسماء بداية قد تجعلك تربطه بأمة معينة دون غيرها وسيجيبك معلوف في أول الرواية مانعا إياك من التخمين الذي قد يحول دون الوصول لهدف معلوف وهو التركيز على مسألة  حوار الحضارات وتقارب الديانات والثقافات ولعل الحسن الوزان ليس سوى صورة اعتمدها معلوف ذاته وتبنى تفكيره فنجده في الصفحة الأولى بعد الإهداء يأتي بعبارة لشاعر إيرلندي و.ب.ييتس "لا ترْتَب مع ذلك بأن ليون الإفريقي، ليون الرحالة، كان أيضا أنا". معلوف في أول الرواية يجبرك أن لا تقيد الحسن الوزان في اسم وأمة فيقول "لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة ، ولا عن أي قبيلة، فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعا.". أعترفُ بأن هذه الجملة أغاظتني جدا ولمت معلوف عنها وتساءلت عن سبب تبرؤ الحسن الوزان من أصله الأندلسي أولا والإسلامي ثانيا وما الضير من أن يكون متسامحا كما أراده معلوف وأن يحتفظ بهوته هذا أمر ما زال يثير زوبعة في عقلي، معلوف أراد لشخصيته أن تسبح حرة دون قيود جغرافية أو دينية أو قومية تبتعد بالتالي عن التوصيف الإيديولوجي، معلوف أراد من الحسن الوزان أن يكون صورة تجسد العالمية المعاصرة لكن أجد من الواجب أن نقدم ترجمة للحسن الوزان تنفي أي التباس عن أصله ولا أرى أن هذا يتعارض مع عالميته بل يثير مسألة الأنا والآخر بشكل إيجابي ومثمر.
هو الحسن بن محمد الوزان الرحالة المغربي المشهور باسم ليون الإفريقي. ولد بمدينة غرناطة وانتقلت أسرته وهو صغيرا إلى مدينة فاس حيث شب والتحق للدراسة بجامع القرويين. ثم عمل بعد ذلك لذا السلطان محمد الوطاسي المعروف بالبرتغالي. الذي قربه وكلفه بعدة مهام سفارية، مما جعله يكتسب معرفة كبيرة ببلاد المغرب وإفريقيا وبعض البلدان الشرقية والأوربية. وهو ما شجعه على كتابة مؤلفه وصف إفريقيا.
وأثناء عودته من تونس سنة 1519 من إحدى رحلاته وقع أسيرا في يد قراصنة صقليين قدموه للبابا جون ليون العاشر بمدينة نابولي الإيطالية. هناك تم تنصيره وتسميته بليون الإفريقي أو يوحنا الأسد الغرناطي. وكلف بتدريس اللغة العربية لرجال الكنيسة، كما تعلم اللغة اللاتينية وألف بها عدة كتب منها معجم عربي عبري لاتيني وكتاب في التراجم و"وصف إفريقيا" وهو القسم الثالث لكتاب الجغرافيا العامة الذي ضاع الجزءان الأول والثاني منه.
تشير المصادر إلى أن ليون الإفريقي اختفى من روما في ظروف غامضة حوالي 1550 ورحل إلى تونس ليعود إلى إسلامه. ومن تم انقطعت أخباره فلا يعرف أعاد إلى بلاده أم بقي في تونس. ويرجح أنه توفي في نفس السنة.
هذه هي الترجمة التي نجدها في أغلب المصادر التي تتحدث عن الحسن الوزان والتي كون منها بالطبع معلوف مادته العلمية.
الرواية
جاءت الرواية بصيغة المتكلم، والمتكلم هنا هو الحسن الوزان ذاته حيث يقوم بكتابة مذكراته لابنه يوسف وهو في طريق عودته إلى تونس المستقر الأخير لرحلته الطويلة التي دامت أربعين عاما، الرواية تاريخية بامتياز في قالب سيرة حياة تصف المكان والزمان بما يرافقهما من عادات وتقاليد وثقافات لكل فئة ولكل وطن وكل أٌمة وكل قومية أجاد ليون في تقرير كل هذا بموضوعية دفعت الكثير من الباحثين إلى انتقاد كتابه الأول "وصف إفريقيا" ومن بعده كتاب معلوف ليون الإفريقي، للأسف فنحن شعب نقبل بسلخ الذات ولكن لا نقبل بمواجهة أنفسنا أمام المرايا لتجنب السلخ، نحن شعب نحتاج للمآسي ولا نتجاوزها بقليل من الموضوعية بل نكتفي بالبكاء على الاطلال، عمد معلوف (أو ليون باعتباره كاتب المذكرات) إلى تقسيم روايته إلى أربعة كتب تختصر رحلته الكبرى من غرناطة وفتنتها وبراءتها إلى فاس وعذاباتها إلى القاهرة ومآسيها ثم أخيرا روما وحكمتها، زرنا كل تلك المدن وغيرها من الأمكنة بعين ليون و تعرفنا على شخصيات التقى بها  وعلى أدق تفاصيلها فليون كان يهتم بالشخص اهتمامه بالمكان والحوادث فنجده يفرد أعواما (فصول) لشخص معين كعام سلمى الحرة وعام الجركسية وعام سليمان وعام أدريان وغيرهم وهو في هذا كان منصفا وتجنب أن يطغى قلبه ودينه على قلمه، فهل كان ليون خائنا لأمته ودينه كما يعتبره العديد من الدارسين أم فقط رحالة ومؤرخ اضطرته الظروف أن يتنصر، المثير أن الكثير من الدارسين المسلمين يعتبرونه شبيها للورنس العرب باعتبار أنه كتب كتابه وصف إفريقيا بناء على طلب الفاتيكان وأن الغرب اعتمد على هذا الكتاب بشكل كبير أثناء الحملات الإمبريالية التي استهدفت القارة السمراء وأجد الأمر غريبا أن نتهم ليون ولم تصلنا النسخة العربية من كتابه بل الترجمة الايطالية منه ولا يخفى ما قد يلحق هذه الترجمة من حشو وتغيير، عموما الأمر يحتاج إلى تحقيق ودراسة أكبر فلندع أمرها للباحثين و نعود لرحلة الغرناطي عبر المدن الأربع.

كتاب غرناطة :

يبدأ الراوي حكايته بسرد مجموعة أحداث ماضية عن تاريخ ولادته، فيحكي قصة والدته سلمى الحرة والغريب في هذه الرواية أن ليون السارد أو معلوف الكاتب فضل ذكر أسماء الأبوين وتخلى عن لفظتي الأم والأب، وربما هي وسيلة لجعل الكتاب أكثر موضوعية واقناعا، عام سلمى الحرة قربنا من غرناطة الجنة المزدهرة وبالخطر المحدق بها من جراء تنافس الملوك واقتتال الابناء والآباء ومع كل عام نتعرف على شخصيات جديدة وأحداث اكثر فنقرأ عن صراع الفقهاء (شخصية أستغفر الله المثيرة) والعلماء (الطبيب أبو عمر)، كتاب يشرح بشكل مختصر سبب سقوط غرناطة والذي يرجع حسب ليون للتناوش بين آخر ملوك الأندلس ابو عبد الله وأمه من جهة وأبيه وزوجته ثريا من جهة ثانية صراع عائلي انتهى بمأساة طالت أمة بكاملها وهي حكاية توسع فيها أنطونيو غالا في روايته المخطوط القرمزي ونجدها ايضا في ثلاثية غرناطة وغيرها من الروايات، في هذا الكتاب لا نجد شخصية ليون حاضرة بقوة لصغر سنه لهذا اعتمد على ما حدَثه به أبوه وخاله فجاء الكتاب فقيرا من ناحية وجهة النظر الشخصية لليون، ينتهي الكتاب بالنزوح القسري للعائلات المسلمة واليهودية إلى المغرب هربا من محاكم التفتيش وإن كان الوزان نزح لسبب آخر وهو الهروب بزوجته الثانية الرومية وردة فتبدأ الفترة المؤسسة لشخصية ليون بفاس.

كتاب فاس:

نجد في هذا الكتاب حضور لشخصية ليون وبداية تكوينه الاجتماعي والثقافي والديني. فيصور ليون صراعه النفسي مع أبيه بعد رؤيته في حانة وبعد قبوله لتزويج أخته مريم لشخص سيئ، وهذا الكتاب تتطور علاقاته بأمه وزوجة والده وبأخته مريم كما ينشئ صداقات سترتبط بكل حياته، في هذا الكتاب يقوم ليون بأولى رحلاته وأولى سفاراته وسيتولى خاله تعليمه المبادئ الأولى للسفارة فيزور تامبوكتو وفي الرحلة نتعرف على شعوب يتميز بعضها بالغنى الفاحش والبعض الآخر يقاوم رعب الصحراء والفقر، حياة ليون في فاس تسطر آخر العهد الوطاسي وبداية صعود السعديين بالمغرب الذي سيؤسسه فعليا أحد أصدقاء طفولته،  ونجد ضمن فصوله قراءة للحياة الاجتماعية للفاسيين بمختلف مشاربهم ودياناتهم فيفرد أعوام كعام الحمام وعام العارفين وعام العرس وأحببت عام الأسدين فعجيب أن أقرأ أنه في فترة كانت هناك أسود بقرب فاس وهو ما يعرف بأسد الأطلس المنقرض حاليا، تتوالى الأحداث في هذا الكتاب دافعة ليون للمنفى الإجباري من جديد فيرحل باحثا عن مغامرات جديدة.


كتاب القاهرة:

يدخل الحسن الوزان أو ليون القاهرة وهي متشحة بثوب الطاعون الذي حصد الآلاف وتمنحه الصدفة (التي كثيرا ما كانت بجانبه وهو أمر لم أستسغه كثيرا على طول رحلته) فرصة الحصول على ملك يلجأ اليه فيبدأ رحلته الكبرى الثالثة في القاهرة ويصدم لأول مرة بعشق يهز كيانه وأحلامه حين يلتقي بالجركسية نور وأم لابن باحث عن الخلافة قد تهز خلافة العثمانيين والتي يعتبرها الوزان أملا في عودته إلى غرناطة لكنه يؤجل حلمه ويختار حماية بايزيد وأمه حماية دفعته إلى الرحيل مجددا بعد سقوط القاهرة بأيدي سليم الأول، فيعود لفاس ليجد والده وقد توفي وأخبار مثيرة عن هارون ومريم فيتتبع أثره الى الجزائر.

كتاب روما:

في هذا الكتاب تتغير حياة ليون جذريا فيذوق محنة الأسر بعد اختطافه من طرف قراصنة يشتغلون لحساب البابا ليون العاشر هذا الأخير الذي تبنى ليون وعمده باسمه الذي اشتهر به في التاريخ  هذا التبني منحه الفرصة لتعلم ثقافة جديدة ولغات أكثر والتقرب من الديانة المسيحية تلك التي أجبرته سابقا على الرحيل من غرناطة لكننا لا نجد هذه المقاربة في الرواية و كأن ليون قد تناسى هذا الأمر و غرق في حياته الجديدة بل أحب من جديد وأنجب الولد من امرأة يهودية، لم أحب هذا الكتاب كثيرا لما فيه من مسح للشخصية العربية المسلمة* لكنه من جانب آخر عرّفنا بالمشاكل التي عرفتها الكنيسة المسيحية في تلك الفترة بين المد الجرماني واللوثري والأطماع التركية في أوروبا وهذا أمر حرك مشاعر ليون من جديد لتحقيق حلمه القديم وهو خلافة مسلمة توحد المسلمين لكن يجد نفسه مرتبط بالأرض التي عٌمد فيها ولن يفكر في الخروج منها إلا بعد سقوط روما في يد الجرمان.
وتنتهي الرواية بعودة ليون الإفريقي لتونس التي سيستقر فيها بعد رحلة طويلة  مزقها السقوط المثير لكل عاصمة يدخلها ليون وهو أمر جعله يتساءل عن دوره في هذا السقوط بعد رفاهية ونعيم ويتسائل أيضا عن الهوية الحقيقية وضياعها في مسميات الآخر كل هذا لخصه لولده في شبه وصية أخيرة في آخر صفحة من الكتاب وكأنه يورث ولده هم الحصول على أجوبة كل ما يحيره.

إيمان العزوزي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

افتتاح موقع قرطاس الأدب

  افتتحنا موقع قرطاس الأدب ويمكنكم قراءة آخر مقالاتنا المنشورة عبر موقع قرطاس الأدب